«إيتون كوليدج»... مدرسة الزعماء والأرستقراطيين في بريطانيا بين التقاليد والحداثة

من بين خريجيها أمير ويلز وشقيقه الأمير هاري

طلاب من كلية «إيتون»، التي لطالما كانت رمزاً للتقاليد البريطانية والاستمرارية، في أحد شوارع بلدة إيتون، بالقرب من المدرسة (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)
طلاب من كلية «إيتون»، التي لطالما كانت رمزاً للتقاليد البريطانية والاستمرارية، في أحد شوارع بلدة إيتون، بالقرب من المدرسة (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)
TT

«إيتون كوليدج»... مدرسة الزعماء والأرستقراطيين في بريطانيا بين التقاليد والحداثة

طلاب من كلية «إيتون»، التي لطالما كانت رمزاً للتقاليد البريطانية والاستمرارية، في أحد شوارع بلدة إيتون، بالقرب من المدرسة (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)
طلاب من كلية «إيتون»، التي لطالما كانت رمزاً للتقاليد البريطانية والاستمرارية، في أحد شوارع بلدة إيتون، بالقرب من المدرسة (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

داخل «إيتون كوليدج»، مدرسة داخلية في الريف البريطاني قامت بتعليم أمراء و20 رئيس وزراء، يرتدي التلاميذ المعاطف وربطات العنق البيضاء في الفصول الدراسية، لكن البعض يرتدي صدريات تخفي تحتها رمز «شهر تاريخ السود».

ولا يزال التلاميذ ينامون في عنابر مغطاة باللبلاب يعود تاريخ بعضها إلى القرن الثامن عشر. ورغم أنها مدرسة للبنين، هناك أيضاً مجتمع نسوي واحتفال باليوم العالمي للمرأة.

أراضي مدرسة «إيتون كوليدج» (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

تأسست «إيتون كوليدج» عام 1440 لتغطي الفصول الدراسية من السابع حتى الثاني عشر، ولطالما شكلت رمزاً لعراقة واستمرارية التقاليد البريطانية، خصوصاً بالنظر على وقوع حرم المدرسة في ظلال قلعة وندسور، بجانب تقاليدها الفريدة ورسومها الدراسية الباهظة.

ومع ذلك، فإنه في بريطانيا الأكثر تنوعاً من حيث العرق، والأكثر انفتاحاً على قضايا الهوية الجنسية وغياب المساواة الاقتصادية والرفض المتزايد للإرث الأرستقراطي للإمبراطورية التي هيمن عليها البيض، فإن «إيتون» هي الأخرى تتغير. وقد رحب الكثير من طلابها وخريجيها بالتغيير، فيما لم يرحب البعض الآخر.

يرتدي طلاب «إيتون كوليدج» المعاطف وربطات العنق البيضاء (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

ويرى آخرون أن «إيتون» في حاجة إلى إصلاح أعمق لتحافظ على مكانتها داخل بريطانيا اليوم.

على هذا الصعيد، يسير سيمون هندرسون - الذي عُين منذ ثماني سنوات مديراً للمدرسة في سن التاسعة والثلاثين، ليصبح أصغر مدير للمدرسة في تاريخها - على حبل مشدود.

حرص هندرسون، خريج جامعة أكسفورد الذي تولى تدريس مادة التاريخ في «إيتون كوليدج»، بتوسيع نطاق إمكانية الحصول على منح دراسية بالمدرسة ـ وتبلغ الرسوم الدراسية حوالي 45.000 جنيه إسترليني، أو 57.000 دولار، سنوياً. الشهر الماضي فقط، أعلن هندرسون عن توسيع مبادرته السابقة للشراكة مع المدارس الحكومية في المناطق الفقيرة شمال البلاد.

كما شجع هندرسون المناقشات حول قضايا الذكورة، والتمييز على أساس الجنس، واحتفل بمناسبات «شهر تاريخ السود»، وعين «مديراً لشؤون التثقيف بمجال الاندماج» لمعالجة القضايا المتعلقة بالعرق، وأقال أستاذاً رفض إزالة مقطع فيديو نشره على موقع «يوتيوب» جادل فيه بأن النظام الأبوي ناتج جزئياً عن اختيارات النساء، لأنه يعود عليهم بالفائدة.

إجراءات كهذه جلبت لهندرسون لقب «هندي العصري»، وجلبت له كذلك النقد باعتباره ناشط «ووك» ضد التمييز، فيما أثار قرار إقالته للمدرس جدلاً حول حرية التعبير داخل الحرم المدرسي.

داخل مدرسة «إيتون كوليدج» العراقة والتقاليد تسيطر (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

أما هندرسون، فينظر لنفسه باعتباره نصيراً حذراً للحداثة، يحاول دعم تراث «إيتون» وفي الوقت ذاته تعزيز التغيير.

وفي مقابله أجريت معه بمكتبه قريباً، قال هندرسون، بينما كان يرتدي ربطة العنق البيضاء المميزة للمدرسة ومعطفاً بأكمام وأزرار تحمل شعار النبالة، إن «(إيتون) ليست في مأمن من المجتمع الأوسع الذي نعيش فيه. هناك لحظات في مسار المؤسسة تحتاج فيها إلى المضي قدماً بشكل أكثر حزماً. وهذه واحدة من هذه اللحظات».

ورفض هندرسون الاتهام بأنه يسعي لتفكيك تقاليد المدرسة باعتبارها «خرافة»، لكنه اعترف بأنه: «أعلم أن بعض الناس قد يشعرون أن وتيرة التغيير كانت سريعة».

جدير بالذكر أن الملك هنري السادس أسس «إيتون» باعتبارها مدرسة لأطفال الفقراء، لكن بمرور الوقت أصبحت معقلاً لأبناء الأغنياء وذوي السطوة في بريطانيا.

من بين خريجي «إيتون» أمير ويلز وشقيقه الأمير هاري، والروائي جورج أورويل، وكذلك خبير الاقتصاد والفيلسوف جون ماينارد كينز، والشاعر بيرسي بيش شيلي، والمغامر بير غريلز. كما تخرج رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون في «إيتون» أيضاً، وفي سن السادسة عشرة كتب في مجلة المدرسة يقول إنه يجب على جميع الآباء إرسال أبنائهم إلى «إيتون»، لأنها تضفي عليهم «أهم شيء، وهو الشعور بأهميتهم الخاصة».

فصول الدراسة في «إيتون كوليدج» عاصرت شخصيات تاريخية منذ مئات السنين (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

وواجه القادة السياسيون من خريجي «إيتون كوليدج» وجامعة أكسفورد، الذين دخلوا البرلمان لاحقاً، اتهامات بالغرور واللامبالاة التي تعلموها من سياسة المدرسة، وبأنهم بعيدون عن الواقع البريطاني.

في السنوات الأخيرة، قبلت «إيتون» المزيد من أبناء أصحاب الأموال الدولية - عدد أقل من النبلاء والمزيد من أبناء المصرفيين الاستثماريين - والمزيد من أطفال العائلات الأقل ثراءً مع تزايد عدد المنح الدراسية كل عام. ومع ذلك، لا يزال 75 في المائة على الأقل من الطلاب يدفعون الرسوم كاملة.

أصبحت المدرسة أيضاً أكثر انتقائية أكاديمياً، لكن في بيئة تعليمية أكثر تنافسية. واليوم، يجري قبول عدد أقل من طلاب «إيتون» في أكسفورد أو كامبريدج، مقارنة بالسنوات الماضية. وقال هندرسون إن البعض يلتحقون الآن بكليات «آيفي لييغ» (رابطة اللبلاب) التي تضم أعرق ثماني جامعات في الولايات المتحدة، بدلاً عن الجامعات البريطانية العريقة.

في هذا السياق، قال كامبل، المتخرج حديثاً في «إيتون»، إنه يدعم جهود هندرسون، وإنه يرى أن المؤتمرات المتعلقة بمناقشة قضايا العرق والجنس والامتيازات الممنوحة لفئة دون الأخرى، كانت بغرض تعزيز الوعي، ووضع حد للجاذبية النخبوية الضيقة للمدرسة.

أضاف كامبل قائلاً: «كلما اقتربت (إيتون) من كونها مدرسة عادية من حيث تقاليدها، كان ذلك أفضل في نظر الناس».

اللافت أنه حتى القرارات الصغيرة والمؤقتة كانت هي الأخرى تثير الجدل. على سبيل المثال، منذ عام 1857، تحتفظ مدرسة «إيتون كوليدج» بمجموعة من كلاب «بيجل» لاستخدامها في صيد الأرانب البرية. إلا أنه عام 2004، جرى تجريم صيد الأرانب في بريطانيا. ورغم ذلك، أبقت المدرسة على هذه الرياضة في الحرم المدرسي بجعل الطلاب يدربون تلك الكلاب على تتبع رائحة حيوانات اصطناعية، ثم الدخول في مسابقات.

الربيع الماضي، تقاعد حارس مجموعة الكلاب ولم تجد المدرسة بديلاً في الحال، وجرى نقل الكلاب مؤقتاً خارج الحرم المدرسي. احتج مئات الأولاد داخل الحرم المدرسي، ما اجتذب اهتمام الصحافة البريطانية لتغطية الحدث. وكتبت صحيفة «تلغراف» المحافظة تقول إن الآباء يخشون انقراض مجتمع الصيد في «إيتون» من خلال «استبعاده بهدوء من باب خلفي من قبل قيادة (إيتون) التواقة إلى الحداثة». وكتبت الصحيفة أن بعض الآباء عرضوا استضافة «الكلاب في أراضيهم الخاصة». وقال كيركبي، الخريج البالغ من العمر 21 عاماً وابن أكاديميين درسا في منح دراسية في «إيتون»، إن المدرسة يجب أن تحتفظ بأنشطتها الأرستقراطية الفريدة، مثل شرط ارتداء المعاطف وبعض رياضاتها. وقال كيربكي بينما كان يجلس بمقهى في أكسفورد حيث التحق بجامعتها الآن: «إنها (الرياضات الفريدة بالمدرسة) رمز قوي للقبول. بالنسبة لشخص نشأ في بيئة محرومة (من تلك الهوايات)، من الرائع أن تتمكن من الصيد وإطلاق النار وصيد الأسماك».

سيمون هندرسون مدير مدرسة «إيتون» (أندرو تيستا - نيويورك تايمز)

وفي رأيه، فإن النهج الذي يتبناه هندرسون يتعارض مع فكرة «إيتون» كمدرسة خاصة للنخبة.

على الرغم من أن الكثير من الطلاب قالوا إنهم يثمنون النهج الحساس الجديد الذي تبناه هندرسون في المدرسة، فإن البعض يرون أنه لم يذهب بعيداً بما يكفي، معربين عن أملهم في أن توسع المدرسة نطاق المنح الدراسية، وتوظف المزيد من المعلمين غير البيض، وتقبل التحاق الفتيات بها، وتلغي شرط ارتداء المعطف تماماً.

لكن هندرسون اختتم مؤكداً على أنه «لا توجد خطط» لقبول الفتيات أو إلغاء المعاطف وأنه أعاد كلاب «البيجل» إلى حرم المدرسة. واختتم بالتأكيد على أن بعضاً من تقاليد «إيتون»، «الملموسة تتصل بماضينا وهي ذات قيّمة رفيعة للغاية».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

عام 1440م

تأسست «إيتون كوليدج» عام 1440 باعتبارها مدرسة لأطفال الفقراء، لكن بمرور الوقت أصبحت معقلاً لأبناء الأغنياء وذوي السطوة في بريطانيا.

حقائق

45.000 جنيه إستراليني

تبلغ الرسوم الدراسية في «إيتون كوليدج» حوالي 45.000 جنيه إسترليني، أو 57.000 دولار، سنوياً.


مقالات ذات صلة

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
شمال افريقيا وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)

الحكومة المصرية تسعى لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة

أقرَّت الحكومة المصرية تدريس مادة «الثقافة المالية» لطلاب المرحلة الثانوية؛ بهدف تشجيع الطلاب على التداول في البورصة.

أحمد جمال (القاهرة)
شؤون إقليمية أطفال يحتفلون بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الـ106 أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

خيَّم الهجومان الداميان اللذان وقعا في مدرستين بجنوب تركيا، مؤخراً، على احتفالها بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الذي وافق الذكرى 106 لتأسيس البرلمان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
يوميات الشرق طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)

بعد ضبطه بحالة غش... طالب يحاول قتل معلم في السودان

حاول أحد الطلاب قتل معلم ومدير مركز امتحانات الشهادة الثانوية بمدرسة في محلية ريفي كسلا، بشرق السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )
شؤون إقليمية امرأة تبكي عند مدخل مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش وقد نثرت عائلات ضحايا الهجوم المسلح الزهور على الدرَج وقررت السلطات إغلاقها حتى تحديد مصيرها النهائي (أ.ف.ب)

تركيا تتحرك لتشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم

تتهم المعارضة التركية الحكومة بالإهمال وسوء إدارة المدارس وتطالب بإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.