يعزّ على المنسّق الفني لـ«معرض براغ للسينوغرافيا» هادي دميان غياب الدعم الرسمي. يُسعده فوز لبنان بجائزة «أفضل معرض طلابي»، لكنّ الحسرة تنغّص الفرحة. إصراره حال دون تحييد وطنه عن منافسة تخوضها دول تقدّر الفنون والمواهب، فاكتفى بحدّ المشاركات اللبنانية «من باب اللياقة واحترام مأساوية الوضع». مع ذلك، حظي التعب بمَن يصفّق له.

«براغ للسينوغرافيا» أحد أكبر معارض تصميم العرض وفضائه، يُقام كل 4 سنوات في العاصمة التشيكية. أقيمت الدورة الماضية في يونيو (حزيران) 2019، قبل 4 أشهر على ثورة «17 أكتوبر» وحرائق الأحراج التي سبقت، والانهيار الذي تلا. نُظّمت دورة هذه السنة من 8 إلى 18 يونيو، فشارك لبنان في فعالياتها للمرة الرابعة. يُخبر دميان «الشرق الأوسط» أنّ الأزمة قلّصت التوسُّع، فاقتصرت المشاركة اللبنانية على معرضَي «الدول والمناطق» و«الطلاب» بين معارض أخرى.

يشرح عن «معرض الدول والمناطق»: «يُعدّ منذ 1967 أهم منصة في (معرض براغ للسينوغرافيا). قدّم في دورته الـ15، هذه السنة، 51 عرضاً لـ59 دولة ومنطقة، جسّدت جوهر الاتجاهات الحالية وعكست وجهات النظر والأفكار والتطوّرات الفنية المعاصرة في تصميم الأداء».
تجلّت المشاركة اللبنانية بالعرض الأولي للتوليفة البصرية «نَفَسٌ في حفرة» لشربل صموئيل عون. في مأرب سيارات بمنطقة مار مخايل البيروتية، الأكثر تهشّماً بانفجار المرفأ، تدور الأحداث. يتساءل الشريط: «كيف يكون الدمار طريقاً لوجود جديد؟ وكيف يكون مساحةً بدل أن يكون في المساحة؟»، ليخلُص إلى أنه «فعلٌ وأدوات قليلة وحاجة قوية لحفر مساحة من الانتماء في الإسفلت وطبقات الحضارة».

عَبَر الحضور اللبناني طريقاً شاقة، وكادت تُجهَض الجهود وتُصاب المحاولات بخيبة، لولا العزيمة، فيتابع دميان: «تحدّى التمويل المشاركة اللبنانية وأوشك على عرقلتها. رغم جهد التواصل لجمع المال، تراءى إنتاج المعرض مستحيلاً. لكن الإرادة لا تُهزَم».
لتأكيد رغبة لبنان في المشاركة، قدّم شربل صموئيل عون «نَفَسٌ في حفرة»، عمله الذي أنتجه من دون تكلفة، اختزالاً لقسوة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الشكل الفني. ابتسامةُ قدر تدخّلت، فألغت مديرة المعارض مغدلينا بروزيكوفا رسوم مشاركة لبنان، وأتاحت الفرصة ليستحق الفوز.
وماذا عن «معرض الطلاب»؟ يجيب دميان: «يقدّم مداخلات إبداعية مستوحاة من المعرفة والثقافة والهوية المحلية، فيطوّر طلاب مشاركون ومصمّمون ناشئون معرضاً أو مساحة تجربة غامرة تعتمد على عملية التحوّل والخيال الفريدة أو تستوحي منها، وأعمالاً جديدة ونادرة لتصميم الأداء والسينوغرافيا».
قدّم المعرض 46 عملاً لمصمّمين ناشئين يتحدّون الفكر الجديد، ويحفّزون الخيال، وذلك بالتركيز على اختبارات ومواقف في بلدهم، فيعزّزون معرفتهم الثقافية ويترجمونها إلى أعمال رؤيوية تُحاكي تصميم الأداء وتُركز على الأساليب الحديثة للرقمنة ومشاركة الجمهور. الشرح لدميان، الحزين على المآلات الأليمة، لكنه يتمسّك بالأمل ويؤمن بالإنجاز.
يتابع التوصيف: «عنوان (معرض الطلاب) هو (ألغاز)، ويقدّم 5 وحدات (محطات) مصنوعة من أشياء مُعاد تدويرها وآليات بسيطة، ليتفاعل الزوار معها منطلقين من قصص سكان بيروت الفوضوية. فحين يسحب الزائر الكابلات، تتصادم الأواني والمقالي. وحين يشغّل نظام (تروس)، تتحرّك المكانس للتنظيف، وتتحرّك بهذا الشكل الصوامع، ويمتلئ الدلو لتشييد مبنى، وتُشدّ الحبال وتتحرّك المقابض. قوام المعرض تشارُك الإبداع مع الجمهور، فتتغيّر مساحته مع التفاعل وتنشيط الآليات. التغيير فوري حيناً وتراكمي حيناً، ويخضع للوقت والتكرار».
ينوّه بطالبة لبنانية تُدعى مارا إنجا مقيمة في براغ: «تولّت تصميم (معرض الطلاب) وواكبتها في البحث مستشارة الدراما ناتاشا كرم. أردنا جميعاً أن يتجلّى دور لبنانيّي المهجر في دعمهم البلد، فهم النبض الحيّ وما يُبقي الأمل عصياً على الاختناق».
حين طلب منها دميان تولّي المَهمّة، شعرت بالتحدّي. تقول إنجا لـ«الشرق الأوسط»: «كان عليَّ إيجاد طرق للعمل من دون تكلفة. تحمّلتُ المسؤولية، ولم أفكّر في الفوز. المنافِسون مُحاطون بمموّلين وفرق عمل كبيرة. كنتُ وحيدة في المعترك، فاستبعدتُ الجائزة. عملتُ بجهد، وأفرحتني أصداء الزوار. في حفل توزيع الجوائز، وبين 20 جائزة، نلتُ ما لم أخطّط له».
شاءت أيضاً إظهار لبنان بغير صورته المُستهلكة في نشرات الأخبار. يشاركها هادي دميان الفخر بفوز معرض «ألغاز» بجائزة «أفضل معرض طلابي» رغم الاصطدام بـ«لاءات» كثيرة، جراء ارتباط مدعوين إلى المشاركة بمشروعات تعود عليهم بالكسب المادي لضرورات العيش. ويُسعده إطراء لجنة التحكيم بعد علوّ التصفيق، وقولها: «ينجح العمل في تأطير عالم يعاني طفرة وانعدام توازن مستمرَّين، بانتباه ومن دون الانزلاق إلى العاطفية. هو دليلٌ مؤثّر وحميم لمكان في أزمة دائمة (...) مدينة تختزل نظاماً ديناميكياً مفتوحاً مبنياً من الذكريات والتأمّلات والدعوات والأحلام». هذه بيروت وستبقى.








