في عالم «الديفا»... موسيقى وأزياء وبذخ

معرض بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» يحتفي بنجمات صنعن تاريخ الفن

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
TT

في عالم «الديفا»... موسيقى وأزياء وبذخ

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)

ما الذي يجمع مارلين مونرو وتينا ترنر وريهانا بالأسطورة الغنائية العربية فيروز؟ في الواقع الكثير، الفن والغناء من الروابط، ولكن حسب معرض جديد في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن، هناك عامل يتعدى الجغرافيا والحدود واللغات يجمع بين هاته النجمات وغيرهن ممن حفل بهم العرض، يتلخص في كلمة متداولة كثيراً، وهي «ديفا»، وهي أيضاً عنوان العرض المدهش الذي افتتح منذ أيام. لكلمة «ديفا» مدلولات كثيرة في هذا الزمن، ربما أكثرها انتشاراً هذه الأيام هو الفنانة أو المرأة صعبة المراس، المتطلبة إلى حد بعيد، للحق هو أحد المعاني التي يبحث فيها العرض عبر عرض نماذج لنساء شهيرات حاربن الأوضاع الثابتة في مجتمعاتهن، وحققن مكانة فنية عالية. يمر العرض على مجالات الأوبرا، والسينما، والموسيقى والمسرح. ولكنه يعود بالكلمة لبدايات تأخذنا لعالم الأوبرا في القرن التاسع عشر، حيث وصفت المغنيات الشهيرات بوصف «ديفا».

الأوبرا و«الديفا»

العرض ممتع وباهر لأبعد حد، قبل الدخول تسلمني عاملة في المتحف سماعات خاصة تؤكد على أن أضعها بمجرد دخولي القاعة، المعتاد أن السماعات تبث مقاطع تتحدث حول القطع المعروضة وتعليقات من خبراء، ولكن هذه المرة الأمر مختلف. أضع السماعات وأدخل للقاعة الأولى لتنبعث أنغام موسيقية أوبرالية تتناغم مع معروضات الخزانات الأولى في العرض. ننطلق مع مغنيات الأوبرا الشهيرات في العصر الفيكتوري، ربما لا نعرف أسماءهن اليوم، ولكنهن كن الرائدات في عصر لم يعط النساء فرصتهن للتفرد والريادة في عالم الفن. هنا «الديفا» أو المغنية «بريما دونا» (السيدة الأولى بلغة الأوبرا) هي شخصية قوية، مستقلة وثرية، تتحدى قيود المجتمع وسيطرة الرجل على حياتها. هنا أول الخيط لنا كمتفرجين، الاستقلال والاكتفاء المادي والشخصية القوية، على نحو مختصر: مميزات شخصية «الديفا».

أزياء للممثلة فيفيان لي ضمن معرضات «ديفا» في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» (المتحف)

مبدئياً يعرف العرض كلمة «ديفا» بوصفها المرأة صاحبة الشخصية القوية، المستقلة مادياً ذات السطوة. كمثال يقدم لنا العرض مغنية الأوبرا في العصر الفيكتوري أدلينا باتي، ويصفها بأنها كانت «ثاني امرأة معروفة في بريطانيا بعد الملكة فيكتوريا، وأنها كانت سيدة أعمال ناجحة». العرض ينقسم لمرحلتين: الأولى حول نشأة مصطلح «ديفا» والثانية عن «الديفا» في العصر الحالي. ننطلق إذن مع المرحلة الأولى لنستكشف عالم «الديفا»، وكيف وصل زماننا هذا. العرض يضم 250 قطعة مستمدة من المجموعة الهائلة من مقتنيات المتحف، وبعضها مستعار من مختلف الجهات حول العالم، وتشمل الأزياء والصور والمجوهرات والمقاطع الفيلمية.

أزياء وتاريخ وأغنيات

الخزانات تعرض لنا ملابس تلك النجمات وقطعاً من مجوهراتهن وملصقات حفلاتهن، ولكن بحكم أن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» يتفوق في كل ما يخص الأزياء، فمن الطبيعي أن يبدع في عرض أزياء النجمات على نحو منسق وجميل. تلفتني دقة العرض، سواء من حيث اختيار القطع التي تستوقف النظر في كل خزانة عرض أو من حيث الدقة في اختيار المانيكان التي تعرض عليها الأزياء، تتحول المانيكان الصامتة لتماثل أحجام ومقاسات النجمات، مانيكان تعرض فستاناً ارتدته المغنية الفرنسية إديث بياف، تماثل قامة بياف الحقيقية تماماً مثل مانيكان تعرض فستاناً للمغنية إيمي واينهاوس. هي تفصيلة صغيرة، ولكنها مهمة جداً، إذ تقرب محتويات العرض لنا إلى حد بعيد. للمتحف فريق ضخم من العاملين في أقسام الأزياء ممن يحرصون على المحافظة على الملابس في أفضل حالة، وإعدادها للعرض بعناية شديدة تصل لطريقة وقوف المانيكان، والوضع الذي تتخذه بحيث يماثل شخصية صاحبة الرداء.

زي ارتدته المغنية الراحلة إيمي واينهاوس في معرض «ديفا» (رويترز)

أساطير هوليوود

من خزانة لثانيةٍ يتغير الشريط الصوتي في السماعات، من الأوبرا لأغنيات إديث بياف لمقطع أدته سارة برنار في مسرحية كلاسيكية. نخطو من الأوبرا للمسرح ثم السينما الصامتة لنصل لبدايات السينما الناطقة. وهنا نجد أساطير هوليوود أمامنا، بيتي ديفيز وكاثرين هيبورن وجوان كراوفورد، نمر على إليزابيث تايلور ومارلين مونرو، ثم نتسمر أمام شاشة عرض ضخمة تقدم مقاطع من أفلام هاته النجمات، عبر السماعات أيضاً نستمتع بغناء مارلين مونرو في فيلم «البعض يحبها ساخنة» ومقطع لإليزابيث تايلور وهي في قمة مجدها متلبسة شخصية كليوباترا تأمر مارك أنطوني (ريتشار بيرتون) بالركوع أمامها. اختيار المقاطع مقصود لإبراز قوة الشخصية والاعتداد بالنفس التي تمثله شخصيات الممثلات أمامنا وأيضاً يذكرنا بكلاسيكيات السينما العالمية التي حفرت أمكنة في التاريخ لـ«الديفا».

نستمر في الجولة الممتعة صوتاً وعرضاً، نحن في عالم فني خالص، منفصلين عما يحدث في الخارج، كل زائر وزائرة يعاصر العرض وحده محملاً بالسماعات، خفتت الأحاديث التي كانت في العادة تدور أمام المعروضات، وهو للحق أمر مؤسف، ولكن التجربة الغامرة الجديدة لمعاينة المعرض تعوضنا عن فقدان الاتصال مع رفقائنا من الجمهور.

فيروز «عابرة الحضارات والثقافات»

قبل إنهاء المرحلة الأولى من العرض، وهي عن تعريف «الديفا» واستعراض أهم النجمات اللواتي سجلن حقهن في التميز والتفوق على أقرانهن من الرجال، تستوقفني صورة قريبة من القلب، وهي للمطربة الرائعة فيروز في أثناء حفل لها على مسرح الأوليمبيا بباريس. يضم العرض «صوت لبنان» لأهم النجمات في العالم بوصفها «مغنية أسطورية عبرت الحضارات والثقافات والقارات بصوتها»، حسب بطاقة التعريف المرفقة. لفتة جميلة من معدي العرض لا شك، ولكني أجد نفسي أتخيل نجمات صنعن التاريخ في عالمنا العربي في هذا العرض الممتع، ربما يقام معرض عربي مماثل يحتفي بـ«الديفا العربية» مثل أم كلثوم وهند رستم وصباح وغيرهن. ربما!

صورة لفيروز في المعرض (الشرق الأوسط)

«الديفا»... اليوم

يتفوق المعرض على نفسه في المرحلة التالية، في الطابق الثاني، وبينما نصعد الدرج تبث السماعات موسيقى حديثة، أغنية ريهانا «أمبريلا» (المظلة)، ونصل للطابق لنرى فيديو لريهانا وعدداً من الأزياء التي اشتهرت بارتدائها، ليست أزياء عادية من خزانة النجمة، بل هي أزياء أثارت الدهشة والاستغراب ربما عند ظهور ريهانا بها، من الزي الذي ارتدته في حفل «ميت غالا» في نيويورك الذي يماثل أزياء البابا إلى فستان شفاف من اللون الزهري، وغيرها من القطع.

من أزياء المغنية ريهانا في معرض «ديفا» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (الشرق الأوسط)

نمر من ريهانا لمنصات عرض أخرى فيها أزياء مصحوبة بأغانٍ لمغنيات وممثلات شهيرات استحققن لقب «الديفا»، مثل إيلا فيتزجيرالد مغنية الجاز الأميركية، وأريثا فرانكلين، ثم باربرا سترايساند وشير ودولي بارتون وتينا تيرنر ويتني هيوستن، وصولاً لأديل وبيلي آيليش. من المحاور المهمة في معرض «ديفا» هي استخدام النجمات سلطتهن وتأثيرهن من أجل الدفاع عن قضايا اجتماعية وسياسية مهمة مثل بيلي هوليداي، ونينا سيمون ، وإيلا فيتزجيرالد في أميركا اللواتي عانين رد الفعل العنيف والنقد والخطر لمعارضة الوضع الراهن، وكيف تحولت أغنية أريثا فرانكلين (ريسبكت) (الاحترام) (1967) نشيداً لتمكين المرأة والحقوق المدنية الأمريكية.

استخدام الأزياء لصناعة صورة «الديفا» يأخذنا لقطع باهرة، براقة ومجنونة مثل أزياء شير وتينا ترنر التي خصص لها العرض مكاناً كبيراً، فقد تعاونت النجمتان مع مصمم الأزياء بوب ماكي لصناعة صورتهما على المسرح.

فستان النجمة تينا تيرنر من تصميم بوب ماكي (الشرق الأوسط)

يضم العرض أيضاً بعض المغنين من الرجال الذين تنطبق عليهم وصفة «ديفا» أمثال فريدي ميركوري، برينس وإلتون جون، يعرض له زي باذخ يمثل شخصية الملك لويس الرابع عشر ارتداه المغني في حفل عيد ميلاده الـ50.

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)

العرض مبهر جداً في تنسيقه، وفي استعراضه لمراحل إبداع نجمات عالميات، ومع الشريط الصوتي المصاحب نحس بأننا في حفل يجمع بين أساطير الغناء في العالم، ويا له من إحساس ممتع!


مقالات ذات صلة

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يوميات الشرق الفنان أرمن أجوب (كريم كادل)

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يُقدّم معرض الفنان في الجناح المصري تصوراً للفن بوصفه مساحة للصمت والإصغاء والتأمل، ويدعو الزوار للتأمل في تحولات عالمهم الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى…

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت...

«الشرق الأوسط» (لندن)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.