في عالم «الديفا»... موسيقى وأزياء وبذخ

معرض بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» يحتفي بنجمات صنعن تاريخ الفن

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
TT

في عالم «الديفا»... موسيقى وأزياء وبذخ

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)
زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)

ما الذي يجمع مارلين مونرو وتينا ترنر وريهانا بالأسطورة الغنائية العربية فيروز؟ في الواقع الكثير، الفن والغناء من الروابط، ولكن حسب معرض جديد في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن، هناك عامل يتعدى الجغرافيا والحدود واللغات يجمع بين هاته النجمات وغيرهن ممن حفل بهم العرض، يتلخص في كلمة متداولة كثيراً، وهي «ديفا»، وهي أيضاً عنوان العرض المدهش الذي افتتح منذ أيام. لكلمة «ديفا» مدلولات كثيرة في هذا الزمن، ربما أكثرها انتشاراً هذه الأيام هو الفنانة أو المرأة صعبة المراس، المتطلبة إلى حد بعيد، للحق هو أحد المعاني التي يبحث فيها العرض عبر عرض نماذج لنساء شهيرات حاربن الأوضاع الثابتة في مجتمعاتهن، وحققن مكانة فنية عالية. يمر العرض على مجالات الأوبرا، والسينما، والموسيقى والمسرح. ولكنه يعود بالكلمة لبدايات تأخذنا لعالم الأوبرا في القرن التاسع عشر، حيث وصفت المغنيات الشهيرات بوصف «ديفا».

الأوبرا و«الديفا»

العرض ممتع وباهر لأبعد حد، قبل الدخول تسلمني عاملة في المتحف سماعات خاصة تؤكد على أن أضعها بمجرد دخولي القاعة، المعتاد أن السماعات تبث مقاطع تتحدث حول القطع المعروضة وتعليقات من خبراء، ولكن هذه المرة الأمر مختلف. أضع السماعات وأدخل للقاعة الأولى لتنبعث أنغام موسيقية أوبرالية تتناغم مع معروضات الخزانات الأولى في العرض. ننطلق مع مغنيات الأوبرا الشهيرات في العصر الفيكتوري، ربما لا نعرف أسماءهن اليوم، ولكنهن كن الرائدات في عصر لم يعط النساء فرصتهن للتفرد والريادة في عالم الفن. هنا «الديفا» أو المغنية «بريما دونا» (السيدة الأولى بلغة الأوبرا) هي شخصية قوية، مستقلة وثرية، تتحدى قيود المجتمع وسيطرة الرجل على حياتها. هنا أول الخيط لنا كمتفرجين، الاستقلال والاكتفاء المادي والشخصية القوية، على نحو مختصر: مميزات شخصية «الديفا».

أزياء للممثلة فيفيان لي ضمن معرضات «ديفا» في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» (المتحف)

مبدئياً يعرف العرض كلمة «ديفا» بوصفها المرأة صاحبة الشخصية القوية، المستقلة مادياً ذات السطوة. كمثال يقدم لنا العرض مغنية الأوبرا في العصر الفيكتوري أدلينا باتي، ويصفها بأنها كانت «ثاني امرأة معروفة في بريطانيا بعد الملكة فيكتوريا، وأنها كانت سيدة أعمال ناجحة». العرض ينقسم لمرحلتين: الأولى حول نشأة مصطلح «ديفا» والثانية عن «الديفا» في العصر الحالي. ننطلق إذن مع المرحلة الأولى لنستكشف عالم «الديفا»، وكيف وصل زماننا هذا. العرض يضم 250 قطعة مستمدة من المجموعة الهائلة من مقتنيات المتحف، وبعضها مستعار من مختلف الجهات حول العالم، وتشمل الأزياء والصور والمجوهرات والمقاطع الفيلمية.

أزياء وتاريخ وأغنيات

الخزانات تعرض لنا ملابس تلك النجمات وقطعاً من مجوهراتهن وملصقات حفلاتهن، ولكن بحكم أن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» يتفوق في كل ما يخص الأزياء، فمن الطبيعي أن يبدع في عرض أزياء النجمات على نحو منسق وجميل. تلفتني دقة العرض، سواء من حيث اختيار القطع التي تستوقف النظر في كل خزانة عرض أو من حيث الدقة في اختيار المانيكان التي تعرض عليها الأزياء، تتحول المانيكان الصامتة لتماثل أحجام ومقاسات النجمات، مانيكان تعرض فستاناً ارتدته المغنية الفرنسية إديث بياف، تماثل قامة بياف الحقيقية تماماً مثل مانيكان تعرض فستاناً للمغنية إيمي واينهاوس. هي تفصيلة صغيرة، ولكنها مهمة جداً، إذ تقرب محتويات العرض لنا إلى حد بعيد. للمتحف فريق ضخم من العاملين في أقسام الأزياء ممن يحرصون على المحافظة على الملابس في أفضل حالة، وإعدادها للعرض بعناية شديدة تصل لطريقة وقوف المانيكان، والوضع الذي تتخذه بحيث يماثل شخصية صاحبة الرداء.

زي ارتدته المغنية الراحلة إيمي واينهاوس في معرض «ديفا» (رويترز)

أساطير هوليوود

من خزانة لثانيةٍ يتغير الشريط الصوتي في السماعات، من الأوبرا لأغنيات إديث بياف لمقطع أدته سارة برنار في مسرحية كلاسيكية. نخطو من الأوبرا للمسرح ثم السينما الصامتة لنصل لبدايات السينما الناطقة. وهنا نجد أساطير هوليوود أمامنا، بيتي ديفيز وكاثرين هيبورن وجوان كراوفورد، نمر على إليزابيث تايلور ومارلين مونرو، ثم نتسمر أمام شاشة عرض ضخمة تقدم مقاطع من أفلام هاته النجمات، عبر السماعات أيضاً نستمتع بغناء مارلين مونرو في فيلم «البعض يحبها ساخنة» ومقطع لإليزابيث تايلور وهي في قمة مجدها متلبسة شخصية كليوباترا تأمر مارك أنطوني (ريتشار بيرتون) بالركوع أمامها. اختيار المقاطع مقصود لإبراز قوة الشخصية والاعتداد بالنفس التي تمثله شخصيات الممثلات أمامنا وأيضاً يذكرنا بكلاسيكيات السينما العالمية التي حفرت أمكنة في التاريخ لـ«الديفا».

نستمر في الجولة الممتعة صوتاً وعرضاً، نحن في عالم فني خالص، منفصلين عما يحدث في الخارج، كل زائر وزائرة يعاصر العرض وحده محملاً بالسماعات، خفتت الأحاديث التي كانت في العادة تدور أمام المعروضات، وهو للحق أمر مؤسف، ولكن التجربة الغامرة الجديدة لمعاينة المعرض تعوضنا عن فقدان الاتصال مع رفقائنا من الجمهور.

فيروز «عابرة الحضارات والثقافات»

قبل إنهاء المرحلة الأولى من العرض، وهي عن تعريف «الديفا» واستعراض أهم النجمات اللواتي سجلن حقهن في التميز والتفوق على أقرانهن من الرجال، تستوقفني صورة قريبة من القلب، وهي للمطربة الرائعة فيروز في أثناء حفل لها على مسرح الأوليمبيا بباريس. يضم العرض «صوت لبنان» لأهم النجمات في العالم بوصفها «مغنية أسطورية عبرت الحضارات والثقافات والقارات بصوتها»، حسب بطاقة التعريف المرفقة. لفتة جميلة من معدي العرض لا شك، ولكني أجد نفسي أتخيل نجمات صنعن التاريخ في عالمنا العربي في هذا العرض الممتع، ربما يقام معرض عربي مماثل يحتفي بـ«الديفا العربية» مثل أم كلثوم وهند رستم وصباح وغيرهن. ربما!

صورة لفيروز في المعرض (الشرق الأوسط)

«الديفا»... اليوم

يتفوق المعرض على نفسه في المرحلة التالية، في الطابق الثاني، وبينما نصعد الدرج تبث السماعات موسيقى حديثة، أغنية ريهانا «أمبريلا» (المظلة)، ونصل للطابق لنرى فيديو لريهانا وعدداً من الأزياء التي اشتهرت بارتدائها، ليست أزياء عادية من خزانة النجمة، بل هي أزياء أثارت الدهشة والاستغراب ربما عند ظهور ريهانا بها، من الزي الذي ارتدته في حفل «ميت غالا» في نيويورك الذي يماثل أزياء البابا إلى فستان شفاف من اللون الزهري، وغيرها من القطع.

من أزياء المغنية ريهانا في معرض «ديفا» بمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» (الشرق الأوسط)

نمر من ريهانا لمنصات عرض أخرى فيها أزياء مصحوبة بأغانٍ لمغنيات وممثلات شهيرات استحققن لقب «الديفا»، مثل إيلا فيتزجيرالد مغنية الجاز الأميركية، وأريثا فرانكلين، ثم باربرا سترايساند وشير ودولي بارتون وتينا تيرنر ويتني هيوستن، وصولاً لأديل وبيلي آيليش. من المحاور المهمة في معرض «ديفا» هي استخدام النجمات سلطتهن وتأثيرهن من أجل الدفاع عن قضايا اجتماعية وسياسية مهمة مثل بيلي هوليداي، ونينا سيمون ، وإيلا فيتزجيرالد في أميركا اللواتي عانين رد الفعل العنيف والنقد والخطر لمعارضة الوضع الراهن، وكيف تحولت أغنية أريثا فرانكلين (ريسبكت) (الاحترام) (1967) نشيداً لتمكين المرأة والحقوق المدنية الأمريكية.

استخدام الأزياء لصناعة صورة «الديفا» يأخذنا لقطع باهرة، براقة ومجنونة مثل أزياء شير وتينا ترنر التي خصص لها العرض مكاناً كبيراً، فقد تعاونت النجمتان مع مصمم الأزياء بوب ماكي لصناعة صورتهما على المسرح.

فستان النجمة تينا تيرنر من تصميم بوب ماكي (الشرق الأوسط)

يضم العرض أيضاً بعض المغنين من الرجال الذين تنطبق عليهم وصفة «ديفا» أمثال فريدي ميركوري، برينس وإلتون جون، يعرض له زي باذخ يمثل شخصية الملك لويس الرابع عشر ارتداه المغني في حفل عيد ميلاده الـ50.

زي لويس الرابع عشر الذي ارتداه المغني إلتون جون في حفل عيد ميلاده الـ50 (رويترز)

العرض مبهر جداً في تنسيقه، وفي استعراضه لمراحل إبداع نجمات عالميات، ومع الشريط الصوتي المصاحب نحس بأننا في حفل يجمع بين أساطير الغناء في العالم، ويا له من إحساس ممتع!


مقالات ذات صلة

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى…

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة مميزة استعادت سيرة نحات روماني رائد.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ معرض يصور تاريخ الأشخاص التسعة الذين تعرضوا للاستعباد سابقاً في مدينة فيلادلفيا بأميركا (أ.ب)

أميركا: عودة معرض عن العبودية إلى منطقة إنديبندنس مول في فيلادلفيا

يقوم عمال أميركيون بإعادة معرض يصور تاريخ الأشخاص التسعة الذين تعرضوا للاستعباد سابقاً في مدينة فيلادلفيا.

«الشرق الأوسط» (فيلادلفيا)

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».