على مائدة الأخوين رحباني... لحم مشوي بارد و«كوسى بحَرّ»

سعيد عقل أحبّ «مجدّرة» أم عاصي... ومنصور خدع عبد الوهاب بـ«القلقاس»

عاصي ومنصور الرحباني إلى المائدة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
عاصي ومنصور الرحباني إلى المائدة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

على مائدة الأخوين رحباني... لحم مشوي بارد و«كوسى بحَرّ»

عاصي ومنصور الرحباني إلى المائدة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
عاصي ومنصور الرحباني إلى المائدة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

بين طاولات مقهى والدهما حنّا، تنقّل عاصي ومنصور الرحباني صغيرَين. وبين أبٍ احترف «صَنعة» المقاهي والمطاعم، وأمٍّ عُرفت بـ«نفَسها الطيّب» في الطبخ، رُسمت أولى ملامح علاقتهما بالطعام.

كان عاصي ومنصور يساعدان العائلة في مقهى «فوّار أنطلياس»، فيقدّمان الأكل إلى الزبائن ويُفرغان الطاولات بعد مغادرة هؤلاء. وفي الطريق إلى المطبخ، يلتهمان ما تبقّى في الصحون من لحمٍ مشويّ بارد، وهي عادة رافقتهما في ما بعد. فبقي لفضَلات اللحم المشويّ البارد مذاق الحنين إلى «مقهى الفوّار»، وإلى طفولةٍ زاخرة بالطعام اللذيذ رغم تواضع الحال.

في مطبخ «أم عاصي»

أخذت «أم عاصي» عن زوجها «علّوميّات» في الطبخ وطوّرتها، فكانت أكلاتها محبوبة من قِبَل زبائن المطعم. يقصدون «الفوّار» من جوار أنطلياس ومن بيروت ومن مناطق أبعَد، ليتذوّقوا الأطايب من تحت يدَي سعدى الرحباني. والأطايب آنذاك كانت بعيدة عن التعقيد، قريبة من خيرات الأرض. وبالتالي كان الطعام النباتي والمقبّلات اللبنانية الخفيفة، كالحمّص بالطحينة والباذنجان المتبّل، هي التي تتصدّر المائدة.

عاصي ومنصور على مائدة الطعام (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

اشتُهرت طاولة المطعم الرحبانيّ بصحن البطاطا المتبّلة بالطحينة والثوم، حسب ما يخبر أسامة الرحباني «الشرق الأوسط»، إضافةً إلى أكلات كثيرة بالزيت، وما يُعرَف بـ«القواطع»، أي الطعام الخالي من اللحوم ومشتقّات الحليب.

أما الأكلة الرحبانية العابرة للأجيال الأربعة، فهي «الكوسى بحَرّ». وهي عبارة عن شرائح رقيقة من الكوسى، مقليّة بقليل من الزيت ترافقها صلصة من الحامض والثوم والفلفل الحار والملح وزيت الزيتون، حسب الوصفة التي حفظها أسامة الرحباني عن ظهر قلب.

رغم بساطتها، شكّلت هذه الأكلة أسطورة على مائدة الرحابنة عبر أجيالهم: من حنّا الجدّ الأكبر إلى الحفيد كريم الذي يخبر «الشرق الأوسط» أنّ «كل جلسة طعام عائلية لا يمكن أن تغيب عنها (الكوسى بحرّ)»، في استحضارٍ للجدّ حنا وللأخوين عاصي ومنصور اللذَين تأثّرا بها إلى درجة أنهما ذكراها في أحد مشاهد مسرحية «لولو».

الطعام في أعمال الأخَوين

تُعدّد إلهام الرحباني لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من أكلات شقيقَيها المفضّلة: «كانا يحبّان البامية، والكبّة، والحمّص، والباذنجان المتبّل، وورق العريش، والسمك، والدجاج المحشي...». تضيف: «في بيت الوالدة، كان نصف طاولة السفرة للأكل ونصفُها الثاني للكتابة». أما خلال سهرات العمل والتأليف الطويلة، فكانت الشقيقات يتناوبن على السهر معهما: «ننتظرهما لنسهر على راحتَيهما، فنحضّر لهما الشاي أو القهوة، أو نقدّم لهما الحلوى والمثلّجات»، تقول إلهام.

وفق أسامة الرحباني، «كان منصور أكولاً أكثر من عاصي»، وقد اتضح ذلك منذ الطفولة. إذ كان منصور بمثابة «صبي الدليفري» في مطعم الوالد. يذهب سيراً على الأقدام إلى منازل الزبائن لإيصال وجبات الغداء، وإذا جاع في الطريق، لا يتردّد في فتح «المَطبَقيّة»، وتَذوُّق أكثر من قطعة لحم واحدة! وفي اليوم الذي كانت تطهو أمه الديك، يجلس منصور بقربها ولا يذهب إلى المدرسة، منتظراً أن تَجهز الوليمة.

انعكست تلك العلاقة المميّزة مع الطعام على أعمال الأخوين رحباني، فحضرت التبّولة ومكوّناتها في سكتش «الدكّان» من مسرحية «حكاية الإسوارة». مع العلم أنّ جلسات التبّولة عصراً كانت رائجة في ذلك الزمن.

في فيلم «بياع الخواتم»، حضر الصيادون وعصافيرُهم، التي كانت جزءاً أساسياً من مائدة الأخوين. أما مسرحية «قصيدة حب» فكثُر فيها الحديث عن الطعام. في سكتش «المطاليب»، ذُكرت أنواع طعام عدّة في الحوار بين فيلمون وهبي في شخصية «سبع» الشهيرة، ونصري شمس الدين، وجوزيف ناصيف: «الشيكالاتا مش أكل. الحلاوة مش أكل. السردين مش أكل. البسطرمة مش أكل. والنمّورة؟ النمورة فيها طحين. والساندويش؟ الساندويش إذا بلا خبز مش أكل»، وفي مشهد المصالحة، غنّى وديع الصافي «المناقيش والطلامي على التنّور».

رفاق المائدة واختبارات منصور

يعود هذا المشهد إلى ذاكرة إلهام الرحباني: «يدخل سعيد عقل إلى بيت العائلة في أنطلياس، ويسأل الوالدة سعدى: شو في غدا يا أم عاصي؟ فيأتي الجواب: مجدّرة. يعترض ممازحاً: أنا سعيد عقل بدي آكل مجدرة؟ ما في كافيار؟»، لينتهي به الأمر ملتهماً صحناً كبيراً من المجدّرة.

كان الشاعر سعيد عقل أحد أكثر الأصدقاء قرباً من عاصي ومنصور، على المستويَين الإنساني والفنّي. وهما كانا يفتحان باب البيت للأصدقاء. ومَن أرادا تكريمَه تكريماً خاصاً، كانا يدعوانه إلى مائدة الوالدة.

جلس الموسيقار محمد عبد الوهاب مراراً ضيفاً على مائدة الأخوين. وينقل أسامة الرحباني إحدى النوادر التي جمعت والده منصور بعبد الوهاب على الطاولة، يوم تذوّق طبقاً أعجبَه كان عبارة عن قلقاس بالطحينة، فسأل: «ما هذا يا منصور؟»، فأجابه: «سمك اللقز بالطحينة»، في مزحة حريصة على عبد الوهاب الذي كان ينتبه كثيراً إلى ما يأكل ويشرب.

غداء رحبانيّ عائليّ (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

لاحقاً انتقلت المائدة إلى مكتب الأخوين في شارع بدارو البيروتيّ، حيث كانت جلسة الغداء اليوميّة تجمع الرفاق مثل عبدالله الخوري، وجورج جرداق، وسعيد عقل، وهنري زغيب، وغيرهم... فيطلبون الأكل من مطاعم المنطقة آنذاك كـ«بدارو إن» و«إكستاز»، وفي بعض الأحيان يخرجون للغداء أو العشاء في مطعم «العجمي» أو عند «سقراط» في الحمرا. غير أنّ المحطة الأساسية كانت مطعم «الحلبي» في أنطلياس، وهما بقيا وفيَّين لجلسته وللقمته حتى النهاية.

لم يدخل الأخوان إلى المطبخ سوى للأكل، وتركا مهمة الطبخ لسيّدات العائلة. لكنّ منصور عُرف بتجاربه واختباراته المرتبطة بالطعام، كاختبار الكبّة التي حقنها بإِبَر الزبدة السائلة والشحم من أجل تدسيمها. وهو كان يحب الطعام دسِماً ولم يكمل أي حِميةٍ بدأها. يروي حفيده كريم أنه خلال التحضير لإحدى المسرحيات مع كارول سماحة، بدّل معها وجبات الطعام فقدّم لها وجبة الحمية حتى يأكل ما يشاء.

أحب منصور الرحباني الطعام الدسم ولم يكمل أي حمية بدأها (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

ومن عادات منصور بعد وفاة زوجته، أنه كان يتّصل فجأةً بعدد من سيّدات العائلة، كشقيقته إلهام، ونينا زوجة شقيقه إلياس، ويطلب منهنّ إعداد طبقٍ معيّن، كالكبّة بالصينيّة أو القلقاس مثلاً. وفور انتهائهنّ من إعداد الطبق نفسه، يتذوّق النسخات المختلفة ويُجري مقارنةً بينها، ويعلّق على كل طبَق بجدّيّةِ مَن ينتقد مسرحيّةً أو أغنية.

في البيت الرحبانيّ، الطبخ والأكل احترافٌ وإبداعٌ أيضاً. وما مشهد القبضايات في مقهى «خان المكاريّي» من فيلم «سفر برلك»، سوى تحيّةٍ لمقهى الوالد حنّا حيث بدأت الحكاية. حكايةٌ ذاب على نارها سُكّر قلوبٍ كثيرة.


مقالات ذات صلة

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

يوميات الشرق الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط)

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)
الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها، إذ أصدرت محكمة حلوان (جنوب القاهرة) حكماً بتغريمه لصالحها، وفق بيان أصدره، الأحد، المحامي ياسر قنطوش المستشار القانوني للفنانة المصرية.

وأصدرت «الدائرة الثالثة» بمحكمة تجاري كلي حلوان، حكمها في الدعوى رقم 159 لسنة 2025، المقامة من شيرين عبد الوهاب، ضد شقيقها محمد عبد الوهاب، والذي قضى بإلزام المدعى عليه بسداد مبلغ 120 ألف دولار، بالإضافة إلى الفوائد القانونية من تاريخ المطالبة وحتى السداد.

وحسب بيان قنطوش، فإن «شيرين عبد الوهاب نجحت في الحصول على حكم قضائي جديد يضاف إلى سلسلة انتصاراتها القانونية الأخيرة، بما يعكس قوة موقفها، وثبوت أحقيتها أمام القضاء».

وأكد قنطوش، في بيانه أن «هذا الحكم هو الثاني لصالح شيرين خلال أيام، حيث أصدرت محكمة جنح القاهرة الاقتصادية حكمها في واقعة الاستيلاء على الحسابات (السوشيالية)، الرسمية الخاصة بها، وقضت فيه بتغريم المتهم مبلغ 50 ألف جنيه، وإلزامه بسداد تعويض مدني قدره 20 ألف جنيه، بعد ثبوت تحقيقه أرباحاً غير مشروعة من تلك الحسابات.

شيرين عبد الوهاب تعرضت لأزمات متكررة في السنوات الأخيرة (حسابها على فيسبوك)

وسبق ذلك صدور حكم في القضية رقم 1548 لسنة 2026 جنح قسم المقطم، بحبس شقيقها محمد لمدة 6 أشهر، وإلزامه بدفع كفالة مالية قدرها 2000 جنيه على خلفية اتهامه بـ«التعدي عليها».

وتعليقاً على الأزمة الحالية بين شيرين عبد الوهاب وشقيقها، قال الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين، إن «مشكلة شيرين تكمن في ظهور كل تفاصيلها العائلية أمام الرأي العام»، موضحاً أن «حصولها على حقها القانوني يؤكد وجود مشكلة بالفعل تم إثباتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أصبحت علاقة شيرين بشقيقها هكذا، بعدما كان بجانبها طوال مسيرتها، ومن الذي جعل الخلاف بينهما يصل إلى هذه الدرجة؟».

وأضاف أحمد سعد الدين لـ«الشرق الأوسط»: «جمهور شيرين لم يعد يعي ما الذي يحدث في حياتها تحديداً، وهل هي على علم بكل ما يدور»، لافتاً إلى أن «المشكلات التي تحيط بشيرين أثرت بشكل كبير على حياتها ومشوارها المهني، ووجودها الفني على الساحة، إذ نطمح أن تعود لجمهورها، وتستعيد نشاطها بشكل مختلف وثقافة واسعة وأن يكون بجانبها من يهتم بشؤونها، فالموهبة وحدها لا تكفي».

وخلال السنوات الماضية انشغل الناس بحياة شيرين عبد الوهاب، وبتفاصيل علاقتها بالفنان حسام حبيب والتي شهدت فصولاً بين الزواج والطلاق، إلى جانب حرب التصريحات الإعلامية، والقضايا والخلافات العائلية والمهنية، التي جعلتها تتصدر «الترند»، مؤخراً.

وكان أحدث ظهور للفنانة شيرين عبد الوهاب برفقة ابنتها «هنا»، أول أيام «عيد الفطر»، بعد فترة كبيرة من الغياب، وشائعات تدور حول حالتها الصحية، ولفت ظهورها المفاجئ وهي تغني لابنتها أغنية «أكتر وأكتر»، الأنظار حينها، وفي الجانب الفني كانت الأغنية الوطنية «غالية علينا يا بلدنا»، من ألحان عمرو مصطفى، هي أحدث أعمال شيرين والتي طرحتها عبر «يوتيوب».


عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
TT

عمرو محمود ياسين: عصر المنافسة الفنية الشريفة انتهى

المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)
المؤلف المصري عمرو محمود ياسين (حساب ياسين على فيسبوك)

قال المؤلف والسيناريست المصري عمرو محمود ياسين إن مسلسله الرمضاني «وننسى اللي كان» تعرض لحملات تشويه دُفعت فيها أموال للإساءة للعمل ولبطلته الفنانة ياسمين عبد العزيز، مؤكداً في حوار لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل حقق نجاحاً لافتاً واحتل قائمة الأكثر مُشاهدة عبر منصة «شاهد»، مشدداً على أنه لم يُغَير نهاية العمل كما ردد البعض، وإنما كان هناك عيب فني في نسخة الحلقة الأخيرة تم اكتشافه قبل عرضها واستغرق وقتاً لحل المشكلة.

وقال ياسين إن «عصر المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى، وإن أعظم الأعمال في تاريخ الدراما لو عُرضت في هذا التوقيت لواجهت من يعيب فيها»، لافتاً إلى «أنه لم يحسم وبطلته ياسمين عبد العزيز مسألة العمل معاً في رمضان القادم بعد أن جمعتهما 4 مسلسلات».

ياسمين عبد العزيز وكريم فهمي في لقطة من العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وكشف عمرو محمود ياسين أنه لم يكن ينوي تقديم عمل رمضاني هذا العام بعدما واصل العمل منذ رمضان الماضي في مسلسل «وتقابل حبيب» ثم مسلسل «2 قهوة» الذي عُرض خارج الموسم الرمضاني، وكان لديه مسلسل آخر قصير يكتبه فشعر بحاجته للتوقف في رمضان هذا العام، لكن جاء قرار تقديم عمل رمضاني مع ياسمين عبد العزيز متأخراً في أغسطس (آب) الماضي، موضحاً أنه كان لديه قصة ينوي كتابتها لتكون فيلماً عن نجمة لديها معاناة شخصية تطلب من حارسها الشخصي تخليصها من حياتها، وأنه قام بتطويرها لتكون موضوع المسلسل.

لكن هذا المسلسل أدخله في معارك عديدة يقول عنها: «هناك معارك فُرضت علينا خارج الإطار الطبيعي للمهنة، فقد تعرضنا لحملات تشويه غرضها التقليل من قيمة العمل، ومن قيمة أبطاله، ومني شخصياً، وهناك أموال دُفعت لأجل ذلك واستطعت التأكد منها، ما جعله يتصدى لها عبر مواقع (السوشيال ميديا)»، مؤكداً أنه «ليس من هواة الاختفاء والتجاهل، بل يحب الرد على الناس والتفاهم معهم؛ لأن عدم الرد على بعض الأمور أحياناً يجعل الناس تصدق كثيراً من الأكاذيب».

ياسين مع مخرج العمل (حساب ياسين على فيسبوك)

وحول وجود أكثر من عمل عن الوسط الفني وعن رياضة الفنون القتالية التي يؤديها بطله كريم فهمي يقول ياسين: «هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، بل تكرر في أكثر من موسم رمضاني، لكنني لم أكن أعرف شيئاً عن مسلسل (اتنين غيرنا)، وعلمت من اسم مسلسل (على كلاي) أن بطله ملاكم، لكن فوجئت أن الملاكمة تحولت لنفس اللعبة (إم إم إيه)، ووجدت الفنان محمد إمام يقوم بها أيضاً في مسلسل (الكينج)، لكن لا أحد اطلع على سيناريو الآخر، بل هو توارد خواطر مائة في المائة، ويبقى أن كلاً منا يعمل بطريقته، وأن تفاصيل كل عمل مختلفة عن الآخر».

وعن تأجيل عرض الحلقة الأخيرة من المسلسل يقول ياسين: «من أغبى ما ردده البعض أننا قمنا بتأجيل الحلقة الأخيرة من أجل تغيير نهاية المسلسل؛ لأن البعض لا يدرك أن النهاية تكون محددة منذ البداية ومعروفة لفريق العمل الأساسي، وهي أن جليلة ستتزوج بدر وسيعود ليتفوق رياضياً وستدعمه في ذلك، وبناء عليه ستكون نهاية سعيدة، لكن كيف سنذهب لهذه التفصيلة، هذا ما أبني عليه الأحداث من البداية لأصل لتلك اللحظة بشكل مقنع، وما حدث من تأخير عرض الحلقة الأخيرة أننا اكتشفنا عيباً فنياً بها استغرق وقتاً لإصلاحه».

ويقول ياسين: «يبدو أن زمن المنافسة الفنية الشريفة قد انتهى مع عصر (السوشيال ميديا) وتدخلها في سباق الدراما، فقد بات لها دور، جزء منه غير حقيقي ومدفوع الأجر عبر مقالات وفيديوهات وحملات تشويه لتغيير وجهة نظر الرأي العام، مما أفسد شكل المنافسة التي تتطلب أن يعمل كل فريق دوره ويترك الحكم للجمهور».

وأوضح أنه «لو كانت (السوشيال ميديا) موجودة زمان لقامت بتشويه أعظم الأعمال الدرامية بكل سهولة وبساطة، ورغم ذلك فهناك آراء أهتم بها من جمهور مواقع التواصل، حيث أثق بموضوعيتها، ولا تكون موجهة لصالحي أو ضدي».

ويؤكد ثقته في نجاح «وننسى اللي كان» قائلاً: «نجاح المسلسل مؤكد ومثبت من جهات عديدة، وأرقامنا على قناة (إم بي سي) ممتازة، من حيث حجم الإعلانات وحجم المشاهدة على القنوات، وقد تصدرنا طوال شهر رمضان الأعلى مشاهدة على منصة (شاهد) بين جميع مسلسلات الـ30 حلقة».

من كواليس «وننسى اللي كان» (حساب ياسين على فيسبوك)

ويصف عمرو محمود ياسين مسلسلات الـ30 حلقة بأنها «شغلانة كبيرة»، ويقول: «البعض يتكلم ويدلي برأيه دون معرفة أن هناك صعوبة خاصة حين يكون العمل به نجوم وحسابات إنتاجية وتجارية»، لافتاً إلى أنه ممن بدأوا «الخمس حلقات» والـ10 حلقات، وليس لديه مشكلة في الـ30 حلقة، «لكن من المهم أن نبدأ مبكراً حتى لا نتعرض جميعاً لصراع نفسي رهيب مع الزمن، فقد كنت أواصل العمل 72 ساعة متواصلة بلا نوم، لأكتب كتابات مرنة تناسب الظروف، وأتابع أكثر من وحدة تصوير، لذا أطالب الجهات المسؤولة بضرورة الاستقرار مبكراً لبدء التصوير في وقت مناسب».

وبعد 4 مسلسلات جمعت ياسين وياسمين، وهي «ونحب تاني ليه»، «اللي مالوش كبير»، و«تقابل حبيب»، و«ننسى اللي كان»، يقول إن «كل شيء وارد حيث لم يحسم بعد تعاونه المقبل معها»، مضيفاً: «أحب العمل مع ياسمين وبيننا علاقة قوية على المستوى الإنساني، وهي صديقة مقربة، ليس عندي قرار الآن ولم نجلس لنتحدث، فقد انشغل كل منا في الحصول على فترة راحة بعد إرهاق طويل».


«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.