وجد تحليل أجراه فريق بحثي أن الممارسات الطبية العامة في المملكة المتحدة سجلت ارتفاعاً كبيراً في تشخيص اضطرابات الأكل ونوبات إيذاء الذات بين الفتيات المراهقات، في السنوات التي تلت جائحة «كوفيد – 19».
أظهر التحليل أن اضطرابات الأكل لدى فئة المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 24 عاماً بين 2010 و2022، كانت أعلى بنسبة 42 في المائة مما كان متوقعاً استناداً إلى الاتجاهات السابقة للإناث اللاتي تتراوح أعمارهن بين 13 و16 عاماً، وأعلى بنسبة 32 في المائة بالنسبة للإناث اللاتي تتراوح أعمارهن بين 17 و19 عاماً، وذلك منذ مارس (آذار) 2020.
وكانت الزيادة في حدوث إيذاء الذات أكبر أيضاً بين الإناث في الفئة العمرية 13 - 16 عاماً؛ حيث زاد عدد تلك النوبات بنسبة 38 في المائة على ما كان متوقعاً.
في المقابل، لم يكن هناك دليل على زيادة في حدوث إيذاء الذات لدى الإناث في الفئات العمرية الأخرى، كما لم يلاحظ أي زيادة في معدلات اضطرابات الأكل أو إيذاء الذات لدى الذكور.
وتعد اضطرابات الأكل من الحالات الصحية الخطيرة التي تؤثر على الصحة العقلية والجسدية أيضاً. وتشمل مشكلات في طبيعة تفكير الشخص في الطعام والأكل والوزن والشكل وسلوكيات الأكل. وقد يمتد تأثيرها ليشمل عواطف المريض وقدراته العملية. وفي حال لم تُعالَج اضطرابات الأكل علاجاً فعالاً، فقد تتحول إلى مشكلات طويلة الأمد. في حين يُعرف إيذاء النفس بأنه إيذاء الشخص لجسمه عمداً، كأن يجرح الشخص نفسه أو يحرقها. وعادة ما يكون بمثابة رد فعل مؤذٍ للتأقلم مع الألم العاطفي والحزن والغضب والتوتر.
نُشرت الدراسة التي أجريت بالاشتراك بين جامعة مانشستر وجامعة كيلي وجامعة إكستر والمؤسسة الخيرية لأبحاث الصحة العقلية (McPin) بالمملكة المتحدة، في دورية لانسيت لصحة الأطفال والمراهقين (الثلاثاء).
قال المؤلف الرئيسي، الدكتور بيرل موك من جامعة مانشستر، في بيان صحافي صادر مع الدراسة: «من المحتمل أن تكون أسباب زيادة تشخيص اضطرابات الأكل ونوبات إيذاء النفس بين الفتيات المراهقات في أثناء الوباء معقدة ويمكن أن تكون بسبب مزيج من القضايا مثل العزلة الاجتماعية، والقلق الناتج عن تغيير الروتين، واضطراب التعليم، والتأثيرات غير الصحية على وسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة الوعي الإكلينيكي».
وشدد بقوله: «دراستنا كبيرة، لكن حالات إيذاء النفس التي لم تعالجها الخدمات الصحية لم يتم تسجيلها في بياناتنا، لذلك قد يكون الارتفاع في حالات إيذاء النفس أكبر مما لاحظناه».
بدورها علقت دكتورة أميرة فارس، اختصاصية الطب النفسي والإدمان وطب نفسي الأطفال والمراهقين، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت الاضطرابات النفسية عموماً في الظهور بمعدلات تبدو أعلى بعد انتشار وباء كوفيد – 19، ومن ضمنها اضطرابات الأكل وسلوكيات إيذاء الذات»، مضيفة أنه «فيما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء ذلك فتعود إلى انتشار حالة من القلق العام بين الناس بعد انتشار الوباء، بالإضافة لتغير روتين الحياة العام واضطراب نظام التعليم».
وأوضحت أن اضطرابات الأكل لها أسباب أخرى كثيرة وقد تكون مرضا مستقلا بذاته، أو قد تكون عرضا لمرض آخر مثل الاكتئاب والقلق، وقد تؤدي إلى اضطرابات أخرى عضوية ونفسية. وتابعت: «بالنسبة لسلوكيات إيذاء الذات خصوصاً لدى فئة المراهقين، فتظهر كنوع من أنواع عقاب الذات أو سلوك لجذب الانتباه أو كعرض من أعراض مرض الاكتئاب أو إشارة إلى ضعف ثقة المراهق في نفسه».
ووفق نتائج دراسة سابقة قادتها جامعة بريستول، أجريت على عينة بلغت 2657 فرداً من الشباب في المملكة المتحدة، تعتبر اضطرابات الأكل وإيذاء النفس من المشكلات الشائعة والمقلقة للصحة العقلية بين الشباب. وفي المملكة المتحدة، يعيش ما يقرب من 1.25 مليون شخص مع اضطراب في الأكل ويتعرض 1 من كل 15 بالغاً هناك لحوادث تتعلق بإيذاء النفس.
وفيما يتعلق بالدراسة الجديدة، استخدام الباحثون قاعدة بيانات من السجلات الصحية الإلكترونية للرعاية الأولية مجهولة المصدر لأكثر من 9 ملايين مريض تتراوح أعمارهم بين 10 - 24 عاما من 1881 ممارسة عامة في المملكة المتحدة.
تتبع فريق الباحثين عدد تشخيص اضطرابات الأكل وإيذاء النفس الذي سجله الأطباء الممارسون شهريا من يناير (كانون الثاني) 2010 حتى مارس 2022، أي قبل نحو 10 سنوات من ظهور جائحة كوفيد - 19 وبعد عامين من بدايته.
تم تقييم الفروق بين عدد الحالات المرصودة والمتوقعة لإعطاء مؤشر على التأثير المحتمل للوباء على حدوث النتيجة.
من جانبها، تشدد فارس على أن كل هذه الاضطرابات منتشرة الآن بشدة في المجتمعات العربية، كما هو الحال في المجتمعات الغربية، لذلك تقدم للجمهور النصائح التالية: «تجنب انتقاد الشكل الخارجي للمراهقين أو انتقاد الأهل لأنفسهم بشكل واضح ومبالغ فيه أمامهم، وإذا وجدنا مراهقاً يعاني من هذه الاضطرابات نرشده للعلاج النفسي ونتجنب اتهامه بأنه يحاول جذب انتباه الآخرين، فغالباً تعد هذه المحاولات دليلا على ضعف مهارات الشخص ويأسه في الحصول على التشجيع والاهتمام المطلوب، بجانب زيادة الوعي والقراءة في طرق التربية بالنسبة للأهل لتجنب الوقوع في أخطاء التربية التي قد تؤدي إلى حدوث مثل هذه الاضطرابات، وتقديم الحب غير المشروط للأبناء وقبول اختلافهم واختلاف جيلهم عن جيل الآباء».











