جناح السعودية في بينالي البندقية للعمارة... الإرث يدعم المستقبل

صائم الدهر قال إن الجناح «مرحلة من رحلة تطوّر»

عناصر محلية وأخرى حديثة (وزارة الثقافة)
عناصر محلية وأخرى حديثة (وزارة الثقافة)
TT

جناح السعودية في بينالي البندقية للعمارة... الإرث يدعم المستقبل

عناصر محلية وأخرى حديثة (وزارة الثقافة)
عناصر محلية وأخرى حديثة (وزارة الثقافة)

يبهرنا الجناح السعودي في بينالي فينيسيا للعمارة... ينقلنا إلى عالم قريب للنفس وللعقل... يستكشف ويعيد استكشاف مفهوم العمارة المحلية بنظرة مستقبلية، ويثير الأسئلة حول الاستدامة المنشودة وعلاقة الإنسان مع الطبيعة ودوره في إثرائها.

في مدخل الجناح تقابلنا أقواس ضخمة محمّلة بقطع من ألواح الطين المطبوعة بتقنية الأبعاد الثلاثة، تدعونا للدخول وترحّب بنا عبر جماليات عالية، فكأننا ندلف لمبنى عبر بواباته الضخمة الجميلة. هل تعبّر أيضاً عن روح البيئة العربية، هل تومئ لنخلات عملاقة؟ هناك الكثير من التصورات والأفكار، ولكن تبقى الإجابات لدى منسقي العرض والمعماري السعودي البراء صائم الدهر، الذي يأخذنا في جولة عبر عمله.

الرحلة والوجهة

ننطلق مع المعماري لندخل الجناح، يشرح لنا أن نقطة الانطلاق للعمل هي عنوان العرض «إرث»، يقول إنه ينطلق من «اقتباس من أحد تقارير (اليونيسكو) يقول بأن الحرفية التقليدية هي أفضل تجسيد ملموس للتراث غير الملموس، جعلني هذا القول أفكر بالإرث المعماري لدينا». في تصوره للجناح هناك جانبان: المادي واللامادي، الماضي والمستقبل. يشرح أن الجناح ينقسم قسمين «الرحلة والوجهة، الجناح يمثل عملاً لم يكتمل بعد، فهو في حالة تغير دائمة»، يشير في إجابته إلى مستقبل القطع المعروضة أمامنا، إلى وجهتها القادمة وإلى ما بعد ذلك. نحن في مرحلة وسط، البناء يعتمد على إرث عريض من أساليب العمارة وتفاصيلها وموادها الأساسية، غير أن الفلسفة خلف الجناح أيضاً تشير إلى أن ما نراه أمامنا سيكون إرثاً لمن يأتي بعدنا في المستقبل». تتدخل القيّمة المساعدة جوهرة لو بابلت بالقول «البراء مهتم جداً بفكرة الاستدامة ويحرص على إبرازها هنا».

يدعوني المعماري للدخول عبر تلك الأقواس أو البوابات كما يشير لها «هنا إيماءة لبوابات المدن القديمة في السعودية، لكن هنا تفسير معاصر، أخذنا العناصر الأساسية للبناء هنا من حيث الأشكال والمواد والأنماط». التقليدي يختلط مع المعاصر، الأقواس تحتفظ بفكرتها الأصلية، لكنها هنا تتحور وتغير من شكلها لتصبح أنصاف أقواس في أماكن، المواد المستخدمة تتنوع ما بين الصلب والحجر والألواح الطينية التي تمت صناعتها عبر تقنية الطباعية الثلاثية الأبعاد.

البراء صائم الدهر (الشرق الأوسط)

بالنظر حولنا نرى تلك الألواح الطينية المميزة بلونها الطبيعي، نقترب منها ونرى تموجات محفورة فيها تماثل الخطوط التي تتركها الريح على رمال الصحراء، تبدو القطع مثل الأعمال الفنية، ولكنها أيضاً لبنات معمارية، أين الحد الفاصل بين التعبير الفني والاستخدام العملي؟ في هذا الجناح يبدو الاندماج واضحاً، العمارة ليست فقط حجارة وصلباً ومواد جافة، بل هي أيضاً جمال وروح وهوية، وهنا تحديداً تبدو الهوية واضحة، من الصحراء العربية بألوانها المتجسدة أمامنا بتدرجاتها المختلفة وبدمج قطع ولبنات بناء بعضها مصنوع من الحجر المنقبي (الحجر الجيري المرجاني الذي يُجلب من شاطئ البحر) المستخدم في مباني جدة القديمة، يشير صائم الدهر إلى أحد تلك الأحجار ونرى فيه بقايا حياة بحرية شذرات وقطعاً من الأصداف.

لون الأرض

يشير إلى أن لون الأرض الطاغي في الجناح «هنا أكثر من تنويعة على اللون لتعكس جغرافية المملكة، بالنسبة للألواح الطينية أيضاً يختلف النسيج من قطعة إلى أخرى؛ فنحن نظرنا للأشكال التي تتركها الريح على رمال الصحراء وحرصنا على تصويرها على الألواح المختلفة، لدينا هنا 18 مجموعة من الألواح الطينية تختلف في نسيجها، فكل قطعة متفردة بشكل ما، أرى أن هذا أيضاً إيماءة للحرفيين الذين يملك كل منهم لمسة خاصة به».

يقدم الجناح نظرة واسعة لأساليب المعمار المختلفة في مناطق السعودية، فمن الكثبان الرملية في الصحراء إلى مباني منطقة عسير، مروراً بأساليب البناء في المناطق الساحلية، يرى صائم الدهر أن تطور الجانب التراثي في المعمار داخل المملكة يمثل «رحلة شيّقة»، مضيفاً «نريد أن يعكس هذا الفصل الجديد في تاريخ العمارة السعودية الاستمرارية والتطور».

ما بين عالمين

البوابات المقوسة هي المدخل وبعدها ندلف من خلال بوابة شبه مقوسة إلى عالم آخر، أسأل المعماري «القوس هنا غير مكتمل، ما الهدف من ذلك؟».

«كل شيء هنا في حالة تطور، حرصت على أن يكون غير مكتمل، الجناح بأكمله في حالة تطور، سيكون هناك مرحلة مقبلة».

نصف القوس المخضب بلون الأرض يأخذنا لحائط أسود يفصلنا عن الجانب الآخر من القاعة، في ذلك الحائط فتحات هندسية الشكل، تذكّرنا بفتحات المشربيات في البنايات القديمة، تمنحنا تلك الفتحات الفرصة لإلقاء النظر على ما هو قادم.

يشرح أن الحائط يمثل رحلة انتقالية، ما بين الخارج والداخل، ما بين البر وعمق البحر، وبشكل أشمل هو انتقال من المادي إلى اللامادي، «أردنا أن نحضّر المشاهد للحظة تأمل، لم نرد للزائر أن يدخل مباشرة لمنطقة خالية أو مجردة خلف الجدار».

ما خلف الجدار تجربة أخرى، حسية للإضاءة والرائحة البطولة فيها؛ فالمساحة خافتة الإضاءة وفي وسطها تقف أسطوانة طينية مفرغة، تبدو مثل مشربية أسطوانية، الفتحات فيها متباينة وتعكس ضوءاً من داخلها يرسم أشكالاً مختلفة على أرض القاعة وجدرانها. تتسلل إلى أنوفنا رائحة لطيفة، تقول عنها القيمة المساعدة الجوهرة «هذه الرائحة خليط خاص أُعدّ للجناح، يجمع ما بين رائحة زهور الخزامى ونبات المر والبخور. الرائحة تختزل ذكريات لكل شخص، وهذه العناصر المختلفة مرتبطة بشكل وثيق بالبيئة السعودية».

أقواس وبوابات في الجناح السعودي (وزارة الثقافة)

توفر البيئة غير المادية لمحة عن المستقبل من خلال عدسة التقاليد: تجربة وجودية تسمح للزوار بتجربة شيء استثنائي، والاستشعار بـ«لحظة» من الزمن وإثارة ذكرى الجناح التي ستكون مختلفة لكل شخص على حدة. تتحول الرائحة لمثار حديث بعض زوار الجناح، يتبادلون الحكايات حول الروائح والذكريات، بشكل ما تحقق تلك التجربة الغامرة المراد منها وتجذب ببساطة وانسيابية التفاعل المرجو من الزوار.

المنطقة في الداخل تتمحور حول المساحة والرائحة وأيضاً عن الجلوس والتأمل، بحسب البراء.

أشار صائم الدهر في بداية حديثه إلى أن الجناح أمامنا هو في مرحلة من رحلة تطور، وتتخذ كلماته معنى أوضح عند معرفة أن جميع القطع الموجودة في الجناح ستعود إلى السعودية لتبدأ حياة ثانية، حيث ستوضع البوابات المختلفة في الحدائق والأماكن المفتوحة، أما الأسطوانة الطينية فستسكن قاع البحر الأحمر لتكون امتداداً للحياة الفطرية هناك.

يختتم صائم الدهر حديثه معي مختصراً تجربته في الجناح «دعينا لتنفيذ مشروع يتعامل مع كيفية تطوير أسلوب معماري سعودي مميز، بالنسبة لي كان ذلك بداية رحلة استكشافية. قمنا بالغوص في الأشكال الأصلية، التاريخ، الوظيفة والحرفية، لا نريد لذلك الأسلوب أن يكون نسخة من الماضي».

«الجماليات جزء من الرسالة، يتفاعل معها الجمهور وتجعلهم يفكرون أولاً، إنها أيضاً جزء من اللغة العامية المعمارية السعودية».

القيّمة الفنية بسمة بوظو

طوّرت القيّمتان بسمة ونورا بوظو رؤية خاصة للبينالي بالتعاون مع المعماري صائم الدهر، وتقول بسمة بوظو عنها إن نقطة الانطلاق بالنسبة لهما كانت من موضوع البينالي وهو «مختبر المستقبل»، وتضيف خلال حديث سريع معها أن التعمق في معنى العبارة أدى بهما إلى استكشاف أمور كثيرة «أردنا أن نرى ما هو تراث الهندسة المعمارية لدينا؛ بحثاً في الجوانب الملموسة وغير الملموسة المتداخلة مع المعمار. بدأنا نفهم أن تراث العمارة يجب أن يكون ديناميكياً، ومتفاعلاً مع المواد والمهندس المعماري، لكن العنصر الثالث هو سكان المكان نفسه، الذين يشبهون زوار الجناح».

أسألها عن الجماليات الواضحة في الجناح، هل كان الحرص على الجانب الجمالي أمراً مكملاً؟ تقول إن الجماليات «جزء من الرسالة، يتفاعل معها الجمهور وتجعلهم يفكرون أولاً، إنها أيضاً جزء من اللغة العامية المعمارية السعودية».

 

«فخورون جداً بإنجازات المملكة في المجال الثقافي بشكل عام، وتحديداً في مجال العمارة والتصميم».

سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة

الدكتورة سمية السليمان

 

جمعني الحديث مع الدكتورة سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة التصميم والعمارة، حول المشاركة الثالثة للسعودية في هذا المحفل الدولي وانطباعها عما حققته المملكة في هذا المجال.

أبدأ حواري معها بسؤال عن تقييمها للمشاركات الثلاث، تقول «أمر صعب، فأنا لا أستطيع المقارنة، في كل مرة كانت المشاركة استجابة لموضوع عام من إدارة البينالي، ولكني أعتقد أن كل مشاركة بالنسبة للمملكة كانت تعكس نوعاً من التطور والنضج على مستوى الأفكار، كل مشاركة كانت مميزة بحد ذاتها في إطار الاستجابة للموضوع الرئيسي للبينالي».

تعبّر عن سعادتها بالتأثير الذي تلمسه في ردود فعل الناس لعمل الهيئة وعلى مستوى أكبر «فخورون جداً بإنجازات المملكة في المجال الثقافي بشكل عام، وتحديداً في مجال العمارة والتصميم. أعتقد وجودنا في المجتمع الدولي يمنحنا منصة خاصة لأن نكون جزءاً أساسياً من الحوار العالمي؛ فالهموم مشتركة حول العالم، لكن طريقة الاستجابة دائماً فيها جانب محلي، وهو مهم لنا أن يكون الشيء الذي ننتجه نابعاً من أصلنا».

ترى في الموضوع العام لهذه الدورة من البينالي وهي «مختبر المستقبل» إمكانية للتجريب في مجال العمارة «وهو أمر جيد».

أسألها عن الفلسفة خلف عنوان الجناح «هل ترين تحول في مجال العمارة والتصميم في اتجاه الإرث؟» تأخذني إجابتها في رحلة عبر التصاميم المعمارية في المملكة عبر الزمن «في الستينات كان التركيز في البناء على جانب الحداثة، وفي السبعينات كان هناك محاولات لإعادة الإرث بطريقة معاصرة وإن كانت سطحية أحياناً في بعض المشاريع، لكننا الآن نعيش نهضة ثقافية حضارية بها جزء كبير من الاعتزاز بهويتنا وفي الوقت نفسه مدعومة بالبحث». تشير إلى بعض القطع المعروضة في الجناح والتي ترتبط بمواد تعكس أساليب مختلفة في العمارة السعودية «في الجناح لدينا معروضات مصنوعة من مواد مختلفة وكلها من مشاريع قائمة، بعضها مواد تقليدية وبعضها الآخر له طبيعة بحثية، ارتباطنا بالطبيعة والماضي لا يمنع من التقدم نحو المستقبل». من القِطع بعض اللبنات المصنوعة من مخلفات صناعة البترول وهي تجسيد للجانب البحثي الذي تتحدث عنه السليمان «أصبح لزاماً علينا أن نفكر بالاقتصاد الدائري عبر القضاء على الهدر والاستخدام المستمر. عندما نفكر بمخلفات الصناعات مثل صناعة البترول نجد أن بها إمكانية لأن تكون كنوزاً ومواد لصناعات أخرى؛ ولهذا أرى أن الجانب البحثي والانفتاح على هذه الأمور مهم جداً».



من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.