فان غوخ وعزاء السرو المُحرَّرة من قيودها البائسة

معرض في متروبوليتان يتناول جدلية علاقة الرسام بالطبيعة

لوحة «حقل القمح مع أشجار السرو» (متحف متروبوليتان للفنون)
لوحة «حقل القمح مع أشجار السرو» (متحف متروبوليتان للفنون)
TT

فان غوخ وعزاء السرو المُحرَّرة من قيودها البائسة

لوحة «حقل القمح مع أشجار السرو» (متحف متروبوليتان للفنون)
لوحة «حقل القمح مع أشجار السرو» (متحف متروبوليتان للفنون)

يبدو من المنطقي أنّ فنسنت فان غوخ، الأشهر بين عموم الفنانين البائسين، قد تبنّى شجرة السرو المتوسطية كباعث مُحفّز. لطالما جمعت الشجرة الطويلة، دائمة الخضرة، ومخروطية الشكل روابط الحداد والموت. وهي ترصد شواهد المقابر المسيحية واليهودية والمسلمة في جميع أنحاء جنوب أوروبا والشرق الأدنى.

غير أنّ فان غوخ رأى تلك الشجرة من زاوية مغايرة. فهو كتب في يونيو (حزيران) سنة 1889، برسالة إلى أخيه ثيو المتديّن: «لا تزال أشجار السرو تشغلني. أودّ أن أرسمها كما رسمتُ لوحات زهور عباد الشمس. يدهشني أنّ أحداً لم يهتم بها كما أراها».ألهمته الشجرة إلى مستويات شجرية جديدة، كما نرى في معرض «سرويات فان غوخ». بحضورٍ أخضر جلي، تبدأ فعالياته في الأسبوع المقبل بمتحف متروبوليتان للفنون، وهو يستمدّ أهميته في وقت تدفع كارثة تغيّر المناخ فنانين معاصرين إلى وضع الطبيعة في صميم أعمالهم والانهماك في «العزاء» (الكلمة المفضلة لدى فان غوخ) الذي تتيحه الأشجار.

أشجار السرو

يضم متحف متروبوليتان 24 لوحة، إلى 15 رسماً و4 أحرف مصوّرة لا تظهر فيها شجرة السرو كثيمة رئيسية في كل الأحيان. يتضمن العرض «ليلة النجوم» (من متحف الفن الحديث) التي تظهر مصادفة، إلى الإيقاعات الغيبوبيّة لسمائها الهدّارة، مع زوج من أشجار السرو، التي مرّت فترة طويلة من دون الاحتفاء بها أو حتى ملاحظتها. بدأ فان غوخ، المنتحر عن 37 عاماً، برسم أشجار السرو في نهاية حياته. حينها، كان الفنان الهولندي الأصل يعيش في جنوب فرنسا، ويُخرج بعض أقوى أعماله. ينكشف معرض متحف متروبوليتان ببطء واضح، حيث تظهر أشجار السرو في البداية كأوراق شجرية عامة في المسافة البعيدة لمناظره الطبيعية من مدينة آرل الفرنسية. لكنه اهتم بذلك الباعث منذ صيف 1889، إثر تعرّضه لانهيار عقلي ودخوله طوعاً إلى مصحة في سان ريمي دي بروفانس. وبعدما كان حبيس جدران المستشفى في البداية، رسم صوراً للحقول خارج نافذة غرفة نومه ذات الأعمدة الحديد، وتأمّل زهور السوسن الزرقاء في الحديقة.

خلال أسابيع، اعتُبرت حالته جيدة بدرجة تكفي ليتجاوز جدران المستشفى، فانطلق حاملاً مِسْند الرسام وصندوق الألوان. مرَّ على الحقول المجاورة ودهشه منظر أشجار السرو الفردية النامية في البرية. تساءل، كما قال لاحقاً، كيف يمكنه تصوير هذه «البقعة المظلمة في منظر طبيعي مُشمس للغاية؟». (بالمناسبة، لا يجب الخلط بين أشجار السرو المورقة التي رآها في بروفانس وأشجار السرو الصلعاء «تاكسوديم» الموجودة في أميركا؛ الجزء الرئيسي من مستنقعات لويزيانا والأفلام ذات الصبغة القوطية).

قد تبدو «سرويات» فان غوخ كأنها فرضية رهيفة للعرض الفني. في العام الماضي فقط، ظهر معرض «فان غوخ وبساتين الزيتون» بمتحف دالاس للفنون وأماكن أخرى؛ في نظرة بالغة التركيز على الفترة التي كان فيها الفنان يتلقى علاجه في سان ريمي. ربما تعكس مثل هذه المعارض المتخصصة تخفيضات ما بعد الجائحة، لكنها تمثل أيضاً اتجاهاً جمالياً مُرحبّاً به، إذ توفر بديلاً لموكب الماضي المزدهر والسماح للمتعة الكلية التي تتأتى من تناول الفن بصفة جزئية، لوحة تلو الأخرى في كل مرة.

لغز الحصى

زرتُ، في أحد أيام بعد ظهر شهر أبريل (نيسان) الماضي، استوديو الحفاظ على البيئة في متحف متروبوليتان، بعدما تلقيتُ معلومة مثيرة للاهتمام: العثور على مجموعة من الحصى الفعلية موجودة في إحدى لوحات أشجار السرو، التي رسمها.يحتل مركز «شيرمان فيرتشايلد للحفاظ على اللوحات»، كما هو معروف رسمياً، مساحة من طبقتين ذات سقف عالٍ في طابق «الميزانين». وصلت لأجد اثنتين من أشهر لوحات فان غوخ - وكلتاهما من مجموعة متحف متروبوليتان - مستلقيتين في وضع مستقيم على المساند الخشبية وقد أزيلت إطاراتها، وأثار المنظر الصدمة الخفيفة التي تأتي من رؤية تحفة فنية بديعة ترتد من حياتها المذهّبة إلى شيء مصنوع يدوياً بوضوح. شرحت القيّمة في مجال الفنون الجميلة شارلوت هيل، وعالمة الأبحاث سيلفيا سنتينو، أنّ رسم اللوحتين استغرق أياماً عدة من بعضهما بعضاً في يونيو (حزيران) سنة 1889... «الشهر المتفجر بالأعمال»، كما أكدت هيل بلهجتها البريطانية.

لا يمكن أن تكون اللوحات أكثر اختلافاً. تُقدم لوحة «حقل القمح بأشجار السرو»، البالغ طولها 29 بوصة بعرض 3 أقدام، منظراً مشرقاً لريف بروفانس في يوم عاصف؛ إذ تنحني سيقان القمح الأصفر في مهب الريح، وتتساقط الغيوم عبر السماء، وتتموج التلال الكلسية ذات اللون الأزرق الأرجواني المعروفة باسم سلسلة «البيل» الجبلية الفرنسية عن بعد. ومن ثم، على الجانب الأيمن، هناك شجرة السرو، بأوراقها الزمردية القاتمة تتباين مع سطوع السماء المشرقة. في الواقع، رسمُ هاتين الشجرتين من أشجار السرو يمكن أن يكون مدهشاً عند إدراك أنّ الشجرة الصغرى تنحني متكئة على الشجرة الكبرى، كشخصيات بشرية تتلامس أطرافها.

تعرض اللوحة على المسند الآخر، بعنوان «السرويات»، منظراً لشجرتين من أشجار السرو أيضاً، ولكنها لوحة لصورة دراماتيكية للغاية؛ إذ انتظمت عمودياً، ويبدو الجزء العلوي من الشجرة الطويلة منضغطاً بشكله ومتحولاً إلى كتلة ضخمة متماوجة. مرة أخرى، فكرت في شخصيتين وتساءلت عما إذا كان فان غوخ قد اختار رسم زوج من أشجار السرو للإشارة إلى شعور مريح بالتآزر.

شاشة في مركز الحفظ توضح كيف يُستخدم تحليل التألق بالأشعة السينية (نيويورك تايمز)

في بحث تقني عن «أشجار السرو»، اكتشفت السيدتان هيل وسنتينو، باستخدام المجهر والعملية الكيميائية المعروفة باسم «إكس أر إف» (التخطيط الاستشعاعي بالأشعة السينية)، بعض الأمور الجديدة. كان من بينها الوجود المفاجئ للمادة الصخرية في الصباغ. الحصى الرملية والكلسية - يبلغ قطر أكبرها ربع بوصة - مُتضمنة عبر سطح اللوحة القماشية، لا سيما في المقدمة ذات الألوان السميكة.

أكد الاكتشاف ما عرفه العلماء بالفعل: رُسمت أغلب لوحات «أشجار السرو» في الهواء الطلق؛ «في الموقع»، كما قالت هيل، مضيفة أنّ فان غوخ وضع اللمسات الأخيرة على اللوحة في الاستوديو الخاص به. وباستخدام مؤشر خشبي، حدّدت أربع حصى ظاهرة للعين المجردة، وأضافت: «نعلم أنها موجودة، لكننا لا نستطيع أن نعرف بالضبط كيف وصلت إلى هناك».

شاشة في مركز الحفظ توضح كيف يُستخدم تحليل التألق بالأشعة السينية لدراسة تكوين الأصباغ (نيويورك تايمز)

هل كان من الممكن أن يكون فان غوخ قد أضاف عمداً حفنة من الرمل والحصى إلى الطلاء لتكثيف حدّة تأثيره ومنحه ملمساً أكثر خشونة؟ أجابت هيل: «كلا بكل تأكيد! أعتقد أنّ ما حدث هو أنّ مسند لوحته قد أطيح به، فقد كانت الرياح قوية للغاية».لكن هذا ليس أكثر من مجرد نظرية، كما أكد القيّمون على السواء. ولا شك في أنّ نظريات أخرى ستظهر، لا سيما أنّ معظمنا يفضل التفكير في اللوحات المحبوبة كانعكاس لإرادة الفنان بدلاً من مجرد حادثة لطقس عابر. بعد بضعة أيام، ذكرتُ قصة الحصى لصديق فنان، الذي اقترح مُتعجلاً: «أعتقد أنّ ما حدث هو أنّ فان غوخ كان يشعر بالاشمئزاز من اللوحة ويلقي عليها حفنة من الأوساخ».

كان تفاني فان غوخ في الرسم من الطبيعة بوضح النهار قد صار مثيراً للجدل بحلول نهاية الثمانينات، عندما كان الفنانون الطليعيون يدفعون بأعمالهم بعيداً عن الانطباعية ونحو أنماط أكثر ذاتية من الرمزية والتعبيرية، فبرز تحدٍ قوي من بول غوغان، صديق فان غوخ، أو بالأحرى «الصديق اللدود». كثيراً ما رُويت قصة فان غوخ، الفنان المنفرد الذي طالما تاق إلى الرفقة، الذي دعا غوغان للمكوث برفقته في البيت الأصفر بمدينة آرل. وبدلاً من رفع الحالة المزاجية لدى الرسام، كانت الزيارة كارثية، مما أسفر عن حادثة قطع الأذن المريعة ثم انحباسه في المصحة النفسية.

حقائق

يحتل مركز «شيرمان فيرتشايلد للحفاظ على اللوحات»، كما هو معروف رسمياً، مساحة من طبقتين ذات سقف عالٍ في طابق «الميزانين».



اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.


«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
TT

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا خلال القرن السابع عشر.

ووفق «الغارديان»، ظهرت هذه القلادة، المُصمَّمة على شكل قلب، في لوحة «سير توماس أستون عند فراش موت زوجته»؛ وهي رائعة فنّية تجسد الحداد، رُسمت بحجمها الطبيعي عام 1635، وغلب عليها اللونان الأبيض والأسود بريشة جون سوتش، فنان مقاطعة تشيشاير، وتُعرض حالياً في معرض مانشستر للفنون.

كانت ماغدالين، زوجة أستون المحبوبة، قد فارقت الحياة خلال الولادة قبل أشهر من رسم اللوحة، حيث تظهر في العمل الفنّي جثة بجوار مهد من الخوص يضم طفلها المُتوفى أيضاً. ويقف زوجها المكلوم بملابسه السوداء برفقة ابنهما الوحيد الناجي، «توماس» البالغ من العمر 3 سنوات، وهو يشير إلى عبارة مكتوبة باللاتينية تقول: «الحزن لا يُقاس».

لقد ذاقت هذه العائلة من المآسي ما يفوق الاحتمال؛ إذ توفي الصغير توماس بعد عام واحد من رسم اللوحة، كما لقي أطفالهم الآخرون، روبرت وإليزابيث وجين، حتفهم وهم لا يزالون صغاراً.

ويرتدي أستون في اللوحة القلادة التي صُنعت خصيصاً لإحياء ذكرى فقدان طفله «روبرت» عام 1634 عن عمر السادسة، وقد صُنعت «شرابة» القلادة من خصلات شعر الطفل الشقراء. ولم يكن أحد يتخيل أن هذه الجوهرة، التي تُصنَّف رمزاً «لتذكر الموت»، قد نجت بالفعل من الضياع.

اشتهر الرسام الإنجليزي سوتش بدقته المتناهية في تصوير التفاصيل مثل الأقمشة والمجوهرات. ورغم براعته في رسم القلادة، فإنّ اكتشاف القطعة الحقيقية هو وحده ما أتاح فهم معناها الكامل وتفاصيلها والنقوش المحفورة عليها.

تتوسَّط القلادة إكليل ذهبي، وهي مرصَّعة بالمينا باللونين الأبيض والأسود، وتحمل رسماً لجمجمة ونقوشاً باللاتينية على كِلا الجانبين، ترجمتها: «توفي روبرت في 4 مايو (أيار) 1634... الذي كان مَبعث سرورنا، ومصدر عزائنا، ومعه راح أول أمل لوالديه». وهي نقوش يستحيل قراءتها من اللوحة مباشرةً.

ظلَّت القلادة بحوزة عائلة أستون حتى بيعت في عام 1862، واستحوذ عليها المالكون الحاليون قبل 30 عاماً، بعد مدّة طويلة من نسيان تاريخها المؤثّر. وبمحض المصادفة، وخلال زيارة المالكين لمعرض يضم لوحة «سوتش»، لمحوا الجوهرة المرسومة وأدركوا قيمتها التاريخية.

تواصل المالكون مع مارتن دونر، المؤرِّخ والتاجر المتخصص في القطع التاريخية والأعمال الفنّية، الذي صرَّح لصحيفة «الغارديان» قائلاً: «القلادة في حالة ممتازة، وقد أمضت أغلب القرون الأربعة الماضية من دون أن يتعرَّف إليها أحد. لقد دأب الباحثون على دراسة هذه اللوحة الأيقونية لسنوات لكونها حافلة بالرموز والاستعارات، واستعادة الجوهرة تفك بعض شفرات الأسئلة المحيطة باللوحة».

ومستحضراً ذكرى فقدان شكسبير لابنه الصغير هامنيت عام 1596، وهي المأساة التي استُلهم منها الفيلم الأخير الحائز جائزة الأوسكار، قال دونر عن القلادة: «في جوهرها، تكمن قصة رجل يرثي فقدان ابنه البكر». وأضاف: «قصة هامنيت أصبحت مألوفة للجميع الآن، وهذه القلادة تعود لحقبة تالية بسنوات قليلة وهي مؤثّرة جداً. رغم صغر حجمها، فإنها تختزل فيضاً من المشاعر».

قُدِّرت قيمة القلادة بنحو 650 ألف جنيه إسترليني، ممّا يعكس ندرتها الاستثنائية، إذ يندر جداً العثور على مجوهرات من القرن السابع عشر. وأوضح دونر، الرئيس السابق لقسم المجوهرات في دار «سوذبيز» بلندن: «هناك اهتمام كبير بمجوهرات (تذكر الموت) لأنها مفعمة بالعاطفة؛ فهي ليست للتباهي بالثروة أو المكانة، وإنما هي قطعة شخصية جداً».

أما أستون نفسه، فقد لقي نهاية مأساوية. كان رجل بلاط وعالماً لاهوتياً وجندياً وشاعراً، تدرَّب في القانون ودخل البرلمان وشغل منصب عمدة مقاطعة تشيشاير.

بعدما منحه الملك تشارلز الأول لقب «فارس»، حارب في صفوف الملكيين خلال الحرب الأهلية قبل أن تأسره قوات البرلمانيين في مقاطعة ستافوردشاير، ليموت متأثّراً بجراحه خلال محاولة هروب وهو في الـ44 من عمره.

من جانبها، قالت فيونا كوريدان من معرض مانشستر للفنون: «إنه لأمر مثير أن نعلم بوجود القلادة المصوَّرة في اللوحة، وأنها تعكس النقوش الموجودة في العمل الفنّي. هذه القطعة البديعة والمعقَّدة غارقة في التاريخ، وتحمل قصة فريدة من الحزن والحبّ والذاكرة عبر القرون. سيكون من الرائع معرفة المزيد، وربما إعادة لمّ شمل القلادة باللوحة».

ومن المقرَّر أن يكشف دونر النقاب عن القلادة أمام الجمهور في معرض «تريجر هاوس» بمستشفى تشيلسي الملكي، الذي يستمرّ من 24 إلى 30 يونيو (حزيران) المقبل.


نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
TT

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)

دعم عدد كبير من نجوم الفن المصريين والعرب المطرب هاني شاكر برسائل مؤثرة في ظل الساعات الحرجة التي يمر بها حالياً بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير خلال الساعات الماضية، إثر تعرضه لانتكاسة وإصابته بفشل تنفسي حاد، حيث تم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي بالمستشفى الذي يعالج به في باريس.

وكان صالح فرهود رئيس الجالية المصرية في فرنسا قد أكد في تصريحات تلفزيونية (الاثنين) أن الحالة الصحية لهاني شاكر في تدهور، وأن التنفس صعب حتى في ظل الأجهزة.

وعبر حساباتهم الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي نشر فنانون صوراً تجمعهم بالفنان الكبير وتوجهوا بالدعاء له بالشفاء، وأن يبزغ بريق أمل يطمئنهم على تحسن حالته، وأن يمن الله عليه بتجاوز تلك اللحظات الحرجة، وسط دعوات صادقة من محبيه في كل أرجاء العالم العربي.

وكتب المطرب اللبناني وائل جسار عبر حسابه بـ«فيسبوك»: «يا رب يا رحمن يا رحيم تشفي أخويا وحبيبي وصاحب أحلى إحساس في الدنيا ويرجع لنا بألف سلامة يا رب العالمين».

وكتبت المطربة نادية مصطفى رسالة لهاني وزوجته قالت فيها: «أخي الغالي والفنان الكبير هاني شاكر أدعو لك من قلبي ومعي الملايين من محبيك ربنا يشفيك ويعافيك ويقومك بالسلامة وترجع لنا بألف سلامة».

كما وجهت كلمة لزوجته قائلة: «أعلم أن الاختبار صعب وأشعر بقلقك ووجعك لما يمر به حبيب عمرك، لكن أعرف أيضاً قوتك وإيمانك وصبرك، وأن الله قادر على أن يغير الحال لأحسنه في لحظة، ربنا يطمن قلبك ويشفيه وترجعوا بالسلامة يد في يد كما وعدتيني قبل السفر».

هاني شاكر ومحمد ثروت في أغنية «بلدي» التي جمعتهما (حساب محمد ثروت على فيسبوك)

فيما نشر الفنان محمد ثروت صورة تجمعه بشاكر خلال غنائهما أغنيتهما الوطنية «بلدي» بحفل بالأوبرا، وكتب: «اللهم اشفِ أخي حبيبي وعشرة عمري هاني شاكر شفاءً تاماً لا يغادر سقماً، اللهم أذهب عنه كل بأس، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، اللهم استجب بحق عزتك وجلالك».

وكتبت أنغام: «يا رب تشفي حبيبي، وأستاذي يا لطيف اللطف به». كما كتبت ليلى علوي عبر حسابها على «إنستغرام»: «اللهم اشفه شفاءً لا يُغادر سقماً، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية عاجلاً غير آجل، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك».

نادية مصطفى كتبت رسالة مؤثرة لهاني وزوجته (حساب نادية مصطفى على فيسبوك)

وكتب مصطفى قمر: «اللهم إني أسألك باسمك الشافي أن ترفع عنه الألم وتبدل مرضه صحة وعافية وتطمئن قلبه وقلب أهله».

وعبر حسابها على «إنستغرام» كتبت دنيا سمير غانم: «اللهم اشف هاني شاكر شفاء لا يغادر سقماً، وأذهب عنه كل ألم ومرض واشرح صدره، واشفه شفاءً عاجلاً غير آجل يا رب العالمين».

ومن لبنان كتبت المطربة مايا دياب: «كل الدعوات بالشفاء للفنان الكبير هاني شاكر الذي قدم للساحة المصرية والعربية أجمل الأعمال الخالدة صاحب الروح الطيبة والضحكة الحلوة».

ونشرت مي فاروق صورة تجمعها بهاني شاكر وهما يغنيان معاً في أحد الحفلات وكتبت: «اللهم اشف الأستاذ والفنان العظيم وارفع عنه البلاء».

وكانت أسرة شاكر قد أصدرت بياناً مؤخراً أكدت فيه أن «الفنان المصري دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود (جيوب أدت إلى التهابات ونزف)»، وأضافت زوجته أنه «تعرض لنزف شديد استدعى نقل دم، وتدخل الأطباء عبر (الأشعة التداخلية) لوقف النزف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات».

أنغام مع هاني شاكر (حسابها على فيسبوك)

وأفاد البيان بأنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.