أفكار لـ«لانش بوكس» صحي

شرائح التفاح وزبدة الفول السوداني من مكوناتها

كرات البطاطا الحلوة لمنح الصغار الطاقة من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)
كرات البطاطا الحلوة لمنح الصغار الطاقة من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)
TT

أفكار لـ«لانش بوكس» صحي

كرات البطاطا الحلوة لمنح الصغار الطاقة من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)
كرات البطاطا الحلوة لمنح الصغار الطاقة من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)

شيء محبط للأم أن يعود طفلها إلى المنزل بعد يوم دراسي، وصندوق طعامه كما هو، باستثناء قضمة أو اثنتين من الساندويتش... هنا يضع عدد من الطهاة المصريين بصماتهم بأفكار عدّة مبتكرة، لترغيب الأطفال في تناول طعامهم، والمساعدة بوصفات صحية.

وتنبّه الشيف يمنى صابر إلى أن «الدراسات تفيد بوجوب استهلاك الأطفال نحو 30 في المائة من طعامهم اليومي في المدرسة، بحكم ما يقضونه من وقت بها، ومن ثم ينبغي عدم إغفال أهمية ما نقدمه لهم من طعام في (اللانش بوكس)».

تشيكن راب بتورتيلا الشوفان من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)

هناك كثير من الأفكار السهلة لوجبات غذاء صحية للأطفال، وكثير منها بسيط للغاية، لكن إذا كنتَ تواجه مشكلة في تناول الصغار لها وعدم العودة بها إلى المنزل، فعليك أن تتعرف على أفكار مبتكرة أو مزجها ببعض الخيارات الجديدة، وفق الشيف يمنى.

وتقترح وصفة شرائح التفاح وزبدة الفول السوداني، وهي سريعة وسهلة بشكل لا يُصدَّق، ولا تحتاج إلا إلى 4 مكونات، هي: شرائح التفاح وزبدة الفول السوداني واللوز ورقائق الشوكولاته الداكنة. إنها واحدة من أبسط الإضافات إلى وجبات الغداء الصحية لأطفالك تلبي جميع مجموعات الطعام تقريباً.

وترى يمنى أن خبز شيباتا المحمص بالبصل والجبن خيار آخر رائع: «يحب الأطفال هذا الخبز؛ لتمتعه بنكهة مميزة، وملمس مختلف؛ فهو يتمتع بقشرة مقرمشة، بجانب كونه صحياً للغاية»، وتلفت إلى أنه «غني بالألياف، يجعل الأطفال يشعرون بالشبع، ولا يسبب لهم آلاماً في الهضم؛ فهو يُصنَع من مكونات طبيعية خالية من الغلوتين».

ميني كوكيز للصغار في المدرسة من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)

ولإعداد هذه الوصفة ستحتاج إلى بصل مكرمل، وزيت زيتون، وشرائح رفيعة من البصل، وخل بلسميك، وخبز الشيباتا، وجبن فيتا، وصلصة الثوم، وكرَّات مفروم. وبعد تشويح البصل، تتم إضافة السكر والخل البلسميك، لمدة 10 دقائق، حتى يصبح لونه بنياً ذهبياً، ويتم تحميص شرائح خبز الشيباتا، ويوضع بصينية في الفرن، مع إضافة الصوص والبصل والجبن والفيتا.

بجانب ذلك، تُعدّ سلطة الكرنب المقرمشة بالجبن في خبز البيتا تغييراً عن السندويشات التقليدية، بحسب الشيف المصرية وأضافت: «تدخل في مكوناتها ملعقة صغيرة من المايونيز، وملعقة كبيرة من الزبادي اليوناني قليل الدسم، وشريحة رقيقة من الملفوف الأبيض مبشورة، وجزرة صغيرة، وشريحة بصل، ومفرومة وجبن الشيدر مفروم بشكل ناعم، ومبشور بقدونس، وخبز بيتا كامل الدسم. جرب تقديمها مع قطع من الخيار في (اللانش بوكس)، وكذلك علبة صغيرة من التفاح للتحلية».

ميني بيتزا من شيف أسماء (الشرق الأوسط)

وتنصح: «لا ينبغي الاستهانة بالساندويتشات أو لفائف الحبوب الكاملة، فهي مليئة بالألياف، وهي طريقة رائعة لمساعدة الأطفال على الشعور بالشبع في وقت الغداء، وإبقائهم يقظين في الفصول الدراسية، كما تساعدهم على الحفاظ على صحة أمعائهم».

وتلفت يمنى إلى أهمية إضافة بعض الخضراوات للساندويتشات: «لا أحد يريد تناول شطيرة رطبة، ولكن هذا ليس سبباً لتجاهل هذا العنصر الأساسي في صندوق الغداء. الأمر كله يتعلق ببعض (التكديس الذكي) للحفاظ على الخبز رقيقاً، من هنا حاول نشر التوابل بين الجبن والبروتين وليس مباشرة على الخبز، وجفِّف شرائح الطماطم وأوراق الخس بمنشفة ورقية قبل إضافتها إلى الساندويتش».

ميني بطاطس بالفلفل الألوان والثوم والبسطرمة و الموزاريلا من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)

إذا كان هناك شيء واحد لا يملّ منه الأطفال أبداً، فهو البيتزا؛ إنها تضمن التأكد من عدم عودة وجبات الغداء إلى المنزل... من هذا المنطلق قدمت شيف أسماء في مدونتها «AsmaEats» على «إنستغرام» وصفات متنوعة للبيتزا مقترحةً أن يتضمنها صندوق الغذاء للأطفال، ومنها «بيتزا رولز»، و«سبرينغ رولز» بحشوة البيتزا، و«الميني بيتزا» بالطماطم والزيتون والفلفل الأخضر والهوت دوغ، كما قدمت طريقة لعمل «الستافت كرافت»، لتقطع منها شرائح للصغار، على أن تُقدَّم مع قطع من الخضراوات الطازجة.

وتهتم الشيف المصرية كذلك بمجموعة من المخبوزات، وتقترح تقديمها للأطفال، ومنها البوريك بالجبن والبابريكا والزبادي وحبة البركة، وفطائر الجبن بالسمسم والبقدونس والعسل الأسود، وجبن فيتا المملحة والموتزاريلا.

تقول: «يحب الأطفال المعجنات، ومن الصعب العودة بها مرة أخرى من المدرسة أو النادي، هي تحمل كثيراً من الفائدة حين تُستخدم فيها مكونات صحية، مثل التدقيق في نوع الجبن، وإضافة اللحوم أو الدجاج ضمن مكوناتها أو حشوها. أيضاً يمكنك معها أن تملأ صندوق الطعام بعناصر أكثر صحة، مثل أعواد الجزر والغرانولا والفواكه الطازجة ورقائق الشوكولاته».

بيتزا مليت من شيف أحمد إسماعيل (الشرق الأوسط)

وتلفت الشيف مي أمين إلى أن «الفطائر أو (الوافلز) من الأطعمة المحببة للأطفال وتغنيهم عن شراء الحلوى أو الساندويتشات من مطعم المدرسة، ويسهل صنعها في المنزل من دقيق جوز الهند أو اللوز أو الشوفان، مع إضافة الموز المهروس أو صلصة التفاح».

ولطريقة تصنيعها، يجب «استخدام زيت صحي، مثل زيت الكتان أو الجوز أو جوز الهند بدلاً من زيت الكانولا أو الذرة».

وتحذر من أن الوجبات الخفيفة المعبَّأة مسبقاً في السوبر ماركت، لا تجعلها جزءاً من صندوق الغداء الخاص بأطفالك كل يوم؛ إذ يحتوي كثير منها على سكريات مضافة ونكهات وألوان صناعية ومواد حافظة؛ مما يعني أنها لا تدعم المتطلبات الغذائية الصحية».

ويقدم شيف أحمد إسماعيل أفكاراً مبتكرة لصندوق طعام الأطفال منها «ساندويتش البيتزا» بصدور الدجاج المدخن والموتزاريلا، الذي يصفه بأنه أسهل طريقة لعمل البيتزا. كما يقدم طريقة «البيتزا ميلت» المقرمشة، وكرات البطاطا الحلوة بالسكر والقرفة، إضافة إلى «ميني كوكيز» بالعسل الأسود، وميني بطاطس بالفلفل الألوان والثوم والبسطرمة والموتزاريلا والجبن الرومي والكزبرة، ويرى أن «تشيكن راب» بـ«تورتيلا الشوفان» طعام مثالي في صندوق الطعام، لا سيما للأطفال الأكبر سناً قليلاً.

ويوصي إسماعيل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بالحرص عند تقديم وصفات طعام «اللانش بوكس» أن تكون سهلة التحضير؛ لأنها جزء من الروتين اليومي للمنزل، كما أنها ينبغي أن تكون مغذية وصحية وغير دسمة، حتى لا تجلب لهم الخمول.

وينتهي إلى أنه «لا مانع أحياناً من وضع قطعة أو أكثر من الأطعمة المحببة لهم؛ لتشجيعهم على تناول بقية الطعام الصحي، مثل إضافة (ناغتس) مع الفواكه أو رقائق البطاطس، بشرط أن تكون هذه الأكلات مصنوعة في المنزل».



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».