ماري أنطوانيت... أيقونة سبقت «الإنفلونسرز» بقرون في معرض بلندن

عشقت الموضة حتى الموت ولا يزال تأثيرها مستمراً

لقطة تصويرية لمجلة «فوغ» عام 2012 تظهر فيها العارضة كايت موس في أزياء من تشكيلة «ألكسندر ماكوين» (تصوير تيم وولكر)
لقطة تصويرية لمجلة «فوغ» عام 2012 تظهر فيها العارضة كايت موس في أزياء من تشكيلة «ألكسندر ماكوين» (تصوير تيم وولكر)
TT

ماري أنطوانيت... أيقونة سبقت «الإنفلونسرز» بقرون في معرض بلندن

لقطة تصويرية لمجلة «فوغ» عام 2012 تظهر فيها العارضة كايت موس في أزياء من تشكيلة «ألكسندر ماكوين» (تصوير تيم وولكر)
لقطة تصويرية لمجلة «فوغ» عام 2012 تظهر فيها العارضة كايت موس في أزياء من تشكيلة «ألكسندر ماكوين» (تصوير تيم وولكر)

في يوليو (تموز) الماضي، دخلت زين القطامي كنيسة بكركي لعقد قرانها على سيلو صعب، نجل المصمم العالمي إيلي صعب. ولم تضاهِ هيبة المكان وروعة المناسبة سوى فستانها الذي خطف أنظار الحضور، وهو من تصميم حماها. بدا الفستان كأن المُصمم قد صبّ فيه كل ما في قلبه من حب وإبداع. وقد اعترفت العروس نفسها بأنها لم تُصدق ما أبدعته مخيلة إيلي صعب وأنامل الحرفيين الذين ترجموا رؤيته إلى واقع. كان أقصى مُناها أن تكون أميرة في يوم زفافها، إلا أنه أعطاها ما هو أكثر من ذلك بكثير. «جعلني أشعر بأنني ملكة» وفق ما قالته في حوار سابق مع جريدة «الشرق الأوسط». والحقيقة أن الفستان كان ملكياً بكل المقاييس، بدءاً من حجم تنورته، وذيله الطويل الذي يتفتح على الجانبين بسخاء، إلى استحضاره صور ماري أنطوانيت زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر، وأول مؤثرة موضة في العالم.

لم يكن الفستان مجرد تحفة فنية بل «تجسيد لأحلام الطفلة بداخلي والمرأة التي كبرت أيضاً» بحسب زينة (إيلي صعب)

ملكة لا تزال تُثير الكثير من الجدل بين متعاطف ومتحامل، إلا أن ما يُجمع عليه الجميع أنها هي مَن أرست قواعد «الموضة الراقية». ببذخها المفرط، وحسّها الفطري بالأناقة، أرست ما أصبح يُعرف حالياً بـ«الهوت كوتور»، ومن ثم لم تُغيِّر ماري أنطوانيت مسار التاريخ الفرنسي فحسب بل مسار الموضة ككل؛ لأنها وبكل بساطة صنعت لنفسها، بين رفاهية القصور وتراجيدية السقوط، أسلوباً بصرياً استثنائياً لا يزال يُلهم صناع الموضة حتى يومنا هذا، من بول بواريه وفيفيان ويستوود وألكسندر ماكوين إلى إيلي صعب وأليساندرو ميكيلي وموسكينو مصمم دار «فالنتينو» وغيرهم.

فما لا يختلف عليه اثنان أنها تركت إرثاً غنيّاً من شأنه أيضاً أن يشفي غليل الراغبين في قراءة حقبة مهمة من التاريخ.

ماري أنطوانيت كما صوّرتها كتب التاريخ (فكتوريا آند ألبرت)

هذا الإرث سيكون محور أول معرض تحتضنه المملكة المتحدة، وهو معرض يرى البعض أنه جاء متأخراً مقارنة بأهمية الشخصية وتأثيرها، لكنه في المقابل يُنصفها من خلال تقديم قراءة شاملة عنها، بوصفها أيقونة في عالم الموضة، وملكة ظلمها التاريخ.

المعرض الذي سيفتتح في الـ20 من شهر سبتمبر (أيلول) الحالي في متحف «فكتوريا آند ألبرت» (V&A) سيقدّم تجربة عرض تفاعلية، تشمل عناصر حسية تُسلط الضوء على تأثيرها الممتد لأكثر من قرنين ونصف القرن في مجالات الفنون الزخرفية، والتصميم، والتصوير، والسينما.

وصفت سارة غرانت، القيّمة على معرض «أسلوب ماري أنطوانيت»، بأنها «الملكة الأكثر أناقة، وفي الوقت نفسه من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ»، مشيرةً إلى أن اسمها لا يزال يستحضر صوراً للبذخ الذي أثار حفيظة الشعب الفرنسي ضدها، ومع ذلك يظل مادة ثرية وقيّمة لفهم تاريخ وفنون تلك الحقبة. فقد تجاوز تأثيرها حدود فرنسا ليطول الذوق العام في مختلف أنحاء أوروبا، وهو ما يسعى المعرض إلى استكشافه والكشف عنه، من خلال تسليط الضوء على أسلوبها المميز وشخصيتها في آنٍ معاً، فهما عملة لوجه واحد بحكم أن أسلوبها الأنيق كان فطرياً.

لم تؤثر ماري أنطوانيت على البلاط الفرنسي فحسب بل امتد تأثيرها إلى جموع أوروبا (فكتوريا آند ألبرت)

أثرها على الموضة والثقافة

يتناول المعرض في المقام الأول كيف ألهم أسلوبها مصممين معاصرين، من بينهم شانيل، وديور، وفيفيان ويستوود، وفالنتينو وموسكينو، مع عرض لأزياء سينمائية، مثل تلك المستخدمة في فيلم «Marie Antoinette»، وهو من إخراج صوفيا كوبولا، وبطولة كريستين دانست.

ويتضمن المعرض أكثر من 250 قطعة، تشمل مقتنيات شخصية مثل نعالها الحريرية، وقطع من أزيائها الملكية، ومجوهراتها، وحتى آخر رسالة كتبتها قبل وفاتها. كما يشمل قطعاً نادرة لم تُغادر قصر فرساي من قبل، مثل أدوات المائدة الخاصة بها من قصر بيتي ترينيون وكرسيها الشخصي.

لقطة من فيلم «ماري أنطوانيت» لصوفيا كوبولا (موقع فكتوريا آند ألبرت)

وبما أن تأثيرها مستمر، قُسِم المعرض إلى 4 أقسام رئيسية:

القسم الأول؛ يتناول البدايات (1770-1793)، ويعرض كيف تشكّل أسلوبها بتأثرها بأفكار التنوير، ودورها في تغيير الذائقة الأوروبية في القرن الثامن عشر. كل هذا تجسّد في الفساتين الباستيلية الفخمة المنقوشة بالزهور الدقيقة والأشرطة وسخاء الأقمشة المترفة وغيرها، إضافة إلى الشعر المرفوع عالياً والمُثبَّت بالبودرة والمجوهرات الثمينة والأثاث المزخرف بأسلوب الروكوكو. كما يُقدم المعرض تجربة حسية عطرية تستعيد عطرها المفضل.

لم تؤثر ماري أنطوانيت على البلاط الفرنسي فحسب بل امتد تأثيرها إلى جموع أوروبا (فكتوريا آند ألبرت)

القسم الثاني بعنوان إحياء الأسلوب (1800-1890) ويسلّط الضوء على الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث. أعادت إحياء صورة ماري أنطوانيت في القرن التاسع عشر، لتبدأ موجة اهتمام عاطفي ورومانسي بماري أنطوانيت، بلغ ذروته في ثمانينات وتسعينات القرن نفسه؛ حيث هيمنت صورتها على الذوق العام في بريطانيا وأميركا لأكثر من 50 عاماً. عرض هذا القسم يشمل أزياء تنكرية من تصميم فردريك وورث، مؤسس الموضة الراقية ومصورين مثل أوجين أتجي وفرانسيس فريث.

أما القسم الثالث فيتناول مرحلة أواخر القرن التاسع عشر، وهي مرحلة جديدة اكتسبت فيها ماري أنطوانيت صورة شاعرية. أصبح أسلوبها رمزاً للهروب من الواقع إلى الفانتازيا والحلم. يعرض هذا القسم تحوّلات صورتها خلال فترتي الآرت نوفو والآرت ديكو، من خلال أزياء لـ«جان لانفان» و«الأخوات بوي»، ورسوم توضيحية مائية لفناني «العصر الذهبي» مثل إرتيه، وجورج باربييه وإدموند دولاك.

القسم الرابع والأخير، يستعرض تأثيرها على الموضة والثقافة المعاصرة، من القرن العشرين وحتى الآن من خلال عروض أزياء لدور مهمة، مثل «موسكينو، وديور، وشانيل، وإيردم، وفيفيان ويستوود، وفالنتينو»، إلى جانب صور لتيم ووكر وروبرت بوليدوري. مع عرض لأزياء سينمائية، مثل تلك المستخدمة في فيلم «Marie Antoinette» لصوفيا كوبولا.

حضور قوي في عروض الأزياء

من عرض راف سيمونز لدار «ديور» عام 2014 (غيتي)

في العصر الحديث، استلهم عدد من المصممين إرثها، أو على الأقل تفاصيل من صورتها. كل واحد كانت له ترجمته الفنية الخاصة. فيفيان ويستوود قدّمتها في مجموعتها لخريف/شتاء 1995، باستخدام الكورسيهات والتنانير الواسعة (crinolines).

جون غاليانو، وهو عاشق للتاريخ وتحديداً القرن الثامن عشر، قدّمها بدرامية تليق بها في تشكيلته لخريف/شتاء 2007-2008. تضمنت فساتين بأحجام مبالغ فيها، وتنورات مستديرة، مع تفاصيل مثل الكورسيه المفتوح. كانت جريئة، تميل إلى السريالية ذات الطابع المسرحي، لكنّها خففت من حدّتها وهروبها من الواقع عبر أقمشة مترفة وتطريزات بديعة. بعد خروجه من «ديور» قام المصمم راف سيمونز في تشكيلته لخريف/شتاء 2014 بالرحلة نفسها إلى القرن الثامن عشر، مستكشفاً أسلوبها من خلال التنورات المستديرة بأحجام أقل درامية لكن بارزة، لعب فيها على الجزء العلوي المُحدد على الصدر، ليبرز استدارتها وأشكالها المقببة.

نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا» السابق لم يفُته هو الآخر سحرها. قدّمها في تشكيلته لربيع وصيف 2006، جامعاً بسلاسة بين الماضي والحاضر؛ حيث نسج قصة مثيرة تجمع الملكة بالمغنية بيلي أيدول، ما نتج عنه عرض صاخب بتناقضاته، مثير بتناغمه.

الراحل كارل لاغرفيد كان أيضاً عاشقاً للملكة وأسلوبها. قدّمها في عدة مناسبات بجرعات خفيفة جداً، أحياناً من خلال الأزهار التي كانت تعشقها وتزرعها في حدائق قصورها، وأحياناً عبر إشارات خفيفة تُذكرنا بميلها إلى الترف مهما كلَّفها الأمر.

من «أوسكار دي لارونتا» و«شانيل» و«موسكينو» وغيرها لا تزال الموضة تعشق صورتها وتعترف بجمالها (غيتي)

في عرض من «خط الريزورت» لعام 2013، اختار له قصر فرساي مسرحاً، ظل وفيّاً لرأيه بأنه لا يحب العودة إلى الماضي، بدلاً من ذلك أحضره إلى المستقبل. تصور ماري أنطوانيت تعيش بيننا، وهو ما ترجمه في فساتين «ميدي» تغطي نصف الساق أو «ميني» كان القاسم المشترك بينها تنورات مستديرة وتطريزات دقيقة كل ما فيها يشي بالفخامة. حتى بالنسبة للماكياج وتسريحات الشعر، لم يستسهل مهمته باستنساخ صورة ماري أنطوانيت، كما ترسّخت في الأذهان. بالعكس بدلاً من الشعر المرفوع إلى أعلى، ظهرت العارضات بباروكات بقصة «كاري» زيّنها بفيونكات ومجوهرات تليق بملكة تهتم بكل التفاصيل.

في عام 2013، ظهرت ماري أنطوانيت في تشكيلة أوسكار دي لا رينتا للربيع والصيف، وفي عام 2024، في تشكيلة المصممة سيمون روشا للخريف والشتاء. في عام 2020، أعادتها لنا دار «موسكينو» بأسلوبها الخاص المفعم بالشقاوة إلى درجة العبثية. استعمل مصممها المبالغات أداةً لتأكيد استمرار تأثيرها في الثقافة البصرية.

ترجمة أليساندرو ميكيلي كانت مسرحية بكل المقاييس (غيتي)

مؤخراً، ظهرت أيضاً في تشكيلة «فالنتينو»؛ حيث اختارها مصممها الجديد أليساندرو ميكيلي في أول تشكيلة يقدّمها للدار بعد أن خلف المصمم بييرباولو بيكيولي بصورة مسرحية كأنه خاف أن يفوتنا تأثيرها، أو ربما فقط أراد أن يُغذي حلمه القديم بأن يكون مصمم أزياء مسرح. اقترح 48 فستاناً «بأسلوب سردي يستحضر أجواء تعبر العصور والثقافات وأصداء حكايات ماضية تتردد في الحاضر»، وفق ما كتبه في بيان صحافي. ربما لا تكون مناسبة للعصر لكنها تُظهر مدى تأثير ملكة عشقت الموضة والترف حتى الموت.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.