حقائب اليد... الورقة الجديدة لدور المجوهرات الرفيعة

كيف تتفنن «كارتييه» و«بولغري» و«آسبري» في صياغتها لجيل جديد؟

في مجموعتها الجديدة يبرز تصميم «سيربنتي» في حقيبة «سيربنتي كوري 1968 على شكل قلب» (بولغري)
في مجموعتها الجديدة يبرز تصميم «سيربنتي» في حقيبة «سيربنتي كوري 1968 على شكل قلب» (بولغري)
TT

حقائب اليد... الورقة الجديدة لدور المجوهرات الرفيعة

في مجموعتها الجديدة يبرز تصميم «سيربنتي» في حقيبة «سيربنتي كوري 1968 على شكل قلب» (بولغري)
في مجموعتها الجديدة يبرز تصميم «سيربنتي» في حقيبة «سيربنتي كوري 1968 على شكل قلب» (بولغري)

من اعتقد يوماً أن الذهب هو الاستثمار الأقوى والأبدي، فلم يعش زمن حقائب اليد. فإذا كان هناك حقيقة واحدة أكدتها أرقام المبيعات حديثاً فهي أن حقائب اليد تفوقت على الذهب من ناحية الاستثمار. لائحة الحقائب التي تحقق أرباحاً طائلة لأصحابها في المزادات طويلة، من «شانيل» إلى «لويس فويتون». لكن تبقى حقيبة الـ«بيركين» دار «هيرميس» هي الأشهر. النسخة الأصلية التي صممتها الدار للر احلة جين بيركين في عام 1984 ورافقتها عقوداً، بيعت مؤخراً في مزاد «سوذبيز» بسعر خيالي بلغ 10 ملايين دولار، مؤكدة مكانة هذا الإكسسوار بوصفه وسيلة استثمار لا يمكن الاستهانة بها.

في معامل «بولغري» يصوغ الحرفيون حقائب الدار كما يصوغون المجوهرات (بولغري)

الرقم لم يفاجئ العارفين من عشاق الحقائب الفريدة، لكنه حتماً هزّ من لا يعرفون بخبايا الأمور، بأن هناك حقائب لا تقدر بثمن، يتفنن فيها المصممون والصاغة ويصدرونها بأعداد محدودة جداً. ما يُبرر تفردها وأسعارها إلى جانب تقنياتها المتطورة، ترف وندرة موادها من معادن إلى أحجار أو حتى جلود طبيعية.

الملاحظ حالياً أنه على الرغم من شهرة «هيرميس» في هذا المجال، وكونها سبقت الجميع شهرة بحقائبها الأيقونية، فإن دور المجوهرات لم تكن بعيدة عن السباق تماماً. كان بعضها سباقاً في تحويلها إلى تحف فنية في بدايات القرن الماضي، مثل «كارتييه» و«فان كليف أند أربلز» و«آسبري» و«بولغاري» وغيرها. سبب عدم رواجها، أنها ظلت تخاطب النخبة من المقتدرات في المقام الأول، ومن ثم لم تلمس المخيلة الشعبية بالقدر نفسه.

أمر تداركته بيوت المجوهرات وتعمل على تغييره لا سيما وان هذا الإكسسوار لا يزال مطلب جيل جديد من الشابات، لم تعد الحقائب الموسمية تستهويها. أصبحت تميل أكثر إلى حقائب تستثمر فيها مادياً كاستثمار ومعنوياً كوسيلة تستعرض فيها فنيتها واهتمامها بمفهوم الاستدامة. وهكذا بعد أن تعاملت بيوت المجوهرات معها كإكسسوار جانبي، عادت إلى أرشيفاتها تستلهم منها أمجاداً قديمة تصوغها بمواد مترفة لجيل جديد. لكن لم تتنازل قط عن الخامات المترفة، من جلود طبيعية وأحجار كريمة، لا سيما ما يخص حقائب المساء والسهرة.

«كارتييه»

حقائب «مينوديير» طرحتها «كارتييه» بأشكال مستديرة أو مربعة أو مستطيلة (كارتييه)

من بين هذه الدور، تبرز «كارتييه» بوصفها أحد أقدم من ربطوا بين صياغة المجوهرات وحقائب اليد الفاخرة.

فقد بدأت تصميم حقائب اليد في أوائل القرن العشرين، ولم تتوقف منذ ذلك الحين عن طرحها لزبوناتها المقتدرات والعارفات. كانت في البداية خاصة بمناسبات السهرة والمساء، قبل أن تتوسع وتجعلها أيضاً خاصة بمناسبات النهار. لكن دائماً ببصمة صائغ مجوهرات. عادت هذا الموسم إلى إرثها، وطرحت مجموعة محدودة كل واحدة تصرخ بأنها أكثر من مجرد حقيبة. بل هي تحف فنية تحمل باليد أو تُعلق على الكتف.

حقيبة «مينوديير» من «كارتييه» مستلهمة من أرشيفها في أوائل القرن العشرين (كارتييه)

أربع حقائب مسائية فقط، كانت كافية لاستعراض قدراتها في صياغة الجمال. تتنوع بأشكالها الأسطوانية أو الشبيهة بالكرة أو الوسادة، ومشابكها المرصّعة بأحجار كابوشون من العقيق اليماني أو عقيق هيسونيت أو السبج على أقسام داخلية من جلد العجل المخملي. منها ما يستحضر مجموعة «كاكتوس دو كارتييه» الأيقونية التي صُنعت هنا من الساتان بتأثير مخملي لتبرز زخرفة الأزهار أو مجموعة «توتي فروتي» التي تجسدت هذه المرة من جلد العجل المرصّع بأحجار كابوشون من الأماتيست أو عقيق هيسونيت أو العقيق اليماني الأخضر.

في مجموعتها الجديدة يبرز تصميم «سيربنتي» في حقيبة «سيربنتي كوري 1968 على شكل قلب» (بولغري)

«بولغري»

ربما تكون «بولغري» الأكثر اهتماماً بمنتجاتها الجلدية. وظفت لها مصممة مشهورة هي ماريا كاترانتزو لتعمل إلى جانب حرفيي الدار المتخصصين في صياغة المجوهرات. أطلقت هي الأخرى مجموعة مستوحاة من مجوهراتها الأيقونية. ولأنه عام الأفعى الصيني، وتصميم الأفعى ملعبها، كان لا بد أن يبرز تصميم «سيربنتي» في نسخة جديدة من حقيبة «سيرتنتي كوري 1968 على شكل قلب، إلى جانب حقيبة سيربنتي باليني وغيرها».

سيربنتي كوري 1968 مثلاً تم طرحها بإصدار مرصع بنحو 5.000 قطعة كريستال مثبتة يدوياً لتغطي جلد العجل الأسود على شكل ندف ثلج تغطي الحقيبة بالكامل، فيما يتألق مقبض الحقيبة بتصميم من النحاس المطلي بالذهب بتقنية صب الشمع المفقود التي تعتمدها بولغري في إبداع مجوهراتها.

حقيبة جينكو الصغيرة هي الأخرى بتصميم مرصع يدوياً على شكل ندف الثلج من أحجار الكريستال البلاتيني باللون الذهبي، بينما لا تفتقد حقيبة ماركيز من تشكيلة ديفاز دريم بشكلها البيضاوي عنصر الإثارة من ناحية تصميمها الغارق في عالم المجوهرات، إلى جانب حقيبة سيربنتي باليني بمقبضها الحصري المكون من 55 عنصراً معدنياً يترصع كل منها بسبع خرزات.

استوحت «آسبري» مجموعتها الأخيرة من الريف الإنجليزي وألوانه (آسبري)

«آسبري»

مثل «كارتييه» تُعدّ «آسبري» الدار المفضلة للملوك والأمراء البريطانيين فيما يخص المجوهرات وهدايا المناسبات المهمة. ومثل «كارتييه» أيضاً عانقت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي حركة آرت ديكو التي ظهرت في تصاميمها المصنوعة حسب الطلب لعملاء من أمثال ونستون تشرشل وإليزابيث تايلور، وغيرهما. ورغم أنها تشتهر أكثر بمجوهراتها ومنتجاتها الفضية فإن اهتمامها بحقائب اليد بدأ منذ ولادتها وليس أدل على هذا من حقيبة 1781 التي أصبحت من أيقوناتها وجزءاً من إرثها.

حقيبة بسيطة ثنائية اللون بتصميم منحوت. هذا الموسم أطلقتها الدار مرة أخرى بألوان مستوحاة من الريف الإنجليزي تعكس ألوان حقول اللافندر، وخضرة الغابات، وأبيض ويمبلدون، وكأنها ترفض الخروج عن بيئتها الإنجليزية وتاريخها الأرستقراطي.

المهم أن هذا الشغف المتزايد من دور المجوهرات بطرح حقائب يد فريدة من نوعها، يقابله توق شريحة كبيرة من النساء إلى كل ما هو مستدام ويحافظ على قيمته في أي زمان.


مقالات ذات صلة

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

لمسات الموضة علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

منذ البداية حرصت «نونيز» على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيف

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)

كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

سجل منتخب الكونغو أول هدف وأول نقطة في تاريخ مشاركاته في «كأس العالم»، يوم الأربعاء الماضي، بعد تحقيقه تعادلاً إيجابياً على المنتخب البرتغالي. لكن في عيون…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
TT

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

وُلدت علامة «نونيز» في القاهرة، وتحديداً في المعادي، لكنها في مجموعتها الصيفية الأخيرة تبدو وكأن روحها مُعلَقة بأسوان. المجموعة وعنوانها «داخل الجدران النوبية» تحوَّلت فيها الألوان الزاهية للمباني المحلية ذات الهندسة البسيطة التي تتماهى مع الطبيعة المحيطة بها، إلى حقائب يد تتنفس أجواء المكان.

أما قوّتها حسب مصممتها ناديا زركاني، فتكمن في ابتعادها عن الاستعراض، وهي سمة مرتبطة بـ«نونيز» منذ تأسيسها في عام 2009. منذ البداية حرصت ناديا على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيفية. والأهم من هذا على الحرفة المصرية بوصفها لغة معاصرة وعالمية لا مجرد صناعة تقليدية محلية.

حقيبة فضيلة تأتي من الجلد أو الخوص (نونيز)

الرحلة إلى أسوان

تعكس هذه المجموعة تطوراً طبيعياً وعفوياً لعلامة بدأت من ورشة صغيرة في المعادي بالقاهرة، على يد شابة تدفعها الرغبة في استغلال الخامات المحلية مثل الجلود والمنسوجات، ومنح الحرفيين المصريين مساحة حقيقية للإبداع، في وقت كانت فيه المنتجات المستوردة تستحوذ على السوق. كانت الأهداف مثالية إلى حد أن اسم «نونيز» نفسه لم يكن اسماً تجارياً مخططاً له، بقدر ما كان لقباً شخصياً ارتبط بناديا بين المقربين قبل أن يتحوَل إلى علامة.

المجموعة عبارة عن رحلة على ضفاف النيل تعتمد على الذاكرة والإرث (نونيز)

لاحقاً انضمت كارول ناثان إلى المشروع، لتتشكل بينهما شراكة أعادت صياغة ملامح العلامة كما نعرفها اليوم. تتولى فيها ناديا جانب التصميم والرؤية الجمالية، بينما تساهم كارول في توسيع حضور «نونيز» وتطويرها لتصبح أكثر من مجرد خط حقائب نسائية. ثمرة هذه الاستراتيجية كانت ولادة خطوط أخرى من بينها Made by Nuniz للتصنيع والتعاونات، و«باهاوات» كخط رجالي، و«بيت نونيز» لقطع الديكورات الجلدية.

علاقة الإرث والمكان

ضمن هذا السياق تأتي مجموعة ربيع وصيف 2026، التي تقوم فكرتها بالكامل على الإرث وعلى المكان، وتلك العلاقة العميقة بينهما. فعلى ضفاف النيل في أسوان يتشكَل الجلد الطبيعي والخوص المنسوج يدوياً في حقائب متميزة، من ناحية أن كل واحدة تحمل حكايتها الخاصة بداخلها. لتصوير هذه المجموعة ومنحها بُعدها السردي، بدأت الرحلة جنوباً، متتبعة مجرى النيل نحو القرية النوبية، حيث الدفء وإيقاع الحياة الهادئ والبيوت المختلفة عما يمكن رؤيته في أي مكان آخر من العالم. لكن أكثر ما يترك أثره في المكان ليس العمارة وحدها، ولا أشعة الشمس الساطعة، بل دفء ناسها وبساطتهم. فلون بيوتهم هنا مثلاً ليس عنصراً جمالياً فحسب، بل تعبير عن الهوية نفسها. كل جدار يحمل أثر ذاكرة وتوقيع عائلة مرَت من هنا وتركت بصمتها عليه.

حقيبة فضيلة من الجلد المحبب تزينها تعليقة من التراث النوبي (نونيز)

خمس حقائب... خمس حكايات

وسط هذا الدفء والإرث، تتجلَى الحقائب بألوان وتفاصيل تربطها بالمكان واليد العاملة المحلية التي حاكتها أو نسجتها. خمس حقائب لكل واحدة اسم وشخصية، مثل «فضيلة»، وهي حقيبة تُحمل على الكتف، من الجلد المحبب مبطنة بالشامواه ومزينة بتعليقة مستوحاة من التراث النوبي. تأتي بدرجتي القرميدي والهافان.

أما «ثمرة» فتظهر في نُسختين. الأولى بجسم من الخوص المنسوج يدوياً مع أطراف جلدية بدرجتي البيج والهافان، والثانية من الجلد المحبب بدرجتي البرتقالي المحروق والهافان.

عارضة تحمل «شمندورة» (نونيز)

وربما تكون حقيبة «شمندورة» أكثر قطع المجموعة حضوراً من الناحية المعمارية. يمكن حملها بعدة طرق، بينما يرتفع قفلها فوق الغطاء على شكل تفصيل نحتي صغير. تتوفر بنسخ جلدية كاملة، إلى جانب توليفات تجمع الخوص الطبيعي والتفاصيل الجلدية البنية والبرتقالية المحروقة.

أما «سمرة» فتأخذ شكل دلو مصنوعة من الخوص المنسوج يدوياً. داخلها لا يقل جمالاً عن خارجها، إذ تتميز ببطانة برباط باللون الفيروزي يبدو وكأنه يربط علاقة خفية بين الحقيبة ومن تفتحها.

حقيبة حنة بنسختها الجلدية (نونيز)

وأخيراً تأتي «حنة»، حقيبة كتف صغيرة من الجلد المحبب ببطانية من الشامواه بلون زاهٍ. قطعة بسيطة لكن فيها كل شيء، بحيث لا تحتاج إلى ما يلفت الانتباه إليها. مثلها مثل سابقاتها، تتحرك بخفة بين البحر والمدينة، بين الحياة اليومية والسفر والترحال تتبع النيل أكثر من تتبعها تغير الفصول والمواسم.


كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
TT

كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)

سجل منتخب الكونغو أول هدف وأول نقطة في تاريخ مشاركاته في «كأس العالم»، يوم الأربعاء الماضي، بعد تحقيقه تعادلاً إيجابياً على المنتخب البرتغالي.

لكن في عيون الموضة، فإنه حسم الأمر وحصل على الذهبية منذ لحظة وصوله إلى مطار هيوستن، وحتى قبل انطلاق البطولة، بجرأة إطلالاته ورمزيتها الثقافية. وظهر اللاعبون والجهاز التقني ببدلات سوداء مفصَّلة بعناية تُزيِّنها لمسات جريئة من نقشة جِلد النمر ويحملون بأياديهم حقائب ضخمة كلها بالنقشات نفسها. كانت الصورة تحتفل بالهوية الأفريقية بشكل معاصر يتضمن نوعاً من التحدي والرغبة في التميز.

المنتخب الكونغولي لدى وصوله إلى مطار هيوستن (رويترز)

جُرأة الإطلالات صُمّمت بعناية لتعكس تاريخ الكونغو بوصفها عاصمة الأناقة في أفريقيا منذ بداية القرن الماضي، إلى حد أن عشاق الموضة فيها أصبح لهم اسم خاص هو «السابور»، وهو أسلوب فيه كثير من التأنق استمدّه السكان المحليون من أزياء المستعمر الأوروبي، وأعادوا توظيفه بلغتهم الخاصة. لغة تغلب عليها جرعات سخية من الألوان الصارخة والنقشات المستوحاة من الطبيعة وكائناتها الحية، ولا سيما النمر الذي أصبح رمزاً لها. تجدر الإشارة إلى أن ثقافة «لاساب» الكونغولية هي اختصار لـ«جمعية صناعي الأجواء وأصحاب الأناقة»، وهو تقليد متجذر في بلد يعشق رجاله الأزياء الجريئة والغنية بالألوان والنقوش، ويستعملونه كرسائل تتعدى المظهر الحسن.

من الصور التي خطفت أنظار العالم لدى وصول المنتخب إلى المطار (رويترز)

فما تجدر الإشارة إليه أن الأناقة بالنسبة لـ«سابور» ليست مجرد ملابس وإكسسوارات. فعلى مدى أجيال حملوا رسالة سياسية قائمة على الاعتزاز بالنفس والاعتداد بقوتهم في مواجهة الشدائد. وهذا ما وضعه مصمم هذه الإطلالات ألفين جونيور ماك الكونغولي المقيم بباريس نصب عينيه عندما أرسل قبيل «كأس العالم» رسالة إلكترونية إلى وزارة الرياضة الكونغولية عارضاً رؤيته للمشروع وواعداً بتنفيذ جميع القِطع داخل الكونغو.

رمزية النمر في الثقافة الكونغولية

لم تكن العملية بسيطة، إذ شملت تصنيع 55 بدلة وحقيبة للاعبين والجهاز الفني، لكنها كانت تستحق كل الجهد؛ لأنه يقطف ثمارها حالياً. كان المصمم يعرف أن مشاركة منتخب بلاده الأصلي يأتي بعد غياب عقود. يتوقع أيضاً أنهم سيقاتلون من أجل تحقيق الأهداف، لهذا حرص على أن يتضمن كل تفصيل معنى يعرفه أبناء بلده جيداً ويعتزون به، مثل صورة النمر بالكونغو التي ترمز للقوة، حيث اشتهر الرئيس موبوتو سيسي سيكو بقبعته المصنوعة من جلد النمر، إلى جانب أن المنتخب الوطني لكرة القدم يُعرَف داخل البلاد باسم «الفهود»، لهذا لم يتخيل أن يظهر المنتخب دون رمز النمر. وبالفعل، لم يظهر في النقشات التي زيَّنت صدر السترات أو غطّت حقائب اليد فحسب، بل أيضاً في دبوس على شكل نمر مُثبت على كل بدلة.

من هذا المنظور كان توظيف المصمم لهذه النقشات طبيعياً لتعريف العالم بهوية بلده.

استلهم المصمم الإطلالة من ثقافة السابور الكونغولية المتأثرة بالمدرسة «الداندية» (إنستغرام)

من مصمم مغمور للعالمية

في لقاء صحافي أُجري معه قبل المباراة، قال ماك إنه تلقَّى مكالمات من كل أنحاء العالم بعد انتشار صور لاعبي المنتخب، يتساءلون فيها عن الحقائب ومن أين يمكنهم اقتناؤها. واعترف المصمم بأنه لا يزال يحاول استيعاب حجم الاهتمام الذي حظيت به تصميماته، إلى حد أغناه عن تنظيم عرض أزياء ضخم. وأضاف، في اللقاء، أنه شعر بفخر كبير «ليس من أجلي، بل من أجل ثقافتي أكثر». ويضيف: «في الكونغو لدينا ثلاث أشياء أساسية: الموسيقى والموضة والرياضة». وأضاف أنه عاد إلى التاريخ مستلهماً بعض العناصر من البدلات الزرقاء التقليدية التي ارتداها المنتخب في آخِر مشاركة له في «كأس العالم» عام 1974 عندما كانت بلاده تُعرَف باسم زائير.

كل التفاصيل كانت جريئة بنقشاتها وأحجامها (إنستغرام)

تجدر الإشارة إلى أن المصمم ألفين جونيور ماك وُلد في الكونغو قبل أن ينتقل إلى باريس وهو في سن الحادية عشرة. وعمل في مجال البيع بالتجزئة قبل أن يخوض مجال تصميم الأزياء في عمر العشرين من عمره متسلحاً بالجرأة واندفاع الشباب. فهو لم يدرس الموضة بشكل أكاديمي. واعترف بأنه تعلّم جانباً من أصول التصميم، من خلال الأفلام الوثائقية التي تتناول حياة ومسيرة المديرين الإبداعيين في دور الأزياء للمُخرج الفرنسي لويك بريجان. كان يتابعها بشغف واهتمام. بداية جد متواضعة إلا أنه عوَّض عنها بجرأته وثقته بنفسه. صفتان أوصلتاه إلى ما هو عليه، اليوم، من نشاط وانتشار عالمي.


«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
TT

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

أخيراً تلقى مجلس الموضة البريطانية خبراً يُثلج الصدر؛ فبعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية، وكان لموسم ربيع وصيف 2023، أعلنت الدار عودتها إلى مسقط ولادتها للمشاركة ضمن عروض موسم ربيع وصيف 2027.

بالإضافة إلى أهمية الخبر بالنسبة لأسبوع فقد الكثير من بريقه بعد هجرة أسماء مهمة للعرض في نيويورك أو باريس، وإلى ما يحمله اسم «ماكوين» من ثقل إبداعي وارتباط تاريخي بلندن، فإن العرض المرتقب سيكون أيضاً أول عرض يقدمه مديرها الإبداعي شون ماكغير في العاصمة البريطانية منذ توليه منصبه في عام 2024.

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

وفي إعلانها عن الخبر عبر حسابها على «إنستغرام»، نقلت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء عن ماكغير قوله: «كثيراً ما كانت لندن جزءاً لا يتجزأ من هوية (ماكوين)؛ فهي تنبض بطاقة فريدة وحيوية تتجلى بوضوح في مختلف محطات تاريخ الدار، ولا تزال مصدر إلهام لكل ما نقدمه اليوم». وأضاف أن «هذه العودة تتيح التفاعل بعمق مع روح العاصمة والمجتمع الإبداعي الذي تتميز به».

اشتهرت الدار بدقة التفصيل ولا تزال تفخر بقوتها في هذا المجال (ألكسندر ماكوين)

من جهته، علَق جيانفرانكو داتيس، الرئيس التنفيذي للدار، والذي تولّى منصبه في 3 يونيو (حزيران) الحالي على هذه العودة قائلاً: «إنها تمثل لحظة ذات دلالة خاصة للدار. فلندن هي المكان الذي بدأت فيه قصتنا، وما زالت تشكل ركناً أساسياً من هويتنا. ونحن فخورون بتجديد التزامنا تجاه المجلس البريطاني للأزياء والمنظومة الإبداعية الاستثنائية التي تحتضنها المدينة، بينما نواصل البناء على إرث (ماكوين) وصياغة مستقبلها».

إطلالة أنيقة من مجموعة الدار لخريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

كان آخر عرض قدمته الدار في لندن من خلال مجموعة ربيع/صيف 2023 بعنوان «فيرست سايت» (First Sight) أي النظرة الأولى، تم عرضها في الكلية البحرية الملكية القديمة بمنطقة غرينيتش، وكانت من تصميم المصممة سارة بيرتون قبل انتقالها إلى دار «جيفنشي» بعد مسيرة استمرت 26 عاماً داخل الدار.

وتحتل لندن مكانة محورية في تاريخ العلامة؛ فمنذ تأسيسها على يد المصمم الراحل لي ألكسندر ماكوين عام 1993، احتضنت عدداً من أكثر عروضه شهرة وتأثيراً، وظلت اسماً أساسياً في أسبوع لندن حتى عام 2001، بعد استحواذ مجموعة «كيرينغ» عليها، نقلت عروضها إلى باريس.