مجوهرات «بوغوصيان»... رحلة قصور تصل إلى العالم من طريق الحرير

الإبداع قد يُخلَق من الحجر

من كل قصر وجزئية فيه استلهم حرفيو دار «بوغوصيان» مجوهرات تصرخ بالفخامة والإبداع (بوغوصيان)
من كل قصر وجزئية فيه استلهم حرفيو دار «بوغوصيان» مجوهرات تصرخ بالفخامة والإبداع (بوغوصيان)
TT

مجوهرات «بوغوصيان»... رحلة قصور تصل إلى العالم من طريق الحرير

من كل قصر وجزئية فيه استلهم حرفيو دار «بوغوصيان» مجوهرات تصرخ بالفخامة والإبداع (بوغوصيان)
من كل قصر وجزئية فيه استلهم حرفيو دار «بوغوصيان» مجوهرات تصرخ بالفخامة والإبداع (بوغوصيان)

القصور والمباني المعمارية، لم تكن يوماً مجرد سكن لأصحابها. كانت تعبيراً عن مدى ازدهار عهدهم وتطلعاتهم السياسية. كما كانت بمعمار فريد شهد على السلطة والقوة ورؤية بعيدة المدى. هذا ما اكتشفه ألبرت بوغوصيان خلال رحلاته.

ألبرت، هو من الجيل السادس لعائلة بوغوصيان المعروفة بمجوهراتها الرفيعة. تأسست في عام 1868 في أرمينيا، ثم انتقلت إلى حلب بسوريا في أوائل القرن العشرين، ثم بيروت، وأخيراً إلى جنيف.

يقول إن السفر يجري في عروق العائلة. بدأ مع الجد الكبير، مؤسس الدار أوفانيس بوغوصيان الذي كان يحرّكه حسّه التجاري وفضوله الفني. كانت طريق الحرير آنذاك هي المسار الذي يسلكه المستكشفون والتجار من الغرب بحثاً عن كنوز الشرق. هذه الطريق نفسها تقفى أثرها ألبرت بعد مرور قرنين من الزمن تقريباً. فقد ورث عن جده فضوله لاكتشاف ثقافات بعيدة يغرف من منابعها ما يُغني تصاميم الدار ويُثْريها.

القاعة البيضاء في قصر غولستان ألهمت بزخرفاتها وإضاءتها طقماً يحاكي التحفة الفنية (بوغوصيان)

خلال هذه الرحلات، وصل إلى قناعة بأن عظمة المعمار وفنيته الهندسية والحرفية أرقى أشكال الفنون التي يمكن الاستلهام منها. أول تجربة له كانت في قصر تاج محل. كان عمره لا يتعدى الثامنة عشرة، ولم ينس لحد الآن كيف انبهر بزخرفاته وجمالياته. كانت اللحظة التي وقف فيها أمام أسواره وحتى قبل أن يدخله، حاسمة. أثْرت حسه الفني والمهني على حد سواء. يقول إنها لحظة علمته كيف يمكن أن تعكس القصور فناً عابراً للأجيال، ليس لصلابة الحجر الذي بُنيت بها، بل لكمية الحرفية والفنية التي تغطي الجدران والأسقف والأرضيات. استخلص منها أن الإبداع يمكن فعلاً أن يُخلق من الحجر.

مرت سنوات وعقود على هذه الرحلة، زار خلالها قصوراً أخرى كثيرة أكدت له صحة إحساسه الأول؛ لهذا كانت مجموعة المجوهرات التي تم طرحها هذا العام بعنوان رحلة عبر القصور مسألة وقت فقط.

قصر الريجنسي بمدينة برايتون ألهم مجموعة من المجوهرات بطبيعته ومعماره (بوغوصيان)

اختزل فيها تجاربه وقناعاته. استغرق تصميمها وتنفيذها 4 سنوات، تمخَضت عن ولادة 70 قطعة تشمل خواتم وأقراط أذن وعقود وأساور. كل طقم منها مستوحى من قصر من قصور تاريخية رائعة، وبالتالي فإن كل جزئية فيها تُجسِّد زخرفة عمود في بهو قصر، أو نقشات جص في سقف، أو مشربية صغيرة يخترقها الضوء في آخر، وهكذا. فيها كلها، طوع المعادن الثمينة واستعمل الأحجار بسخاء.

عقد مستوحى من قصر غولستان (بوغوصيان)

بالنسبة له، فإن لكل قصر قصة، ولكل جزئية فيه أبطالها وأحجارها الكريمة، سواء كانت المقرنصات المزخرفة في قصر الباهية بمراكش، أو المرايا والزجاج في قصر غولستان في طهران، أو البوابات الكبرى في قصر جايبور وغيرها.

قصر تشيانلونغ

قاعة من قاعات قصر تشيانلونغ الذي يشكّل جزءاً من المدينة المحرّمة في بكين (بوغوصيان)

تأثير قصر تشيانلونغ تجسَّد في قلادة تتوسطها زهرة طافية بزخرفات صينية كلاسيكية (بوغوصيان)

مثلاً، ظهرت تفاصيل قصر تشيانلونغ الذي أمر الإمبراطور تشيانلونغ ببنائه في عام 1771، والذي يشكل جزءاً من المدينة المحرّمة في بكين، في قطع عدة، منها قلادة Tranquil Magnolia «مانغوليا هادئة» تتوسطها زهرة مركزية تستحضر الزخرفة الصينية الكلاسيكية للفرع المزهر، محفورة من أم اللؤلؤ، تبدو وكأنها تطفو داخل القطعة مرصعة بالماس وملونة بالأخضر.

القصر الكبير

جانب من القصر الكبير الذي يظهر فيه بوذا والتنين من الذهب انعكست على مجوهرات من الماس الأصفر والأبيض (بوغوصيان)

بُني في بانكوك عام 1782 مقرّاً لإقامة ملوك سيام، ظهر في مجموعة Shimmering Rays ليعكس شدّة اللمعان الذي يتميز به القصر إلى جانب الأعمدة وصور التنين التي تزين الكثير من أركانه. حرفيو الدار ركزوا على بريقها الذهبي، الذي يسطع مثل أشعة الشمس، باستعمال الماس الأصفر والأبيض.

قصر برسيبوليس

قصر برسيبوليس الواقع في جبال زاغروس بإيران لا يزال حاضراً في شتى الفنون بأطلاله وألوانه (بوغوصيان)

يقع في جبال زاغروس بإيران وشُيِّد في القرن السادس قبل الميلاد. أطلاله لا تزال شاهدة على منصاته وسلالمه العالية. ترجمت دار «بوغوصيان» الطوب المستخدم في بناء لوحاته الجدارية وبواباته مزججاً بالأزرق والأصفر في عقد «بوابة بابل» Babylon Gate. غني عن القول أن القطعة تتميّز بأشكال هندسية جريئة واستخدام التماثل لإضفاء طابع رسمي. وتعكس أحجار اللازورد المنحوتة والفيروز والمرجان، تباين الظلال الزرقاء والبرتقالية من العمارة.

بينما تُترجم مجموعة لوتس اللازورد Lapis Lotus الزهرة التي تظهر في النقوش البارزة للقصر، بالماس والفيروز واللازورد والعقيق وي برسيبوليس، لتعكس التجدّد.

قصر غلستان

مجموعة متاهة المرايا لقصر غولدستان اعتمدت تقنية النحت بكل الألوان لتعكس المرايا واللوحات (بوغوصيان)

شُيِّد وسط طهران في القرن السادس عشر، ويُعرف باسم «قصر حديقة الورود»، ويغلب عليه طابع المعمار التقليدي في عصر القاجار. كانت قاعة المرايا الشهيرة أكثر ما شد انتباه حرفيي «بوغوصيان». يقول ألبرت إن هذه القاعة استغرق بناؤها أربع سنوات، وتجسدت عبقرية المهندسين والحرفيين في هذه المرايا التي غطت كل الجوانب، وهو ما عبَّر عنه في مجموعة Mirror Maze «متاهة المرايا». مجموعة تغلب عليها تقنية النحت وأحجار الياقوت الأحمر والوردي والأزرق، الزمرد، الفيروز، والماس هندسة القاعة واللوحات المزخرفة بالزجاج الملوّن.

أمارنا

«بردية الملكة» في قصر أمارنا (بوغوصيان)

لم ينس ألبرت زيارة «أمارنا» المدينة التي بُنيت في عهد الفرعون أخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. انبهر بأطلال القصر الشمالي، الذي بُني لزوجته نفرتيتي، وكيف برزت فيه أساليب الفنون المصرية القديمة لهذه الفترة، مع تحوّل واضح نحو أسلوب أكثر حرية وعفوية. وتُظهر شظايا من لوحات تُعزى إلى «الغرفة الخضراء» في قصر أمارنا تفسيراً لنقوش البردي التقليدية، بشكل هندسيّ أكثر تجريداً.

طقم يغلب عليه اليشم الأخضر والزمرد والماس والسفير في إشارة إلى «الغرفة الخضراء» في «أمارنا» (بوغوصيان)

من هذه الإيحاءات، ولدت مجموعة «بردية الملكة» Queen’s Papyrus مصنوعة من اليشم الأخضر، والزمرد والماس، حيث تشير الألوان الخضراء إلى «الغرفة الخضراء» في أمارنا وتاريخ الزمرّد الذي استُخدم حتى في مصر القديمة منذ عام 1500 قبل الميلاد. ويمنح التزاوج بين الزمرد البراق واليشم الأخضر غير المصقول، إحساساً بالمفاجأة يعكس التحوّل الإبداعي في فترة بناء أمارنا، وكذلك التباين بين القطع الحادّ لرؤوس البردي والشعور الأكثر استدارة في القاعدة.

قصر الباهية

تجسَّدت زخرفات الأسقف والخشب في قصر باهية في مجوهرات دافئة بتقنيات حرفية عالية (بوغوصيان)

أما رياض الألوان في مراكش، فكان له أيضاً تأثير على المخيلة الإبداعية. فالقصر الذي شُيِّد في أواخر القرن التاسع عشر من قِبل سي موسى، الوزير الأكبر للسلطان مولاي الحسن الأول، صُمّم على مساحة ثمانية هكتارات وزُخرف بحرفية عالية وفق التقاليد المغربية اليدوية. تبرز هذه الزخارف في كل تفاصيلها، بدءاً من المقرنصات إلى أسقف خشب الأرز المطلية.

وهذا ما عكسته مجموعة Mosaic Haven «ملاذ الفسيفساء» بلونها الأحمر الغني، والمستوحاة من أعمال الشبك الخشبي للفناء والسقف. ويعرض السوار والأقراط أيضاً تقنيات فائقة التعقيد من أعمال الشبك، مع التلاعب بفكرة الألوان المتباينة في النمط المستخدم في القصر نفسه من خلال طبقتين من اليشم الأخضر، والأوبال الوردي، والفيروز، مغلفتين بالياقوت البنفسجي، والماس الأصفر، وعقيق الإسبسارتين.

القلعة الحمراء

في ورش بوغوصيان تم تطوير تقنية فريدة للترصيع لمحاكاة الجدران والأسقف في قصر الحمراء (بوغوصيان)

يُعدّ قصر الحمراء من أشهر نماذج فنّ العمارة الإسلامية. يقع على تلة السبيكة فوق مدينة غرناطة الإسبانية، شاهداً على الوجود العربي في أوروبا بين القرنين الثامن والخامس عشر. بُني قصر الحمراء في القرن الثالث عشر، ولا يزال نصباً تذكارياً يزوره الكثير من الناس حتى يومنا هذا. ويبرز جمال وزخرفة القصر بشكل خاص في المقرنصات، التي تمثّل المستويات السبعة للسماء.

في ورش بوغوصيان تم تطوير تقنية فريدة لترصيع الماس الأبيض والأصفر في طقم Seven Realms، لمحاكاة السقف الخشبي الأصلي في قاعة السفراء، وتبدو فيه الماسات بأشكالها المختلفة وكأنها تطفو، في تعبير تجريدي عن الأنماط الهندسية الموجودة داخل القاعة.


مقالات ذات صلة

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.