الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

قيمته بقيمة الماس... وبعضه دخل المتاحف العالمية

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال
TT

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

تعيش راهيلا بيغوم هنا برفقة شقيقتيها المراهقتين في واهي غاغريبال، خلف بحيرة دال. وتعد راهيلا واحدة من أبرع العاملين بمجال نسج وشاح الباشمينا بالمنطقة، حيث ارتبط اسمها بهذا الفن على امتداد عقدين حتى الآن. في طفولتها، تعلمت راهيلا نسج الباشمينا على يد والدها، الذي كان يعمل هو الآخر نساجاً وأعطاها أول دروسها في التطريز. وعند زواجها، أهداها والدها عجلة غزل (تعرف باسم «يندر») بمناسبة الزفاف، كي تحملها معها إلى منزل زوجها.

راهيلا بيغوم هي واحدة من أبرع العاملين بمجال نسج وشاح الباشمينا تعلمت على يد والدها ولا تزال تعمل بها حتى بعد زواجها (طارق باشماكار)

وبالفعل استمرت راهيلا في نسج الكشمير لمساعدة زوجها وتوفير مصدر دخل جيد للأسرة.

بوجه عام، يجري نسج وشاح من كشمير الباشمينا بالاعتماد على عمليات وأساليب يعود عمرها إلى قرون، دائماً على يد حرفيّ يطلَق عليه داخل كشمير «ووفر»، بينما يطلق على العملية «وونن». ويمتهن الآلاف من أبناء كشمير هذه الصناعة. وفي الغالب، تضطلع النساء بمهمة الغزل، بينما يتولى الرجال نسج الخيوط الدقيقة وتحويلها إلى أوشحة وشالات ناعمة مزدانة بتطريز.

ويُتعامل مع هذه المنسوجات بتقدير بالغ يضعها في مرتبة الماس، ودخل بعضها متاحف عالمية، مثل متحف الفن الحديث في نيويورك واللوفر بباريس.

يُتعامل مع هذه المنسوجات بتقدير بالغ يضعها في مرتبة الماس كما دخل بعضها متاحف عالمية (باشماكار)

من جهتها، تعد شاكيلا، وهي ربة منزل عادية، عملها في مجال نسج كشمير الباشمينا لدى شركة «باشماكار»، فناً يوفر لها الاستقلال المادي. جدير بالذكر أن «باشماكار» هي واحدة من العلامات التجارية الرائدة في إنتاج الباشمينا في المنطقة ولا تزال صامدة في وقت تواجه فيه الصناعة تهديداً خطيراً من جانب منتجات مقلدة وغير أصلية. وينحدر طارق أحمد دار، مؤسس «باشماكار»، من عائلة توارثت هذه الحرفة أباً عن جد. والده، غلام نابي دار، لا يزال يمتهن الغزل حتى يومنا هذا، إلى جانب الكثير من أبناء عمومته. تلقّى طارق تعليماً أساسياً في النسج وجوانب أخرى من صناعة الباشمينا، وبعد ذلك أسس استوديو خاصاً به، ويعمل اليوم بصورة أساسية على الجوانب المرتبطة بالتصميم.

تحرص «باشماكار» على أن تحمل علامة «جي آي» ليتأكد الزبون من أن القطعة أصلية (باشماكار)

يشرح طارق أن «اسم باشماكار يعني الطهارة. ومن جانبي، أعمل على تسليط الضوء على الحرفيين بوصفهم فنانين في هذه الصناعة». ويتابع: «لكي يتأكد الزبون من أن القطعة أصلية، فإننا نحرص على أن تحمل علامة «جي آي»، التي تحدد الموقع الجغرافي الذي صدرت منه، وتُعرف باسم علامة الفهرس الجغرافي. أنا لا أنظر إلى (باشماكار) بوصفها مجرد مشروع تجاري، وإنما على أنها شغف بداخلي نحو إرساء فن كشميري هندي على الساحة العالمية».

أصبح طارق الآن يتعامل مع الكثير من مصممي الأزياء المعروفين في الهند خصوصاً بعد الإقبال الكبير الذي تشهده العلامة من نجوم «بوليوود» وسياسيين وزبائن مهمين من الخليج العربي، وتحديداً الكويت. يُذكر أن ورشة «باشماكار» في كشمير يعمل بها أكثر من 60 سيدة. وأكد طارق أنه يتعمّد تشغيل النساء الكشميريات لكي يمنحهن الاستقلالية المادية ويُحسّنّ ظروف حياتهن.

يضطلع النساء عادةً بمهمة الغزل والتطريز بينما يتولى الرجال نسج الخيوط الدقيقة وتحويلها إلى أوشحة وشالات (باشماكار)

ما هو الباشمينا؟

يشتهر نسيج الباشمينا الأصلي بالنعومة والدفء، ويأتي هذا النسيج من سلالة من ماعز الكشمير وموطنها الأصلي منطقة تشانغتانغ الجبلية في لداخ، في أقصى شمال الهند. تتسم هذه السلالة من الماعز بأن تربيتها لا تجري إلا على ارتفاع 13000 قدم فوق مستوى سطح البحر، حيث تعد الظروف المناخية في هذه المناطق شديدة القسوة، والشتاء قارساً بشكل خاص. على خلاف الحال مع الصوف، لا يجري تقطيع ألياف الباشمينا، وإنما تنظيفها باستخدام أمشاط خشبية قبل تخزينها على شكل رغيف يشبه خيط الحلوى، ثم غزلها.

اشتهر نسيج الباشمينا الأصلي بالنعومة والدفء... ويأتي هذا النسيج من سلالة من ماعز الكشمير وموطنها الأصلي منطقة تشانغتانغ الجبلية (باشماكار)

ظلت هذه العملية جزءاً من ثقافة المنطقة لعدة قرون. في القرنين السادس عشر والسابع عشر، سلب قلوب المغول. وفي وقت لاحق، انتشر الاهتمام به على نطاق أوسع. ويقال إن نابليون بونابرت أهدى زوجته جوزفين شالاً من هذا النسيج في عام 1804 انبهرت به الإمبراطورة لدرجة أنها أنفقت نحو 20000 قطعة ذهبية لشراء شالات كل عام، وصلت في الأخير إلى 400 شال. ونظراً لكون فرنسا مركزاً ثقافياً عالمياً في ذلك الوقت، أصبح الشال الكشميري جزءاً من هدية العريس لعروسه.

سرعان ما انتقل هذا الاهتمام من فرنسا إلى إنجلترا. ويقال إنه بعد توقيع مهراجا دوغرا آنذاك، غلاب سينغ، على معاهدة أمريتسار مع التاج البريطاني، طُلب منه تسليم 3 شالات باشمينا و12 من ماعز الباشميان (6 ذكور و6 إناث) كهدية سنوية للتاج البريطاني.

حاول الإنجليز الذين أطلقوا على الشال الكشميري اسم «الكشمير»، بكل طريقة ممكنة، تقليد صناعته من دون جدوى. في المقابل تمكنوا من إنتاج نسخة غير أصلية أصبحت تُعرف باسم «بيزلي شول»، وجرى إنتاجها آلياً بكميات كبيرة في أسكوتلندا.

عملية صنع خيوط الباشمينا

تقوم عملية صنع وشاح أو شال الباشمينا على جمع شعر الماعز الناعم، وتمشيط الألياف يدوياً للحفاظ على جودتها الرائعة. بعد ذلك، يجري غزل هذه الألياف الدقيقة باستخدام مغزل، ثم يجري نسجها يدوياً على نول. وبعد ذلك تُصبغ بعناية ثم تُطرَز وتُغسل في نهر جيلم.

قد يستغرق صُنع شال واحد على اليد نحو 3 أشهر وهو ما يبرر سعره (باشماكار)

عادةً تقوم بعملية الغزل نساء محليات من منازلهن، تكون لهن مهارة عالية كون الألياف الخام شديدة الحساسية. لتقويتها وإضافة لمعان طبيعي ونعومة عليها توضع في وعاء مملوء بالأرز المسحوق وتترك لمدة يومين أو ثلاثة أيام. وتسمى هذه العملية باللصق. بعدها يجري تمشيط الألياف مرة أخرى للتخلص من جزيئات الأرز وتحضيرها لعملية الغزل.

من ناحيتها، تتولى شاميما تدوير خيوط الكشمير على عجلة خشبية دوارة تسمى محلياً «يندر». تبدو العملية برمّتها ساحرة وهي تمسك خصلات الكشمير بين إبهامها الخفيف والسبابة والإصبع الأوسط من يدها اليسرى، وفي الوقت نفسه، تقوم يدها اليمنى بتدوير العجلة في انسجام تام مع حركات اليد اليسرى (لأعلى ولأسفل). وتعلمت شاميما هذه المهارة من والدتها.

في هذا الصدد، أوضحت شاميما: «يستغرق الأمر قرابة ثلاثة أسابيع لتسليم 110 غرامات من خيوط الكشمير جرى نسجها على عجلة تقليدية في أثناء العمل لـ7 ساعات يومياً».

بين الأصلي والمُقلّد

في التسعينات، عانى العاملون في نسج شالات الباشمينا والحرفيون في كشمير من ضربة مزدوجة؛ الأولى صعود جماعات مسلحة، والأخرى دخول الماكينات إلى هذه الصناعة، ليُروِّج التجار شالات مصنوعة آلياً في وقت وجيز جداً على أنها مصنوعة يدوياً واستغرقت أشهراً. قليل من الناس يعرف أن خيوط الكشمير حساسة ولا يمكنها تحمل قوة الآلة. لتجاوز هذا العائق يعمل التجار على خلط الكشمير الخالص بصوف الأغنام أو النايلون أو خيوط الحرير، وهو ما هدد هذه الصناعة وحياة الحرفيين.

وسعياً من جانبها للحفاظ على هذا الفن التراثي من الانقراض، أقرّت حكومة الهند (تحت مظلة منظمة التجارة العالمية) علامة الجودة للباشمينا الأصلي، وتسمى علامة الفهرس الجغرافي، وتوجد على أوشحة أو الشالات الأصلية. ويوجد حالياً مختبر في سرينغار معنيّ بوضع علامة «جي آي»، أو الفهرس الجغرافي، على منسوجات كشمير لداخ الأصلية.

في هذا الصدد يقول مشتاق أحمد: «يسعدني أنه في اجتماع مجموعة العشرين الذي انعقد في وقت قريب في سريناغار، أبدى الكثير من الأجانب إعجابهم بجودة شالات الباشمينا. لقد أنقذت علامة (جي آي) هذا الفن بحق من الانقراض، وأنقذت المشترين كذلك من السقوط في فخ المنتجات الزائفة».

ويعد مشتاق أحمد وزوجته غولشانا، وكلاهما في الستينات، من أقدم النساجين اليدويين، إلى جانب اضطلاعهما بتدريب جيل من الشباب في هذه الصناعة. ويقضي كل منهما من 5 إلى 6 ساعات يومياً في العمل على نولهما الخشبي. وبينما يتولى الزوجان نسج الأوشحة، يتولى بناتهما وحفيداتهما تطريزها.


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.