باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

حبكات خيالية وأخرى تشويقية من الواقع... هكذا كان «أسبوع باريس لربيع وصيف 2024»

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي
TT

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

جينز باهت، وسترات سفاري، وساحرات، وعمليات سطو، وفراشات حية تطير بين ثنايا تنورات، وغيرها من الأفكار التي تتأرجح بين الخيال والواقع... فأهلاً بكم في «أسبوع باريس لربيع وصيف 2024». أسبوع لم يترك مجالاً للملل رغم عدد أيامه الطويلة. وربما تكلم المصمم دريز فان نوتن نيابة عن غيره، عندما قال: «لم نرغب في تصميم أزياء عادية».

فستان من تصميم سيباستيان ميير وأرنو فايو مؤسسي «كوبرني» يلخص مهارتهما الإبداعية (رويترز)

بدورها، صرحت البلجيكية ماري آدم-لينيرت، التي تشارك للمرة الأولى في البرنامج الرسمي بأن «الأمر لا يتمثل بابتكار القطع لموسم معيّن بل بإحداث مفاجأة وإثارة العواطف وتقديم تصاميم عابرة للزمن وللأجيال». وهذا ما كان. تحوّل «غير العادي» إلى «عادي» في أرض الواقع، بالنظر إلى أن استعماله في الحياة اليومية سيكون سهلاً وسلساً بعد تفكيكه من الحبكات السردية والقصص التي تم نسجها من الخيال في كل عرض، سواء أكانت إبحاراً في المحيطات أم غوصاً في عالم الساحرات والتعويذات.

من عرض «باكو رابان» (خاص)

لا يختلف اثنان على أن العنصر التجاري كان غالباً باستثناء عروض محسوبة على أصابع اليد. وحتى «غير العادي» فاقتصر على تفاصيل مثل التطريز المبتكر باستعمال كائنات حية في بعضها، كما هي الحال في عرض «أندر كافر» الذي استُعملت فيه الفراشات، أو التفنن في الأحذية بترصيع كعب بحبة لؤلؤ مثلاً. فاللافت في أغلب ما قُدِّم طوال الأسبوع أن الأكسسوارات، وعلى رأسها الأحذية، تدخل في صميم الخطط التسويقية لعام 2024. وليس أدل على هذا من الأحذية التي طرحتها دار «ديور» بكعوب مدببة تستحضر أحذية المصارعين الإغريق بأشرطتها التي تلف الساق، ومرصعة باللؤلؤ، أو تلك التي اقترحتها دار «سكاباريللي» مزينة بأخراز.

لعبت الأكسسوارات وتحديداً الأحذية دوراً مهماً في الأسبوع بما في ذلك عرض «ديور» (رويترز)

الحبكة شملت أيضاً عنصر التشويق البوليسي. فقبل انطلاق أسبوع باريس بأيام قليلة، انتشر خبر سرقة 50 قطعة من تشكيلة «بالمان». ورغم هول الخبر، لملمت الدار نفسها بسرعة وقدمت عرضاً مطبوعاً بالورود، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن عمليات السطو لم تعد تصدم المصممين وبيوت الأزياء لتكررها. فمنذ أكثر من شهر تقريباً، تمت سرقة مجوهرات بقيمة 15 مليون يورو، أي ما يعادل 15.8 مليون دولار، من محل «بياجيه» الواقع في بلاس فاندوم. بعد مرور أسبوعين فقط على هذا، سُرقت منتجات تقدر بـ100 ألف دولار من محلات «نوستروم» بكاليفورنيا. محلات أخرى أعلنت أن عمليات السطو ازدادت وبشكل ملحوظ بعد جائحة «كوفيد». المقلق في الأمر أن هذه السرقات أصبحت تعتمد على العنف واستعمال السلاح، كما هي الحال فيما يتعلق بعملية السطو التي تعرضت لها دار «بالمان». ردة فعل صناع الموضة كانت بتكثيف الحراسة، لهذا لن نستغرب أن نرى حراساً في كل محل ندخله بعد أن كان البروتوكول يفرض في السابق أن يبقى وجودهم خفياً وخفيفاً لا يشعر به الزبون.

نجحت دار «بالمان» في أن تتعدى عملية السطو التي تعرضت لها تشكيلتها وقدمت عرضاً دسماً (أ.ف.ب)

عندما نشر أوليفييه روستينغ، مصمم «بالمان» على صفحته في «إنستغرام» أن عدداً كبيراً من تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2024» سُرق، توقع البعض أن يُلغى العرض أو على الأقل يتم تقليص عدد الإطلالات. لكن العكس حصل. قلّلَ المصمم من هول الصدمة ونشر لمتابعيه، البالغ عددهم 10 ملايين، صوراً ومقطع فيديو وهو يعمل على تجهيز فستان مزين بالورود. كان أمامه 10 أيام فقط ليعطي للعالم درساً في الثبات وتحدي الصعوبات. قال إنه عمل «ليلاً ونهاراً» مع فريقه ليستمر العرض. ولحسن الحظ أن «بالمان» تتوفر على مشاغل وشبكة من الحرفيين تم استنفار قدراتهم لجعل المستحيل ممكناً، بل ووردياً.

من عرض «بيير كاردان» (إ.ب.أ)

الأسبوع الذي شهد 67 عرض أزياء، ونحو أربعين عرضاً مدرجاً في البرنامج الرسمي، شهد أيضاً عرضاً لدار «بيير كاردان». فرغم الخلاف المُثار حول مَن سيخلف المصمم الذي توفي عام 2020 وعدم تعيينها مديراً إبداعياً يتولى تصميم وتنسيق الأزياء بعد، فإن رودريغو بازيليكاتي كاردان، ابن شقيق المصمم، تولّى الإشراف على فريق العمل الذي قدم في مقر «الحزب الشيوعي» الفرنسي تشكيلة طغى عليها اللون الأزرق، وهو ما فسَره بازيليكاتي كاردان بأنه «تكريس لمفهوم حماية الكوكب والمحيطات». اختيار مكان العرض كان لفتة مهمة لمؤسسها الراحل الذي كان يعشق الفن المعماري الحديث. بقبته الخرسانية المسلحة التي تحمل بصمات مصممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير كان يصرخ بالحداثة التي أخذها الراحل إلى أبعد سقف، ألا وهو المستقبل.

وراء المظهر البسيط تخفي أزياء «ديور» حرفية عالية (إ.ب.أ)

على العكس منه تماماً، عادت مصممة دار «ديور» ماريا غراتزيا كيوري إلى الماضي السحيق، بإحياء صورة الساحرات وتراثهن المسكوت عنه أو بالأحرى المشوّه. صحّحته وجمّلته ليعكس صورة إيجابية للساحرات بوصفهن نساء قويات وعالمات ضليعات في مجال الأعشاب والنباتات، التي كنّ يستعملنها للتطبيب والمداواة وليس للإيذاء. من هذا المنظور، فإن الطبعات التي استعملتها دمجت أنواعاً كثيرة من الأعشاب والنباتات وحتى الحيوانات الصغيرة. أما خطوط تصاميمها فجمعت بين الذكوري والأنثوي، بحيث شملت تنورات واسعة وقمصاناً نصف أكتافها مكشوف، وجاكيتات واسعة في بعض الأحيان من دون أكتاف مفصلة أو محددة. اللافت فيها أيضاً نوعية الأقمشة. تقول المصممة إنها تعمّدت جعلها تبدو باهتة وأحياناً بحواف غير مكتملة استحضاراً لأعمال الفنان الإيطالي ألبرتو بوري، أحد رواد حركة الفن المتقشف، الذي كانت تُستعمل فيه مواد طبيعية رخيصة من ناحية إنتاجها.

شاشة باللونين الأصفر والوردي من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني تسخر فيها من صورة نمطية للمرأة في عرض «ديور» (أ.ف.ب)

ظهرت العارضات على منصة مظلمة نُصِبت على خلفيتها شاشة باللونين الأصفر والوردي تعرض أعمالاً فنية من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني، كانت عبارة عن إعلانات من الستينات تتضمن رسوماً كاريكاتيرية لصورة نمطية للمرأة آنذاك، «وكيف وُضعت في قفص لمدة 70 عاماً» حسب تصريح أدلت به بيلانتوني بعد العرض. يذكر أن ماريا غراتزيا كيوري ومنذ دخولها «ديور» في عام 2016 بوصفها أول مديرة إبداعية، تحرص أن تقوم بحركة نسوية فيها. مرة بالاستلهام من نساء قويات ومؤثرات ومرات بالتعاون مع فنانات معاصرات من مثيلات بيلانتوني. هذه الأخيرة ما إن وجدت منصة ملائمة حتى أسهبت في التعبير عن أفكارها الرافضة لوضع قديم لا تزال آثاره مستمرة إلى يومنا هذا. أما ماريا غراتزيا، فبعد أن وضعت مهمة خض المتعارف عليه في يد إيلينا، تفرّغت للتصاميم التي كان لا بد أن تقوم بتحريك العقل والوجدان لكن بالقوة نفسها التي ستُحرك بها عملية البيع عند طرحها في الأسواق. والطريقة أنها أخفت بين ثناياها وأقمشتها التي تبدو باهتة وبالية في بعض القطع، حرفية عالية تليق بتوقيع دار تعدّ مؤسسة فرنسية قائمة بذاتها. وليس أدل على هذا من أنها مطلب الملكات في المناسبات الرسمية، نظراً لحرفيتها وترفها.

مساء اليوم نفسه، قدم أنتوني فاكاريللو لدار «سان لوران» عرضاً على خلفية برج إيفل. كان مُبهراً، لمس الوجدان ليس لجديده، بل لقديمه. فقد تكون التقنيات جديدة والخطوط عصرية والروح الإبداعية قوية، لكن أجمل ما فيها كان استحضارها للراحل إيف سان لوران، أو على الأقل أفكاره، التي تجلّت في البدلات ذات اللمسات الذكورية وسترات السفاري التي أبدعها لنا منذ أكثر من 4 عقود تقريباً. غلب عليها القطن والكتان وألوان ترابية هادئة تخللها الزيتوني والبني بدرجاته المتنوعة، ومع ذلك كانت تفوح من كل جوانبها نكهة دافئة ومفعمة بالرُقي. جاء في البيان الصحافي الذي وزّعته الدار أن أنتوني فاكاريللو: «استلهم أفكاره من إميليا إيرهارت، وأدريين بولاند، ورائدات أخريات اخترقن مجالات كانت تُعدّ حكراً على الرجال، مثل قيادة الطائرات وسباقات السيارات».

استلهم أنتوني فاكاريللو تشكيلته لدار «سان لوران» من رائدات في عالمَي الطيران وسباق السيارات (رويترز)

المصمم ترجم هذه الإيحاءات بدمجه القوة والنعومة مع زخات من أنوثة طاغية، تظهر فيها العارضة بحزام يشد خصرها ليُبرز نحوله وأحمر شفاه متوهج، بينما غطت عيون بعضهن نظارات شمسية مبتكرة، فضلاً عن أحذية بكعوب عالية وقفازات جلدية. هناك إطلالات أخرى ظهرت فيها العارضات بأغطية رأس مستلهمة من خوذة الطيارين، كلها تصرخ بأنها سلاح قوي من شأنه أن يُموّل تشكيلات مقبلة.

في عرض «سكاباريللي» لعب المصمم على رموز الدار مثل شريط القياس الذي ظهر في قطع عدة (خاص)

القصة في دار «سكاباريللي» لم تختلف كثيراً عمّا يقدمه لنا الأميركي دانييل روزبيري في كل موسم. إطلالات تخطف الأنظار بدراميتها، وتشد الأنفاس بفنيتها. ورغم أنها تحاكي الـ«هوت كوتور»، فإن الدار تُعلّق أن خط الأزياء الجاهزة بمثابة ملعب تختبر فيه كيف تجعل الدرامي والسريالي يناسب الحياة اليومية. في هذا المختبر وجدت أنه كلما كانت القطعة مألوفة وكلاسيكية، سواء كانت قميصاً أبيض، أو معطفاً واقياً من المطر، أو سترة باللون الأسود الدخاني، ازدادت متعة اكتشافها مجدداً وضخها بالحيوية، وذلك بإضافة أحد رموز الدار. وهذا قد يكون زراً على الأكمام أو قلادة تشد الكتف، وتكون جزءاً من فستان، تأخذ شكل قفل أو عين أو حمامة وما شابه من تصاميم سريالية، تستحضر أعمال المؤسسة إلسا سكاباريللي وعلاقتها بالفنان سلفادور دالي الذي تعاونت معه في مناسبات عدة. في هذه التشكيلة الموجهة لـ«ربيع وصيف 2024»، استعمل المصمم روزبيري أيضاً شريط القياس، الذي اعتمدته إلسا لتزيين زجاجة عطرها «Shocking». هذا الشريط زيّن حواف السترات والبلوزات على حد سواء.

من عرض «لويفي» (خاص)

عرض «لويفي» كان بدوره عبارة عن رؤية فنية تلعب على الأبعاد الجريئة لأزياء النهار التي أضفى عليها المصمم طابعاً عملياً، بكثرة جيوبها وفتحاتها، إضافة إلى صورة تجمع الرصانة بالخفة. الرصانة تمثلت في الأقمشة المترفة مثل الصوف والجلد والتصاميم المبتكرة، والخفة في الدبابيس الكبيرة التي زينت أجزاء منها. رغم غرابتها فإنه يمكن القول إنها مكمن جاذبيتها. فهي تظهر على صدر فستان سهرة فتمنحه شكلاً منحوتاً، أو تظهر على تنورة أو شورت فترتقي بهما إلى مستوى يتعدى العملية إلى المفهوم «غير العادي».


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.