باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

حبكات خيالية وأخرى تشويقية من الواقع... هكذا كان «أسبوع باريس لربيع وصيف 2024»

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي
TT

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

باريس تختتم دورة الموضة للأزياء الجاهزة بعروض تلعب على الفني لتسويق العملي

جينز باهت، وسترات سفاري، وساحرات، وعمليات سطو، وفراشات حية تطير بين ثنايا تنورات، وغيرها من الأفكار التي تتأرجح بين الخيال والواقع... فأهلاً بكم في «أسبوع باريس لربيع وصيف 2024». أسبوع لم يترك مجالاً للملل رغم عدد أيامه الطويلة. وربما تكلم المصمم دريز فان نوتن نيابة عن غيره، عندما قال: «لم نرغب في تصميم أزياء عادية».

فستان من تصميم سيباستيان ميير وأرنو فايو مؤسسي «كوبرني» يلخص مهارتهما الإبداعية (رويترز)

بدورها، صرحت البلجيكية ماري آدم-لينيرت، التي تشارك للمرة الأولى في البرنامج الرسمي بأن «الأمر لا يتمثل بابتكار القطع لموسم معيّن بل بإحداث مفاجأة وإثارة العواطف وتقديم تصاميم عابرة للزمن وللأجيال». وهذا ما كان. تحوّل «غير العادي» إلى «عادي» في أرض الواقع، بالنظر إلى أن استعماله في الحياة اليومية سيكون سهلاً وسلساً بعد تفكيكه من الحبكات السردية والقصص التي تم نسجها من الخيال في كل عرض، سواء أكانت إبحاراً في المحيطات أم غوصاً في عالم الساحرات والتعويذات.

من عرض «باكو رابان» (خاص)

لا يختلف اثنان على أن العنصر التجاري كان غالباً باستثناء عروض محسوبة على أصابع اليد. وحتى «غير العادي» فاقتصر على تفاصيل مثل التطريز المبتكر باستعمال كائنات حية في بعضها، كما هي الحال في عرض «أندر كافر» الذي استُعملت فيه الفراشات، أو التفنن في الأحذية بترصيع كعب بحبة لؤلؤ مثلاً. فاللافت في أغلب ما قُدِّم طوال الأسبوع أن الأكسسوارات، وعلى رأسها الأحذية، تدخل في صميم الخطط التسويقية لعام 2024. وليس أدل على هذا من الأحذية التي طرحتها دار «ديور» بكعوب مدببة تستحضر أحذية المصارعين الإغريق بأشرطتها التي تلف الساق، ومرصعة باللؤلؤ، أو تلك التي اقترحتها دار «سكاباريللي» مزينة بأخراز.

لعبت الأكسسوارات وتحديداً الأحذية دوراً مهماً في الأسبوع بما في ذلك عرض «ديور» (رويترز)

الحبكة شملت أيضاً عنصر التشويق البوليسي. فقبل انطلاق أسبوع باريس بأيام قليلة، انتشر خبر سرقة 50 قطعة من تشكيلة «بالمان». ورغم هول الخبر، لملمت الدار نفسها بسرعة وقدمت عرضاً مطبوعاً بالورود، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن عمليات السطو لم تعد تصدم المصممين وبيوت الأزياء لتكررها. فمنذ أكثر من شهر تقريباً، تمت سرقة مجوهرات بقيمة 15 مليون يورو، أي ما يعادل 15.8 مليون دولار، من محل «بياجيه» الواقع في بلاس فاندوم. بعد مرور أسبوعين فقط على هذا، سُرقت منتجات تقدر بـ100 ألف دولار من محلات «نوستروم» بكاليفورنيا. محلات أخرى أعلنت أن عمليات السطو ازدادت وبشكل ملحوظ بعد جائحة «كوفيد». المقلق في الأمر أن هذه السرقات أصبحت تعتمد على العنف واستعمال السلاح، كما هي الحال فيما يتعلق بعملية السطو التي تعرضت لها دار «بالمان». ردة فعل صناع الموضة كانت بتكثيف الحراسة، لهذا لن نستغرب أن نرى حراساً في كل محل ندخله بعد أن كان البروتوكول يفرض في السابق أن يبقى وجودهم خفياً وخفيفاً لا يشعر به الزبون.

نجحت دار «بالمان» في أن تتعدى عملية السطو التي تعرضت لها تشكيلتها وقدمت عرضاً دسماً (أ.ف.ب)

عندما نشر أوليفييه روستينغ، مصمم «بالمان» على صفحته في «إنستغرام» أن عدداً كبيراً من تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2024» سُرق، توقع البعض أن يُلغى العرض أو على الأقل يتم تقليص عدد الإطلالات. لكن العكس حصل. قلّلَ المصمم من هول الصدمة ونشر لمتابعيه، البالغ عددهم 10 ملايين، صوراً ومقطع فيديو وهو يعمل على تجهيز فستان مزين بالورود. كان أمامه 10 أيام فقط ليعطي للعالم درساً في الثبات وتحدي الصعوبات. قال إنه عمل «ليلاً ونهاراً» مع فريقه ليستمر العرض. ولحسن الحظ أن «بالمان» تتوفر على مشاغل وشبكة من الحرفيين تم استنفار قدراتهم لجعل المستحيل ممكناً، بل ووردياً.

من عرض «بيير كاردان» (إ.ب.أ)

الأسبوع الذي شهد 67 عرض أزياء، ونحو أربعين عرضاً مدرجاً في البرنامج الرسمي، شهد أيضاً عرضاً لدار «بيير كاردان». فرغم الخلاف المُثار حول مَن سيخلف المصمم الذي توفي عام 2020 وعدم تعيينها مديراً إبداعياً يتولى تصميم وتنسيق الأزياء بعد، فإن رودريغو بازيليكاتي كاردان، ابن شقيق المصمم، تولّى الإشراف على فريق العمل الذي قدم في مقر «الحزب الشيوعي» الفرنسي تشكيلة طغى عليها اللون الأزرق، وهو ما فسَره بازيليكاتي كاردان بأنه «تكريس لمفهوم حماية الكوكب والمحيطات». اختيار مكان العرض كان لفتة مهمة لمؤسسها الراحل الذي كان يعشق الفن المعماري الحديث. بقبته الخرسانية المسلحة التي تحمل بصمات مصممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير كان يصرخ بالحداثة التي أخذها الراحل إلى أبعد سقف، ألا وهو المستقبل.

وراء المظهر البسيط تخفي أزياء «ديور» حرفية عالية (إ.ب.أ)

على العكس منه تماماً، عادت مصممة دار «ديور» ماريا غراتزيا كيوري إلى الماضي السحيق، بإحياء صورة الساحرات وتراثهن المسكوت عنه أو بالأحرى المشوّه. صحّحته وجمّلته ليعكس صورة إيجابية للساحرات بوصفهن نساء قويات وعالمات ضليعات في مجال الأعشاب والنباتات، التي كنّ يستعملنها للتطبيب والمداواة وليس للإيذاء. من هذا المنظور، فإن الطبعات التي استعملتها دمجت أنواعاً كثيرة من الأعشاب والنباتات وحتى الحيوانات الصغيرة. أما خطوط تصاميمها فجمعت بين الذكوري والأنثوي، بحيث شملت تنورات واسعة وقمصاناً نصف أكتافها مكشوف، وجاكيتات واسعة في بعض الأحيان من دون أكتاف مفصلة أو محددة. اللافت فيها أيضاً نوعية الأقمشة. تقول المصممة إنها تعمّدت جعلها تبدو باهتة وأحياناً بحواف غير مكتملة استحضاراً لأعمال الفنان الإيطالي ألبرتو بوري، أحد رواد حركة الفن المتقشف، الذي كانت تُستعمل فيه مواد طبيعية رخيصة من ناحية إنتاجها.

شاشة باللونين الأصفر والوردي من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني تسخر فيها من صورة نمطية للمرأة في عرض «ديور» (أ.ف.ب)

ظهرت العارضات على منصة مظلمة نُصِبت على خلفيتها شاشة باللونين الأصفر والوردي تعرض أعمالاً فنية من تصميم الفنانة إيلينا بيلانتوني، كانت عبارة عن إعلانات من الستينات تتضمن رسوماً كاريكاتيرية لصورة نمطية للمرأة آنذاك، «وكيف وُضعت في قفص لمدة 70 عاماً» حسب تصريح أدلت به بيلانتوني بعد العرض. يذكر أن ماريا غراتزيا كيوري ومنذ دخولها «ديور» في عام 2016 بوصفها أول مديرة إبداعية، تحرص أن تقوم بحركة نسوية فيها. مرة بالاستلهام من نساء قويات ومؤثرات ومرات بالتعاون مع فنانات معاصرات من مثيلات بيلانتوني. هذه الأخيرة ما إن وجدت منصة ملائمة حتى أسهبت في التعبير عن أفكارها الرافضة لوضع قديم لا تزال آثاره مستمرة إلى يومنا هذا. أما ماريا غراتزيا، فبعد أن وضعت مهمة خض المتعارف عليه في يد إيلينا، تفرّغت للتصاميم التي كان لا بد أن تقوم بتحريك العقل والوجدان لكن بالقوة نفسها التي ستُحرك بها عملية البيع عند طرحها في الأسواق. والطريقة أنها أخفت بين ثناياها وأقمشتها التي تبدو باهتة وبالية في بعض القطع، حرفية عالية تليق بتوقيع دار تعدّ مؤسسة فرنسية قائمة بذاتها. وليس أدل على هذا من أنها مطلب الملكات في المناسبات الرسمية، نظراً لحرفيتها وترفها.

مساء اليوم نفسه، قدم أنتوني فاكاريللو لدار «سان لوران» عرضاً على خلفية برج إيفل. كان مُبهراً، لمس الوجدان ليس لجديده، بل لقديمه. فقد تكون التقنيات جديدة والخطوط عصرية والروح الإبداعية قوية، لكن أجمل ما فيها كان استحضارها للراحل إيف سان لوران، أو على الأقل أفكاره، التي تجلّت في البدلات ذات اللمسات الذكورية وسترات السفاري التي أبدعها لنا منذ أكثر من 4 عقود تقريباً. غلب عليها القطن والكتان وألوان ترابية هادئة تخللها الزيتوني والبني بدرجاته المتنوعة، ومع ذلك كانت تفوح من كل جوانبها نكهة دافئة ومفعمة بالرُقي. جاء في البيان الصحافي الذي وزّعته الدار أن أنتوني فاكاريللو: «استلهم أفكاره من إميليا إيرهارت، وأدريين بولاند، ورائدات أخريات اخترقن مجالات كانت تُعدّ حكراً على الرجال، مثل قيادة الطائرات وسباقات السيارات».

استلهم أنتوني فاكاريللو تشكيلته لدار «سان لوران» من رائدات في عالمَي الطيران وسباق السيارات (رويترز)

المصمم ترجم هذه الإيحاءات بدمجه القوة والنعومة مع زخات من أنوثة طاغية، تظهر فيها العارضة بحزام يشد خصرها ليُبرز نحوله وأحمر شفاه متوهج، بينما غطت عيون بعضهن نظارات شمسية مبتكرة، فضلاً عن أحذية بكعوب عالية وقفازات جلدية. هناك إطلالات أخرى ظهرت فيها العارضات بأغطية رأس مستلهمة من خوذة الطيارين، كلها تصرخ بأنها سلاح قوي من شأنه أن يُموّل تشكيلات مقبلة.

في عرض «سكاباريللي» لعب المصمم على رموز الدار مثل شريط القياس الذي ظهر في قطع عدة (خاص)

القصة في دار «سكاباريللي» لم تختلف كثيراً عمّا يقدمه لنا الأميركي دانييل روزبيري في كل موسم. إطلالات تخطف الأنظار بدراميتها، وتشد الأنفاس بفنيتها. ورغم أنها تحاكي الـ«هوت كوتور»، فإن الدار تُعلّق أن خط الأزياء الجاهزة بمثابة ملعب تختبر فيه كيف تجعل الدرامي والسريالي يناسب الحياة اليومية. في هذا المختبر وجدت أنه كلما كانت القطعة مألوفة وكلاسيكية، سواء كانت قميصاً أبيض، أو معطفاً واقياً من المطر، أو سترة باللون الأسود الدخاني، ازدادت متعة اكتشافها مجدداً وضخها بالحيوية، وذلك بإضافة أحد رموز الدار. وهذا قد يكون زراً على الأكمام أو قلادة تشد الكتف، وتكون جزءاً من فستان، تأخذ شكل قفل أو عين أو حمامة وما شابه من تصاميم سريالية، تستحضر أعمال المؤسسة إلسا سكاباريللي وعلاقتها بالفنان سلفادور دالي الذي تعاونت معه في مناسبات عدة. في هذه التشكيلة الموجهة لـ«ربيع وصيف 2024»، استعمل المصمم روزبيري أيضاً شريط القياس، الذي اعتمدته إلسا لتزيين زجاجة عطرها «Shocking». هذا الشريط زيّن حواف السترات والبلوزات على حد سواء.

من عرض «لويفي» (خاص)

عرض «لويفي» كان بدوره عبارة عن رؤية فنية تلعب على الأبعاد الجريئة لأزياء النهار التي أضفى عليها المصمم طابعاً عملياً، بكثرة جيوبها وفتحاتها، إضافة إلى صورة تجمع الرصانة بالخفة. الرصانة تمثلت في الأقمشة المترفة مثل الصوف والجلد والتصاميم المبتكرة، والخفة في الدبابيس الكبيرة التي زينت أجزاء منها. رغم غرابتها فإنه يمكن القول إنها مكمن جاذبيتها. فهي تظهر على صدر فستان سهرة فتمنحه شكلاً منحوتاً، أو تظهر على تنورة أو شورت فترتقي بهما إلى مستوى يتعدى العملية إلى المفهوم «غير العادي».


مقالات ذات صلة

أدب الرحلة يدخل عالم المجوهرات

لمسات الموضة فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)

أدب الرحلة يدخل عالم المجوهرات

عام 1919 شعر لويس كارتييه بأن السفر والترف وجهان لعملة واحدة. افتتح محلا في سان سيباستيان الإسبانية لتبدأ رحلة «كارتييه» في المنتجعات الفخمة.

جميلة حلفيشي (بودروم - تركيا)
لمسات الموضة لم ينتهِ العرض بنغمة حزن بل بتفاؤل فالنهايات ما هي إلا بدايات كما أكد المصمم (إ.ب.أ)

دريس فان نوتن... وتشكيلة الوداع الأخير

كان شرطه قبل التقاعد للمجموعة الإسبانية «بوش» التي اشترت حصة من داره في عام 2018 أن يبقى فريق العمل في «أنتوورب» حتى ينأى بهم عن أي تأثيرات أو إغراءات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة شانتال خويري تتوسط المرشحات الثماني قبل الإعلان عن الفائزات (خاص)

«أطلق لها العنان»... من الرياض إلى مدريد

ما يُحسب لمجموعة «بيستر» أنها لم تبق رهينة فكرة واحدة وهي توفير سلع ومنتجات فاخرة بأسعار مخفضة، بل توسعت لتكون هذه القرى تجربة حياة تشمل كل ما لذ وطاب.

جميلة حلفيشي (مدريد)
لمسات الموضة من علامة «أوشيتا» (100 براند)

عرض أزياء حصري لمبادرة «100 براند سعودي» في باريس

لا تزال مبادرة «100 براند سعودي» تنتقل من محفل عالمي إلى آخر. هذا الأسبوع حطت الرحال في باريس...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة أرسل بيير باولو بيكيولي 63 قطعة اختلفت تصاميمها وبقي لونها واحداً (فالنتينو)

من موجة موسمية إلى ظاهرة

منذ ظهوره في 1926 وهو متسلطن في خزانة المرأة لم يخرج منها حتى بعد أن هجمت الألوان الصارخة على ساحة الموضة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تحتاج إليها.

جميلة حلفيشي (لندن)

أدب الرحلة يدخل عالم المجوهرات

فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)
فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)
TT

أدب الرحلة يدخل عالم المجوهرات

فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)
فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)

اختلفت أساليب السفر والترحال، ولم تختلف أسبابها وأهدافها. لا يزال الدافع إليها نفسه: إما استكشاف الآخر وإما الاستجمام والغرْف من متع الحياة. أما للمبدعين والفنانين فكانت ولا تزال مصدر إلهام. رحلة «كارتييه» الأخيرة لبودروم بمناسبة افتتاح محل جديد في منتجع كل ما فيه يتكلم لغة الأثرياء والنخبة، ذكَّرتنا بالسيد لويس كارتييه، الذي عاش في بداية القرن الماضي، وكيف كان فن الرحلات في عهده يعتمد على البواخر والمراكب، والآن على طائرات نفاثة ويخوت وباخرات سياحية ضخمة. كان لويس كارتييه واحداً من أهم الصاغة الذين أرسوا قواعد السفر والترحال بصفته مصدراً للاستكشاف والاستلهام على حد سواء.

ركب الأمواج مدفوعاً بالفضول والرغبة في الجديد. من كل رحلة كان يعود إلى باريس محملاً بأفكار وصور تتجلّى في تصاميم تحمل فخامة القصور وفنونها المعمارية تارة، وجمال كائنات حية وحيوانات برية تارة أخرى.

تشكل اللوحة الضخمة التي تستقبلك داخل المحل تناقضاً متناغماً مع الألوان والمواد الطبيعية الأخرى (كارتييه)

في عام 1919، شعر لويس كارتييه، بحسه التجاري والفني، بأن السفر والترف وجهان لعملة واحدة، فافتتح محلاً في سان سيباستيان الإسبانية. وهكذا بدأت «كارتييه» تنثر جواهرها على شكل «بوتيكات» أنيقة بين أحضان الشواطئ وعلى أقدام المياه، مثل مونتي كارلو وكان الفرنسية وبالم بيتش، وأخيراً وليس آخراً بودروم. تقول صوفي دويرو، الرئيس التنفيذي لـ«كارتييه» في الشرق الأوسط والهند وأفريقيا وتركيا: «هذا رابع محل لنا في تركيا، لكنه يختلف عن الباقي من ناحية أنه موسمي، فلا يفتح أبوابه سوى في موسمي الربيع والصيف، أي في ذروة الموسم السياحي». في الأشهر الأخرى، ومثل غيره في المنتجع، يغلق أبوابه في انتظار سطوع الشمس من جديد، وهذا ما يجعله أكثر من مجرد محل تجاري، بل مكان يُسجل حضور «كارتييه» بين الكبار، ويُرسِّخ مكانتها بصفتها صائغ الملوك والنخبة. لم تُخف صوفي دويرو سعادتها بهذا الافتتاح «لأنه يُعزز علاقة طويلة الأمد بتركيا، يعود تاريخها إلى أكثر من قرن مضى». تعليقها يعيد للذهن التأثير الإسلامي الذي يظهر جلياً في الكثير من مجوهراتها، مثل فنون العمارة، التي كان لها تأثير كبير على فن «الآرت ديكو» تحديداً.

من كل رحلة تستقي الدار أفكاراً وصوراً تتجلى في تصاميم تحمل فخامة القصور وفنونها المعمارية تارة وجمال كائنات حية وحيوانات برية تارة أخرى (كارتييه)

ورغم أن «كارتييه» من بين أكثر من احتضنوا ثقافة السفر منذ أكثر من قرن من الزمن، فإن مشهد الموضة عموماً يؤكد أن السفر كان ولا يزال مهماً لتوسيع الآفاق الفكرية والبصرية الفنية. بيوت أزياء عالمية ودور مجوهرات رفيعة أخرى تبنَّته في السنوات الأخيرة، وجعلته تقليداً لا تحيد عنه، إما لتلميع صورتها وإما لاستقطاب زبائن جدد. لكن تجربة «كارتييه» ليست ككل التجارب أو الرحلات. تجعلك تفكر أنه إذا كان أدب الرحلات من مصادر التاريخ والآثار وحضارة المجتمعات وتقاليدهم، فإن مجوهراتها أيضاً تحمل خصائص القصة والرواية. كيف تُرى بعين مصممها ومشاعره، وكيف يترجمها من خلال قطع تدخل المزادات، فتبقى تفاصيلها حية تحكي أسطورة أو قصة مكان وتاريخه وتطوراته.

الصورة التي استعملتها «كارتييه» في بطاقات بريشة الفنانة التركية باشاك أيدن نوتز

فعندما أرسلت «كارتييه» بطاقات تدعو فيها ضيوفها مشاركتها الاحتفال بافتتاح محلها الأخير في بودروم، أثارت هذه البطاقات كثيراً من الفضول والمشاعر. كانت غاية في البساطة والبلاغة في الوقت نفسه. رسمة على كانفس أبيض، يتوسطها يخت يُبحر وسط مياه زرقاء صافية. كانت بريشة الفنانة التركية باشاك أيدن نوتز، التي استعانت بها الدار لتجسيد روح المكان: كيف كان مجرد قرية صيد صغيرة في الماضي، وكيف صار مرتعاً للأثرياء وأصحاب اليخوت. بالنسبة لهذه الشريحة، فإن المنتجعات المترامية هنا، بكل ما تقدمه من متع وتجارب مائية وطبيعية وتاريخية، لا تكتمل من دون تسوق أو محال تقدم لهم كل ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه من منتجات يصعب مقاومة جمالها.

نعم، نظَّمت الدار الرحلة كما ينظُم شاعر قصيدة تتغزل بسحر المكان ومحاسنه. كان هذا ضرورياً لتجسد أسلوب حياة الرفاهية، كما بات زبون اليوم يطالب به. فهذا الأخير لم يعد يكتفي بتجربة تسوق تقليدية يقوم بها كأنه يؤدي مهمة عسكرية تُشبع رغبته في اقتناء قطعة فريدة فحسب. يريدها تجربة متكاملة، يستمتع فيها بكل شيء يغذي حواسه الخمس دون استثناء.

من الخارج يتماهى المحل الواقع بين أحضان فندق الماندرين أوريانتال مع الطبيعة التي حوله (كارتييه)

محلها الجديد الواقع بين أحضان فندق ماندرين أوريانتال كل هذا وأكثر. مثل المدينة، يُشعرك بأنه يعانق بحر إيجه بيدٍ، والبحر المتوسط باليد الثانية. والأهم أنه يلبي كل الرغبات متكئاً على سحر الطبيعة المحيطة به، وعلى ما يحتويه من كنوز صغيرة، مصنوعة من حرير أو مرصعة بالأحجار الكريمة.

تشرح صوفي أن البوتيك الجديد امتداد لمحلها بأسطنبول. لكن ديكوراته وشخصيته متأثرة بالطبيعة المحيطة به. الفنان فرانسوا ماسكاريلو كانت له يد في هذا الأمر، فهو فنان تربطه بـ«كارتييه» علاقة طويلة وحب مشترك للمواد المختلفة. يقول إنه زار تركيا عدة مرات ومثل غيره عشق شمسها الساطعة وألوان طبيعتها التي تتباين بين الأخضر والأزرق. عندما أعطيت له مهمة وضع لمساته على المحل، أدرك أن هذه الألوان وحدها لا تكفي. فعاد بخياله إلى عالم الأساطير، وهي كثيرة نظراً لتاريخ المدينة الروماني القديم. فقد كان اسمها هاليكارناسوس قبل أن يتحول إلى بودروم، كما أنها جغرافياً لا تبعد بالقارب سوى 50 دقيقة عن جزيرة كوس اليونانية.

فرانسوا ماسكاريلو أبدع لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً (كارتييه)

الجميل أن فرانسوا لم يترجم هذه الإيحاءات بشكل حرفي، بل بلمسات باريسية واضحة تتماهى مع أجواء المكان. حتى الأساطير ركّز فيها على القصص التي تربطها بالبحار والمحيطات.

يقول: «انطلقت من جمال الطبيعة، ثم وجدت نفسي أستعيد ذكرياتي الخاصة وأنا أمشي على حافة الشاطئ، وأشعة الشمس تنعكس على المياه اللازوردية، لتُشكِل ما يُشبه لوحة تجريدية». ترجم هذه الصورة في لوحة زيتية ضخمة هي أول ما يستقبلك في المحل. استعمل فيها الطلاء الزيتي مع ضربات ريشة خفيفة جداً فوق طبقة من الأكريليك، حتى يُضفي عليها تأثيراً لامعاً. ما زاد من قوة تأثير هذه اللوحة أن باقي الألوان والمواد كانت هادئة وطبيعية. اعتمدت على البيج والأصفر والأخضر، كما على الخشب والرافيا التي تم نسجها على يد حرفيين من أبناء البلد.

تنتهي الرحلة ومقولة قديمة لصياد من أبناء بودروم قال فيها: «لا تتوقع عندما تزورها أن تغادرها وأنت الشخص نفسه»، تتردد في الذهن وتؤكد أن هناك أماكن لها وقع خاص في النفس.

تبقى الساعات والمجوهرات الأساس لاسيما أيقونات الدار التي تشكل هدايا قيمة لكل المناسبات (كارتييه)

عند قراءة تاريخ صناعة الساعات والمجوهرات، يبرز اسم لويس كارتييه واحداً من أوائل الصاغة وصناع الساعات الذين احتضنوا الآخر، واستكشفوا فنون حضارات بعيدة. إلى جانب فخامة القصور والفنون الهندسية، كان معجباً بالكائنات الحية بكل أشكالها.

ساعة عرضتها الدار خلال معرض «ساعات وعجائب» لعام 2024 تؤكد أهمية البانثر إلى اليوم (كارتييه)

في عام 1914، طرح ساعة أيقونية مرقطة بالألماس والأونيكس الأسود، لتبدأ علاقة «كارتييه» الشهيرة بشكل «البانثر». ما بين عامي 1933 و1970، وهي الفترة التي التحقت فيها المصممة جين توسان بالدار، أخذت أشكال النباتات والحيوانات مستوى لم يستطع أي من المصممين منافسته في جرأته. ظهرت أشجار النخيل لأول مرة في المجوهرات الرفيعة. صاغتها توسان في «بروشات» كان لها وقع السحر على المستويين الفني والتجاري. كذلك طائر الفلامنغو الذي ساهمت في تصميمه مع مصمم آخر في الدار هو بيير لومارشون. طلبه دوق ويندسور، ليهديه لزوجته واليس سيمسون، ليصبح واحداً من الأشكال اللصيقة بالدار، إلى جانب أيقونات أخرى كثيرة ترسخ مكانة الدار التي لم تتزحزح عنها في أي وقت من الأوقات.