أبها والطائف في صدارة المصايف السعودية

تنقلانك من لهيب الصيف إلى نسيم الجبال العليل

الطائف عروس المصائف ومركزاً لصناعة الورد(هيئة السياحة)
الطائف عروس المصائف ومركزاً لصناعة الورد(هيئة السياحة)
TT

أبها والطائف في صدارة المصايف السعودية

الطائف عروس المصائف ومركزاً لصناعة الورد(هيئة السياحة)
الطائف عروس المصائف ومركزاً لصناعة الورد(هيئة السياحة)

في الوقت الذي لامست فيه درجات الحرارة مستويات قياسية شرق المملكة، مسجّلةً 49.3 درجة مئوية في محافظة الأحساء خلال ذروة الصيف، كانت المرتفعات الجنوبية الغربية تعيش مشهداً مناخياً مختلفاً تماماً، يُشبه نسمة بردٍ تهب من نافذة جبال السروات. ففي مدينة أبها، انخفضت درجة الحرارة الصغرى إلى نحو 18 مئوية، ليظهر الفارق الحراري الكبير الذي تجاوز 31 درجة مئوية بين منطقتين داخل حدود الوطن نفسه.

هذا التباين اللافت في درجات الحرارة لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة مباشرة لتنوع تضاريس المملكة، واختلاف الارتفاعات بين السهول المنخفضة والمناطق الجبلية. فالطائف، التي تمتد على ارتفاع يصل في بعض مناطقها إلى 2500 متر، تتميّز بجوّها العليل ومناخها اللطيف، في حين تعانق أبها السماء من علوّ يفوق 2300 متر، وتشتهر بضبابها البارد وطبيعتها الغنية التي تجمع بين الجبال والسهول. هذا التنوع البيئي جعل من المدينتين عنواناً لصيف مختلف، ووجهتين رئيسيتين على خريطة السياحة الداخلية.

أصبحت الوجهات الجبلية، مثل أبها والطائف، مصدرَ إلهام ثرياً لصانعي المحتوى السياحي، بما تقدمه من مناظر طبيعية خلابة وأجواء معتدلة تستحق التوثيق. وساهم هذا الزخم الرقمي في تعزيز حضورها على منصات التواصل، وتشجيع مزيد من الزوار على استكشافها.

أشجار الجاكرندا تزين طرق وحدائق أبها (أمارة عسير)

تقول لـ«الشرق الأوسط» صانعة المحتوى السياحي، نجلاء جان: «بينما كانت المدن تستقبل فصل الصيف بحرارة خانقة، كانت أنظار السعوديين والمقيمين تتجه إلى أبها والطائف، حيث تراوحت درجات الحرارة الصغرى بين 18 و23 مئوية. أجواء مشمسة، إلى غائمة جزئياً، مع احتمالات لأمطار خفيفة... رسمت لوحة صيفية فريدة لا تشبه المعتاد في المنطقة».

ومع «رؤية السعودية 2030»، لم تعد هذه المصايف مجرّد مدن يقصدها الناس للتمتع بالجو فقط، بل تحوّلت إلى وجهات متكاملة بعد تنفيذ حزمة من المشروعات السياحية الكبرى. ففي أبها، جرى تطوير شبكة الطرق الداخلية لتسهيل التنقل داخل المدينة وربطها بمحيطها، إلى جانب مشروع تطوير مطار أبها، الذي صُمم بطابع تراثي ليتماشى وهوية المنطقة، ويهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للزوار. كما أُطلق مشروع وادي أبها الجديد، أحد أضخم المشروعات السياحية في الجنوب، على مساحة 2.5 مليون متر مربع، وبتصميم يركّز على الاستدامة، حيث تخصص 30 في المائة من مساحته للمناطق الخضراء، ويضم 5 مناطق سياحية مختلفة الطابع.

المرتفعات الجبلية وجهة سياحية غنية بالفعاليات الترفيهية والرياضية (هيئة السياحة)

وشملت المشروعات التطويرية أيضاً الطائف، لا سيما تطوير مطار الطائف الدولي، الذي سيستوعب 4 ملايين مسافر سنوياً بحلول عام 2030؛ مما يجعله بوابة رئيسية لحجاج ومعتمري الخارج؛ لقربه من مكة المكرمة، إلى جانب دوره في دعم السياحة الداخلية. كما أُطلقت «مدينة الطائف الجديدة» بمفاهيم حديثة للبنية التحتية والطاقة، وشبكة متكاملة من الطرق والمواصلات، بالإضافة إلى «مشروعات تطوير الشفا والهدا»، وتطوير «حدائق جبل إبراهيم»، مع توسعة الفنادق والمرافق السياحية.

ووفق نجلاء جان، «فلم تعد زيارة المصايف تقتصر على الجلوس في الحدائق والاستمتاع بالمناخ المعتدل، فاليوم تُقدّم أبها والطائف تجارب سياحية متكاملة، تستهدف العائلات والأفراد من مختلف الأعمار. ويمكن للزوار الاستمتاع بالمطاعم المتنوعة، وتجربة رحلات التليفريك، والمغامرات الجبلية، وزيارة المحميات والأسواق التقليدية، والمشاركة في ورشات تعليمية للأطفال».

مناخ معتدل وأمطار خفيفة تلطف صيف أبها (أمارة عسير)

وأشارت نجلاء جان إلى الفعاليات الموسمية والمهرجانات الصيفية المتعددة، مثل «مهرجان أبها الصيفي» و«مواسم الطائف»، التي تجمع بين الفن والثقافة والرياضة. أما المنطقة الجنوبية عموماً، فتتحول في الصيف إلى مسرح مفتوح للأنشطة والعروض التراثية، ضمن فعاليات، مثل «موسم الباحة» و«موسم عسير»، تقدم أنشطة في الهواء الطلق وتجارب لعشاق الطبيعة والمغامرة.

وفي مايو (أيار) 2025، أطلقت وزارة السياحة حملة «لون صيفك» ضمن برنامج «صيف السعودية»، لتشجيع السعوديين والمقيمين على زيارة الوجهات الجبلية، مثل أبها والطائف وعسير والباحة، مع هدف طموح بجذب أكثر من 41 مليون زائر، وتحقيق إنفاق يتجاوز 73 مليار ريال.

وقد أسهمت هذه الحملات في تغيير خيارات كثير من العائلات، التي باتت تفضّل قضاء إجازاتها داخل المملكة بدلاً من السفر إلى الخارج، خصوصاً مع تحسن جودة الخدمات، وسهولة الوصول، وتنوّع الأنشطة. ونتيجة لذلك، شهدت الفنادق والمنتجعات ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الإشغال خلال الصيف، وتحوّلت المصايف الجبلية من خيار موسمي محدود إلى وجهات رئيسية تنافس نظيراتها على مستوى عالمي.


مقالات ذات صلة

مازاغان والجديدة... حكاية مدينة عبرت من البرتغال إلى المغرب

سفر وسياحة معمار مغربي تقليدي في مازاغان (الشرق الأوسط)

مازاغان والجديدة... حكاية مدينة عبرت من البرتغال إلى المغرب

بدأ المشوار من لندن إلى الدار البيضاء، في رحلة تستغرق نحو ثلاث ساعات ونصف، قبل مواصلة الطريق بالسيارة جنوباً لمسافة تقارب 90 كيلومتراً باتجاه مدينة الجديدة...

جوسلين إيليا (مازاغان - المغرب)
يوميات الشرق الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)

موجة الحر في أوروبا تنعش السياحة بالساحل الشمالي المصري

انعكست موجة الحر الشديدة التي داهمت دولاً أوروبية، خلال الفترة الماضية، بشكل إيجابي على الحركة السياحية الوافدة إلى الساحل الشمالي المصري.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سفر وسياحة النفق البركاني لكهف ماكر الشياهين في المدينة المنورة (تصوير: بدور صالح)

الكهوف السعودية... سياحة تحت الأرض

تخبئ السعودية عالماً من الكهوف الطبيعية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهات تجذب عشاق المغامرات، والاستكشاف، مستفيدة من التنوع الجيولوجي

فاطمة القحطاني (الرياض)
الاقتصاد أحد الشواطئ الساحلية في مصر (إكس)

أسعار الرحلات السياحية من ألمانيا إلى مصر ترتفع 5.2 % في النصف الأول

ارتفعت أسعار الرحلات السياحية الشاملة من ألمانيا إلى مصر خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 5.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
سفر وسياحة كيف تطور مفهوم «السياحة الشاملة» في  المنتجعات؟

كيف تطور مفهوم «السياحة الشاملة» في المنتجعات؟

لم يعد مفهوم «الإقامة الشاملة» أو ما يُعرف بالـ«All Inclusive» في المنتجعات السياحية يعني مجرد بوفيهات مفتوحة، بل تطور ليصبح تجربة متكاملة

جوسلين إيليا (بودروم)