فندق «بالميرا»... ذاكرة بعلبك العابق بالذكريات وعطر فيروز ونينا سيمون

بناه المهندس اليوناني ميكماليس باركلي عام 1872

ملحق فندق بالميرا الذي تطبعه العصرنة والحداثة (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)
ملحق فندق بالميرا الذي تطبعه العصرنة والحداثة (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)
TT

فندق «بالميرا»... ذاكرة بعلبك العابق بالذكريات وعطر فيروز ونينا سيمون

ملحق فندق بالميرا الذي تطبعه العصرنة والحداثة (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)
ملحق فندق بالميرا الذي تطبعه العصرنة والحداثة (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)

إذا ما قصدت مدينة بعلبك، وزُرت قلعتها الأثرية، فلا بد أن يأتي من يشير لك إلى فندق «بالميرا» الواقع في مقابلها، فهو يشكل مَعلماً أثرياً مرت عليه شخصيات سياسية وفنية، فلا يمكن أن تزور القلعة من دون أن تلقي نظرة على «بالميرا» الواقف أبداً شاهداً على تاريخ لبنان الذهبي.

أبقى أصحاب الفندق من آل الحسيني على معالم هذا المكان كما هو من دون خدش هويته. غرفه الـ27 لا تزال مفروشة بالأثاث نفسه الذي غمرها منذ افتتاحه، أما الملحق، الذي استُحدث فيه مؤخراً، ويضم 5 غرف جديدة، فجرى تصميمه ليتماشى مع المبنى القديم ولكنه يحمل بصمات الحداثة.

تختصر ريما الحسيني، زوجة صاحب الفندق علي الحسيني، والمشرفة عليه، لـ«الشرق الأوسط»: «إنه ذاكرة بعلبك». شهد أهم محطات الفن والفرح فيها على مدى مساحته المحاطة بالحدائق، وهو، مع الوقت، تحوَّل إلى متحف صغير؛ لما يحتوي عليه من قِطع أثرية ولوحات فنية نادرة بريشة أجانب ولبنانيين.

أوان من النحاس قديمة (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)

تصميم هندسي بورجوازي

شُيّد الفندق على يد المهندس اليوناني ميمكاليس باركلي في عام 1872 على أرض تزيد مساحتها عن 200 متر مربع. يقع عند مدخل بعلبك الجنوبي، وجرى تخطيط البناء بحيث يطل بواجهته الأساسية على الأطلال الرومانية. أما اسمه فيعود إلى التمثال النصفي لزنوبيا، أحضره معه باركلي من تدمر أثناء رحلته. ولا يزال هذا التمثال موجوداً في القاعة الرئيسية بالفندق.

يتألف فندق بالميرا من طابقين جرى بناؤهما على الطراز البورجوازي الرائج في تلك الحقبة، ويحيط به سور من الأعمدة الدائرية والقضبان الحديدية، وبجانبه حديقة مزروعة بعدة أشجار معمرة، كما يزدان بقطع أثرية من تيجان وأعمدة، وتماثيل نصفية من الحقبة الرومانية، أما حديقته فتتوسطها نافورة مياه مبنية من الحجر الصخري على الطراز القديم.

أحد أركان فندق بالميرا (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)

«بالميرا» صفحة تاريخ ذهبية

ما إن تطأ قدماك أرض الفندق حتى تشعر بنسمة هواء من التاريخ تلمس مُحياك. تتوغل فيه لتستكشف صفحاته، بدءاً من مدخل يتكون من ثلاث قناطر. حيطان مزخرفة وشبابيك وشُرفات تطل منها على لبنان العراقة. تتوقف عند بهوه الفسيح، محاولاً أن تحصى أعداد وأسماء رسامين كثيرين تركوا لوحاتهم في غماره.

يتألف مدخل الفندق من ثلاث قناطر مرتكزة على أعمدة مزخرفة. ومن شبابيكه وشرفاته تطل على قلعة بعلبك الرومانية، وهو ما دفع كثيرين للإقامة فيه ضمن تجربة فريدة يعبرون فيها الزمن. مرّ فندق بالميرا بعدة مراحل إعمارية، وكان يتألف، منذ البداية، من طابق واحد، حيث قام مالك الفندق اليوناني ميكماليس باركلي بعرضه للمزاد. وبعد وفاته في الحرب العالمية الأولى، قام بشرائه خبير الآثار اللبناني ميخائيل ألوف بـ1400 عثملية ذهب. قام بترميمه، وأضاف طابقاً ثانياً، وقام بتوسعته حتى أصبح يتألف من 27 غرفة، وصالة كبيرة، ومدخل، ومطعم.

أما الملحق الذي بُني له مؤخراً فيتألف من 5 غرف، وجرى إطلاق أسماء محددة على كل منها؛ تكريماً للشخصيات التي أقامت به.

ومن الفنانين التشكيليين، الذين تركوا لوحاتهم فيه، عمر الأنسي، وأمين الباشا، وجان كوكتو؛ فهذا الأخير له مجموعة من رسوماته هناك كان قد تركها في الفندق، على أثر إقامته فيه لمدة طويلة في الستينات.

التمثال النصفي للملكة زنوبيا (صفحة فيسبوك الخاصة بفندق بالميرا)

شخصيات مرت على «بالميرا»

كثيرة هي الأسماء التي اتخذت من «بالميرا» محطة أساسية لها أثناء زيارتها مدينة الشمس بعلبك. ومن بين تلك الشخصيات وديع الصافي، ونصري شمس الدين، ومارسيل خليفة، وصباح، والأخوان الرحباني. ومن الشخصيات التاريخية التي زارته الجنرال غورو في عام 1920، والقيصر الألماني وليام الثاني عام 1889، فمهد وقتها الطريق إلى بعثات أثرية لاستكشاف بعلبك التاريخ. وبين فريد الأطرش، وأم كلثوم، ودريد لحام، إلى فيتزجرلد وأرغون لا بد من التوقف عند فيروز، ونينا سيمون.

فالأولى كانت تنزل في هذا الصرح السياحي، في كل مرة أحيت فيها مهرجانات بعلبك. وكانت غرفتها المفضلة تحمل رقم 26. وتطل على قلعة بعلبك، ويسودها الهدوء والسكينة، لكنها اختارت الإقامة في ملحق الفندق على أثر تجديده وتحديثه. وفي عام 2006 مكثت هناك نحو أسبوعين متتاليين. واليوم تعرف الغرفة التي نزلت فيها باسمها «غرفة فيروز». وتعلق ريما الحسيني، لـ«الشرق الأوسط»: «لقد كانت مميزة بإطلالتها وبجلساتها وهدوئها، لم تكن يوماً متطلبة، أو تعطي أي ملاحظة لموظفي الفندق. معرفتي بها كانت بمثابة هدية تلقيتها في بقعة من لبنان الجميل».

ومن زوار هذا الفندق أيضاً الممثلة الفرنسية فاني أردان، وهي كانت تمضي ساعات طويلة تحت شجرة التوت في حديقة الفندق، أما نينا سيمون فكانت مغرَمة بالطبيعة، وتمضي معظم وقتها مساءً تحت سماء بعلبك المضاءة بالنجوم.

السجل الذهبي للفندق يتألف من جزأين؛ الأول من عام 1889 إلى 1907، والثاني من 1907 إلى اليوم. وسجل في هذا الكتاب كل من زار الفندق، حيث كتب زواره مشاعرهم عن بعلبك والفندق من صفحات أصبحت تاريخية، ولأهمية الكتاب تُرجم إلى عدة لغات.

مطعم الفندق أكلات لبنانية بعلبكية

يشهد فندق بالميرا، اليوم، حركة سياحية ملحوظة، بعد فترة من الشلل شهدها في فترة الجائحة، وهو يخصص لزواره مائدة لبنانية بامتياز تحضِّرها يومياً ربات منازل في بعلبك. وتوضح ريما الحسيني، زوجة صاحب الفندق علي حسين الحسيني، لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما يتذوقه زائر فندق بالميرا هو صناعة محلية بمكونات بعلبكية، لقد آثرت أن تطبع مدينة الشمس موائد مطعمنا».

وترى المدير التنفيذي لفندق بالميرا أن الطعام بمثابة لغة تواصل بحد ذاتها، أما الأطباق التي يقدمها فتتضمن مازات لبنانية شهيرة ومعروفة كالتبولة، والبابا غنوج، والفتوش، والحمص بالطحينة، وأطباق اللحوم على أنواعها.

ومن الأطباق البعلبكية، التي تزين مائدة «بالميرا» الصفيحة البعلبكية باللحم، وتلك المحضرة بالبقول. ويُعدّ طبق «كواج» من الأشهر في الفندق، وهو نموذج مشهور عن الأكلات البعلبكية. ويتألف من مجموعة خضر مطبوخة في الفرن. وتتابع ريما الحسيني: «لدينا أيضاً مذاقات مختلفة لأطباق الأرز والكباب الهندي، وهو طبق مشهور عندنا في بعلبك. وكذلك سَلَطة الراهب (تتألف من الباذنجان المشوي المتبّل بالليمون الحامض).

ويقصد الفندق سياحٌ ومقيمين ليتذوقوا خصيصاً طبق «كبة البطاطا» المشهورة به سيدات بعلبك. «هي أطباق نحاول أن نجددها، حسب كل موسم خضر وبقول، فنضفي ثقافة طعام خاصة على مطعم بالميرا».


مقالات ذات صلة

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

سفر وسياحة عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة.

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة «سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة

محمد عجم (القاهرة)
الاقتصاد الوزير الخطيب في كلمته للحضور بالنسخة الماضية من المنتدى في الرياض (واس)

تحت رعاية ولي العهد... الرياض تستضيف منتدى «تورايز 2027» في مارس المقبل

تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعلن وزير السياحة رئيس مجلس إدارة منتدى «تورايز» أحمد بن عقيل الخطيب، اليوم، إطلاق منتدى «تورايز».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)

الرياض تجمع 80 جهة عارضة من 14 دولة للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً

اجتمعت أكثر من 80 جهة عارضة من 14 دولة حول العالم في العاصمة السعودية الرياض للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
سفر وسياحة رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل...

جوسلين إيليا (بيروت)

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
TT

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر في أنحاء مختلفة من العالم، بدأ المناخ يدخل بصورة متزايدة في قرارات المسافرين: إلى أين يسافرون؟ ومتى؟ وما نوع التجربة التي يبحثون عنها؟

إسكتلندا من البلدان التي استفادت من موجة الحر التي ضربت انجلترا (أ.ف.ب)

لسنوات طويلة، ارتبطت العطلة الصيفية الأوروبية بالشمس والبحر والوجهات المتوسطية، من إسبانيا وإيطاليا إلى اليونان وكرواتيا. لكن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية بدأ يغير هذه المعادلة. فالسائح الذي يريد التجول في مدينة تاريخية أو ممارسة أنشطة في الهواء الطلق قد يجد أن الحرارة الشديدة تجعل التجربة أقل راحة، بل وأحياناً أكثر خطورة.

ومن هنا برز اتجاه سياحي جديد يعرف باسم «Coolcation»، أي اختيار وجهة أكثر برودة أو اعتدالاً هرباً من حرارة الصيف. وبدأت دول شمال أوروبا، مثل النرويج وفنلندا والسويد وآيسلندا، إلى جانب المناطق الجبلية في وسط أوروبا، تستفيد من هذا الاتجاه المتنامي.

ادنبرة من المدن التي استفادت بسبب تغير المناخ (إ.ب)

اسكوتلندا... نموذج للخريطة السياحية الجديدة

تقدم اسكوتلندا مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه أجزاء من إنجلترا لموجات حر قوية، أصبحت اسكوتلندا وجهة جذابة لمن يبحثون عن طقس أكثر اعتدالاً، فضلاً عن طبيعتها التي تشمل المرتفعات والبحيرات والسواحل.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع حجوزات الرحلات الجوية إلى المطارات الاسكوتلندية بنسبة 15 في المائة خلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026، في حين تراجعت الحجوزات إلى لندن وبقية إنجلترا. وكان الطقس الأكثر برودة أحد العوامل التي ساعدت على جذب الزوار، إلى جانب الطبيعة والثقافة والفعاليات. كما شهدت إدنبرة موسماً قوياً للمهرجانات، مع ارتفاع مبيعات التذاكر بنحو 30 في المائة.

لكن من المهم عدم اختزال نمو السياحة الاسكوتلندية في عامل الطقس وحده؛ فالرحلات الجوية المباشرة، والمهرجانات، والترويج السياحي، والطبيعة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز جاذبية البلاد.

السياحة تنتعش في أوروبا الشمالية (إ.ب)

هل يشجع تغير المناخ السياحة الداخلية؟

أحد أهم آثار هذه الظاهرة هو إمكانية تعزيز السياحة الداخلية. فعندما تصبح بعض الوجهات الخارجية شديدة الحرارة أو أكثر تكلفة، قد يفضل المسافر قضاء عطلته داخل بلده، خصوصاً إذا كانت هناك مناطق محلية توفر طقساً أكثر راحة وتجارب مختلفة.

وفي بريطانيا، يمكن أن تستفيد اسكوتلندا من هذا الاتجاه؛ إذ يستطيع السائح الإنجليزي الوصول إليها دون الحاجة إلى السفر دولياً، والاستمتاع بالطبيعة والثقافة والمدن التاريخية.

لكن التجربة الاسكوتلندية في 2026 تظهر أن المناخ وحده لا يكفي؛ فارتفاع تكاليف المعيشة والإقامة والنقل يمكن أن يحد من قدرة الأسر البريطانية على السفر، حتى عندما تكون الوجهة المحلية جذابة. ولذلك تحتاج السياحة الداخلية إلى مزيج من الأسعار التنافسية، وسهولة الوصول، والمنتجات السياحية المناسبة.

ما يحدث في اسكوتلندا ليس حالة منفردة؛ ففي أوروبا، بدأت الوجهات الشمالية والأكثر اعتدالاً تستفيد من الاهتمام بالسياحة الصيفية الأقل حرارة. وفي المقابل، لا تزال إسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها من الوجهات المتوسطية تحتفظ بمكانتها القوية، لكن بعض المسافرين بدأوا بتغيير توقيت رحلاتهم.

التغير المناخي يغير خريطة السفر (بيكسيلز)

فبدلاً من السفر في ذروة يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، يتجه بعض السياح إلى مايو (أيار) ويونيو (حزيران) أو سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً. وهذا يعني أن تغير المناخ قد يؤدي إلى إعادة توزيع السياحة جغرافياً وزمنياً في آن واحد: من المناطق شديدة الحرارة إلى المناطق الشمالية والجبلية، ومن ذروة الصيف إلى مواسم الربيع والخريف.

كما أن تأثير الحرارة ليس موحداً على جميع الأنشطة. فقد تستفيد الشواطئ والمسابح ومرافق الأنشطة المائية من الطقس الحار، بينما تواجه المعالم السياحية والأنشطة التي تتطلب المشي أو البقاء في الخارج لساعات طويلة تحديات أكبر.

بالنسبة إلى الوجهات الشمالية، يمثل هذا التحول فرصة اقتصادية مهمة؛ فزيادة عدد الزوار تعني مزيداً من الإنفاق على الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة السياحية، وقد تساعد على دعم الشركات المحلية والمجتمعات الريفية.

لكن زيادة أعداد السياح تفرض في المقابل تحديات تتعلق بالبيئة والبنية التحتية والازدحام والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما أن المناطق التي تستفيد اليوم من مناخها المعتدل ليست محصنة من آثار تغير المناخ مستقبلاً.

لذلك، فإن المستفيد الحقيقي من التحول المناخي سيكون الوجهة القادرة على التكيف مع المناخ، وإدارة أعداد الزوار، وتوفير تجربة مستدامة، والحفاظ على أسعار تنافسية.

تكشف تجربة اسكوتلندا عن تحول أعمق في صناعة السياحة؛ فالمناخ لم يعد مجرد خلفية للرحلة، بل أصبح جزءاً من قرار اختيار الوجهة وتوقيت السفر.

وقد لا يعني ذلك نهاية السياحة المتوسطية أو انتقال السائحين جميعاً إلى شمال أوروبا، لكنه يشير إلى ظهور خريطة سفر أكثر تنوعاً. ففي المستقبل، قد يصبح السؤال بالنسبة للسائح ليس فقط: «إلى أين أذهب؟»، بل «ما الطقس الذي سأجده هناك؟ ومتى يكون أفضل وقت للزيارة؟».

ومن هذه الزاوية، تبدو اسكوتلندا مثالاً مهماً على السياحة في عصر تغير المناخ؛ فالمناخ الأكثر برودة، الذي كان في السابق مجرد سمة طبيعية للبلاد، يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية سياحية في عالم تصبح فيه موجات الحر أكثر حضوراً.

إن قصة اسكوتلندا ليست مجرد قصة عن سياح يبحثون عن طقس بارد، وإنما مؤشر على تحول أوسع: المناخ بدأ يعيد رسم خريطة السفر الأوروبية، ويدفع صناعة السياحة إلى التفكير في وجهات جديدة، ومواسم مختلفة، ونماذج أكثر استدامة للسفر.


«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
TT

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة، التي تتلاشى فيها الضوضاء أمام هدير الأمواج التي تعانق ضوء الشمس، لتمنح الزائر تجربة استرخاء لا تُضاهى.

«سوما باي» ليست مجرد منتجع سياحي، بل وجهة عالمية للمشاهير ولكل من يبحث عن الهدوء، والجمال، واعتدال الأجواء طوال العام، فمع اختلاف فصول العام تكون وجهة مثالية، حيث تشهد شواطئها، الممتدة بطول 11 كيلومتراً، حركة لا تتوقف للاستجمام أمام المياه النقية، أو القفز في الماء، أو الغوص لاستكشاف الشعب المرجانية.

ممارسة القفز في الماء أثناء الغروب تجربة لا تُضاهى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

لذا، سواء كنت تخطط لعطلة رومانسية تبقى في الذاكرة، أو ترغب بقضاء وقت ممتع مع العائلة، أو الأصدقاء، فإن المنطقة توفر تجربة مميزة تناسب الجميع، مقدمةً تجربة استثنائية تتجاوز مفهوم الإجازة التقليدية، لتصبح رحلة ساحرة تجمع بين الهدوء، والفخامة، وجمال الطبيعة البكر، بما يجعلها مكاناً متكاملاً يعكس التطور الذي تشهده المناطق الساحلية المصرية.

مناظر بانورامية خلابة

تظل «سوما باي» خياراً مثالياً للباحثين عن وجهة تجمع بين الفخامة والخصوصية في قلب الطبيعة، حيث تتميز بموقعها الجغرافي الفريد داخل خليج سوما باي، إذ تحيط بها مياه البحر الأحمر من ثلاث جهات «شبه جزيرة»، مما يمنح هذا الخليج مناخاً معتدلاً طوال العام.

كما أن الموقع الاستراتيجي يقدم للزائر فرصة التمتع برؤية مناظر بانورامية خلابة على امتداد البصر للبحر والسماء، وعلى مدار اليوم، تتبدل طبيعة «سوما باي» مع تغير الساعات لتقدم أوجه متعددة من سحر مصر؛ فمع شروق الشمس على الشواطئ ونسائم الصباح تكون الفرصة مواتية لمنح الزائر نفسه إحساساً بالاستجمام، أو بدء اليوم بجلسة يوغا أمام صوت الأمواج.

الطريق إلى الغطس في سوما باي يبدأ بالسير وسط البحر الأحمر أعلى الممشى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بينما تعد ساعة الغروب وسط هذه الطبيعية الأخّاذة، حيث انعكاس الشفق الأحمر على الشواطئ والمياه الفيروزية الصافية، مشهداً يبعث في النفس طاقة متجددة، وفرصة لعيش لحظات من التأمل أمام صوت الموج. أما المساء، ومع أجوائه الصاخبة التي تخلقها الفعاليات الفنية والموسيقية المتنوعة، فتشهد المنطقة طاقة حيوية تفرض نفسها على المكان.

ويتيح هذا التنوع على مدار ساعات النهار والليل للزائر تجربة لا تُنسى، ويجعل من «سوما باي» ملاذاً رائعاً لعطلة مميزة في واحدة من أبرز الوجهات السياحية على ساحل البحر الأحمر.

تمتد الفخامة إلى ما تضمه «سوما باي» من مجموعة من أرقى المنتجعات السياحية الفاخرة فئة 5 نجوم، والتي تتنوع في تقديم خدماتها ما بين ملاعب الغولف ومارينا لليخوت، أو تقديم تجربة استشفائية بتوظيف مياه البحر في العلاج، ما يجعلها وجهة للباحثين عن الاسترخاء والرفاهية.

سوما باي تمنح زائرها رحلة ساحرة استثنائية تجمع بين الهدوء والفخامة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بين المغامرة والمنافسة

تحتل «سوما باي» مكانة خاصة لدى محبي المغامرة والترفيه وعشاق الرياضات المائية عالمياً، إذ ترسخ مكانتها بوصفها أحد أفضل مواقع الغوص في البحر الأحمر، وتوفر المنطقة تجربة غنية للمبتدئين والمحترفين على حد سواء؛ حيث يمتد داخل البحر ممشى بطول 420 متراً يتيح للزوار الوصول بسهولة إلى أعماق الشعاب المرجانية المتنوعة.

وإلى جانب الغوص، تشتهر المدينة بكونها مركزاً رائداً لرياضة «الكايت سيرف»، عبر ركوب الأمواج بالألواح، مستفيدة من الظروف الطبيعية والمناخية التي توفرها المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة لم تعد منطقة «سوما باي» مجرد وجهة للاسترخاء والتمتع بالطبيعة الخلابة فحسب، بل تحولت بفضل بنيتها التحتية المتطورة وقدرتها على توفير بيئة تنافسية عالمية المستوى، إلى قبلة رئيسية لاستضافة أبرز الفعاليات الرياضية المحلية والدولية، لترسم بذلك مساراً جديداً يعزز من تنافسية هذا المقصد السياحي على الخريطة العالمية.

كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة أبرز الفعاليات الرياضية التي تحتضنها سوما باي (وزارة الشباب والرياضة المصرية)

هذا التطور جعلها ضمن أجندة الحكومة المصرية، ممثلة في وزارتي السياحة والآثار والشباب والرياضة، إذ تسعى الحكومة إلى تنظيم أهم البطولات المحلية والعالمية في إطار تعزيز السياحة الرياضية، حيث توضع «سوما باي» على رأس أجندة الفعاليات، بهدف تحويلها إلى مركز استراتيجي للرياضات المائية والاحترافية.

وأثمر هذا التوجه عن استضافة المنطقة لجولات سلسلة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، في حدث يعكس الالتزام المصري بتوفير بيئة رياضية عالمية المستوى، تضاهي أكبر المراكز الرياضية في العالم.

ولا يتوقف الحضور عند الرياضات المائية؛ فقد سجلت «سوما باي» سبقاً تاريخياً في المنطقة باستضافة منافسات التنس على «ملاعب عشبية»، لتكون بذلك أول وجهة في الشرق الأوسط وأفريقيا تنظم بطولات من هذا النوع، مما يعد نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الرياضية الإقليمية.

كما نجحت المنطقة في استقطاب فئات متنوعة من الزائرين من مختلف القارات، وهو ما تجلى في تنظيم مهرجانات التحمل الرياضي هذا العام، تحت رعاية الاتحاد المصري للخماسي الحديث، والتي شهدت مشاركة آلاف المتسابقين من عشرات الجنسيات.

كذلك امتد هذا التنوع الرياضي ليشمل «كأس مصر للفروسية»، التي تجمع بين أصالة رياضة قديمة وأجواء حديثة في بيئة البحر الأحمر الساحرة.

ومع هذا الحضور الرياضي المكثف، أضحت «سوما باي» وجهة لا تكتفي بتقديم الترفيه، بل تصيغ تجربة رياضية استثنائية، في أجواء مميزة تجمع بين التحدي والمتعة وروح المنافسة.


رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
TT

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بيروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية.

ولمن يريد اكتشاف لبنان بعيداً عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثم البقاع وزحلة، وصولاً إلى بيروت، مساراً يجمع في أيام قليلة بين البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجهاً مختلفاً من البلاد.

البردوني في مدينة زحلة من المعالم السياحية الجميلة (الشرق الأوسط)

البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني

تبدأ الرحلة شمالاً باتجاه البترون، المدينة الساحلية التي تجمع بين أجواء المتوسط وشوارعها القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءاً وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءاً أساسياً من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية.

وتستحق البترون يوماً كاملاً، لا مجرد محطة عابرة. ويمكن بدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثم التوجه إلى سور البحر الفينيقي، أحد أبرز معالم المدينة. بعدها يمكن زيارة كنيسة سيدة البحر والتجول في محيط الميناء، قبل التوجه إلى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة على البحر. ومن التفاصيل التي تمنح زيارة البترون طابعها الخاص تذوق «ليموناضة» البترون الشهيرة، التي أصبحت جزءاً من هوية المدينة، إلى جانب استكشاف الملاحات القديمة والتقاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الغروب. أما في فصل الصيف، فتتوفر خيارات عدة لمحبي البحر، من السباحة إلى الرياضات المائية.

إقامة في بيوت تقليدية في «دومين دو شوشين» (الشرق الأوسط)

ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالاً إلى أنفه.

في أنفه، يصبح البحر أكثر حضوراً، بينما تتغير ملامح الساحل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اسم «أنفوريني»، تيمناً بسانتوريني في اليونان، في إشارة إلى التشابه بين المدينتين الساحليتين، ولا سيما في الألوان والأزقة المرصوفة بالحجارة البيضاء والبيوت ذات الأبواب الزرقاء المزينة بالورود والزهور.

أنفه من المناطق الساحلية الرائعة في لبنان (الشرق الأوسط)

ومن الأماكن التي يمكن التوقف عندها لتناول الغداء مطعم «شي فؤاد»، المتخصص في المأكولات البحرية الطازجة. وكان المكان في الأصل منزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جزء من النهار فيه والاستمتاع بالجلسة البحرية والسباحة في البركة الصغيرة أو في البحر.

منظر مطل على مدينة زحلة في البقاع (الشرق الأوسط)

البقاع: حين يتغير المشهد

بعد الساحل، تتجه الرحلة نحو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الواسع والجبال المحيطة والكروم ترسم صورة مختلفة تماماً عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية.

وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شوشين»، الذي يقدم المأكولات اللبنانية التقليدية في الهواء الطلق. ويضم المكان غرفاً فندقية تحافظ على طابعها القروي، مع ديكورات بسيطة وقناطر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية.

ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقامة، إذ يمكن القيام برحلة مشي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المنطقة، تسبقها وجبة فطور لبناني مستوحاة من أجواء القرى والطبيعة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالاً من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها.

شلالات البردوني (الشرق الأوسط)

زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء

من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطاً بالهوية الثقافية والتراثية للبنان.

نشأت زحلة وتطورت على ضفاف نهر البردوني، الذي يعبر المدينة بين الجبال ويمنحها مشهداً طبيعياً مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءاً من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور قديمة، بينما ازدهرت المدينة بصورة خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البقاع، كما ارتبط اسمها بالهجرة والتجارة.

زحلة عصب البقاع (الشرق الأوسط)

أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحداً من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأماكن الجلوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة.

ومن البردوني يمكن الصعود إلى مقام سيدة زحلة والبقاع للاستمتاع بإطلالة واسعة على المدينة والسهل، ثم العودة إلى النهر لقضاء الأمسية وسط أجواء زحلة الحيوية.

في هذه المدينة تحديداً، تبدو عناصر الرحلة الثلاثة حاضرة في مكان واحد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية.

زحلة من المدن السياحية المميزة في لبنان (الشرق الأوسط)

بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر

بعد البحر والجبال والكروم، تأتي بيروت لتكون المحطة الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتجاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية.

يمكن بدء الجولة من وسط بيروت وساحة النجمة، حيث تتجاور الأبنية التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلى الحمامات الرومانية وساحة الشهداء والجامع العمري الكبير، في جولة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة.

ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بيروت زيارة خاصة، لما يقدمه من رحلة في تاريخ لبنان وآثاره. وبعدها يمكن الانتقال إلى شارع الحمرا أو الجميزة ومار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالاً بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي.

«دومين دو شوشين» إقامة في أجواء ريفية (الشرق الأوسط)

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضاً المرور بـزيتونة باي، الذي يجمع المرسى والمطاعم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة.

لكن الروشة تبدو مختلفة عندما تُرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صخرة الروشة. تنطلق القوارب من المنطقة المحيطة بالصخرة لتأخذ الزائر بمحاذاة الساحل، وتتيح له رؤية المعلم الشهير من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش.

ومع الاقتراب من الصخرة، تظهر التجاويف والممرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساساً بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالاً مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي.

غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب)

المائدة جزء من الرحلة

لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عند مائدتها. فالمطبخ اللبناني هنا ليس مجرد خيار لتناول الطعام، بل جزء من التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانباً من شخصية المدينة.

ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يقدم المطبخ اللبناني والمتوسطي بلمسة عصرية، ويتيح تذوق مجموعة من الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية.

«أم شريف ديلي» في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة.

أما إذا كان الخيار هو وجبة سريعة، فيمكن التوجه إلى «أم شريف ديلي»، وهو تابع لسلسلة «أم شريف»، ويقدم السندويشات بلمسة عصرية.ولمن يريد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الروشة والكورنيش المطل عليها من أبرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة.

الملاحات في أنفه (إ.ب.إ)

لبنان... منظر، مائدة، وحكاية

ربما تكمن متعة لبنان في أنه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحد. فبين ساحل البترون وأنفه، ومائدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضفاف البردوني، ثم بيروت بتاريخها وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة من محطة إلى أخرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل.

إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كي تكشف اختلاف لبنان وتنوعه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد.