نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

تكملة لما بدأ في سريلانكا وبنغلاديش

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
TT

نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)

أصبحت نيبال، الدولة الجبلية الحبيسة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، ثالث دولة في شبه القارة الهندية، منذ عام 2022، تشهد انتفاضة عنيفة أطاحت بحكومتها. rnوكثيراً ما تعقد مقارنات بين اضطرابات نيبال والأخرى التي عصفت خلال السنوات الأخيرة ببنغلاديش (إطاحة الطلاب بالشيخة حسينة واجد عام 2024) وسريلانكا (الاحتجاجات على انهيار الاقتصاد عام 2022)، بما يوحي بوجود نمط من تغييرات الأنظمة التي يقودها الشباب مدفوعين بالأزمات الاقتصادية والفساد في جنوب آسيا.

اندلعت أخيراً في نيبال احتجاجات قادها أبناء الجيل الجديد، المعروف باسم «الجيل زد»، ضد الفساد وفرض الرقابة والركود الاقتصادي، لتتحول إلى فوضى واسعة ضربت جنبات المدن.

وأسفرت الاشتباكات في العاصمة كاتماندو، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية ميمي «حرب اليومين»، عن سقوط عشرات القتلى، وأجبرت رئيس الوزراء كي بي شارما أولي وحكومته بأكملها على الاستقالة. وفيها أضرمت الحشود الغاضبة النار في منازل خمسة رؤساء وزراء سابقين، ومبنى البرلمان، وأجزاء من القصر الرئاسي، بينما تعرضت منازل سياسيين بارزين للنهب... وبدا أن الدولة على شفا الانهيار، دونما قيادة أو بوصلة توجهها.

امرأة لرئاسة الحكومة

اليوم، تتأهب نيبال لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة سوشيلا كاركي، أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ البلاد، وكانت تتولى سابقاً رئاسة المحكمة العليا. وجاء تعيين كاركي (73 سنة) بعد أسبوع من الاضطرابات الدامية، وحظيت بدعم متظاهري «الجيل زد» عبر تصويت على منصة «ديسكورد»، حصلت فيه على أعلى نسبة تأييد. أما مهمتها فتتركز على تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة بحلول مطلع مارس (آذار) 2026. وفي أول كلمة لها بعد تولي المنصب، قالت كاركي: «فريقي وأنا لسنا هنا للاستمتاع بطعم السلطة. سنستقيل خلال ستة أشهر، ونسلّم المسؤولية للبرلمان الجديد. إننا بحاجة لدعمكم كي ننجح».

اليأس الاقتصادي... وقود الغضب

على الصعيد الاقتصادي، تكابد نيبال أزمة خانقة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.3 في المائة لعام 2025، ما يعد من بين أدنى المعدلات على مستوى جنوب آسيا، ويجعل نيبال من أفقر دول المنطقة. وتصل نسبة بطالة الشباب إلى 19.2 في المائة. وفي إطار ذلك، تحوّلت الفجوة الصارخة بين حياة السياسيين المترفة وفقر الشعب - التي تجسدت في فضائح انتشرت على نطاق واسع تُظهر أبناء السياسيين، وهم يستعرضون ثراءهم - إلى شعار للاحتجاجات، التي ترى في الفساد والمحسوبية أصل معاناتها.

في هذا الصدد، عبرت سانغيتا ثابليال، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو في العاصمة الهندية دلهي، عن اعتقادها «بوجود تحول جيلي آتٍ، فالشباب يطالبون بالوظائف والتنمية ونوعية حياة أفضل، لكن الطبقة السياسية في نيبال خذلتهم. وتحطم وعد دستور 2008 بإرساء ديمقراطية اتحادية مستقرة، بفعل القلاقل وبطء النمو وتفشي الفساد، وكان هذا الشرخ ما أجّج الاضطرابات».

من الملكية إلى الماوية... إرث من الاضطرابات

في الحقيقة، الاضطرابات ليست بالأمر الجديد على نيبال؛ إذ سقطت الحكومة التي يقودها أولي - الحكومة الـ30 خلال 35 سنة - في خضم موجة من الفوضى والاحتجاجات، ما يبرهن على أن الديمقراطية في إقليم جبال الهيمالايا غالباً ما تلد أخطاء سياسية متكرّرة. وتكشف الأرقام عن أنه منذ عودة التعددية الحزبية عام 1990، تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة، منها 14 مرة منذ إلغاء الملكية عام 2008. ولم تُكمل أي حكومة فترة ولايتها الكاملة المؤلفة من خمس سنوات، الأمر الذي أدى إلى انهيار تحالفات، وإصابة المشهد السياسي بالشلل، وتوقف عجلة التنمية.

كذلك لا بد من القول إن جذور الأزمة الحالية تضرب في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. فطوال تاريخها الحديث، كانت نيبال مملكة - آخر مملكة هندوسية في العالم - حتى قاد الماويون حركة أطاحت بالملك جيانيندرا عام 2008.

الانتقال من الملكية إلى الجمهورية جاء مشّوهاً بالدماء والخيانة، فعام 2001، شهدت البلاد مذبحة العائلة المالكة في حادثة صادمة. ودفعت المأساة نيبال إلى أزمة دستورية، ومهّدت الطريق لاعتلاء الملك جيانيندرا شاه العرش، لكنه أخفق في إخماد التمرد الماوي، الذي حصد أرواح 17 ألف شخص.

وعام 2005، أدى قرار الملك جيانيندرا بحل البرلمان وتولّي زمام السلطة المطلقة، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، انتهت بـ«حركة الشعب» عام 2006، التي أجبرته على التنازل عن الحكم.

بعدها أقر الدستور المؤقت لعام 2007 «علمانية الدولة». ثم جاء المجلس التأسيسي عام 2008، الذي هيمن عليه الحزب الشيوعي النيبالي - الماوي (بحصوله على 220 مقعداً)، ليُعلن إلغاء السلالة الملكية التي استمرت في حكم البلاد طيلة 240 سنة، ويؤسّس الجمهورية. وهكذا أصبح بوشبا كمال داهال، المعروف باسم «براتشاندا» أول رئيس وزراء جمهورية لنيبال، بينما غادر الملك جيانيندرا القصر الملكي.

تجدد الاحتجاجات

في وقت سابق من هذا العام، اشتعلت احتجاجات جديدة مؤيدة للملكية، مدفوعة بالإحباط من الفساد والمحسوبية. وللعلم، عام 2008، تبين أن الوعود بالاستقرار والتقدم وهمية؛ إذ لم تُكمل أي حكومة ولاية كاملة بسبب انهيار التحالفات السياسية، والصراعات الداخلية، والتحالفات الانتهازية. أما الأزمة الحالية، التي يقودها متظاهرو «الجيل زد»، فقد بدأت مع قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«إكس» (تويتر سابقاً)، و«يوتيوب»، بذريعة كبح جماح المعارضة.

نيبال تُحاكي انتفاضات جنوب آسيا الأخرى

تشبه أزمة نيبال الانتفاضات الأخيرة في جنوب آسيا، التي أطاحت بعدة حكومات جراء التأزم الاقتصادي والسخط الشعبي.

كانت البداية في سريلانكا عام 2022، حين دفع انهيار الاقتصاد المواطنين الغاضبين إلى الشوارع، ليطيحوا بهيمنة عائلة راجاباكسا، التي لطالما بدت عصية على السقوط. وكانت العائلة قد رسّخت قوتها ونفوذها على الانتصارات الحربية (بالذات التمرد التاميلي) و«التحكم العائلي»، لكنها انهارت أمام محطات الوقود الخاوية والتضخم الجامح والمديونية الحادة. وانتهى الأمر باقتحام المباني الحكومية وإسقاط الحكم.

وعام 2024، ثارت بنغلاديش؛ إذ تحولت احتجاجات الطلاب على نظام الحصص المجحف في الوظائف إلى تمرّد واسع ضد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد وحزبها «رابطة عوامي». وبعدما ردّت الدولة بالرصاص - تشير التقديرات إلى سقوط نحو ألف قتيل - زاد العنف من غضب الشباب، فتحوّلت الحركة إلى ثورة وطنية أجبرت حسينة على الرحيل. ووقع الاختيار على البروفسور محمد يونس، حامل جائزة «نوبل» لقيادة حكومة مؤقتة، مع لعب الجيش دور الوسيط.

بعكس بنغلاديش، حيث التزم الجيش الحياد، تحرك الجيش النيبالي بحزم، فنظم دوريات في شوارع كاتماندو، وحمى البنية التحتية، وتواصل مع قادة الاحتجاج. ودعا الجنرال أشوك راج سيغديل، قائد الجيش النيبالي، إلى التزام الهدوء في خطاب متلفز.

وهنا يرى بعض المحللين أوجه شبه بين ما يجري في آسيا والربيع العربي الذي بدأ في تونس عام 2010. فكلاهما مدفوع بشباب ساخط على البطالة والفساد والحكم السلطوي، ومستفيد من التقنيات الرقمية لتنظيم المعارضة على نطاق عالمي. ولكن، بخلاف الصراعات الطويلة في ليبيا وسوريا، ركّزت احتجاجات نيبال وبنغلاديش على التعبئة الشعبية والضغط السياسي، ما أدى إلى تغيير الأنظمة أو فرض تنازلات كبيرة.

منذ عودة التعددية الحزبية إلى نيبال عام 1990 تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة

التأثير على المنطقة رهان الهند الهش

اليوم تراقب القوى المجاورة، بالذات الهند والصين، أزمة نيبال عن قرب، نظراً لموقع نيبال الاستراتيجي وحدودها المفتوحة المشتركة مع الهند. والواضح أن ما يتكشف في كاتماندو ليس مجرد أزمة سياسية أخرى في جنوب آسيا.

ذلك أن علاقة الهند بنيبال فريدة من نوعها، متجذّرة في مزيج من الجغرافيا والثقافة والدين والأمن؛ إذ تشترك الدولتان في حدود مفتوحة بطول 1750 كلم. وتسمح هذه الحدود غير المحكمة بحركة الأشخاص عبرها بلا تأشيرات، حيث يُقدر عدد المواطنين النيباليين المقيمين أو العاملين في الهند بنحو 3.5 مليون نسمة. وبموجب معاهدة السلام والصداقة بين البلدين لعام 1950، يتمتع النيباليون بحقوق شبه متساوية في الهند، ما يجعلهم الأجانب الوحيدين، بجانب البوتانيين، الذين يتمتعون بمثل هذه الامتيازات.

 

الحسابات الصينية... مالياً واقتصادياً

أما فيما يخص الصين، «جارة» نيبال الشمالية، فإن رحيل أولي يعد رحيلاً للصديق الذي وقّع اتفاقيات «مبادرة الحزام والطريق»، واتفاقيات النقل لتقليل اعتماد نيبال على الهند. وتجابه استثمارات الصين ومصالحها الجيوسياسية، خاصة في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، مخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي في نيبال، بينما يتابع الجيش الصيني التطورات عبر الحدود الشمالية.

من جهة ثانية، ترى بكين أن واشنطن «تتربّص»، بينما «تحرّض» منظماتها غير الحكومية وصناديقها «الديمقراطية» على الثورة في شوارع نيبال الرقمية، تماماً كما حدث في بنغلاديش وسريلانكا.

واللافت أن ثمة نمطاً مشتركاً في انتفاضات سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، يتمثّل بالضائقة الاقتصادية التي غالباً ما تضرب بجذورها في القروض والمشاريع الصينية الضخمة. وأيضاً يكمن أحد العوامل المشتركة امتلاك بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات استراتيجية، مع مشاركة الدول الثلاث في «مبادرة الحزام والطريق».

وفي هذه الدول، قدّمت القروض الصينية مكاسب سياسية سريعة - مشاريع لجذب الناخبين، وتوفير تمويل للمقربين من دوائر السلطة، ونفوذاً دبلوماسياً ضد الهند - بينما تطلبت التغييرات حوكمة بسيطة مقارنة بالمقرضين الغربيين. ولكن، مع ذلك، غالباً ما أجّجت مكاسب النخبة تصورات المواطنين حول الفساد، ما أسهم في تأليب الرأي العام عندما كشفت الأزمات الاقتصادية عن تكاليف هذه الصفقات.

يُذكر أن الصين تسيطر على ما بين 6 في المائة و12 في المائة من هذه الدول. وفي الماضي، خاطر قادة هذه الدول بسيادتهم لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، لكن ردود الفعل الشعبية والديناميكيات الإقليمية تحدّ من نفوذ الصين.

ولقد كشف انهيار نيبال بشكل أكبر عن حجم الإقراض الصيني، الذي حاصر هذه الدول. وأجبر غياب الاستقرار السياسي - الناجم عن حركات الشباب وأجّجه دعم خارجي - بكين على إعادة النظر في حساباتها للمخاطر، ما أتاح فرصاً لقوى أخرى لتقليص نفوذ الصين في جنوب آسيا.

في سريلانكا، أدت قروض صينية بقيمة 1.4 مليار دولار لميناء هامبانتوتا إلى توقيع عقد إيجار للصين عام 2017 في خضم ضائقة ديون، ما أشعل أزمة عام 2022 التي أطاحت بعائلة راجاباكسا. وفي نيبال، استخدم كيه بي شارما أولي وآخرون المساعدات الصينية لمواجهة نفوذ الهند، لا سيما في قضايا الحدود، ما عزز مصداقيتهم من المنظور الوطني. أما في بنغلاديش، فقد استفادت الشيخة حسينة من قروض «مبادرة الحزام والطريق» بقيمة 26 مليار دولار من عام 2009 إلى عام 2024 لتعزيز البنية التحتية، ما عزز الجاذبية الانتخابية، رغم مزاعم الفساد. وقد تلقى الزعيم المؤقت محمد يونس تعهدات بالمساعدات الاقتصادية الصينية في عام 2025 لتعزيز استقرار نظامه، ومواجهة نفوذ الهند بمزايا مؤسسية.

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (آ ف ب)

رقعة الشطرنج الجيوسياسية... والحذر الأميركي تجاه نفوذ الصين

 تدور رحى «حرب الظل» على النفوذ في جنوب آسيا حول تطلعات الشباب والفساد المحلي بقدر ما تتعلق بالتنافس العالمي. واللافت أن العامل المحفّز خلف «عاصفة» نيبال بدا سخيفاً من فرط بساطته؛ أمر حكومي بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية، مع استثناء المنصات الصينية... وفي غضون ساعات، تحوّل الأمر إلى شيء أكبر بكثير. مُعلّقون سياسيون يرون أن جهات فاعلة في «الدولة العميقة» وقوى خارجية - خاصة الولايات المتحدة والشبكات التابعة لها - تعمل بنشاط لتقويض النفوذ الصيني في انتفاضات جنوب آسيا. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية تقودها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلةً نقاط الضعف المحلية لتسريع التغيير. ولقد رأى الخبير الجيوسياسي الهندي إس إل كانثان أحداث نيبال «ثورة مُهندسة أميركياً بنسبة 100 في المائة»، مضيفاً: «لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة إزاء تزايد النفوذ الصيني في منطقة جنوب آسيا». وتابع كانثان مغرّداً: «دليلٌ مألوف شوهد عشرات المرات حول العالم؛ شبابٌ مُغسولو الأدمغة يُحرقون البرلمان ومساكن كبار السياسيين، وقادةٌ يُرجّح فرارهم من البلاد... إلخ. والآن، هنا دمية أميركية تُؤدي اليمين الدستورية باعتباره زعيماً جديداً، تماماً مثلما الحال في بنغلاديش وباكستان». عادةً ما تكون هذه التدخلات سرّية، مستغلة المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع المدني، والمساعدات الاقتصادية، كأدوات لتوجيه السخط ضد الأنظمة التي تُعتبر مقربة للغاية من بكين. في وقتٍ سابق من هذا العام، أعادت إدارة دونالد ترمب من حافة الهاوية «اتفاق تحدي الألفية الخاص بنيبال»، حزمة من مشاريع الطاقة وتطوير الطرق، ستُضخّ واشنطن بموجبه 500 مليون دولار أميركي في صورة مساعدات. ويقف إحياء المشروع هذا في تعارضٍ مباشر مع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. بجانب ذلك، اعتُبرت مشاركة أولى في موكب «يوم النصر» الصيني، بمثابة انحيازٍ راسخٍ من نيبال إلى المعسكر المناهض لواشنطن. وأشار الصحافي الهندي أرجون ف شارما إلى أن «نيبال تتبع سيناريو مشابهاً لما حدث في بنغلاديش، حيث أدت السياسة الداخلية والنفوذ الدولي إلى الإطاحة برئيسة الوزراء حسينة. وحقاً، ثمة خلافات عميقة بين حسينة والإدارة الأميركية، التي اعتبرت إعادة انتخابها في يناير (كانون الثاني) 2024 غير موثوقة وتفتقر إلى الحرية والنزاهة». وبعد إقالتها، اتهمت حسينة واشنطن «بتدبير» إزاحتها من السلطة. وزعمت أن رفضها السماح بإنشاء قاعدة جوية أميركية في جزيرة سانت مارتن (في خليج البنغال) قد أحبط واشنطن، التي يساورها القلق حيال تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».