نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

تكملة لما بدأ في سريلانكا وبنغلاديش

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
TT

نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)

أصبحت نيبال، الدولة الجبلية الحبيسة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، ثالث دولة في شبه القارة الهندية، منذ عام 2022، تشهد انتفاضة عنيفة أطاحت بحكومتها. rnوكثيراً ما تعقد مقارنات بين اضطرابات نيبال والأخرى التي عصفت خلال السنوات الأخيرة ببنغلاديش (إطاحة الطلاب بالشيخة حسينة واجد عام 2024) وسريلانكا (الاحتجاجات على انهيار الاقتصاد عام 2022)، بما يوحي بوجود نمط من تغييرات الأنظمة التي يقودها الشباب مدفوعين بالأزمات الاقتصادية والفساد في جنوب آسيا.

اندلعت أخيراً في نيبال احتجاجات قادها أبناء الجيل الجديد، المعروف باسم «الجيل زد»، ضد الفساد وفرض الرقابة والركود الاقتصادي، لتتحول إلى فوضى واسعة ضربت جنبات المدن.

وأسفرت الاشتباكات في العاصمة كاتماندو، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية ميمي «حرب اليومين»، عن سقوط عشرات القتلى، وأجبرت رئيس الوزراء كي بي شارما أولي وحكومته بأكملها على الاستقالة. وفيها أضرمت الحشود الغاضبة النار في منازل خمسة رؤساء وزراء سابقين، ومبنى البرلمان، وأجزاء من القصر الرئاسي، بينما تعرضت منازل سياسيين بارزين للنهب... وبدا أن الدولة على شفا الانهيار، دونما قيادة أو بوصلة توجهها.

امرأة لرئاسة الحكومة

اليوم، تتأهب نيبال لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة سوشيلا كاركي، أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ البلاد، وكانت تتولى سابقاً رئاسة المحكمة العليا. وجاء تعيين كاركي (73 سنة) بعد أسبوع من الاضطرابات الدامية، وحظيت بدعم متظاهري «الجيل زد» عبر تصويت على منصة «ديسكورد»، حصلت فيه على أعلى نسبة تأييد. أما مهمتها فتتركز على تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة بحلول مطلع مارس (آذار) 2026. وفي أول كلمة لها بعد تولي المنصب، قالت كاركي: «فريقي وأنا لسنا هنا للاستمتاع بطعم السلطة. سنستقيل خلال ستة أشهر، ونسلّم المسؤولية للبرلمان الجديد. إننا بحاجة لدعمكم كي ننجح».

اليأس الاقتصادي... وقود الغضب

على الصعيد الاقتصادي، تكابد نيبال أزمة خانقة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.3 في المائة لعام 2025، ما يعد من بين أدنى المعدلات على مستوى جنوب آسيا، ويجعل نيبال من أفقر دول المنطقة. وتصل نسبة بطالة الشباب إلى 19.2 في المائة. وفي إطار ذلك، تحوّلت الفجوة الصارخة بين حياة السياسيين المترفة وفقر الشعب - التي تجسدت في فضائح انتشرت على نطاق واسع تُظهر أبناء السياسيين، وهم يستعرضون ثراءهم - إلى شعار للاحتجاجات، التي ترى في الفساد والمحسوبية أصل معاناتها.

في هذا الصدد، عبرت سانغيتا ثابليال، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو في العاصمة الهندية دلهي، عن اعتقادها «بوجود تحول جيلي آتٍ، فالشباب يطالبون بالوظائف والتنمية ونوعية حياة أفضل، لكن الطبقة السياسية في نيبال خذلتهم. وتحطم وعد دستور 2008 بإرساء ديمقراطية اتحادية مستقرة، بفعل القلاقل وبطء النمو وتفشي الفساد، وكان هذا الشرخ ما أجّج الاضطرابات».

من الملكية إلى الماوية... إرث من الاضطرابات

في الحقيقة، الاضطرابات ليست بالأمر الجديد على نيبال؛ إذ سقطت الحكومة التي يقودها أولي - الحكومة الـ30 خلال 35 سنة - في خضم موجة من الفوضى والاحتجاجات، ما يبرهن على أن الديمقراطية في إقليم جبال الهيمالايا غالباً ما تلد أخطاء سياسية متكرّرة. وتكشف الأرقام عن أنه منذ عودة التعددية الحزبية عام 1990، تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة، منها 14 مرة منذ إلغاء الملكية عام 2008. ولم تُكمل أي حكومة فترة ولايتها الكاملة المؤلفة من خمس سنوات، الأمر الذي أدى إلى انهيار تحالفات، وإصابة المشهد السياسي بالشلل، وتوقف عجلة التنمية.

كذلك لا بد من القول إن جذور الأزمة الحالية تضرب في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. فطوال تاريخها الحديث، كانت نيبال مملكة - آخر مملكة هندوسية في العالم - حتى قاد الماويون حركة أطاحت بالملك جيانيندرا عام 2008.

الانتقال من الملكية إلى الجمهورية جاء مشّوهاً بالدماء والخيانة، فعام 2001، شهدت البلاد مذبحة العائلة المالكة في حادثة صادمة. ودفعت المأساة نيبال إلى أزمة دستورية، ومهّدت الطريق لاعتلاء الملك جيانيندرا شاه العرش، لكنه أخفق في إخماد التمرد الماوي، الذي حصد أرواح 17 ألف شخص.

وعام 2005، أدى قرار الملك جيانيندرا بحل البرلمان وتولّي زمام السلطة المطلقة، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، انتهت بـ«حركة الشعب» عام 2006، التي أجبرته على التنازل عن الحكم.

بعدها أقر الدستور المؤقت لعام 2007 «علمانية الدولة». ثم جاء المجلس التأسيسي عام 2008، الذي هيمن عليه الحزب الشيوعي النيبالي - الماوي (بحصوله على 220 مقعداً)، ليُعلن إلغاء السلالة الملكية التي استمرت في حكم البلاد طيلة 240 سنة، ويؤسّس الجمهورية. وهكذا أصبح بوشبا كمال داهال، المعروف باسم «براتشاندا» أول رئيس وزراء جمهورية لنيبال، بينما غادر الملك جيانيندرا القصر الملكي.

تجدد الاحتجاجات

في وقت سابق من هذا العام، اشتعلت احتجاجات جديدة مؤيدة للملكية، مدفوعة بالإحباط من الفساد والمحسوبية. وللعلم، عام 2008، تبين أن الوعود بالاستقرار والتقدم وهمية؛ إذ لم تُكمل أي حكومة ولاية كاملة بسبب انهيار التحالفات السياسية، والصراعات الداخلية، والتحالفات الانتهازية. أما الأزمة الحالية، التي يقودها متظاهرو «الجيل زد»، فقد بدأت مع قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«إكس» (تويتر سابقاً)، و«يوتيوب»، بذريعة كبح جماح المعارضة.

نيبال تُحاكي انتفاضات جنوب آسيا الأخرى

تشبه أزمة نيبال الانتفاضات الأخيرة في جنوب آسيا، التي أطاحت بعدة حكومات جراء التأزم الاقتصادي والسخط الشعبي.

كانت البداية في سريلانكا عام 2022، حين دفع انهيار الاقتصاد المواطنين الغاضبين إلى الشوارع، ليطيحوا بهيمنة عائلة راجاباكسا، التي لطالما بدت عصية على السقوط. وكانت العائلة قد رسّخت قوتها ونفوذها على الانتصارات الحربية (بالذات التمرد التاميلي) و«التحكم العائلي»، لكنها انهارت أمام محطات الوقود الخاوية والتضخم الجامح والمديونية الحادة. وانتهى الأمر باقتحام المباني الحكومية وإسقاط الحكم.

وعام 2024، ثارت بنغلاديش؛ إذ تحولت احتجاجات الطلاب على نظام الحصص المجحف في الوظائف إلى تمرّد واسع ضد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد وحزبها «رابطة عوامي». وبعدما ردّت الدولة بالرصاص - تشير التقديرات إلى سقوط نحو ألف قتيل - زاد العنف من غضب الشباب، فتحوّلت الحركة إلى ثورة وطنية أجبرت حسينة على الرحيل. ووقع الاختيار على البروفسور محمد يونس، حامل جائزة «نوبل» لقيادة حكومة مؤقتة، مع لعب الجيش دور الوسيط.

بعكس بنغلاديش، حيث التزم الجيش الحياد، تحرك الجيش النيبالي بحزم، فنظم دوريات في شوارع كاتماندو، وحمى البنية التحتية، وتواصل مع قادة الاحتجاج. ودعا الجنرال أشوك راج سيغديل، قائد الجيش النيبالي، إلى التزام الهدوء في خطاب متلفز.

وهنا يرى بعض المحللين أوجه شبه بين ما يجري في آسيا والربيع العربي الذي بدأ في تونس عام 2010. فكلاهما مدفوع بشباب ساخط على البطالة والفساد والحكم السلطوي، ومستفيد من التقنيات الرقمية لتنظيم المعارضة على نطاق عالمي. ولكن، بخلاف الصراعات الطويلة في ليبيا وسوريا، ركّزت احتجاجات نيبال وبنغلاديش على التعبئة الشعبية والضغط السياسي، ما أدى إلى تغيير الأنظمة أو فرض تنازلات كبيرة.

منذ عودة التعددية الحزبية إلى نيبال عام 1990 تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة

التأثير على المنطقة رهان الهند الهش

اليوم تراقب القوى المجاورة، بالذات الهند والصين، أزمة نيبال عن قرب، نظراً لموقع نيبال الاستراتيجي وحدودها المفتوحة المشتركة مع الهند. والواضح أن ما يتكشف في كاتماندو ليس مجرد أزمة سياسية أخرى في جنوب آسيا.

ذلك أن علاقة الهند بنيبال فريدة من نوعها، متجذّرة في مزيج من الجغرافيا والثقافة والدين والأمن؛ إذ تشترك الدولتان في حدود مفتوحة بطول 1750 كلم. وتسمح هذه الحدود غير المحكمة بحركة الأشخاص عبرها بلا تأشيرات، حيث يُقدر عدد المواطنين النيباليين المقيمين أو العاملين في الهند بنحو 3.5 مليون نسمة. وبموجب معاهدة السلام والصداقة بين البلدين لعام 1950، يتمتع النيباليون بحقوق شبه متساوية في الهند، ما يجعلهم الأجانب الوحيدين، بجانب البوتانيين، الذين يتمتعون بمثل هذه الامتيازات.

 

الحسابات الصينية... مالياً واقتصادياً

أما فيما يخص الصين، «جارة» نيبال الشمالية، فإن رحيل أولي يعد رحيلاً للصديق الذي وقّع اتفاقيات «مبادرة الحزام والطريق»، واتفاقيات النقل لتقليل اعتماد نيبال على الهند. وتجابه استثمارات الصين ومصالحها الجيوسياسية، خاصة في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، مخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي في نيبال، بينما يتابع الجيش الصيني التطورات عبر الحدود الشمالية.

من جهة ثانية، ترى بكين أن واشنطن «تتربّص»، بينما «تحرّض» منظماتها غير الحكومية وصناديقها «الديمقراطية» على الثورة في شوارع نيبال الرقمية، تماماً كما حدث في بنغلاديش وسريلانكا.

واللافت أن ثمة نمطاً مشتركاً في انتفاضات سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، يتمثّل بالضائقة الاقتصادية التي غالباً ما تضرب بجذورها في القروض والمشاريع الصينية الضخمة. وأيضاً يكمن أحد العوامل المشتركة امتلاك بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات استراتيجية، مع مشاركة الدول الثلاث في «مبادرة الحزام والطريق».

وفي هذه الدول، قدّمت القروض الصينية مكاسب سياسية سريعة - مشاريع لجذب الناخبين، وتوفير تمويل للمقربين من دوائر السلطة، ونفوذاً دبلوماسياً ضد الهند - بينما تطلبت التغييرات حوكمة بسيطة مقارنة بالمقرضين الغربيين. ولكن، مع ذلك، غالباً ما أجّجت مكاسب النخبة تصورات المواطنين حول الفساد، ما أسهم في تأليب الرأي العام عندما كشفت الأزمات الاقتصادية عن تكاليف هذه الصفقات.

يُذكر أن الصين تسيطر على ما بين 6 في المائة و12 في المائة من هذه الدول. وفي الماضي، خاطر قادة هذه الدول بسيادتهم لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، لكن ردود الفعل الشعبية والديناميكيات الإقليمية تحدّ من نفوذ الصين.

ولقد كشف انهيار نيبال بشكل أكبر عن حجم الإقراض الصيني، الذي حاصر هذه الدول. وأجبر غياب الاستقرار السياسي - الناجم عن حركات الشباب وأجّجه دعم خارجي - بكين على إعادة النظر في حساباتها للمخاطر، ما أتاح فرصاً لقوى أخرى لتقليص نفوذ الصين في جنوب آسيا.

في سريلانكا، أدت قروض صينية بقيمة 1.4 مليار دولار لميناء هامبانتوتا إلى توقيع عقد إيجار للصين عام 2017 في خضم ضائقة ديون، ما أشعل أزمة عام 2022 التي أطاحت بعائلة راجاباكسا. وفي نيبال، استخدم كيه بي شارما أولي وآخرون المساعدات الصينية لمواجهة نفوذ الهند، لا سيما في قضايا الحدود، ما عزز مصداقيتهم من المنظور الوطني. أما في بنغلاديش، فقد استفادت الشيخة حسينة من قروض «مبادرة الحزام والطريق» بقيمة 26 مليار دولار من عام 2009 إلى عام 2024 لتعزيز البنية التحتية، ما عزز الجاذبية الانتخابية، رغم مزاعم الفساد. وقد تلقى الزعيم المؤقت محمد يونس تعهدات بالمساعدات الاقتصادية الصينية في عام 2025 لتعزيز استقرار نظامه، ومواجهة نفوذ الهند بمزايا مؤسسية.

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (آ ف ب)

رقعة الشطرنج الجيوسياسية... والحذر الأميركي تجاه نفوذ الصين

 تدور رحى «حرب الظل» على النفوذ في جنوب آسيا حول تطلعات الشباب والفساد المحلي بقدر ما تتعلق بالتنافس العالمي. واللافت أن العامل المحفّز خلف «عاصفة» نيبال بدا سخيفاً من فرط بساطته؛ أمر حكومي بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية، مع استثناء المنصات الصينية... وفي غضون ساعات، تحوّل الأمر إلى شيء أكبر بكثير. مُعلّقون سياسيون يرون أن جهات فاعلة في «الدولة العميقة» وقوى خارجية - خاصة الولايات المتحدة والشبكات التابعة لها - تعمل بنشاط لتقويض النفوذ الصيني في انتفاضات جنوب آسيا. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية تقودها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلةً نقاط الضعف المحلية لتسريع التغيير. ولقد رأى الخبير الجيوسياسي الهندي إس إل كانثان أحداث نيبال «ثورة مُهندسة أميركياً بنسبة 100 في المائة»، مضيفاً: «لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة إزاء تزايد النفوذ الصيني في منطقة جنوب آسيا». وتابع كانثان مغرّداً: «دليلٌ مألوف شوهد عشرات المرات حول العالم؛ شبابٌ مُغسولو الأدمغة يُحرقون البرلمان ومساكن كبار السياسيين، وقادةٌ يُرجّح فرارهم من البلاد... إلخ. والآن، هنا دمية أميركية تُؤدي اليمين الدستورية باعتباره زعيماً جديداً، تماماً مثلما الحال في بنغلاديش وباكستان». عادةً ما تكون هذه التدخلات سرّية، مستغلة المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع المدني، والمساعدات الاقتصادية، كأدوات لتوجيه السخط ضد الأنظمة التي تُعتبر مقربة للغاية من بكين. في وقتٍ سابق من هذا العام، أعادت إدارة دونالد ترمب من حافة الهاوية «اتفاق تحدي الألفية الخاص بنيبال»، حزمة من مشاريع الطاقة وتطوير الطرق، ستُضخّ واشنطن بموجبه 500 مليون دولار أميركي في صورة مساعدات. ويقف إحياء المشروع هذا في تعارضٍ مباشر مع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. بجانب ذلك، اعتُبرت مشاركة أولى في موكب «يوم النصر» الصيني، بمثابة انحيازٍ راسخٍ من نيبال إلى المعسكر المناهض لواشنطن. وأشار الصحافي الهندي أرجون ف شارما إلى أن «نيبال تتبع سيناريو مشابهاً لما حدث في بنغلاديش، حيث أدت السياسة الداخلية والنفوذ الدولي إلى الإطاحة برئيسة الوزراء حسينة. وحقاً، ثمة خلافات عميقة بين حسينة والإدارة الأميركية، التي اعتبرت إعادة انتخابها في يناير (كانون الثاني) 2024 غير موثوقة وتفتقر إلى الحرية والنزاهة». وبعد إقالتها، اتهمت حسينة واشنطن «بتدبير» إزاحتها من السلطة. وزعمت أن رفضها السماح بإنشاء قاعدة جوية أميركية في جزيرة سانت مارتن (في خليج البنغال) قد أحبط واشنطن، التي يساورها القلق حيال تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.