نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

تكملة لما بدأ في سريلانكا وبنغلاديش

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
TT

نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)

أصبحت نيبال، الدولة الجبلية الحبيسة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، ثالث دولة في شبه القارة الهندية، منذ عام 2022، تشهد انتفاضة عنيفة أطاحت بحكومتها. rnوكثيراً ما تعقد مقارنات بين اضطرابات نيبال والأخرى التي عصفت خلال السنوات الأخيرة ببنغلاديش (إطاحة الطلاب بالشيخة حسينة واجد عام 2024) وسريلانكا (الاحتجاجات على انهيار الاقتصاد عام 2022)، بما يوحي بوجود نمط من تغييرات الأنظمة التي يقودها الشباب مدفوعين بالأزمات الاقتصادية والفساد في جنوب آسيا.

اندلعت أخيراً في نيبال احتجاجات قادها أبناء الجيل الجديد، المعروف باسم «الجيل زد»، ضد الفساد وفرض الرقابة والركود الاقتصادي، لتتحول إلى فوضى واسعة ضربت جنبات المدن.

وأسفرت الاشتباكات في العاصمة كاتماندو، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية ميمي «حرب اليومين»، عن سقوط عشرات القتلى، وأجبرت رئيس الوزراء كي بي شارما أولي وحكومته بأكملها على الاستقالة. وفيها أضرمت الحشود الغاضبة النار في منازل خمسة رؤساء وزراء سابقين، ومبنى البرلمان، وأجزاء من القصر الرئاسي، بينما تعرضت منازل سياسيين بارزين للنهب... وبدا أن الدولة على شفا الانهيار، دونما قيادة أو بوصلة توجهها.

امرأة لرئاسة الحكومة

اليوم، تتأهب نيبال لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة سوشيلا كاركي، أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ البلاد، وكانت تتولى سابقاً رئاسة المحكمة العليا. وجاء تعيين كاركي (73 سنة) بعد أسبوع من الاضطرابات الدامية، وحظيت بدعم متظاهري «الجيل زد» عبر تصويت على منصة «ديسكورد»، حصلت فيه على أعلى نسبة تأييد. أما مهمتها فتتركز على تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة بحلول مطلع مارس (آذار) 2026. وفي أول كلمة لها بعد تولي المنصب، قالت كاركي: «فريقي وأنا لسنا هنا للاستمتاع بطعم السلطة. سنستقيل خلال ستة أشهر، ونسلّم المسؤولية للبرلمان الجديد. إننا بحاجة لدعمكم كي ننجح».

اليأس الاقتصادي... وقود الغضب

على الصعيد الاقتصادي، تكابد نيبال أزمة خانقة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.3 في المائة لعام 2025، ما يعد من بين أدنى المعدلات على مستوى جنوب آسيا، ويجعل نيبال من أفقر دول المنطقة. وتصل نسبة بطالة الشباب إلى 19.2 في المائة. وفي إطار ذلك، تحوّلت الفجوة الصارخة بين حياة السياسيين المترفة وفقر الشعب - التي تجسدت في فضائح انتشرت على نطاق واسع تُظهر أبناء السياسيين، وهم يستعرضون ثراءهم - إلى شعار للاحتجاجات، التي ترى في الفساد والمحسوبية أصل معاناتها.

في هذا الصدد، عبرت سانغيتا ثابليال، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو في العاصمة الهندية دلهي، عن اعتقادها «بوجود تحول جيلي آتٍ، فالشباب يطالبون بالوظائف والتنمية ونوعية حياة أفضل، لكن الطبقة السياسية في نيبال خذلتهم. وتحطم وعد دستور 2008 بإرساء ديمقراطية اتحادية مستقرة، بفعل القلاقل وبطء النمو وتفشي الفساد، وكان هذا الشرخ ما أجّج الاضطرابات».

من الملكية إلى الماوية... إرث من الاضطرابات

في الحقيقة، الاضطرابات ليست بالأمر الجديد على نيبال؛ إذ سقطت الحكومة التي يقودها أولي - الحكومة الـ30 خلال 35 سنة - في خضم موجة من الفوضى والاحتجاجات، ما يبرهن على أن الديمقراطية في إقليم جبال الهيمالايا غالباً ما تلد أخطاء سياسية متكرّرة. وتكشف الأرقام عن أنه منذ عودة التعددية الحزبية عام 1990، تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة، منها 14 مرة منذ إلغاء الملكية عام 2008. ولم تُكمل أي حكومة فترة ولايتها الكاملة المؤلفة من خمس سنوات، الأمر الذي أدى إلى انهيار تحالفات، وإصابة المشهد السياسي بالشلل، وتوقف عجلة التنمية.

كذلك لا بد من القول إن جذور الأزمة الحالية تضرب في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. فطوال تاريخها الحديث، كانت نيبال مملكة - آخر مملكة هندوسية في العالم - حتى قاد الماويون حركة أطاحت بالملك جيانيندرا عام 2008.

الانتقال من الملكية إلى الجمهورية جاء مشّوهاً بالدماء والخيانة، فعام 2001، شهدت البلاد مذبحة العائلة المالكة في حادثة صادمة. ودفعت المأساة نيبال إلى أزمة دستورية، ومهّدت الطريق لاعتلاء الملك جيانيندرا شاه العرش، لكنه أخفق في إخماد التمرد الماوي، الذي حصد أرواح 17 ألف شخص.

وعام 2005، أدى قرار الملك جيانيندرا بحل البرلمان وتولّي زمام السلطة المطلقة، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، انتهت بـ«حركة الشعب» عام 2006، التي أجبرته على التنازل عن الحكم.

بعدها أقر الدستور المؤقت لعام 2007 «علمانية الدولة». ثم جاء المجلس التأسيسي عام 2008، الذي هيمن عليه الحزب الشيوعي النيبالي - الماوي (بحصوله على 220 مقعداً)، ليُعلن إلغاء السلالة الملكية التي استمرت في حكم البلاد طيلة 240 سنة، ويؤسّس الجمهورية. وهكذا أصبح بوشبا كمال داهال، المعروف باسم «براتشاندا» أول رئيس وزراء جمهورية لنيبال، بينما غادر الملك جيانيندرا القصر الملكي.

تجدد الاحتجاجات

في وقت سابق من هذا العام، اشتعلت احتجاجات جديدة مؤيدة للملكية، مدفوعة بالإحباط من الفساد والمحسوبية. وللعلم، عام 2008، تبين أن الوعود بالاستقرار والتقدم وهمية؛ إذ لم تُكمل أي حكومة ولاية كاملة بسبب انهيار التحالفات السياسية، والصراعات الداخلية، والتحالفات الانتهازية. أما الأزمة الحالية، التي يقودها متظاهرو «الجيل زد»، فقد بدأت مع قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«إكس» (تويتر سابقاً)، و«يوتيوب»، بذريعة كبح جماح المعارضة.

نيبال تُحاكي انتفاضات جنوب آسيا الأخرى

تشبه أزمة نيبال الانتفاضات الأخيرة في جنوب آسيا، التي أطاحت بعدة حكومات جراء التأزم الاقتصادي والسخط الشعبي.

كانت البداية في سريلانكا عام 2022، حين دفع انهيار الاقتصاد المواطنين الغاضبين إلى الشوارع، ليطيحوا بهيمنة عائلة راجاباكسا، التي لطالما بدت عصية على السقوط. وكانت العائلة قد رسّخت قوتها ونفوذها على الانتصارات الحربية (بالذات التمرد التاميلي) و«التحكم العائلي»، لكنها انهارت أمام محطات الوقود الخاوية والتضخم الجامح والمديونية الحادة. وانتهى الأمر باقتحام المباني الحكومية وإسقاط الحكم.

وعام 2024، ثارت بنغلاديش؛ إذ تحولت احتجاجات الطلاب على نظام الحصص المجحف في الوظائف إلى تمرّد واسع ضد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد وحزبها «رابطة عوامي». وبعدما ردّت الدولة بالرصاص - تشير التقديرات إلى سقوط نحو ألف قتيل - زاد العنف من غضب الشباب، فتحوّلت الحركة إلى ثورة وطنية أجبرت حسينة على الرحيل. ووقع الاختيار على البروفسور محمد يونس، حامل جائزة «نوبل» لقيادة حكومة مؤقتة، مع لعب الجيش دور الوسيط.

بعكس بنغلاديش، حيث التزم الجيش الحياد، تحرك الجيش النيبالي بحزم، فنظم دوريات في شوارع كاتماندو، وحمى البنية التحتية، وتواصل مع قادة الاحتجاج. ودعا الجنرال أشوك راج سيغديل، قائد الجيش النيبالي، إلى التزام الهدوء في خطاب متلفز.

وهنا يرى بعض المحللين أوجه شبه بين ما يجري في آسيا والربيع العربي الذي بدأ في تونس عام 2010. فكلاهما مدفوع بشباب ساخط على البطالة والفساد والحكم السلطوي، ومستفيد من التقنيات الرقمية لتنظيم المعارضة على نطاق عالمي. ولكن، بخلاف الصراعات الطويلة في ليبيا وسوريا، ركّزت احتجاجات نيبال وبنغلاديش على التعبئة الشعبية والضغط السياسي، ما أدى إلى تغيير الأنظمة أو فرض تنازلات كبيرة.

منذ عودة التعددية الحزبية إلى نيبال عام 1990 تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة

التأثير على المنطقة رهان الهند الهش

اليوم تراقب القوى المجاورة، بالذات الهند والصين، أزمة نيبال عن قرب، نظراً لموقع نيبال الاستراتيجي وحدودها المفتوحة المشتركة مع الهند. والواضح أن ما يتكشف في كاتماندو ليس مجرد أزمة سياسية أخرى في جنوب آسيا.

ذلك أن علاقة الهند بنيبال فريدة من نوعها، متجذّرة في مزيج من الجغرافيا والثقافة والدين والأمن؛ إذ تشترك الدولتان في حدود مفتوحة بطول 1750 كلم. وتسمح هذه الحدود غير المحكمة بحركة الأشخاص عبرها بلا تأشيرات، حيث يُقدر عدد المواطنين النيباليين المقيمين أو العاملين في الهند بنحو 3.5 مليون نسمة. وبموجب معاهدة السلام والصداقة بين البلدين لعام 1950، يتمتع النيباليون بحقوق شبه متساوية في الهند، ما يجعلهم الأجانب الوحيدين، بجانب البوتانيين، الذين يتمتعون بمثل هذه الامتيازات.

 

الحسابات الصينية... مالياً واقتصادياً

أما فيما يخص الصين، «جارة» نيبال الشمالية، فإن رحيل أولي يعد رحيلاً للصديق الذي وقّع اتفاقيات «مبادرة الحزام والطريق»، واتفاقيات النقل لتقليل اعتماد نيبال على الهند. وتجابه استثمارات الصين ومصالحها الجيوسياسية، خاصة في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، مخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي في نيبال، بينما يتابع الجيش الصيني التطورات عبر الحدود الشمالية.

من جهة ثانية، ترى بكين أن واشنطن «تتربّص»، بينما «تحرّض» منظماتها غير الحكومية وصناديقها «الديمقراطية» على الثورة في شوارع نيبال الرقمية، تماماً كما حدث في بنغلاديش وسريلانكا.

واللافت أن ثمة نمطاً مشتركاً في انتفاضات سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، يتمثّل بالضائقة الاقتصادية التي غالباً ما تضرب بجذورها في القروض والمشاريع الصينية الضخمة. وأيضاً يكمن أحد العوامل المشتركة امتلاك بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات استراتيجية، مع مشاركة الدول الثلاث في «مبادرة الحزام والطريق».

وفي هذه الدول، قدّمت القروض الصينية مكاسب سياسية سريعة - مشاريع لجذب الناخبين، وتوفير تمويل للمقربين من دوائر السلطة، ونفوذاً دبلوماسياً ضد الهند - بينما تطلبت التغييرات حوكمة بسيطة مقارنة بالمقرضين الغربيين. ولكن، مع ذلك، غالباً ما أجّجت مكاسب النخبة تصورات المواطنين حول الفساد، ما أسهم في تأليب الرأي العام عندما كشفت الأزمات الاقتصادية عن تكاليف هذه الصفقات.

يُذكر أن الصين تسيطر على ما بين 6 في المائة و12 في المائة من هذه الدول. وفي الماضي، خاطر قادة هذه الدول بسيادتهم لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، لكن ردود الفعل الشعبية والديناميكيات الإقليمية تحدّ من نفوذ الصين.

ولقد كشف انهيار نيبال بشكل أكبر عن حجم الإقراض الصيني، الذي حاصر هذه الدول. وأجبر غياب الاستقرار السياسي - الناجم عن حركات الشباب وأجّجه دعم خارجي - بكين على إعادة النظر في حساباتها للمخاطر، ما أتاح فرصاً لقوى أخرى لتقليص نفوذ الصين في جنوب آسيا.

في سريلانكا، أدت قروض صينية بقيمة 1.4 مليار دولار لميناء هامبانتوتا إلى توقيع عقد إيجار للصين عام 2017 في خضم ضائقة ديون، ما أشعل أزمة عام 2022 التي أطاحت بعائلة راجاباكسا. وفي نيبال، استخدم كيه بي شارما أولي وآخرون المساعدات الصينية لمواجهة نفوذ الهند، لا سيما في قضايا الحدود، ما عزز مصداقيتهم من المنظور الوطني. أما في بنغلاديش، فقد استفادت الشيخة حسينة من قروض «مبادرة الحزام والطريق» بقيمة 26 مليار دولار من عام 2009 إلى عام 2024 لتعزيز البنية التحتية، ما عزز الجاذبية الانتخابية، رغم مزاعم الفساد. وقد تلقى الزعيم المؤقت محمد يونس تعهدات بالمساعدات الاقتصادية الصينية في عام 2025 لتعزيز استقرار نظامه، ومواجهة نفوذ الهند بمزايا مؤسسية.

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (آ ف ب)

رقعة الشطرنج الجيوسياسية... والحذر الأميركي تجاه نفوذ الصين

 تدور رحى «حرب الظل» على النفوذ في جنوب آسيا حول تطلعات الشباب والفساد المحلي بقدر ما تتعلق بالتنافس العالمي. واللافت أن العامل المحفّز خلف «عاصفة» نيبال بدا سخيفاً من فرط بساطته؛ أمر حكومي بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية، مع استثناء المنصات الصينية... وفي غضون ساعات، تحوّل الأمر إلى شيء أكبر بكثير. مُعلّقون سياسيون يرون أن جهات فاعلة في «الدولة العميقة» وقوى خارجية - خاصة الولايات المتحدة والشبكات التابعة لها - تعمل بنشاط لتقويض النفوذ الصيني في انتفاضات جنوب آسيا. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية تقودها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلةً نقاط الضعف المحلية لتسريع التغيير. ولقد رأى الخبير الجيوسياسي الهندي إس إل كانثان أحداث نيبال «ثورة مُهندسة أميركياً بنسبة 100 في المائة»، مضيفاً: «لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة إزاء تزايد النفوذ الصيني في منطقة جنوب آسيا». وتابع كانثان مغرّداً: «دليلٌ مألوف شوهد عشرات المرات حول العالم؛ شبابٌ مُغسولو الأدمغة يُحرقون البرلمان ومساكن كبار السياسيين، وقادةٌ يُرجّح فرارهم من البلاد... إلخ. والآن، هنا دمية أميركية تُؤدي اليمين الدستورية باعتباره زعيماً جديداً، تماماً مثلما الحال في بنغلاديش وباكستان». عادةً ما تكون هذه التدخلات سرّية، مستغلة المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع المدني، والمساعدات الاقتصادية، كأدوات لتوجيه السخط ضد الأنظمة التي تُعتبر مقربة للغاية من بكين. في وقتٍ سابق من هذا العام، أعادت إدارة دونالد ترمب من حافة الهاوية «اتفاق تحدي الألفية الخاص بنيبال»، حزمة من مشاريع الطاقة وتطوير الطرق، ستُضخّ واشنطن بموجبه 500 مليون دولار أميركي في صورة مساعدات. ويقف إحياء المشروع هذا في تعارضٍ مباشر مع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. بجانب ذلك، اعتُبرت مشاركة أولى في موكب «يوم النصر» الصيني، بمثابة انحيازٍ راسخٍ من نيبال إلى المعسكر المناهض لواشنطن. وأشار الصحافي الهندي أرجون ف شارما إلى أن «نيبال تتبع سيناريو مشابهاً لما حدث في بنغلاديش، حيث أدت السياسة الداخلية والنفوذ الدولي إلى الإطاحة برئيسة الوزراء حسينة. وحقاً، ثمة خلافات عميقة بين حسينة والإدارة الأميركية، التي اعتبرت إعادة انتخابها في يناير (كانون الثاني) 2024 غير موثوقة وتفتقر إلى الحرية والنزاهة». وبعد إقالتها، اتهمت حسينة واشنطن «بتدبير» إزاحتها من السلطة. وزعمت أن رفضها السماح بإنشاء قاعدة جوية أميركية في جزيرة سانت مارتن (في خليج البنغال) قد أحبط واشنطن، التي يساورها القلق حيال تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.