نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

تكملة لما بدأ في سريلانكا وبنغلاديش

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
TT

نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)

أصبحت نيبال، الدولة الجبلية الحبيسة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، ثالث دولة في شبه القارة الهندية، منذ عام 2022، تشهد انتفاضة عنيفة أطاحت بحكومتها. rnوكثيراً ما تعقد مقارنات بين اضطرابات نيبال والأخرى التي عصفت خلال السنوات الأخيرة ببنغلاديش (إطاحة الطلاب بالشيخة حسينة واجد عام 2024) وسريلانكا (الاحتجاجات على انهيار الاقتصاد عام 2022)، بما يوحي بوجود نمط من تغييرات الأنظمة التي يقودها الشباب مدفوعين بالأزمات الاقتصادية والفساد في جنوب آسيا.

اندلعت أخيراً في نيبال احتجاجات قادها أبناء الجيل الجديد، المعروف باسم «الجيل زد»، ضد الفساد وفرض الرقابة والركود الاقتصادي، لتتحول إلى فوضى واسعة ضربت جنبات المدن.

وأسفرت الاشتباكات في العاصمة كاتماندو، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية ميمي «حرب اليومين»، عن سقوط عشرات القتلى، وأجبرت رئيس الوزراء كي بي شارما أولي وحكومته بأكملها على الاستقالة. وفيها أضرمت الحشود الغاضبة النار في منازل خمسة رؤساء وزراء سابقين، ومبنى البرلمان، وأجزاء من القصر الرئاسي، بينما تعرضت منازل سياسيين بارزين للنهب... وبدا أن الدولة على شفا الانهيار، دونما قيادة أو بوصلة توجهها.

امرأة لرئاسة الحكومة

اليوم، تتأهب نيبال لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة سوشيلا كاركي، أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ البلاد، وكانت تتولى سابقاً رئاسة المحكمة العليا. وجاء تعيين كاركي (73 سنة) بعد أسبوع من الاضطرابات الدامية، وحظيت بدعم متظاهري «الجيل زد» عبر تصويت على منصة «ديسكورد»، حصلت فيه على أعلى نسبة تأييد. أما مهمتها فتتركز على تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة بحلول مطلع مارس (آذار) 2026. وفي أول كلمة لها بعد تولي المنصب، قالت كاركي: «فريقي وأنا لسنا هنا للاستمتاع بطعم السلطة. سنستقيل خلال ستة أشهر، ونسلّم المسؤولية للبرلمان الجديد. إننا بحاجة لدعمكم كي ننجح».

اليأس الاقتصادي... وقود الغضب

على الصعيد الاقتصادي، تكابد نيبال أزمة خانقة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.3 في المائة لعام 2025، ما يعد من بين أدنى المعدلات على مستوى جنوب آسيا، ويجعل نيبال من أفقر دول المنطقة. وتصل نسبة بطالة الشباب إلى 19.2 في المائة. وفي إطار ذلك، تحوّلت الفجوة الصارخة بين حياة السياسيين المترفة وفقر الشعب - التي تجسدت في فضائح انتشرت على نطاق واسع تُظهر أبناء السياسيين، وهم يستعرضون ثراءهم - إلى شعار للاحتجاجات، التي ترى في الفساد والمحسوبية أصل معاناتها.

في هذا الصدد، عبرت سانغيتا ثابليال، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو في العاصمة الهندية دلهي، عن اعتقادها «بوجود تحول جيلي آتٍ، فالشباب يطالبون بالوظائف والتنمية ونوعية حياة أفضل، لكن الطبقة السياسية في نيبال خذلتهم. وتحطم وعد دستور 2008 بإرساء ديمقراطية اتحادية مستقرة، بفعل القلاقل وبطء النمو وتفشي الفساد، وكان هذا الشرخ ما أجّج الاضطرابات».

من الملكية إلى الماوية... إرث من الاضطرابات

في الحقيقة، الاضطرابات ليست بالأمر الجديد على نيبال؛ إذ سقطت الحكومة التي يقودها أولي - الحكومة الـ30 خلال 35 سنة - في خضم موجة من الفوضى والاحتجاجات، ما يبرهن على أن الديمقراطية في إقليم جبال الهيمالايا غالباً ما تلد أخطاء سياسية متكرّرة. وتكشف الأرقام عن أنه منذ عودة التعددية الحزبية عام 1990، تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة، منها 14 مرة منذ إلغاء الملكية عام 2008. ولم تُكمل أي حكومة فترة ولايتها الكاملة المؤلفة من خمس سنوات، الأمر الذي أدى إلى انهيار تحالفات، وإصابة المشهد السياسي بالشلل، وتوقف عجلة التنمية.

كذلك لا بد من القول إن جذور الأزمة الحالية تضرب في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. فطوال تاريخها الحديث، كانت نيبال مملكة - آخر مملكة هندوسية في العالم - حتى قاد الماويون حركة أطاحت بالملك جيانيندرا عام 2008.

الانتقال من الملكية إلى الجمهورية جاء مشّوهاً بالدماء والخيانة، فعام 2001، شهدت البلاد مذبحة العائلة المالكة في حادثة صادمة. ودفعت المأساة نيبال إلى أزمة دستورية، ومهّدت الطريق لاعتلاء الملك جيانيندرا شاه العرش، لكنه أخفق في إخماد التمرد الماوي، الذي حصد أرواح 17 ألف شخص.

وعام 2005، أدى قرار الملك جيانيندرا بحل البرلمان وتولّي زمام السلطة المطلقة، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، انتهت بـ«حركة الشعب» عام 2006، التي أجبرته على التنازل عن الحكم.

بعدها أقر الدستور المؤقت لعام 2007 «علمانية الدولة». ثم جاء المجلس التأسيسي عام 2008، الذي هيمن عليه الحزب الشيوعي النيبالي - الماوي (بحصوله على 220 مقعداً)، ليُعلن إلغاء السلالة الملكية التي استمرت في حكم البلاد طيلة 240 سنة، ويؤسّس الجمهورية. وهكذا أصبح بوشبا كمال داهال، المعروف باسم «براتشاندا» أول رئيس وزراء جمهورية لنيبال، بينما غادر الملك جيانيندرا القصر الملكي.

تجدد الاحتجاجات

في وقت سابق من هذا العام، اشتعلت احتجاجات جديدة مؤيدة للملكية، مدفوعة بالإحباط من الفساد والمحسوبية. وللعلم، عام 2008، تبين أن الوعود بالاستقرار والتقدم وهمية؛ إذ لم تُكمل أي حكومة ولاية كاملة بسبب انهيار التحالفات السياسية، والصراعات الداخلية، والتحالفات الانتهازية. أما الأزمة الحالية، التي يقودها متظاهرو «الجيل زد»، فقد بدأت مع قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«إكس» (تويتر سابقاً)، و«يوتيوب»، بذريعة كبح جماح المعارضة.

نيبال تُحاكي انتفاضات جنوب آسيا الأخرى

تشبه أزمة نيبال الانتفاضات الأخيرة في جنوب آسيا، التي أطاحت بعدة حكومات جراء التأزم الاقتصادي والسخط الشعبي.

كانت البداية في سريلانكا عام 2022، حين دفع انهيار الاقتصاد المواطنين الغاضبين إلى الشوارع، ليطيحوا بهيمنة عائلة راجاباكسا، التي لطالما بدت عصية على السقوط. وكانت العائلة قد رسّخت قوتها ونفوذها على الانتصارات الحربية (بالذات التمرد التاميلي) و«التحكم العائلي»، لكنها انهارت أمام محطات الوقود الخاوية والتضخم الجامح والمديونية الحادة. وانتهى الأمر باقتحام المباني الحكومية وإسقاط الحكم.

وعام 2024، ثارت بنغلاديش؛ إذ تحولت احتجاجات الطلاب على نظام الحصص المجحف في الوظائف إلى تمرّد واسع ضد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد وحزبها «رابطة عوامي». وبعدما ردّت الدولة بالرصاص - تشير التقديرات إلى سقوط نحو ألف قتيل - زاد العنف من غضب الشباب، فتحوّلت الحركة إلى ثورة وطنية أجبرت حسينة على الرحيل. ووقع الاختيار على البروفسور محمد يونس، حامل جائزة «نوبل» لقيادة حكومة مؤقتة، مع لعب الجيش دور الوسيط.

بعكس بنغلاديش، حيث التزم الجيش الحياد، تحرك الجيش النيبالي بحزم، فنظم دوريات في شوارع كاتماندو، وحمى البنية التحتية، وتواصل مع قادة الاحتجاج. ودعا الجنرال أشوك راج سيغديل، قائد الجيش النيبالي، إلى التزام الهدوء في خطاب متلفز.

وهنا يرى بعض المحللين أوجه شبه بين ما يجري في آسيا والربيع العربي الذي بدأ في تونس عام 2010. فكلاهما مدفوع بشباب ساخط على البطالة والفساد والحكم السلطوي، ومستفيد من التقنيات الرقمية لتنظيم المعارضة على نطاق عالمي. ولكن، بخلاف الصراعات الطويلة في ليبيا وسوريا، ركّزت احتجاجات نيبال وبنغلاديش على التعبئة الشعبية والضغط السياسي، ما أدى إلى تغيير الأنظمة أو فرض تنازلات كبيرة.

منذ عودة التعددية الحزبية إلى نيبال عام 1990 تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة

التأثير على المنطقة رهان الهند الهش

اليوم تراقب القوى المجاورة، بالذات الهند والصين، أزمة نيبال عن قرب، نظراً لموقع نيبال الاستراتيجي وحدودها المفتوحة المشتركة مع الهند. والواضح أن ما يتكشف في كاتماندو ليس مجرد أزمة سياسية أخرى في جنوب آسيا.

ذلك أن علاقة الهند بنيبال فريدة من نوعها، متجذّرة في مزيج من الجغرافيا والثقافة والدين والأمن؛ إذ تشترك الدولتان في حدود مفتوحة بطول 1750 كلم. وتسمح هذه الحدود غير المحكمة بحركة الأشخاص عبرها بلا تأشيرات، حيث يُقدر عدد المواطنين النيباليين المقيمين أو العاملين في الهند بنحو 3.5 مليون نسمة. وبموجب معاهدة السلام والصداقة بين البلدين لعام 1950، يتمتع النيباليون بحقوق شبه متساوية في الهند، ما يجعلهم الأجانب الوحيدين، بجانب البوتانيين، الذين يتمتعون بمثل هذه الامتيازات.

 

الحسابات الصينية... مالياً واقتصادياً

أما فيما يخص الصين، «جارة» نيبال الشمالية، فإن رحيل أولي يعد رحيلاً للصديق الذي وقّع اتفاقيات «مبادرة الحزام والطريق»، واتفاقيات النقل لتقليل اعتماد نيبال على الهند. وتجابه استثمارات الصين ومصالحها الجيوسياسية، خاصة في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، مخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي في نيبال، بينما يتابع الجيش الصيني التطورات عبر الحدود الشمالية.

من جهة ثانية، ترى بكين أن واشنطن «تتربّص»، بينما «تحرّض» منظماتها غير الحكومية وصناديقها «الديمقراطية» على الثورة في شوارع نيبال الرقمية، تماماً كما حدث في بنغلاديش وسريلانكا.

واللافت أن ثمة نمطاً مشتركاً في انتفاضات سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، يتمثّل بالضائقة الاقتصادية التي غالباً ما تضرب بجذورها في القروض والمشاريع الصينية الضخمة. وأيضاً يكمن أحد العوامل المشتركة امتلاك بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات استراتيجية، مع مشاركة الدول الثلاث في «مبادرة الحزام والطريق».

وفي هذه الدول، قدّمت القروض الصينية مكاسب سياسية سريعة - مشاريع لجذب الناخبين، وتوفير تمويل للمقربين من دوائر السلطة، ونفوذاً دبلوماسياً ضد الهند - بينما تطلبت التغييرات حوكمة بسيطة مقارنة بالمقرضين الغربيين. ولكن، مع ذلك، غالباً ما أجّجت مكاسب النخبة تصورات المواطنين حول الفساد، ما أسهم في تأليب الرأي العام عندما كشفت الأزمات الاقتصادية عن تكاليف هذه الصفقات.

يُذكر أن الصين تسيطر على ما بين 6 في المائة و12 في المائة من هذه الدول. وفي الماضي، خاطر قادة هذه الدول بسيادتهم لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، لكن ردود الفعل الشعبية والديناميكيات الإقليمية تحدّ من نفوذ الصين.

ولقد كشف انهيار نيبال بشكل أكبر عن حجم الإقراض الصيني، الذي حاصر هذه الدول. وأجبر غياب الاستقرار السياسي - الناجم عن حركات الشباب وأجّجه دعم خارجي - بكين على إعادة النظر في حساباتها للمخاطر، ما أتاح فرصاً لقوى أخرى لتقليص نفوذ الصين في جنوب آسيا.

في سريلانكا، أدت قروض صينية بقيمة 1.4 مليار دولار لميناء هامبانتوتا إلى توقيع عقد إيجار للصين عام 2017 في خضم ضائقة ديون، ما أشعل أزمة عام 2022 التي أطاحت بعائلة راجاباكسا. وفي نيبال، استخدم كيه بي شارما أولي وآخرون المساعدات الصينية لمواجهة نفوذ الهند، لا سيما في قضايا الحدود، ما عزز مصداقيتهم من المنظور الوطني. أما في بنغلاديش، فقد استفادت الشيخة حسينة من قروض «مبادرة الحزام والطريق» بقيمة 26 مليار دولار من عام 2009 إلى عام 2024 لتعزيز البنية التحتية، ما عزز الجاذبية الانتخابية، رغم مزاعم الفساد. وقد تلقى الزعيم المؤقت محمد يونس تعهدات بالمساعدات الاقتصادية الصينية في عام 2025 لتعزيز استقرار نظامه، ومواجهة نفوذ الهند بمزايا مؤسسية.

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (آ ف ب)

رقعة الشطرنج الجيوسياسية... والحذر الأميركي تجاه نفوذ الصين

 تدور رحى «حرب الظل» على النفوذ في جنوب آسيا حول تطلعات الشباب والفساد المحلي بقدر ما تتعلق بالتنافس العالمي. واللافت أن العامل المحفّز خلف «عاصفة» نيبال بدا سخيفاً من فرط بساطته؛ أمر حكومي بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية، مع استثناء المنصات الصينية... وفي غضون ساعات، تحوّل الأمر إلى شيء أكبر بكثير. مُعلّقون سياسيون يرون أن جهات فاعلة في «الدولة العميقة» وقوى خارجية - خاصة الولايات المتحدة والشبكات التابعة لها - تعمل بنشاط لتقويض النفوذ الصيني في انتفاضات جنوب آسيا. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية تقودها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلةً نقاط الضعف المحلية لتسريع التغيير. ولقد رأى الخبير الجيوسياسي الهندي إس إل كانثان أحداث نيبال «ثورة مُهندسة أميركياً بنسبة 100 في المائة»، مضيفاً: «لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة إزاء تزايد النفوذ الصيني في منطقة جنوب آسيا». وتابع كانثان مغرّداً: «دليلٌ مألوف شوهد عشرات المرات حول العالم؛ شبابٌ مُغسولو الأدمغة يُحرقون البرلمان ومساكن كبار السياسيين، وقادةٌ يُرجّح فرارهم من البلاد... إلخ. والآن، هنا دمية أميركية تُؤدي اليمين الدستورية باعتباره زعيماً جديداً، تماماً مثلما الحال في بنغلاديش وباكستان». عادةً ما تكون هذه التدخلات سرّية، مستغلة المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع المدني، والمساعدات الاقتصادية، كأدوات لتوجيه السخط ضد الأنظمة التي تُعتبر مقربة للغاية من بكين. في وقتٍ سابق من هذا العام، أعادت إدارة دونالد ترمب من حافة الهاوية «اتفاق تحدي الألفية الخاص بنيبال»، حزمة من مشاريع الطاقة وتطوير الطرق، ستُضخّ واشنطن بموجبه 500 مليون دولار أميركي في صورة مساعدات. ويقف إحياء المشروع هذا في تعارضٍ مباشر مع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. بجانب ذلك، اعتُبرت مشاركة أولى في موكب «يوم النصر» الصيني، بمثابة انحيازٍ راسخٍ من نيبال إلى المعسكر المناهض لواشنطن. وأشار الصحافي الهندي أرجون ف شارما إلى أن «نيبال تتبع سيناريو مشابهاً لما حدث في بنغلاديش، حيث أدت السياسة الداخلية والنفوذ الدولي إلى الإطاحة برئيسة الوزراء حسينة. وحقاً، ثمة خلافات عميقة بين حسينة والإدارة الأميركية، التي اعتبرت إعادة انتخابها في يناير (كانون الثاني) 2024 غير موثوقة وتفتقر إلى الحرية والنزاهة». وبعد إقالتها، اتهمت حسينة واشنطن «بتدبير» إزاحتها من السلطة. وزعمت أن رفضها السماح بإنشاء قاعدة جوية أميركية في جزيرة سانت مارتن (في خليج البنغال) قد أحبط واشنطن، التي يساورها القلق حيال تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.