السودان... دولة بنظامين أم دولتان بلا نظام؟

المبعوث الأميركي السابق حذّر من دعوات التقسيم التي بدأ صوتها يرتفع


لاجئون من الخرطوم وجدوا ملاذاً في كردفان (أ.ف.ب)
لاجئون من الخرطوم وجدوا ملاذاً في كردفان (أ.ف.ب)
TT

السودان... دولة بنظامين أم دولتان بلا نظام؟


لاجئون من الخرطوم وجدوا ملاذاً في كردفان (أ.ف.ب)
لاجئون من الخرطوم وجدوا ملاذاً في كردفان (أ.ف.ب)

أثار تطور الأوضاع السياسية في السودان مخاوف واسعة، أولاً من خطوة تحالف «تأسيس» المؤيد لـ«قوات الدعم السريع» بإعلان هيكله القيادي، وقرب تشكيله «حكومة» في مناطق سيطرتها، وثانياً من تعثّر تشكيل الحكومة التي يرعاها الجيش - وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة - من تقطيع أوصال السودان وتجزئته. معارضون وموالون للطرفين أبدوا قلقهم العميق على وحدة البلاد، وحذّروا من احتمالات ولادة دولة داخل دولة، أو تجزئة البلاد إلى دولتين، كسابقة انفصال جنوب السودان، وولادة دولة جديدة في الإقليم السوداني. وأثار هؤلاء أسئلة عن تنازع «الشرعية» بين الحكومتين «غير الشرعيتين»، وتعميق حالة الانقسام السياسي والاجتماعي التي ولدتها الحرب في السودان. في نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، أعلن «تحالف السودان التأسيسي» - اختصاراً «تأسيس» - يوم الثلاثاء الماضي تشكيل هيئته القيادية برئاسة قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ونائبه رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال» عبد العزيز آدم الحلو، وهي خطوة وصفت بأنها تمهيد لاقتراب تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع».

تكوَّن تحالف «تأسيس» خلال فبراير (شباط) الماضي في العاصمة الكينية، نيروبي، من «قوات الدعم السريع»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - المجلس الانتقالي»، و«تجمّع قوى تحرير السودان»، وهي حركات مسلحة في دارفور وجنوب كردفان، إلى جانب قوى وأحزاب سياسية على رأسها «حزب الأمة القومي» برئاسة فضل الله برمة ناصر، و»الحزب الاتحادي الديمقراطي»، تيار محمد الحسن الميرغني.

«حكومة السلام والوحدة»

ووقَّع أعضاء هذا التحالف على إعلان سياسي ودستور انتقالي. وقالوا إنهم سيشكلون حكومة تحمل اسم «حكومة السلام والوحدة» وتنطلق من مناطق سيطرة «الدعم السريع»، وتتجه للسيطرة على كل السودان. إلا أن تشكيل «الحكومة» تعثّر أو تأخر كثيراً، إذ بعد إعلان الهيئة القيادية للتحالف وتصريحات مسؤولين فيه، توقَّع مراقبون كثر أن يكون تشكيل تلك الحكومة وشيكاً.

في الجهة الأخرى، تعثّر أيضاً تشكيل الحكومة التي يرعاها الجيش. وبعدما أصدر عبد الفتاح البرهان، رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي وقائد الجيش، مرسوماً عيّن بموجبه الموظف الأممي السابق كامل إدريس رئيساً لمجلس الوزراء، واجهت درويش تعقيدات عدة أبرزها الخلافات على تسنم كراسي الوزارة، لا سيما مع حلفاء الجيش في «القوات المشتركة» الدارفورية التي تقاتل إلى جانبه «الدعم السريع».

والحال أن لدى كل من «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» السودانية بقيادة جبريل إبراهيم، إصراراً على الاحتفاظ بوزارتَي المالية والمعادن، بلغ حد تلميح بعض قياداتهما لفض الشراكة مع الجيش، بل وقد تصل الأمور حد «التحالف مع قوات الدعم السريع».

في هذه الأثناء، لا تعترف القوى المدنية الرافضة لاستمرار الحرب في تحالف «صمود» على الأقل، بشرعية أي من الحكومتين المزمعتين. إذ ترى أن الحكومة التي يرعاها الجيش «ثمرة انقلاب عسكري» ضد حكومة «الثورة» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، كما لا ترى في حكومة التحالف الموعودة، سوى خطوة تهدد وحدة البلاد وسيادتها.

البرهان (آ ف ب

مناطق السيطرة

راهناً، يتوزَّع كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على السودان. فالحكومة الموالية للجيش تسيطر على ولايات الوسط والشرق والشمال (سنار، ومعظم النيل الأزرق، ومعظم جنوب كردفان، والقضارف، وكَسَلا، والبحر الأحمر، ونهر النيل، والشمالية)، وتتقاسم مع «قوات الدعم السريع» السيطرة على شمال كردفان.

أما «قوات الدعم السريع» فتسيطر على ولايات دارفور الخمس (جنوب، وغرب، وشرق، ووسط، وشمال دارفور)، باستثناء الفاشر. وثمة جيوب تسيطر عليها «حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد النور. وأجزاء تسيطر عليها «القوات المشتركة»، وولاية غرب كردفان، باستثناء مدينة بابنوسة، وأجزاء واسعة من ولاية شمال كردفان، والأجزاء الشمالية من جنوب كردفان، وبعض المناطق في جنوبها تسيطر عليها «الحركة الشعبية».

دولة أم دولتان؟

مراراً، أكد قادة «قوات الدعم السريع» أن الهدف من خطوتها «سد الفراغ الإداري في مناطق سيطرتها»، وأن «الدعم السريع يعمل على توحيد البلاد وتحريرها» من سيطرة خصومه الإسلاميين، وفي الوقت ذاته لا يعترف بحكومة الجيش. لكن الخطوة (تشكيل حكومة) أثارت قلقاً كبيراً على المستويين المحلي والدولي، خشية إعادة تجربة انفصال جنوب السودان، كحد أعلى، أو على الأقل الانتقال إلى حكومتين في دولة واحدة.

بما يخصه، الجيش بحكم تحالفه مع «القوات المشتركة»، وهي حركات دارفورية مسلحة، لا يمكنه الكلام عن فصل دارفور والأقاليم الغربية، لكن بعض حلفائه الإسلاميين، لا يخفون رغبتهم في التخلص من الغرب أسوة بما فعلوه مع جنوب السودان. وفي الوقت نفسه يغض الجيش الطرف عن تحرك مجموعات محسوبة على شمال ووسط البلاد، تدعو علانية لفكرة فصل غرب السودان عن وسطه وشماله، تحت ذرائع التمايز التاريخي والثقافي، وهي كالذرائع التي أدت لانفصال جنوب السودان.

وحقاً، حذّر المبعوث الأميركي السابق إلى السودان، توم بيريلليو، من دعوات التقسيم التي بدأ صوتها يرتفع، وما قد تؤدي إليه من كوارث، فقال: «تقسيم السودان قد يزّج العالم في عقود من الحرب». وحذَّر من إنشاء حكومات موازية تؤدي إلى ازدياد الاستقطاب، وتعجِّل في تشظي البلاد إلى دويلات متناحرة.

دور الإسلاميين

بدأ المحلل السياسي محمد لطيف حواراً مع «الشرق الأوسط» بسؤال: «لماذا الحرب»؟ وأردف: «بصفتي مراقباً أقول إن الدلائل كلها تؤكد أن الحرب اندلعت من أجل استعادة الإسلاميين السلطة... وخطوة تحالف (تأسيس) وإن زعم العكس، لن تتعدى كونها أداة ضغط على الجيش وحلفائه للعودة إلى منصة التفاوض».

لطيف استبعد أن يسفر الضغط عن إعادة الجيش إلى مائدة التفاوض، مضيفاً: «من التجربة التاريخية، فإن التيار المسيطر على المشهد ليس حريصاً على وحدة البلاد، وليس منزعجاً من تشظيها». وتابع: «سمعنا أصواتاً كثيرة جداً تتكلم عن ضرورة ذهاب دارفور، لأن قوات الدعم السريع بحسب تصورهم تمثل دارفور. ولذا لا تشكل خطوة الدعم السريع ضغطاً على خصومه، بل سترضي بعض غلاتهم».

وما إن كانت الجهود التي أعلنتها إدارة الرئيس ترمب وحلفاؤه أخيراً قادرة على دفع الطرفين إلى مائدة الحوار، قال لطيف: «هذا يتوقف على قدرتهم على التأثير على قيادة الجيش تحديداً».

مؤتمر في واشنطن

من جهة أخرى، وفي تطور جديد، أعلن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، تنظيم مؤتمر على المستوى الوزاري في واشنطن قريباً؛ لبحث الأزمة في السودان، يشارك فيه وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأميركي.

وأكد بولس وفق صحيفة «سودان تربيون»، أن هدف المؤتمر إحياء المبادرة الرباعية التي تسعى لإيجاد حل سلمي للنزاع الدائر في السودان.

هنا، أوضح لطيف أن العالم ينتظر من قيادة الجيش أن تنفصل عن التيارات الرئيسة الداعمة لها، وعلى رأسها تيار «الإسلاميين» الذين يقفون حجر عثرة أمام أي تفاوض لوقف الحرب. وأضاف: «إذا نجح أي طرف في إبعادهم، فيمكن تحقيق الهدف النهائي، والعودة لطاولة التفاوض».

وحول تصريحات قائد «الدعم السريع» الأخيرة عن الرفض للعودة إلى التفاوض، قال لطيف إنها «شكل من أشكال المناورة... لكن الإشكال الأكبر أن المعركة أصبحت بين (الدعم السريع) والحركة الإسلامية، فإذا نجح العالم في فصل أو تحجيم العلاقة بين الجيش بصفته قوة رسمية، وحلفائه السياسيين، فيمكن العودة لمنصة التفاوض».

تحذير... وتشديد على وحدة السودان

من جهته، حذّر محمد الفكي محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة السابق الذي أطيح به بانقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، من تشكيل حكومة في بورتسودان، وقال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «من باب المسؤولية الوطنية، يجب وقف تشكيل الحكومة، وبدء عملية سياسية تحفظ وحدة السودان». ثم حذَّر سليمان من احتمالات مواجهة بين أطراف تحالف «بورتسودان»، وناشد قائد الجيش البرهان إيقاف تشكيل الحكومة؛ لأن «تشكيل حكومة في ظل الانقسام الحالي ينذر بتفتيت البلاد».

وفق الفكي لا علاقة للصراع الدائر في بورتسودان بما تسمى «حرب الكرامة»، لأن الأخيرة «حرب سافرة على السلطة... والدليل على ذلك أن نسبة 25 في المائة من كراسي الوزارة الجاري التنافس عليها محصورة بوزارات بعينها». ثم أوضح أن الهدف من تشكيل حكومة في بورتسودان، وتكليف كامل إدريس رئيساً لها، لم يتحقق، و«الحكومة التي يتجه لتشكيلها ستكون مصيبة» وقد تؤدي إلى فض التحالف، وتابع: «الوضع أكثر تعقيداً. قد نجد أنفسنا في دولتين، إذا استمر الانقسام، ولن ينتهي في حدوده، وسينتهي بتفكك البلاد».

صراع السلطة بين الجنرالين يفاقم الأزمة الإنسانية وقد يؤدي إلى كوارث

«الإسلاميون» ضد وقف الحرب

في هذه الأثناء، خلال لقاء تلفزيوني، شنّ أمين حسن عمر، القيادي الإسلامي المتشدد والوزير السابق في حكومة الرئيس المعزول عمر البشير، هجوماً عنيفاً على دعاة وقف الحرب. وقال إنهم «ليس شركاء في الوطن بل شركاء للدعم السريع (الجنجويد بحسب عبارته)»، وبعدما وصفهم بـ«أعداء الوطن»، دعا إلى محاكمتهم بوصفهم «شركاء في الحرب وفي تأجيجها». وأضاف: «هم مجموعة الأفراد الذين يكوّنون ما يُعرف بـ(تقدم)، والآن هم في (صمود)... إنهم يمثلون هذا العنوان والظهير الذي استندوا إليه».

عمر شكك أيضاً في إعطاء رئيس الوزراء صلاحيات كاملة، ووصفه بأنه «أمر متوهم... هذه ظروف استثنائية، لن تعالج بالتمسك بالحقوق بل التسويات، لا سيما أنه رئيس وزراء معين». وأردف: «صانع المُلك هو مجلس السيادة، الذي يملك سلطة التعيين، لو لم يتدخل سيكون له نفوذ، وسيظل رئيس الوزراء مقيداً».

"حميدتي" (آف ب - غيتي)

لسنا دعاة انفصال

أما علاء الدين عوض نقد، الناطق الرسمي باسم الهيئة القيادية لتحالف «تأسيس»، فقال إن «أياماً فقط» تفصل بينهم وتشكيل الحكومة في مناطق سيطرة «الدعم السريع»، وإن تأخير إعلانها يعود إلى دواعٍ أمنية وتنسيق سياسي، إلى جانب جهود يبذلونها مع أطراف إقليمية ودولية.

وحول مكان إقامة الحكومة، أوضح نقد أن أجهزتها ستكون موزّعة الرقعة الجغرافية في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» وحلفائها، و«يمكن أن تكون في كاودا - تحت سيطرة الحركة الشعبية بجنوب كردفان، أو نيالا».

أيضاً، نفى نقد بشدة سعي تحالفه «تأسيس» للانفصال عن السودان، قائلاً: «السودان دولة واحدة، ونحن ننشئ حكومة سلام، ليس من غاياتها تقسيم البلاد، بل مناهضة تقسيم السودان، الذي يقوم به الطرف الآخر وحكومة الإسلاميين».

وأوضح نقد أن «حكومته» المُزمعة ستتضمن جهازاً تنفيذياً وبرلماناً وجهازاً قضائياً. وتابع: «نحن مستمرون في تحرير السودان من الإسلاميين المسيطرين، ولن نعمل على تقسيم السودان. مَن يسعى لفصل السودان هو جيش الإسلاميين. نحن لن ننشئ حكومتنا في دارفور، ونترك بقية السودان للجماعات الإسلامية الإرهابية».

وعلّق نقد على الجاري تداوله بأن هدف حكومة «تأسيس» الضغط على الجيش لإجباره على الجلوس على مائدة التفاوض، فقال: «محمد حمدان دقلو، قال لن يعودوا إلى منبر جدة، فكيف سنضغطهم للجلوس على طاولة المفاوضات؟ كل المفاوضات السابقة ذهب إليها (الدعم السريع) وخربها الجيش السوداني، لذلك لا يمكن بعد أكثر من سنتين وخراب للتفاوض، أن نعمل على التفاوض معهم».

وأضاف: «لن نذهب إلى أي تفاوض. نحن نتقدم عسكرياً لنحرر السودان من المؤتمر الوطني الذي يرعى المطلوبين للعدالة الجنائية». واستطرد: «كنا ننادي بالفصل بين الإسلاميين والجيش في بداية الحرب. لكن باستمرارها، اتضح للناس أن الجيش هو جيش الإسلاميين. نحن سنعمل على تكوين جيش جديد من (الدعم السريع)، والحركات المسلحة والجيش الشعبي لتحرير السودان، وما تبقى من الجيش السوداني».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع جانيت رينو (آ ب)

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.