بول بيّا... رجل الكاميرون القوي طامح لولاية رئاسية ثامنة

بعد 43 سنة في سدة الحكم

يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده

بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
TT

بول بيّا... رجل الكاميرون القوي طامح لولاية رئاسية ثامنة

يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده

بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد
يرى أن دوره قد حان للعودة للحكم، في حين تتمسك إثنية «البيتي/ بولو» بالسلطة، ويسعى الناطقون بالإنجليزية للحكم أو الانفصال. بينما يعود لبول بيّا الفضل في إتاحة التعددية الحزبية فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات له بالاستبداد

وسط أجواء مشحونة سياسياً يطمح الرئيس الكاميروني بول بيّا، البالغ من العمر 92 سنة، لولاية رئاسية ثامنة مستفيداً من تعديل دستوري سابق ألغى تحديد عدد الفترات الرئاسية، ليصبح بذلك من أطول الرؤساء حكماً في العالم. بيّا الذي تربّع على «عرش» السلطة في الكاميرون عام 1982، لا يزال بالنسبة لكثيرين حوله شخصية غامضة؛ ذلك أن «الشاب الهادئ» الذي كان يعتبر بين أقرانه «متواضعاً لا طمع لديه بالحكم»، هيمن على موقع الرئاسة 43 سنة، وما زال يطمح للمزيد، ساعياً إلى تبديد الأزمات السياسية والاقتصادية التي هزّت وتهز الكاميرون، وعلى رأسها «الأزمة الأنجلوفونية».

يرى مراقبون أن بول بيّا كان دائماً ما يتقدّم خلف قناع كي يراقِب من دون أن يُراقَب! وبالفعل، الرجل قليل الظهور إعلامياً، ويكتفي بمخاطبة شعبه ثلاث مرات في السنة تقريباً. وهذا الغموض الممتزج بشخصية تبدو صارمة منح بيّا ألقاباً عدة منها: «الأسد»، و«أبو الهول»، و«اللغز» و«مارادونا السياسة الكاميرونية» و«أبو الأمة».

وفي مطلق الأحوال، لعل وضع الكاميرون المعقّد أسهم في دعم بقاء بيّا؛ إذ إن البلاد تضم مجموعات إثنية ولغوية عدة، وهناك استقطاب حاد طرفاه الجنوب المسيحي والشمال المسلم، ناهيك بالخلافات بين المناطق الناطقة بالفرنسية وتلك الناطقة بالإنجليزية. هذا المشهد جعل من تشكيل جبهة معارضة موحّدة أمراً صعباً.

والواقع، أن مسيرة بول بيّا اتسمت بتحولات سياسية كبرى. وبينما يعود إليه الفضل في إتاحة التعددية الحزبية، وتحسين علاقات الكاميرون مع دول العالم، فإن وعوده بالتغيير والديمقراطية سرعان ما تحولت إلى اتهامات بالاستبداد وتفاقم الأزمات الداخلية... لا سيما وسط سبع سنوات من حرب أهلية بقيادة انفصاليين ناطقين بالإنجليزية. ويضاف إلى ما سبق، سجنه معارضيه، ومنهم موريس كامتو، منافسه الأقوى في الانتخابات الرئاسية لعام 2018 الذي سُجن لمدة 9 أشهر من دون تُهم قبل أن يفرج عنه بضغوط دولية.

نشأة دينية

وُلد بول بيّا يوم 13 فبراير (شباط) 1933 في قرية مفوميكا آ الصغيرة الواقعة في غابات حوض الكونغو، بجنوب الكاميرون، لعائلة كاثوليكية من إثنية «البيتي/ بولو». لكنه دائماً ما يشدد في تصريحاته على أنه «كاميروني قبل أن أكون من قبيلة البيتي». عائلته كانت تطمح إلى أن يصبح بول كاهناً؛ لذا أرسلته إلى مدرسة «القديس يوسف» الدينية في بلدو أكونو. ويومذاك كان فتًى مجتهداً لكنه هزيل البنية، حتى إنه غالباً ما احتاج الحماية من أخيه الأكبر أو أبناء عمومته.

ولقد نقلت تقارير صحافية عن أخته قولها في وصف شخصيته: «يظن البعض أن بول بارد. هذا غير صحيح؛ فهو يمكن أن يكون دافئاً واجتماعياً... كما يعرف كيف يكون متحفظاً وصامتاً».

لم يمكث بيّا طويلاً في المدرسة الدينية؛ إذ سرعان ما غادرها ليكمل تعليمه الثانوي في مدرسة «ليسيه الجنرال لوكليرك» في العاصمة ياوندي. ولكن رغم ذلك تركت المدرسة الدينية تأثيراً في شخصيته. ووفقاً لما نُقل عن أحد زملائه هناك، فإن «أولئك الذين لم يصبحوا كهنة، خرجوا بتحوّل نفسي جعلهم رجالاً مستقيمين وهادئين».

العيش في فرنسا

في عام 1952، ذهب بيّا إلى فرنسا لدراسة القانون العام والعلوم السياسية، وهناك التقى بزوجته الأولى جيني-إيرين التي تُوفيت عام 1992. وحملته قدراته العلمية إلى ثلاثة معاهد متميزة في باريس هي: «ليسيه لوي-لو-غران»، ثم معهد باريس للعلوم السياسية «سيانس بو»، ثم المعهد العالي للإدارة «إينا».

وخلال تلك الفترة كان بيّا يتخصّص في العلوم السياسية، مع أن أساتذته رأوا أنه وإن كان تلميذاً مجتهداً، فهو «متواضع وقليل الطموح» و«غير مهتم بلعبة السياسة». ولكن كما تأثرت شخصية بيّا بالمدرسة الدينية، لعبت فرنسا دوراً مهماً في تشكيل شخصيته. وعام 1994، تزوّج بيّا من شانتال التي أصبحت السيدة الأولى للكاميرون.

صعود سياسي

بعد استقلال الكاميرون في عام 1960، بدأ بيّا مسيرته في سلك الخدمة المدنية؛ إذ شغل مناصب عدة، بينها مدير ديوان وزير التعليم الوطني (1964)، وأمين عام وزارة التعليم الوطني (1965). غير أن صعوده السياسي الحقيقي بدأ فعلياً مع تعيينه مديراً للديوان المدني الرئاسي عام 1967. وحينذاك، تولى بول بيّا ملفات حساسة للرئيس الاستقلالي أحمدو أهيدجو؛ ما جعله يحظى بثقته، لا سيما مع وصف مقرّبين له في تلك الفترة بأنه «خادم مطيع وإداري بارع».

وتوالت بعد ذلك الترقيات والمناصب؛ إذ عُيّن أميناً عاماً للرئاسة عام 1968، ثم وزير دولة في 1970. وفي عام 1975، عيّنه الرئيس أهيدجو رئيساً للحكومة، وقال معلقاً إنه اختار «الشخص الأكثر اتزاناً» في فريقه، ثم يوم 29 يونيو (حزيران) 1979، عُيّن بيّا خليفة دستورياً لأهيدجو.

في حينه، نُظر لبيّا باعتباره شخصية شابة متزنة ومتواضعة وغير سياسية... وأيضاً غير طامحة للسلطة.

كل هذا تبخّر في ما بعد؛ إذ إن صمت بيّا كان يخفي شخصية أخرى لم يفطن لها ويشكك فيها إلا جيرمين، زوجة سلفه الرئيس أحمدو أهيدجو. ولقد صدق حدس جيرمين بعد سنوات؛ فيوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1982، استقال أهيدجو بشكل مفاجئ، ليحكم بيّا البلاد.

الانقلاب على «المعلم»

كما سبقت الإشارة، بدأ بيّا حكمه حليفاً للرئيس أهيدجو الذي بقي رئيساً للحزب الحاكم «الاتحاد الوطني الكاميروني». وشكّل بيّا الحكومة في عامَي 1982 و1983 بالتشاور مع أهيدجو، إلا أنه سرعان ما اتجه لتعيين حلفاء له في مواجهة الرئيس السابق، متخذاً مسلكاً مستقلاً أدهش الجميع، ودفع إلى محاولتَي انقلاب في عامَي 1983 و1984 من أنصار أهيدجو لاستعادة السلطة، لكن تمكن بيّا من قمعهما.

باختصار، «انقلب التلميذ على أستاذه» وداعمه السياسي؛ فيوم 18 يونيو 1983، أجرى بيّا تعديلاً وزارياً من دون إبلاغ أهيدجو؛ ما أغضب الأخير الذي دعا وزراء الشمال إلى قصره، طالباً منهم الاستقالة.

وفي 22 أغسطس (آب) من العام ذاته أعلن بيّا اعتقال أشخاص على صلة بأهيدجو بتهمة «التآمر على الدولة». ويوم 6 أبريل (نيسان) 1984، وقعت محاولة انقلاب هزت ياوندي وأسفرت عن مئات القتلى، لكنها لم تفلح في إزاحة بيّا الذي أعلن يومذاك «تحقيق النصر الكامل».

كان أهيدجو غادر عام 1983، وصدر بحقه حكم بالإعدام غيابياً من محكمة عسكرية، خُفّف إلى السجن المؤبد. لكنه تُوفي عام 1989 إثر أزمة قلبية، ودُفن في السنغال، ولا يزال جثمانه هناك، بسبب رفض بيّا نقله إلى الكاميرون.

مراقبون يرون أن تلك الفترة دفعت بيّا نحو «جنون الارتياب»، ليبدأ منذ ذلك الحين بسط سيطرته على الشمال المسلم، ويشدّد سيطرته على الأجهزة الأمنية، ويعزّز قبضته على السلطة عبر ملء المناصب الحكومية والعسكرية بعناصر من مجموعته الإثنية.

أزمة صندوق النقد

لقد عانت الكاميرون من أزمة اقتصادية حادة في الثمانينات والتسعينات، نتيجة لانخفاض أسعار السلع الأساسية؛ ما دفع الحكومة إلى تنفيذ برامج تقشفية، لم تفلح في معالجة الأزمة.

ويُذكر أنه منذ الاستقلال اتبع أهيدجو سياسة اقتصادية تعتمد على «خطط خمسية تبسط فيها الدولة يدها على الاقتصاد». ومكّن هذا النظام الكاميرون من اجتياز أزمة النفط عام 1973 بشكل أفضل من جيرانها. لكن بحلول منتصف الثمانينات شهدت أسعار الكاكاو والبن والقطن والنفط تراجعاً كبيراً.

وعام 1987، نشر بيّا كتابه «الليبرالية الجماعية»، وفيه دعا إلى التعددية السياسية والاقتصاد الحر. وكان يقول إن «الليبرالية الجماعية هي السبيل لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية». وفي حينه، حظي بدعم البرلمان الذي صفق له في 20 يونيو من العام نفسه عندما تباهى: «لن نذهب إلى صندوق النقد الدولي». ولكن على الرغم من بدء برنامج التغيير لم تظهر النتائج، وانهارت وعود بيّا، ودخلت البلاد برنامجاً تابعاً لصندوق النقد الدولي في سبتمبر (أيلول) 1988؛ ما عدّه معارضوه «أول إخفاق حقيقي» لبيّا.

تحوّل «ديمقراطي»

مع بداية التسعينات، وفي موجة من التحوّل الديمقراطي في أفريقيا، تعرّض بيّا لضغوط طالبته بفتح المجال السياسي، فاضطرّ لإجراء تغييرات محدودة سمح عبرها بتعدّدية حزبية دفعت بأول انتخابات تعدّدية عام 1992، وفاز فيها بـ40 في المائة من الأصوات، لكن شابتها «تهمٌ واسعة بالتزوير».

وفي وجه الانتقادات الدولية والاضطرابات الداخلية، أحكم بيّا قبضته، معتمداً على انقسام المعارضة والجهاز الأمني الواسع، بل بدا أن حكم بيّا لن ينتهي. وفي 2008، دفع لتعديل الدستور لإلغاء تحديد عدد الولايات الرئاسية. ورغم الاحتجاجات العنيفة في عدة مدن كاميرونية، جرى تمرير التعديل الذي فتح الطريق أمام ترشحه إلى ما لا نهاية، ليفوز في انتخابات 2011 و2018 وسط انقسام المعارضة وسَجن بعض قادتها.

هيمنة على الرغم من كل شيء

لم يمنع تباطؤ النمو الاقتصادي ولا الصراع الداخلي - خاصة في المناطق الناطقة بالإنجليزية - بيّا من تعزيز سلطته.

وفي عام 2016 اندلعت احتجاجات في المناطق الناطقة بالإنجليزية بسبب تهميشها من قبل الحكومة المركزية. وتحولت هذه الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة بين الجيش والمتمردين المطالبين بالاستقلال؛ ما أسفر عن آلاف القتلى ومئات الآلاف من النازحين. وكان رد بيّا الدائم: «يستحيل السماح بتقسيم الكاميرون تحت أي ظرف». ومع أن الحكومة وُوجهت بانتقادات دولية بسبب قمعها للمعارضة، نجح بيّا في تشديد قبضته مقابل فشل سياساته عبر أربعة عقود في تحسين أوضاع البلاد التي صنفتها «منظمة الشفافية الدولية» عامَي 1998 و1999 بأنها «أكثر دول العالم فساداً». وبحسب تقديرات عالمية، يعيش نحو 23 في المائة من سكان الكاميرون راهناً تحت خط الفقر.

من جهة أخرى، انتشرت تساؤلات بشأن صحة بيّا العام الماضي، وبالأخص بعد غيابه المتكرّر عن مناسبات رسمية، فأصدرت الحكومة في العام الماضي أمراً يحظر مناقشة صحة الرئيس في وسائل الإعلام، باعتبارها مسألة «أمن قومي».يبقى القول إنه مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، يبدو أن بيّا سيحكم البلاد لفترة أخرى تمتد حتى 2032؛ أي إلى حين بلوغه الـ99 من العمر. وهذا تحدٍّ يزيد التساؤلات حول مستقبل الكاميرون، لا سيما أن الشمال المسلم الذي أعطى البلاد أول رؤسائها،


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.