عودة مصرية لأفريقيا لمجابهة مخاطر وتحولات

خبراء: تحركات القاهرة تحمل «بُعداً ذا طبيعة وقائية»

قمة ثلاثية بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا في العاصمة أسمرة (الرئاسة المصرية)
قمة ثلاثية بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا في العاصمة أسمرة (الرئاسة المصرية)
TT

عودة مصرية لأفريقيا لمجابهة مخاطر وتحولات

قمة ثلاثية بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا في العاصمة أسمرة (الرئاسة المصرية)
قمة ثلاثية بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا في العاصمة أسمرة (الرئاسة المصرية)

مراحل متفاوتة شهدتها العلاقات «المصرية - الأفريقية»، بدأت بدور محوري بوصفه قوة داعمة لحركات التحرر، ثم تحولت إلى لاعب دبلوماسي ذي نفوذ، ثم تراجعٌ وغيابٌ غير مسبوق، قبل أن تعود وتكتب فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات، عبر حزمة من مسارات التعاون على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والاستراتيجية كافة، لـ«موازنة واحتواء ومجابهة أي مخاطر وتهديدات».

وتشكّلت ملامح الدور المصري في أفريقيا منذ الستينات، مع دعم الرئيس الأسبق، جمال عبد الناصر، جهود التحرر ببعض دول القارة السمراء التي كانت تحت الاستعمار، وزادت وتيرتها مع المساهمة في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في 1963، ثم ابتعدت مصر قليلاً في عهد الرئيس الأسبق، أنور السادات، مع الانشغال بمعركة التحرر من احتلال إسرائيل لسيناء في 1967، والذي تحقق بالحرب في 1973، والسلام مع تحرير كامل أراضيها في الثمانينات.

السيسي في جيبوتي حيث كان على رأس مستقبليه الرئيس إسماعيل عمر جيلة في مايو 2021 (الرئاسة المصرية)

قبل أن تشهد خفوتاً في عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، عقب محاولة اغتياله في أديس أبابا في 1995، وتتحوّل لغياب لافت بانشغال مصري داخلي مع اضطرابات واندلاع أحداث 2011 و2013، انتهى بتجميد عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي.

ومع تولّى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في صيف 2014، رئاسة البلاد، بدأت مصر مسار استعادة العلاقات بالقارة السمراء، وأعادت عضويتها بالاتحاد الأفريقي، وتحركت عبر ملامح رئيسية ثلاثة؛ بين تعاون، وبناء تحالفات، ومجابهة أي تهديدات محتملة.

تلك المسارات عزّزتها وساهمت في نجاحها جهود دبلوماسية كبيرة بـ«توجيه رئاسي وتحرك حكومي موازٍ»، وفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وذلك «بعد سنوات من الفتور والخفوت في العلاقات خلال فترات سابقة».

فيما يقرأ الخبير السوداني المختص بالشؤون الأفريقية، عبد المنعم أبو إدريس، الحضور المصري المتصاعد بأن القاهرة «تُريد استعادة دورها» في القارة الأفريقية، الذي عرفت به خلال سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، عبر تقديم مساعدات وخبرات في مجال البنى التحتية، ودعم حركة التحرر والاستقرار، متوقعاً أن تزداد فعالية الحضور المصري بين أدوار التعاون وبناء التحالفات، في ظل تنامي التهديدات ومحاولات الهيمنة.

وخلال العقد الأخير، تنوعت أدوار التعاون المصرية في أفريقيا بين تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية، وأعمال الطرق والكبارى، والمشروعات السكنية، والصحية، وحفر عدد من الآبار الجوفية، وإقامة السدود ومحطات توليد الكهرباء في دول أفريقية كثيرة، بينها تنفيذ مشروع درء مخاطر الفيضان بغرب أوغندا، في أغسطس (آب) 2018، وإطلاق السيسي في مارس (آذار) 2019 مبادرات صحية لعلاج مليون أفريقي، والتوجيه في سبتمبر (أيلول) 2020 بإرسال مساعدات عاجلة إلى 30 دولة أفريقية، بقيمة 4 ملايين دولار لمواجهة فيروس «كورونا».

زيارة رئيس المخابرات المصرية السابق ووزير الخارجية إلى أسمرة ولقاء الرئيس الإريتري (الخارجية المصرية)

إضافة إلى تنفيذ مشروع «سد روفيجي» في تنزانيا، الذي بدأ ملؤه في 2022، و«تدشين الخط المباشر للطيران بين مصر وجيبوتي والصومال»، في يوليو (تموز) 2024، بخلاف قرار مصري حديث بالبدء في خطوات إنشاء صندوق للاستثمار في دول حوض النيل، تنفيذاً لتوجيه رئاسي، بعد تفعيل اتفاقية «عنتيبي» التي تمس حقوق مصر المائية.

وترى السفيرة منى عمر أن «الدور المصري الكبير، عبر تعزيز التعاون مع دول القارة هو التزام بأسس سياسة مصر الخارجية تجاه أفريقيا، وتأكيد حضورها غير المسبوق»، مشددة على أن ذلك التعاون شاهد على أن سياسة مصر المتوازنة بأفريقيا قائمة على التنمية.

ويعتقد الخبير المختص بالشؤون الأفريقية، عبد الناصر الحاج، أن «مصر أظهرت قدرات فائقة» خلال السنوات الماضية في مضمار العمل الدبلوماسي الدؤوب داخل القارة السمراء، وهو الأمر الذي تمت معه «فتوحات هائلة» على مستوى تعزيز التعاون المشترك، والتفاهمات والاتفاقات على كل الأصعدة داخل دول عدة بالقارة السمراء.

الرئيس المصري يستقبل في القاهرة رئيس جنوب السودان سيلفا كير ميارديت (الرئاسة المصرية)

كما كان مسار بناء التحالفات حاضراً في السياسة المصرية الأفريقية، وفق الحاج، لموازنة السلوك السياسي الإثيوبي واحتوائه، ومجابهة المخاطر والتهديدات، التي ترى القاهرة أبرزها بناء «سد النهضة» الإثيوبي منذ 2010، واتهام أديس أبابا بـ«عرقلة» إبرام اتفاق يؤمن مخاوف مصر من «السد» على حصتها المائية التاريخية (55.5 مليار متر مكعب)، فضلاً عن عقد إثيوبيا اتفاقاً أولياً مع إقليم أرض الصومال، يتيح لها استخدام ميناء مطل على البحر الأحمر، وهو ما رفضته مقديشو، ودعمتها القاهرة خشية على أمنها القومي.

ومن إثيوبيا إلى السودان، ورغم العلاقات القوية بين القاهرة والخرطوم، برزت في الآونة الأخيرة خلافات مع «قوات الدعم السريع» التي تحارب الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023؛ حيث اتهمت القاهرة بـ«التدخل في الحرب الدائرة منذ أكثر من عام، ودعم الجيش السوداني»، وهو ما نفته «الخارجية المصرية»، وعدّتها «مزاعم».

وعقدت مصر بروتوكولات للتعاون العسكري بالعام 2021، أبرزها مع السودان، واتفاقية استخباراتية أمنية مع أوغندا، وأخرى عبر تعاون عسكري مع بوروندي، واتفاقية تعاون دفاعي مع كينيا، بخلاف توقيع مذكرة تعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين مصر ونيجيريا في سبتمبر (أيلول) الماضي.

كما قام الرئيس المصري بين 2014 و2020 بـ27 زيارة لأفريقيا، بخلاف لقاءات واجتماعات الرئيس بالقادة الأفارقة، الذين استقبلهم في مصر، إذ يزيد عدد هذه اللقاءات على 150 زيارة منذ عام 2014 حتى منتصف عام 2021، وفق تقديرات صحيفة «الأهرام» الحكومية، كان أبرزها زيارته لجيبوتي جارة إثيوبيا، التي تعد الأولى من نوعها لرئيس مصري، في مايو (أيار) 2021.

ودعم ذلك المسار حديثاً، زيارات لرئيس المخابرات المصرية السابق اللواء عباس كامل، أولاها للسودان في أغسطس (آب) الماضي، ولإريتريا ولتشاد في سبتمبر الماضي، بحث خلالها التحديات وتطورات القرن الأفريقي، ويضاف لذلك تولي مصر رئاسة مجلس الأمن والسلم الأفريقي خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تأكيداً «للحضور القوي فى القارة السمراء على كل المستويات»، وفق ما ذكرته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر.

الدعم المصري للصومال تحوّل من رفض اتفاقية قد تُهدد أمن مصر على البحر الأحمر، إلى بروتوكول تعاون عسكري أغسطس الماضي، واتفاق على إرسال قوات مصرية للمشاركة في قوات حفظ السلام بمقديشو يناير (كانون الثاني) 2025، بخلاف إعلان «الخارجية المصرية» في سبتمبر الماضي عن إرسال شحنة عسكرية للقوات الصومالية لدعمها، وسط تحفظ متكرر إثيوبي في أكثر من بيان لـ«الخارجية الإثيوبية»، وتحذير من «اتخاذ جهات خطوات لزعزعة استقرار المنطقة». ورغم إقرار الخبير الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، بعودة «بصمات مصر» في أفريقيا، والتي عرفت بها في عهود سابقة، يتطلع أن «تلعب القاهرة دوراً إيجابياً مع رئاستها لمجلس الأمن والسلم الأفريقي خلال أكتوبر الحالي»، وأن «تُغير نظرتها الأمنية، خصوصاً المرتبطة بتهديد أديس أبابا لأمنها المائي».

ومن التعاون إلى بناء التحالفات، عقدت قمة ثلاثية في أسمرة بين قادة مصر والصومال وإريتريا، في 10 أكتوبر الحالي، وإعلان الرئيس المصري في المؤتمر الصحافي أن «القمة بهدف التشاور والاستفادة من تبادل الرؤى إزاء سُبل التصدي لمخططات وتحركات تستهدف زعزعة الاستقرار، وتفكيك دول المنطقة، وتقويض الجهود الدؤوبة التوّاقة للسلام والاستقرار والرخاء».

السيسي يستقبل موهوزي موسيفيني قائد قوات الدفاع الشعبية بجمهورية أوغندا في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويقرأ عبد الناصر الحاج هذا الحضور المصري الكبير داخل القارة الأفريقية، على كل المستويات، لا سيما بمحوري بناء التحالفات ومجابهة التهديدات خلال السنوات العشر الماضية، بأنه يحمل «بُعداً استراتيجياً» لمفهوم السياسة الخارجية للدولة المصرية المرتبطة بحماية الأمن القومي المصري، وكذلك يحمل «بُعداً ذا طبيعة وقائية» تحسباً لتأثيرات قيام «سد النهضة» الإثيوبي في حال جرى تجاهل الموقف المصري الاستراتيجي من قيام السد.

وبرأي الحاج، فإن التحركات المصرية لا تنفك عن كونها «مجابهة لتهديد التعنت الإثيوبي» في قيام «سد النهضة» وتفعيل اتفاقية «عنتيبي» على خلاف رغبة القاهرة، من دون مراعاة حقيقة المهددات الأمنية الوجودية بالنسبة للدولة المصرية، أو الحضور عبر منفذ مائي مهدد بالبحر الأحمر، لافتاً إلى أن «مصر تتفوق على إثيوبيا في مهارة ترسيم حضورها المهم والملهم لعدد من الدول الأفريقية، بحسبان الخبرة الكبيرة التي تمتلكها مصر في إدارة الأزمات، فضلاً عن روابط مصر التاريخية مع جميع الدول الكبرى المؤثرة في المنطقة الأفريقية».

ذلك التفوق المصري يدفع الخبير المختص بالشؤون الأفريقية إلى «ترجيح أن تنجح مصر في مسار مواجهة الأزمات، لا سيما السد الإثيوبي»، عبر مساري الحضور المتجلي لمصر في أفريقيا هذه الفترة، سواء بمسار الدور السياسي الدبلوماسي الكبير لمصر في كل الأزمات التي تعيشها منطقة القرن الأفريقي، أو من خلال المسار العسكري المتمظهر على أشكال معاهدات واتفاقات تعاون عسكري، مثلما حدث مع الصومال وعقد تحالفات تشمل إريتريا.

ووفق أبو إدريس، فإن مصر ستستخدم قطعاً هذه التحركات لتحقيق مصالحها بـ«الضغط على إثيوبيا» عبر الوجود في الصومال، وتعزيز الحضور في إريتريا لتحقيق مكاسب في حال استؤنفت مفاوضات «سد إثيوبيا».

وبرأي عبد الشكور عبد الصمد، فإن مصر أمام تحدٍّ كبير للتوصل لتفاهم مشترك، مع إثيوبيا، وبحاجة للتغلب على هاجسها الأمني، والسعي للشراكة، وألا «يكون تحقيق مصالحها -ليس بالضرورة- عبر استهداف دول أخرى»، لافتاً إلى أن «أديس أبابا من حقها أخذ احتياطاتها أيضاً».

فيما أكدت السفيرة منى عمر أن «مصر ليست ضد التنمية، ولا تسعى لاستهداف أحد»، وقدمت مبادرات لحل أزمة السد، لكن «النظام الإثيوبي لم يقبلها، ولا تزال دولته مفككة بين عدة قوميات ولديها مشاكل مع جيرانها في كينيا والصومال وإريتريا»، معوّلةً على «عدم استمرار النظام الحالي، وأن يخلفه آخر قادر على شراكة وتعاون مع مصر».

السيسي خلال استقبال رئيس إريتريا أسياس أفورقي في القاهرة (الرئاسة المصرية)

حقائق

أبرز المحطات في علاقات القاهرة مع القارة السمراء

أولاً: عهد عبد الناصر

1961

- افتتاح مصر مكتباً إعلامياً بمقدیشو لدعم قضایا التحرر الوطني

- استضافة القاهرة مؤتمر الشعوب الأفریقیة الثالث الداعم للحركات التحررية

1963

- مساهمة مصر في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية

1964

- مصر تتولى رئاسة منظمة الوحدة


ثانياً: عهد السادات

1970

- مساعٍ مصرية داعمة لاستقلال جیبوتى وتم ذلك في 1975

1977

- إنشاء مصر معهد تدريب للإعلاميين والإذاعيين الأفارقة

1980 - إنشاء الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا


ثالثاً: عهد مبارك

1989

- مصر تترأس منظمة الوحدة الأفریقیة

1993 - مصر تترأس المنظمة وتستقبل قيادات فصائل صومالیة لدعم المصالحة الداخلية

1995

- محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا وبدء التراجع المصري أفريقياً

1997- القاهرة تستضيف تأسيس مؤتمر القمة «العربي - الأفريقي» الأول

2000

- القاهرة تستضيف أول مؤتمر قمة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي

- مصر تسهم في تأسيس هيكل الاتحاد الأفريقي

2001- مصر تترأس قمة «الكوميسا»


رابعاً: الفترة من 25 يناير 2011 إلى يونيو 2014

- غياب لافت عن الحضور بأفريقيا


خامساً: عهد السيسي

2014

- إنهاء تجميد عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي

2015

- استضافة شرم الشيخ قمة التجمعات الاقتصادية الإقليمية الثلاثة (الكوميسا - السادك - الإياك)

2016

- إقامة «منتدى أفريقيا» بشرم الشيخ الذي تلته قمم مماثلة في 2017 و2018

2018

- تنفيذ مصري لمشروع درء مخاطر الفيضان بغرب أوغندا

- إنشاء المركز الإقليمي لمكافحة الإرهاب لدول تجمع الساحل والصحراء

2019

- ترؤس مصر الاتحاد الأفريقي وإطلاقها منطقة التجارة الحرة بالقارة

- إطلاق مبادرات صحية لعلاج مليون أفريقي

- استضافة مصر وكالة الفضاء الأفريقية

2020

- مصر تتسلم رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي لمدة شهر

2021

- توقيع مصر اتفافية عسكرية واستخباراتية ودفاعية مع السودان وأوغندا وبوروندي وكينيا

- عقد منتدى الاستثمار في أفريقيا بشرم الشيخ

- تسلمت مصر رئاسة الكوميسا

2022

- بدء ملء سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية بتنزانيا اللذين أسستهما شركات مصرية

2023

- جولة للرئيس المصري إلى أنجولا وزامبيا وموزمبيق تضاف لجولات وزيارات غير مسبوقة منذ 2014

2024

- تدشين الخط المباشر للطيران بين مصر وجيبوتي والصومال

- توقيع اتفاق عسكري ودفاعي مع الصومال ونيجيريا وإرسال القاهرة شحنة عسكرية لدعم الجيش الصومالي

- إعلان رئاسة مصر لمجلس الأمن والسلم الأفريقي لمدة شهر

- عقد قمة في أسمرة بين رؤساء مصر والصومال وإريتريا

- مصر تقرر البدء في خطوات إنشاء «صندوق للاستثمار» بحوض النيل


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟