إسبانيا تحاول التحكّم بهاجس التعامل مع المهاجرين

على الرغم من الفوائد الاقتصادية التي يؤمنونها

الرئيس الموريتاني ولد الغزواني يستقبل رئيس الوزراء الإسباني سانتشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية فون در لاين في نواكشوط 
(آ فب)
الرئيس الموريتاني ولد الغزواني يستقبل رئيس الوزراء الإسباني سانتشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية فون در لاين في نواكشوط (آ فب)
TT

إسبانيا تحاول التحكّم بهاجس التعامل مع المهاجرين

الرئيس الموريتاني ولد الغزواني يستقبل رئيس الوزراء الإسباني سانتشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية فون در لاين في نواكشوط 
(آ فب)
الرئيس الموريتاني ولد الغزواني يستقبل رئيس الوزراء الإسباني سانتشيز ورئيسة المفوضية الأوروبية فون در لاين في نواكشوط (آ فب)

عندما فازت إسبانيا بكأس الأمم الأوروبية لكرة القدم، أواسط يوليو (تموز) الفائت، كان النجم الأبرز في الفريق الوطني الأمين جمال، وهو لاعب من أب مغربي وصل قبل 19 سنة إلى السواحل الإسبانية على متن زورق صغير، ضمن مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، ومن أم كانت غادرت مسقط رأسها في غينيا الاستوائية بعده بسنة واحدة. وكان النجم الآخر نيكولاس وليامز، الذي سجّل أول هدفي النصر الحاسم في المباراة النهائية من أبوين مهاجرين من غانا، وكلاهما شابان في مقتبل العمر. وفي أواخر الشهر الماضي، وفي ختام جولة أفريقية هدفت إلى تفعيل برامج التعاون والمساعدة التي أطلقتها إسبانيا مع عدد من البلدان «المصدّرة» للهجرة وتلك التي يعبرها المهاجرون في اتجاه أوروبا، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز في العاصمة السنغالية داكار: «إن معالجة الهجرة في إسبانيا مسألة مبادئ أخلاقية، وتضامن وكرامة، لكنها أيضاً مسألة تعقّل ومنطق». وأضاف: «إن المهاجرين يساهمون بشكل أساسي في الاقتصاد الوطني وفي دعم نظام الضمان الاجتماعي، والهجرة بالنسبة لإسبانيا هي ثروة وتنمية ورفاه».

المشهد غير المألوف في تاريخ الرياضة الإسبانية، كما هذا التحول العميق في العلاقات الإسبانية الأفريقية، انعكاس مباشر لما تؤكده الأرقام والإحصاءات التي باتت تفرض على الخطاب السياسي والاجتماعي الاعتراف بأن السكان الذين يتحدّرون من أصول أجنبية باتوا يشكلون جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية.

الحكومة الإسبانية تفاخر راهناً، بعكس معظم حكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالنتائج التي حقّقتها سياسة استيعاب المهاجرين ودمجهم في المجتمع الإسباني: 12 في المائة من المنتسبين إلى نظام الضمان الاجتماعي هم من الأجانب، وتتراوح أعمار 60 في المائة منهم بين 18 و23 سنة، وهي نسبة أعلى كثيراً من نسبة الإسبان أنفسهم. ومنذ عام 2021 تمكّن 300 ألف مهاجر غير شرعي من تسوية أوضاعهم القانونية، لأن غالبية الذين دخلوا إسبانيا في السنوات الأخيرة المنصرمة فعلوا ذلك عبر الطرق الشرعية بسبب عدم وجود قنوات قانونية لدخولهم، أو لكثرة العراقيل والتعقيدات التي تحول دون ذلك.

إسبانيا في الصدارة

ثم إنه خلال العام الماضي، تصدّرت إسبانيا ترتيب بلدان الاتحاد الأوروبي من حيث نسبة ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين إليها، التي بلغت 126 في المائة، وذلك نظراً لتزايد إقبال المهاجرين على سلوك «المسار الأطلسي»، رغم خطورته، نتيجة الاضطرابات التي تشهدها دول منطقة الساحل منذ سنوات. وهذه الاضطرابات تدفع بالآلاف للعبور إلى موريتانيا التي تنطلق من شواطئها موجات المهاجرين باتجاه الجزر الكنارية. وللمرة الأولى منذ بداية أزمة الهجرة الشرعية، صار المهاجرون من مالي هم الأكثر عدداً بين الذين يصلون بطريقة غير شرعية إلى الشواطئ الإسبانية، ما يدلّ على أن الحروب الحالية هي التي تتولّد منها تدفقات المهاجرين اليائسين.

أما اللافت فهو أن نسبة عالية من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى إسبانيا منذ سنوات هم من القاصرين، الأمر الذي جعل أمر استيعابهم وتوزيعهم على مختلف المناطق تحدياً لوجستياً كبيراً بالنسبة للسلطات المحلية، ناهيك أنه يؤجّج الخطاب السياسي الذي صار شعار القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة التي تشهد شعبيتها ارتفاعاً مطرداً منذ سنوات.

قواارب طالبي لجوء وهجرة راسية في جزر الكناري (رويترز)

التعددية العرقية تتزايد

لكن رغم المشاهد المأساوية التي ترافق عادة رحلات العبور على الطرق الخطرة التي يسلكها المهاجرون غير الشرعيين، لا تزال نسبة هؤلاء أقل كثيراً من نسبة المهاجرين الذين يدخلون إسبانيا بطريقة شرعية، والذين جعلوا من إسبانيا بلداً تتزايد فيه تعدّدية الأعراق، حيث إن 18 في المائة من سكانها اليوم أبصروا النور خارج حدودها.

وتفيد أحدث الدراسات أن هذا الازدياد في عدد المهاجرين هو الذي حال دون تراجع العدد الإجمالي للسكان في إسبانيا، خلافاً لمعظم الدول الأوروبية التي ينخفض فيها التعداد السكاني منذ سنوات، علماً بأن 23 في المائة من القاصرين اليوم هم من آباء أو أمهات أجانب. أيضاً، يشكّل المهاجرون حالياً قوة عاملة يستحيل على السوق الإسبانية الاستغناء عنها، إذ بلغت نسبة فرص العمل التي تولّاها الأجانب في النصف الأول من هذه السنة 40 في المائة، استناداً إلى سجلات وزارة العمل، في حين يشكّل المهاجرون 13.6 في المائة من القوة العاملة.

كذلك، تفيد دراسة أعدّها المصرف المركزي الإسباني أن نسبة نشاط المهاجرين هي الأعلى في بلدان الاتحاد الأوروبي، إذ بلغت 78 في المائة في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، ويؤكد الخبراء أن الاقتصاد الإسباني معرّض للانهيار من غير مساهمة المهاجرين. وتبيّن هذا الدراسة، بالأرقام، أن المهاجرين كانوا عنصراً اساسياً للوصول إلى مستوى الرفاه الذي بلغته البلاد خلال العقدين المنصرمين، وأن بقاءهم ضروري للحفاظ على هذا المستوى. وأيضاً ظهر أن ضمان استمرار المعادلة الراهنة بين عدد العاملين والمتقاعدين في عام 2053 يقتضي وجود 24 مليون مهاجر، وأن تجاهل هذه الحقائق ضربٌ من العبث وانعدام المسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

تلاقي مصالح بين اليسار واليمين

ليس مستغرباً في ضوء هذا الواقع أن مواقف منظمة أصحاب العمل الإسبانية، المعروفة بميولها اليمينية والمحافظة تقليدياً، تدعم سياسة الحكومة الاشتراكية التي تنهال عليها نيران المعارضة المحافظة واليمينية المتطرفة. وهذا ما دفع رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانتشيز للقيام بجولته الأفريقية الثانية في أقل من 6 أشهر، إذ زار كلاً من موريتانيا وغامبيا والسنغال، ووقّع هناك اتفاقات ضمن استراتيجية «الهجرة الدائرية» التي أطلقها، والتي تشمل برامج تأهيل مهني في بلدان المصدر لمواطنيها، تمكّنهم من العمل في إسبانيا بصورة مؤقتة، وخاصة القطاع الزراعي، الذي يعتمد بنسبة عالية على اليد العاملة الأجنبية الرخيصة كالحال في إيطاليا وفرنسا.

وتفيد بيانات وزارة الضمان الاجتماعي الإسبانية أن ما يزيد عن 20 ألف مهاجر تمكّنوا من العمل في البلاد تحت مظلة هذه البرامج، علماً أن معظمهم من التابعية المغربية أو الأميركية اللاتينية. وينصّ البيان المشترك، الذي صَدر عن المباحثات التي أجراها سانتشيز مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، أن الهدف من هذه البرامج هو أن تكون الهجرة آمنة ومنظمة وشرعية بين بلديهما، ضمن إطار الهجرة الدائرية الرائدة في أوروبا، مع التركيز بشكل خاص على الشباب والنساء.

غير أن المسؤولين الإسبان يعترفون، في المقابل، بأن هذه البرامج تحتاج إلى بعض الوقت قبل تنفيذها مشفوعة بدورات تأهيلية وعروض للعمل. وبالتالي، سيكون من الصعب جداً أن تتمكن من احتواء المدّ المتوقع للقوارب الحاملة مهاجرين غير شرعيين هذا الخريف عندما تتحسّن ظروف البحر قبالة سواحل جزر الكناري. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه منذ مطلع هذا العام حتى منتصف الشهر الماضي، وصل إلى تلك السواحل ما يزيد عن 22 ألف مهاجر غير شرعي، أي أكثر من ضعف الذين وصلوا خلال الفترة نفسها من العام الفائت. وللعلم، فإن المسارات الجديدة للهجرة الشرعية لن تكون كافية لتغطية احتياجات السوق الإسبانية التي تقدّرها المصادر الحكومة بما يزيد عن ربع مليون عامل سنوياً.

الهجرة غير الشرعية

من جهة ثانية، إلى جانب استراتيجية الهجرة الدائرية، تسعى إسبانيا أيضاً إلى التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية التي باتت تشكل الطبق الرئيس على مائدة النقاش السياسي في معظم بلدان الاتحاد الأوروبي، والعامل الأساسي الذي سيحدّد معالم المشهد السياسي في السنوات المقبلة. وراهناً، تسعى مدريد إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية في «بلدان المصدر والعبور»، عن طريق برامج طموحة، مثل الذي وُقّعت في فبراير (شباط) الماضي بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، أثناء الزيارة التي قام بها سانتشيز إلى موريتانيا، رفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين، وتتضمن مساعدات بقيمة نصف مليار دولار أميركي. ومن المقرر أن يساهم البنك الدولي في برنامج آخر للتنمية الاقتصادية في السنغال، إلى جانب المفوضية الأوروبية والحكومة الإسبانية.

وبعد حزمة الاتفاقات الثنائية الموقعة بين إسبانيا والمغرب لوقف تدفقات الهجرة غير الشرعية، تسعى مدريد أن تكون موريتانيا المنصة الأساسية التي تنطلق منها هذه الاستراتيجية الجديدة في العمق الأفريقي، خاصة في بلدان الساحل التي تحولت إلى مصدر رئيسي لهذه الهجرة بعد الاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الساحل في السنوات الأخيرة، وانكفاء الدول الغربية عنها في أعقاب الانقلابات التي توالت عليها وفتحت الباب أمام التغلغل العسكري الروسي وتزايد العمليات الإرهابية فيها. وبالفعل، سبّبت هذه الاضطرابات أزمة إنسانية كبيرة في موريتانيا، التي تضم حالياً زهاء 200 ألف لاجئ على حدودها مع مالي، وفقاً لبيانات منظمة الهجرة العالمية.

الواقع أن موريتانيا هي الآن إحدى «واحات» الاستقرار القليلة في وسط ضخامة «صحراء» الاهتزازات السياسية والأمنية. وهذا العامل جعل موريتانيا شريكاً مميزاً للاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي الذي قرر خلال قمته الأخيرة في واشنطن رصد مساعدات مالية لتجهيز القوات المسلحة الموريتانية وتدريبها على مواجهة الحركات المتطرفة والإرهابية الناشطة في البلدان المجاورة. وتقول الأوساط الحكومية، التي حاورتها «الشرق الأوسط»، إن مقاربة سياسة الهجرة والمعضلات الناشئة عنها من القضايا الحيوية التي ينبغي التوافق حولها بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ثم إن ظاهرة الهجرة «واقعٌ ينبغي التعاطي معه بعقلانية، وليس مشكلة تتنافس الأحزاب السياسية على كيفية حلها أو معالجتها». وتضيف هذه الأوساط: «إن الخطاب السياسي، الذي يطرح حلولاً أو علاجات لظاهرة الهجرة، يغفل حقيقة أن السكان الأجانب باتوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع والاقتصاد والثقافة في إسبانيا، وأنهم يشكّلون مصدراً هاماً للمواهب والمعارف واليد العاملة».وختاماً، تقرّ إيلما سايز، وزيرة الضمان الاجتماعي الإسبانية، بأن الهجرة غدت تحدياً مشتركاً لجميع البلدان المتطورة، وأحد العوامل التي ستحدد معالم مجتمعات هذه الدول في السنوات المقبلة. وتتابع: «التصدي لظاهرة الهجرة كان المحور الرئيس الذي دارت حوله معظم الحملات الانتخابية أخيراً في بلدان الاتحاد، بما فيها حملة انتخابات البرلمان الأوروبي... لكن جميع المجتمعات التي تسعى منذ سنوات لإيجاد حل شامل ونهائي لها فشلت في مساعيها، وهو ما يدلّ على أنه لا حل لها. وعليه، لا بد من التعايش معها باستيعابها والاستفادة منها».

نسبة عالية من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى إسبانيا من القاصرين

الامين جمال (رويترز)

الهجرة منبر مزايدات... ومصنع لليمين المتطرف

على الرغم من كل الدلائل والقرائن والدراسات الكثيرة التي وضعتها المؤسسات الأوروبية، منذ سنوات، للدفع باتجاه تبريد النقاش السياسي حول ظاهرة الهجرة وسحبها من «بازار» المزايدات والاتهامات، يبدو أنها ستبقى تشكّل الحلبة الرئيسية للمواجهة السياسية بين الحكومات والمعارضات بشقّيها المعتدل والمتطرف.ومن الأدلّة البيّنة على ذلك أن أحزاب المعارضة في إسبانيا رفضت التجاوب مع دعوة رئيس الحكومة بيدرو سانتشيز الأخيرة إلى مقاربة ملف الهجرة خارج الإطار الديماغوجي المعتاد في النقاش السياسي، بل التصدي لها عبر التوافق حول سياسات واقعية طويلة الأمد، والاقتداء بالخطوط العريضة التي وضعتها المفوضية الأوروبية. هذه الخطوط العريضة التي بدأت بتطبيقها بعض الدول الأعضاء كإيطاليا وبلجيكا وهولندا، هدفها تسهيل مسارات الهجرة الشرعية وتنظيمها من بلدان المنشأ إلى الدول الأعضاء التي تستضيف لاحقاً المهاجرين في مختلف القطاعات الاقتصادية. في مطلع العام الحالي، كانت الهجرة تحتل المرتبة التاسعة بين شواغل الإسبان، وفقاً لاستطلاع مركز البحوث الاجتماعية. لكن في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، قفزت إلى المرتبة الرابعة بين مباعث القلق عند المواطن الإسباني، نتيجة متابعته احتدام النقاش السياسي خلال حملة الانتخابات الأوروبية التي كانت الأحزاب اليمينية المتطرفة تنفخ في نيرانها. وبينما يواصل حزب «فوكس» اليميني المتطرف صعوده مدفوعاً بخطاب عنصري ضد المهاجرين، ظهر في المشهد السياسي الإسباني أخيراً «مخلوق» جديد، نما في مستنقع التطرّف على وسائل التواصل الاجتماعي، اسمه آلفيسي بيريز، الذي حصد في الانتخابات الأوروبية الأخيرة 800 ألف صوت، ومقعداً في البرلمان الأوروبي. ولا شك أن مثل هذه التطورات ستدفع الحزب الشعبي المحافظ إلى الجنوح نحو مزيد من التشدد، وربما التطرف، في مواقفه من الهجرة، كما حصل بالنسبة لكثير من الأحزاب المحافظة التقليدية في أوروبا، بل بعض الأحزاب اليسارية في البلدان الاسكندنافية.


مقالات ذات صلة

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا يصطف المهاجرون في طوابير للحصول على شهادة النقل العام التي ستسمح لهم بطلب الحصول على تصاريح عمل وإقامة سريعة بالعاصمة الإسبانية مدريد (أ.ب)

عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بلغ ذروة عند 64.2 مليون في 2025

ذكر تقرير أن عدد المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى ذروة غير مسبوقة عند 64.2 مليون في 2025، بزيادة تقارب 2.1 مليون مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.