هل يعني فوز مودي المرتقَب تحوّل الهند إلى حكم الحزب الواحد؟

أكبر دولة ديمقراطية في العالم تتأهب لسباق انتخابي طويل ومصيري

ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
TT

هل يعني فوز مودي المرتقَب تحوّل الهند إلى حكم الحزب الواحد؟

ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)

من المقرّر أن تُجري الهند انتخاباتها العامة الثامنة عشرة اعتباراً من أبريل (نيسان) فصاعداً، وفيها يسعى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى الحصول على فترة ولاية ثالثة في السلطة بعدما فاز حزبه الهندوسي القومي اليميني (بهاراتيا جاناتا) بعدد مذهل من المقاعد بلغ 303 في انتخابات 2019. «بهاراتيا جاناتا» متفائل حقاً إزاء فرصه الانتخابية، وقد حدد هدفاً لانتزاع 370 مقعداً بمفرده وأكثر من 400 مع حلفائه. ويُذكر أن مودي قاد حزبه إلى السلطة للمرة الأولى عام 2014 حين فاز بـ282 مقعداً في مجلس النواب (اللوك سابها) الذي يضم 543 مقعداً، وهي الغالبية الأكبر لحزب واحد خلال 30 سنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2019 سيطرت الحكومة الائتلافية على 353 مقعداً. أما اليوم فيتوقع الخبراء السياسيون مع استطلاعات الرأي أن الناخبين لا يزالون ينظرون إلى مودي على أنه زعيم شعبي (رغم أن مثل هذه الاستطلاعات غالباً ما يكون لديها سجل ضبابي من حيث الدقة)، وأن فترة ولاية ثالثة على التوالي بالنسبة إلى ناريندرا مودي في الانتخابات البرلمانية المقبلة تبدو «حتمية تقريباً».

نتيجة الانتخابات الهندية المقبلة ليست أمراً محسوماً، إلا أن معظم المحللين يتوقعون فوز حزب «بهاراتيا جاناتا» بزعامة ناريندرا مودي بخمس سنوات أخرى في الحكم. وبعد عقد من الزمان في السلطة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن مودي، بفضل سياسته الشعبوية المتشددة قومياً ودينياً، ما زال يحظى بدعم كثرة من الهنود، بينما لا تحظى أحزاب المعارضة الرئيسة بتأييد موازٍ.

الهند، توصف تقليدياً، بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، إذ تضم مليار ناخب (969 مليون ناخب مسجَّل). وهذا يعني أن أكثر من 10 في المائة من سكان العالم (أكبر من مجموع سكان الاتحاد الأوروبي) مؤهلون لاختيار الأعضاء المنتخبين البالغ عددهم 543 عضواً في مجلس النواب (أحد مجلسَي البرلمان) في الفترة من 19 أبريل (نيسان) إلى 1 يونيو (حزيران) المقبلين. وبموجب النظام البرلماني في البلاد، يشكّل الحزب الذي يفوز بغالبية المقاعد الـ543 في مجلس النواب، الحكومة، ويُعيَّن مرشحه رئيساً للوزراء.

وبالتوازي، لدى الهند الانتخابات الأعلى تكلفة في العالم، إذ أنفقت الأحزاب السياسية أكثر من 7 مليارات دولار عام 2019، مقارنةً بـ6.5 مليارات دولار أُنفقت في الولايات المتحدة خلال انتخابات 2016. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في انتخابات العام الجاري.

لماذا طول المدة؟

هذه التظاهرة الأكبر من نوعها في العالم، تحتاج إلى مدة 44 يوماً قبل إعلان نتائج تصويتها يوم 4 يونيو المقبل. ويتلخص الأمر في سببين رئيسين، هما: الحجم الهائل للهند لأنها الدولة الأكثر سكاناً في العالم، ومستوى الخدمات اللوجيستية اللازمة لضمان أن كل ناخب مسجَّل يستطيع الإدلاء بصوته.

الخبراء يذكرون أن السبب المباشر للانتخابات متعددة المراحل يتعلق بالأمن؛ إذ سيشرف على تنظيم هذه التظاهرة الضخمة «جيش» مؤلّف من 15 مليون من المسؤولين وأفراد الأمن الذين سيجوبون صحاري البلاد وأدغالها وجبالها وجزرها في محاولة للوصول إلى كل ناخب. ويتولى هؤلاء الإشراف على التصويت في أكثر من مليون مركز اقتراع بمساعدة 5.5 مليون جهاز اقتراع إلكتروني. وهنا نلفت إلى أن هناك 18 مليون ناخب سيُدلون بأصواتهم للمرة الأولى، في حين يحق لـ197 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة الإدلاء بأصواتهم. ويتوجب على اللجنة الانتخابية المشرفة التأكد من وجود قلم اقتراع (كشك تصويت) في حدود كيلومترين (1.2 ميل) من كل ناخب.

راهول غاندي (آ ف ب)

فوز مودي المرجَّح

في المشهد السياسي الحالي في الهند، ثمة إجماع بين المحللين السياسيين على أن فوز مودي وحزب «بهاراتيا جاناتا» هو «أكثر النتائج معقولية»، وذلك لشعبية مودي بوصفه رجل سياسة قوياً، والأجندة القومية المتشددة لحزب «بهاراتيا جاناتا»، لا سيما في ولايات قلب البلاد المعروفة بولايات «الحزام الهندي».

في هذه الولايات الناطقة باللغة الهندية يحظى مودي بشعبية واسعة جداً. وتركز كل التعليقات الإعلامية فقط على ما إذا كان سيتمكن من تحسين سجله السابق لعام 2019، والحقيقة أنه حدد بنفسه هدفه المتمثل بإحراز 370 مقعداً، في حين أعرب نقاد مودي وخصومه عن أسفهم لأن انتصاره سيُثبّت مكانته ويعزز تفرّده بالسلطة.

ديمقراطية «الحزب الواحد»

وفعلاً، تصاعدت شكاوى «الديمقراطية ميتة» منذ أصبح ناريندرا مودي رئيساً للوزراء. وازداد القلق، خلال السنوات الأخيرة، بشأن اتجاه الديمقراطية في الهند، مع تساؤل كثيرين عمّا إذا كانت البلاد تتجه نحو «سيناريو» هيمنة «الحزب الواحد». ولقد أثارت هيمنة حزب «بهاراتيا جاناتا» سواء على المستوى المركزي ومستوى الولايات، إلى جانب مزاعم باستهداف أحزاب المعارضة وقادتها، وتسليح الوكالات المركزية، والتلاعب بالانتخابات، تساؤلات جدّية إزاء صحة المؤسسات الديمقراطية في الهند.

راهول غاندي، عميد حزب المؤتمر الوطني الهندي المعارض -الذي أسَّس الهند المستقلة وحكم الهند لعقود من الزمان منذ استقلالها- يشكل المنافس الرئيس لمودي، ولقد حمل شخصياً هذه الرسالة إلى الجماهير الدولية أكثر من مرة. وخلال الأسبوع الماضي، أعلن حزب المؤتمر عن تعرض حساباته المصرفية للإغلاق، وكرّر راهول غاندي القول: «إن الديمقراطية قد ماتت». وحول هذا يقول أودايان بانديوبادياي، العالم السياسي: «تحوًلت الهند، إبان حكم مودي، بالفعل، من ديمقراطية برلمانية إلى ديمقراطية غالبية، وصارت غالبية ركائز النظام الديمقراطي -السلطة التنفيذية والقضاء والإعلام- خاضعة لنفوذ الحزب الحاكم».

وفي حين أن أبرز السمات المميزة لأي ديمقراطية نابضة بالحياة هي وجود معارضة قوية تُحمّل الحزب الحاكم المسؤولية عن تصرفاته، كانت هناك حالات كثيرة استهدفت فيها حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا» زعماء المعارضة وأحزابها. وفي هذا المجال، يطلق النقاد وزعماء المعارضة اتهامات خطيرة ضد «بهاراتيا جاناتا» بأنه كان يتلاعب بوكالات مركزية مثل «إدارة إنفاذ القانون» و«إدارة ضريبة الدخل» لاستهداف المعارضين السياسيين. وثمة مزاعم أيضاً بشأن الاستهداف الانتقائي، حيث يواجه قادة المعارضة تمحيصاً مفرطاً، في حين يُمنح مناصرو الحزب الحاكم حرية مطلقة في التحرك.

في هذا السياق، أُدين راهول غاندي العام الماضي بتهمة التشهير وحُكم عليه بالسجن لمدة سنتين في أعقاب تصريحاته ضد مودي خلال تجمع حاشد من أنصاره. وعلاوة على ذلك، أوقفت «إدارة إنفاذ القانون» هذا الأسبوع أرفيند كيريوال، رئيس وزراء دلهي، بتهمة اختلاس الأموال، ومن الواضح أن قادة المعارضة وأحزابها يُستهدَفون بطريقة تشلّ حركتهم مباشرةً قبل بدء التصويت في الانتخابات. وفي ضوء هذا علّق الأمين العام الوطني لحزب المؤتمر رانديب سينغ سورجيوالا بالقول: «حكومة مودي تدمر الديمقراطية وتعصف بدستور الهند. وهي تحاول خنق صوت المعارضة بتخويف قادتها عبر أجهزة التحقيق مثل إدارة إنفاذ القانون ومكتب التحقيقات المركزي وإدارة ضريبة الدخل». وأشار إلى كيفية اعتقال رئيس وزراء دلهي، وأردف: «إن هذه ستكون الانتخابات الأخيرة التي ستقرّر ما إذا كانت الديمقراطية ستصمد في البلاد أم لا».

هل يمكن إنقاذ الديمقراطية؟

بالمناسبة، هذه ليست المرة الأولى التي تمرّ فيها الديمقراطية الهندية بأزمة. فخلال يونيو (حزيران) 1975، في خضمّ نوبة من الاضطرابات المدنية، أعلنت إنديرا غاندي، رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المؤتمر (آنذاك) وجدة راهول غاندي، عن بداية ما تسمى «حالة الطوارئ»، التي علّقت بموجبها مؤقتاً الحقوق والحريات الأساسية. واستمر هذا الوضع نحو سنتين، قبل أن تُرفع «حالة الطوارئ» فجأة في مارس (آذار) 1977.

في حينه، أعلنت إنديرا غاندي عن إجراء انتخابات جديدة خسرها حزب المؤتمر، وغادرت غاندي السلطة طواعية -فقط لكي تعود بعد الجولة التالية من الانتخابات. وبالتالي، انتقلت الديمقراطية الهندية بعيداً عن النظام الذي يهيمن عليه حزب المؤتمر إلى نظام أكثر صحة يقوم على التعددية الحزبية. ولكن، هل يوفّر هذا سبباً للتفاؤل بأن مودي قد يسقط بطريقة مفاجئة مماثلة؟

الخبراء الذين تحدثنا معهم أعربوا عن شكوكهم في ذلك؛ إذ رأى محمد ضياء الله خان، الكاتب المستقل، أنه «في حين كانت حالة الطوارئ تعليقاً صارخاً للديمقراطية رداً على الأحداث المباشرة، فإن الاستيلاء على السلطة في حالة مودي ينطوي على فساد أكثر دهاءً وديمومة للمؤسسات قد تكشّف على مدى سنوات. تلقت الديمقراطية في الهند صدمة قوية لدى الكثير من التصنيفات الدولية. وقد خفّض «معهد أنواع الديمقراطية» في السويد التصنيف الهندي إلى «دولة استبدادية انتخابية» العام الماضي فقط، كما وصف معهد «فريدوم هاوس» في الولايات المتحدة الهند بأنها «حرة جزئياً». وهو «ما يغذّي الاعتقاد بأن مودي يسيء بشدة إلى دستورنا، وأن الغالبية الهندوسية تدمّر التقاليد الديمقراطية العلمانية في الهند». إلا أن أميتاب تيواري، المحلل الاستراتيجي والمعلق السياسي، قال: «الهند بعيدة كل البعد عن كونها ديمقراطية الحزب الواحد. قد نشهد هيمنة حزب سياسي واحد، هو (بهاراتيا جاناتا)، لكنّ الاستدلال على أن هذا الحزب علامة على ضعف الديمقراطية يعني أنها أضعف مما ينبغي».

معارضة ضعيفة ومنقسمة

لقد تزامن تدهور حزب المؤتمر مع صعود «بهاراتيا جاناتا»، الذي هو الآن في طريقه إلى سد الفراغ الذي خلّفه الحزب القديم. ولكن، بينما قد تكون الأحزاب الوطنية تغيرت، تظل الأحزاب الإقليمية ممسكة ببعض الأرضية.

في الانتخابات الهندية الأخيرة، تعرّض حزب المؤتمر لهزيمة مريرة أمام «بهاراتيا جاناتا»، غير أنه يأمل في تشكيل تحدٍّ أكبر لنفوذ مودي من خلال التحالف والتكاتف مع الأحزاب الإقليمية. وحقاً قرر حزب المؤتمر خوض انتخابات هذا العام تحت شعار «التحالف الوطني التنموي الهندي الشامل»، المعروف باسم «تحالف إنديا»، (I.N.D.I.A)، وهو ائتلاف يضم 26 حزباً. وهنا نشير إلى أن حزب المؤتمر احتل المرتبة الثانية بفارق بلغ 52 مقعداً عام 2019. ومثّل ذلك، على الأقل، تحسناً طفيفاً مقارنةً بأسوأ أداء للحزب عندما حصل فقط على 44 مقعداً عام 2014.

في مطلق الأحوال، التحالف الذي شُكّل لمواجهة مودي يكافح الآن من أجل التماسك، ووفق الصحافي البارز بوشاب ساراف، «من دواعي السرور لحزب (بهاراتيا جاناتا) أن أحزاب المعارضة الهندية منقسمة وضعيفة. لكنهم إذا تمكنوا من توحيد قواهم ووضع دعمهم خلف مرشح واحد قوي لتحدّي (بهاراتيا جاناتا) في دوائر فردية، قد يفوزون بمزيد من المقاعد. المفاوضات من أجل ذلك أثبتت للآن أنها عسيرة. والأسوأ من ذلك، أن تحالف المعارضة الهشّ لم يُعيّن بعد مرشحاً بديلاً جديراً بالثقة لمنصب رئيس الوزراء. والواقع أن راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر، وعميد أسرة نهرو - غاندي التي قادت الهند بعد استقلالها، يعدّ اختياراً واضحاً، لكنّ كثيرين يرون أنه مجرد «هاوٍ» وليس محترفاً. ثم إن الساسة الإقليميين الناجحين في المنطقة لا يتمتعون إلا بقدر محدود من النفوذ خارج ولاياتهم».

في هذه الأثناء، تبقى شعبية مودي مرتفعة، ولا تزال خلفيته المتواضعة وجاذبيته الشخصية تجتذب الشباب والطموحين، لا سيما في الفئات الطبقية التي كانت تاريخياً مستبعَدة عن السلطة والثروة. وهنا يشرح سانجيف شارما، الأمين العام لجمعية العلوم السياسية الهندية، أن «محاولة راهول غاندي على امتداد البلاد فشلت في توحيد صفوف المعارضة ناهيك بالدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة. ويجد (تحالف إنديا) -الذي يضم حزب المؤتمر وما يقرب من 20 حزباً معارضاً آخر- صعوبة في للتغلب على الخلافات والانشقاقات بسبب الصعوبات القانونية ومشكلات التمويل الضخمة. ولذا فلحزب (بهاراتيا جاناتا) اليد الطولى نفسياً، في حين يخوض غاندي معركة خاسرة».

غير أن آخرين يناقضون هذا الرأي ويشعرون بأنه من الظلم أن يُشطب حزب المؤتمر وغاندي؛ إذ إن راهول -حفيد رئيسة الوزراء الراحلة إنديرا غاندي وابن رئيس الوزراء الراحل راجيف غاندي- يُمضي أيامه في التواصل مع الناخبين من مختلف شرائح المجتمع الهندي المتنوع. وهنا تساءل دورو آرون كومار، أستاذ علم الاجتماع في المعهد الهندي للتكنولوجيا في جامو: «كم من كبار السياسيين في الحزب الحاكم ترونه يخرج في مسيرات طويلة ويلتقي الناس ويستمع إلى مشكلات الرجل العادي؟».

تزامن تدهور حزب المؤتمر مع صعود «بهاراتيا جاناتا» الذي هو الآن في طريقه إلى سد الفراغ الذي خلَّفه الحزب القديم

مودي يحضر احتفال تدشين المعبد الهندوسي الذي شيد على انقاض المسجد البابري في آيوديا (رويترز)

المسلمون في حسابات مودي و«بهاراتيا جاناتا»

> شكلت نتائج الانتخابات في الولايات الهندية الخمس التي أجريت في ديسمبر (كانون الأول) دفعة قوية لحزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والذي فاز بأربع منها، بينما جاء النصر الوحيد لحزب المؤتمر المعارض في ولاية تيلانغانا بجنوب البلاد. وحسب ميلان فايشناف، الزميل البارز ومدير برنامج جنوب آسيا ومضيف نشرة «غراند تاماشا» الإذاعية في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”، فإن هذه النتائج «تؤكد ما هو معروف بالفعل، ففيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية لعام 2024، لا يزال بهاراتيا جاناتا في الصدارة. وهذه الميزة مدفوعة بالأساس بشعبية مودي الدائمة». وبالفعل، خطوة بخطوة، على مدى العقد الماضي، «عزّزت» حكومة مودي «القاعدة القومية الهندوسية» لحزب بهاراتيا جاناتا، على حساب المكوّنات الهندية الأخرى؛ إذ في عام 2019، ألغت الحكومة التعديلات الدستورية التي تقيّد حقوق نيودلهي في تحديد كيفية حكم كشمير، التي هي الولاية الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة. وفي وقت سابق من السنة الحالية، ترأس مودي شخصياً مراسم افتتاح معبد هندوسي جديد في أيوديا، في موقع المسجد البابري التاريخي الذي هدمه نشطاء قوميون هندوس عام 1992. وبعد فترة وجيزة، أعلنت الحكومة أن قانوناً جديداً مثيراً للجدل سيدخل حيّز التنفيذ ويسمح للهندوس والسيخ وغيرهم من الفارين من البلدان المجاورة ذات الغالبية المسلمة بالحصول على الجنسية الهندية، بل قد يجيز القانون أيضاً ترحيل المسلمين الذين يُعدون مهاجرين غير شرعيين. ومن ثم، يتوقّع كثيرون أن الخطوة التالية ستكون «قانوناً مدنياً موحّداً» - بخلاف رغبة المسلمين - يفرض الزواج المشترك، والنفقة، وترتيبات الحضانة على كل المواطنين الهنود بصرف النظر عن الدين. في هذا الجو، لم تتخذ المعارضة أي إجراء فعّال، حتى الآن، لإضعاف مودي رغم التوقعات الصحيحة بأنه حتى مع كل جهوده لن يحقق نتائج جيدة في الولايات الجنوبية غير الناطقة بالهندية. طبعاً، الانتخابات لم تُحسم بعد، وستعتمد نتيجتها إلى حد كبير على أداء مودي في قلب الهند وفي الولايات الغربية حيث ولايات «الحزام الهندي». وللعلم، سيسعى «تحالف إنديا» بقيادة «حزب المؤتمر» إلى مواجهة مودي في هذه المناطق. لكن الدبلوماسي السابق فيفيك كاتجو يعلّق قائلاً: «مع هذا، لا يبدو أن رسالة راهول والهند بأن مودي فشل في معالجة القضايا التي تؤثر على حياة الناس خلقت الزخم اللازم، على الرغم من جهوده الحالية لإزالة هالة مودي. ومن هنا لا يظهر أن المعارضة في الوقت الحالي قريبة على الإطلاق مما ينبغي أن يكون هدفها الأول في خلق شعور بأن مودي يمكن هزيمته. وما لم تفعل ذلك، فإن هذه الانتخابات المقبلة تكون قد حُسِمت بالفعل في الوقت المحدود للغاية المتبقي». أخيراً، بيّنت شركة «مورنينغ كونسولت» التي تتعقب معدلات التأييد الأسبوعية لأكثر من عشرين من قادة العالم المنتخبين ديمقراطياً، أن 78 في المائة من الهنود الذين شملهم الاستطلاع في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) راضون عن أداء مودي. بل إن صافي نسبة الرضا عن مودي (المحسوب حصةً من المستجيبين الراضين عن أدائه يُنقص منه غير الراضين) كان مذهلاً بأعلى من 60 نقطة. أما الزعيم الثاني الأكثر شعبية على القائمة فكان الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي لم يتجاوز تصنيفه الصافي 30 نقطة فأكثر فقط. ثم إن الرضا عن مودي ظل متماسكاً بشكل ملاحظ منذ أغسطس (آب) 2019، وهو التاريخ الذي كانت البيانات متاحة فيه لأول مرة.



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».