الصين وتايوان... «آخر الدواء الكي»

بعد الانتخابات الرئاسية في الدولة ـــ الجزيرة

من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
TT

الصين وتايوان... «آخر الدواء الكي»

من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)
من التظاهرات الشعبية الحماسية لمناصري الحزب الديمقراطي التايواني (رويترز)

احتفظ الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم بالسلطة في تايوان إثر انتخاب مرشحه لاي تشينغ تي، نائب الرئيسة الحالية، الذي هزم منافسيه؛ هو يو إيه من حزب «الكومينتانغ» (الحزب الوطني) التاريخي، وكو وين جي من حزب الشعب التايواني. وبفضل هذه النتيجة أضحى الحزب الديمقراطي التقدمي أول حزب سياسي يفوز بـ3 فترات رئاسية متتالية منذ بدأت تايوان انتخاب رؤسائها بشكل مباشر في عام 1996. ما يُذكر أنه خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، لم تُخفِ الصين رغبتها في منع فوز لاي، وقد وصف المسؤولون الصينيون التصويت مراراً بأنه اختيار بين «السلام والحرب». وكان لاي، الذي يأتي من جناح أكثر راديكالية في الحزب الديمقراطي التقدمي، مؤيداً صريحاً لاستقلال تايوان. الأمر الذي يعدّ «خطاً أحمر» بالنسبة لبكين. وهو على الرغم من الصوت الخفيض الذي اعتمده خلال صعوده السياسي، لم تغفر له الصين أبداً تعليقاته قبل 6 سنوات، عندما وصف نفسه بأنه «عامل من أجل استقلال تايوان».

كان موقف الصين جلياً بعد صدور نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية، إذ قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي: «تايوان لم تكن ولن تكون يوماً بلداً! لم يتحقق استقلال تايوان في الماضي، ولن يتحقق في المستقبل. مَن يحاول دعم استقلال تايوان فهو بذلك يقسم الأراضي الصينية، وسيحكم عليه التاريخ والقانون بقسوة. استقلال تايوان طريق مسدودة. وستحقق الصين في نهاية المطاف إعادة التوحيد الكامل. ونحن واثقون أن المجتمع الدولي سيواصل التمسك بسياسة الصين الواحدة ودعم القضية العادلة للشعب الصيني لمعارضة الأعمال الانفصالية لاستقلال تايوان والسعي من أجل إعادة التوحيد الوطني».

موسكو وواشنطن

من جهة أخرى، دعت روسيا القوى الخارجية إلى الامتناع عن الاستفزازات في ضوء نتائج الانتخابات في تايوان. وفي موقف يتماهى مع الموقف الصيني، نقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية عن ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، قولها في بيان: «إننا ندعو جميع القوى الخارجية إلى الامتناع عن الأعمال الاستفزازية التي تقوّض الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي». وأردفت أن العلاقات بين جانبي مضيق تايوان «مسألة صينية داخلية بحتة»، ومحاولات الدول الفردية لاستغلال الانتخابات في تايوان للضغط على بكين وزعزعة الوضع في المضيق وفي المنطقة تعد بمثابة تهديد، فهي كلها تؤدي إلى نتائج عكسية، وتستحق إدانة واسعة النطاق من المجتمع الدولي. وشددت على أن موقف موسكو بشأن تايوان لم يتغير، وأن الجانب الروسي يعترف بوجود صين واحدة فقط في العالم، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وأن روسيا تعارض استقلال تايوان بأي شكل من الأشكال.

في المقابل، هنّأت الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان الرئيس المنتخب لاي تشينغ تي بفوزه، لكنها في الوقت نفسه قالت إنها لا تدعم استقلال الجزيرة المتمتعة بحكم ذاتي. وبعدما سأل صحافيون الرئيس الأميركي جو بايدن عن موقف واشنطن، قال: «نحن لا نؤيد الاستقلال». بيد أن هذه التهنئة لم تمر مرور الكرام، إذ انتقدت بكين الدول الثلاث على تهنئتها. وقالت الخارجية الصينية إنها قدّمت «احتجاجاً رسمياً» إلى الولايات المتحدة بشأن بيان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، الذي هنّأ فيه لاي. واتهمت بكين واشنطن بـ«إرسال إشارة خاطئة خطيرة إلى القوى الانفصالية المطالبة باستقلال تايوان».

'في الثمانينات طرحت بكين صيغة «دولة واحدة ونظامين»'

مساعدات واستفزازات

للعلم، فإن واشنطن التي لا تعترف بتايوان كدولة، تزودها بمساعدات عسكرية كبيرة، وتتهمها بكين باستفزازها مع استمرار توتر العلاقات بين بكين وواشنطن، الذي تضاعف إثر قيام رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بزيارة تايوان، وما تبعها من تصعيد الصين أنشطتها ووجودها العسكري حول الجزيرة. وأخيراً، توجه وفد أميركي غير رسمي إلى تايوان غداة فوز لاي تشينغ تي، الذي عبّر عن أمله في أن تواصل الولايات المتحدة دعم تايوان، وعقد الوفد مباحثات مع كل من الرئيس المنتخب حديثاً والرئيسة التايوانية تساي إينغ ون بشأن سير الانتخابات والشراكة بين الطرفين، وفق ما نقله المعهد الأميركي في تايوان، الذي يعدّ مقراً فعلياً للسفارة الأميركية في الجزيرة. وقال المعهد إن «الحكومة الأميركية طلبت من المسؤولين السفر بصفتهم الخاصة إلى تايوان، كما دأبت بعد كل انتخابات رئاسية في الجزيرة».

جوهر الصراع

يكمن جوهر الصراع بين الصين وتايوان في حقيقة أن بكين ترى تايوان مقاطعة منشقّة سيُعاد ضمّها إلى البر الصيني في نهاية المطاف. كذلك ترى السلطات الصينية أن قلة ضئيلة تؤيد استقلال تايوان «والأنشطة الانفصالية». وفي المقابل، يختلف كثير من التايوانيين مع وجهة نظر بكين، فيرون أن لديهم أمة منفصلة، سواء أعلن استقلالها رسمياً أم لا.

بكين تعدّ تايوان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة، جزءاً لا يتجزأ من أراضي الصين، وإن لم تنجح بعد في إعادة توحيده مع بقية البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وبتاريخ 10 أغسطس (آب) 2022، أصدرت بكين «كتاباً أبيض» لشرح موقف وسياسات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية بشأن تحقيق «إعادة التوحيد الوطني» في العصر الجديد، ما يشمل رؤية بشأن منطقة إدارية خاصة جديدة لتايوان.

هذا الكتاب الأبيض الذي حمل عنوان «قضية تايوان وإعادة توحيد الصين في العصر الجديد» هو الثالث من نوعه حول قضية تايوان في تاريخ جمهورية الصين الشعبية. ولقد صدر الكتابان السابقان في أغسطس (آب) 1993 وفبراير (شباط) 2000.

يُذكّر الكتاب الثالث أن تايوان «جزء لا يتجزّأ من الصين». ويشير إلى حُكم سُلالتَي يوان وسونغ اللتَين أرسلتا هيئات إدارية لتمارس الولاية القضائية على أرخبيل بسكادورز وتايوان، ثمّ إعلان تايوان بوصْفها المقاطعة العشرين في الصين عام 1885، قبل سيطرة اليابان على الجزيرة والأرخبيل عام 1894، ثمّ إصدار كلّ من الصين والولايات المتّحدة وبريطانيا «إعلان القاهرة» عام 1943، أي عقب «حرب المقاومة الشعبية الصينية» ضدّ العدوان الياباني (1931 - 1945).

ذلك الإعلان شدّد على ضرورة تخلّي اليابان عن «الأراضي التي سرقتها من الصين، بما فيها شمال شرقي الصين وتايوان وجزر بسكادورز، وإعادتها إلى الصين». وفي ما بعد، جاء «إعلان بوتسدام» الذي وقّعته الدول الثلاث نفسها عام 1945، واعترف به الاتحاد السوفياتي، ليؤكّد المطلب نفسه.

وفي أعقاب تأسيس «جمهورية الصين الشعبية» عام 1949، والإطاحة بحزب «الكومينتانغ» اليميني، ثمّ اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين الحزب الشيوعي الصيني في أواخر الأربعينات، انسحب «الكومينتانغ» (بزعامة الرئيس الجنرال تشيانغ كاي شيك) إلى جزيرة تايوان إثر خسارته الحرب، واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والعشرين عام 1971 «القرار 2758» الذي تعهّدت من خلاله بإعادة جميع الحقوق إلى جمهورية الصين الشعبية، والاعتراف بممثّلي حكومتها بصفتهم الممثّلين الشرعيين الوحيدين للصين لدى الأمم المتحدة، وطرد جميع الممثّلين غير الشرعيين من الجمعية. وبالتالي، حسم القرار نهائياً القضايا السياسية والقانونية والإجرائية المتعلّقة بتمثيل الصين في المنظّمة الدولية، وأكّد أن لدى بكين مقعداً واحداً، نافياً بالتالي أيّ وجود لِما يُسمّى «دولتين صينيّتين» أو «صين واحدة وتايوان واحدة».

لاي تشينغ تي، الرئيس التايواني المنتخب (رويترز)

«دولة واحدة ونظامان» و«توافق 1992»

من جهة أخرى، مع بداية الثمانينات بدأت العلاقات بين الصين وتايوان تتحسن، وطرحت الصين صيغة تعرف باسم «دولة واحدة ونظامان» تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة إذا قبلت إعادة توحيد الصين.

يومذاك، رفضت تايوان العرض إلا أنها خفّفت من الإجراءات الخاصة بالزيارات والاستثمار في الصين. وعام 1991، أعلنت تايوان «انتهاء الحرب مع جمهورية الصين الشعبية» في البرّ الصيني.

ثم بين نهاية أكتوبر (تشرين الأول) وبداية ديسمبر (كانون الأول) 1992 وإثر سلسلة من المشاورات بين «جمعية العلاقات بين جانبي المضيق» (وهي منظمة أهلية في البر الصيني) و«صندوق التبادلات عبر المضيق» (وهو منظمة أهلية في تايوان)، توصل الجانبان إلى توافق شفهي حول تمسك جانبي المضيق بمبدأ «الصين الواحدة»، ما أرسى أساساً سياسياً لتحقيق ودفع التشاور بين جانبي مضيق تايوان، وسمي هذا التوافق لاحقاً بـ«توافق 1992».

يُعد «التمسك بالصين الواحدة» النواة الأساسية لهذا التوافق، أما جوهره فيكمن في السعي إلى إيجاد نقاط مشتركة وترك نقاط الخلاف جانباً. ولقد أشار «توافق 1992» بوضوح إلى الطبيعة الأساسية للعلاقات بين جانبي المضيق، وهي انتماء كل من البر الصيني وتايوان إلى «الصين الواحدة»، وأن العلاقات بين جانبي المضيق ليست علاقات بين دولة ودولة أخرى، ولا تمثل «صين واحدة وتايوان واحدة».

بكين ترى أن «توافق 1992» أساس للحفاظ على السلام والاستقرار والتفاعل الإيجابي للعلاقات بين جانبي المضيق، ومفتاح لضمان التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي المضيق. وفي يناير (كانون الثاني) 2019 ، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ دعوة في مؤتمر احتفالي بمناسبة إحياء الذكرى السنوية الأربعين لإصدار «رسالة إلى أبناء الوطن في تايوان» بأن ترشح مختلف الأحزاب السياسية وكل القطاعات على جانبي المضيق ممثلين لإجراء مشاورات ديمقراطية شاملة ومعمقة، ترتكز على الأساس السياسي المشترك بشأن دعم «توافق 1992» ومعارضة «استقلال تايوان»، سعياً إلى الوصول إلى الترتيب المؤسسي حول دفع التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي المضيق.

الرئيس الصيني شي جينبينغ (آ ب)

المضمون الرئيس

المضمون الرئيس لـ«دولة واحدة ونظامين» هو ما يلي...

- تحت مقدمة «الصين الواحدة»، يتمسك النظام الرئيس للدولة بالنظام الاشتراكي، وتكون هونغ كونغ وماكاو وتايوان أجزاء لا تتجزأ من جمهورية الصين الشعبية، وتبقي على تطبيق النظام الرأسمالي لفترة طويلة، ولن يتغير ذلك باعتبارها مناطق إدارية خاصة.

- لا يمكن لأحد إلا جمهورية الصين الشعبية أن يمثل الصين في المجتمع الدولي، وإن البرنامج الشامل الأساسي المتمثل في التمسك بـ«دولة واحدة ونظامين» ودفع «إعادة توحيد الوطن الأم»، أجاب على موضوع العصر، المتمثل في دفع التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي مضيق تايوان، والاتحاد مع المواطنين في تايوان، بالسعي بجهود مشتركة وراء النهضة العظيمة للأمة والتوحيد السلمي للوطن الأم. وبالطبع، لن يكون تطبيق «دولة واحدة ونظامين» يسيراً باعتباره قضية غير مسبوقة، ويحتاج إلى الاستمرار في التطبيق.

أسّس هذا النظام في هونغ كونغ وماكاو لاستخدامه كعرض لإغراء التايوانيين بالعودة إلى البرّ الصيني، ورسالة واضحة إلى دول العالم، فحواها أن إعادة توحيد البر الصيني مع تايوان «لن تضرّ بمصالح الدول الأخرى، بما في ذلك مصالحها الاقتصادية في الجزيرة»، وهذا ما أكد عليه الكتاب الأبيض، كما تتعهد بكين بـ«الحفاظ على الحكم الذاتي العالي لتايوان، وحماية الحقوق والمصالح المشروعة لشعبها».

أيضاً، نصّ الكتاب الأبيض على أن تايوان بعد إعادة توحيدها مع الصين، يمكن لجميع الدول المهتمة الاستمرار في تطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية مع تايوان. وبموافقة الحكومة المركزية الصينية، ستكون الدول الأجنبية قادرة على فتح مكاتبها القنصلية، وكذلك غيرها من المسؤولين أو المؤسسات شبه الرسمية في الجزيرة، والمنظمات والمؤسسات الدولية ستكون قادرة على فتح مكاتب في تايوان.

وذكر الكتاب أن مستوى التنمية الاقتصادية لتايوان مع الصناعة المتقدمة والتجارة الخارجية مرتفع نسبياً بالفعل. وبعد إعادة توحيد آلية التعاون الاقتصادي بين جانبي مضيق تايوان سيصبح أكثر اكتمالاً، وسيكون الاقتصاد التايواني قادراً على التطور بصورة أكثر نشاطاً مع الوصول غير المحدود إلى سوق البر الصيني الرئيس، بسلاسل إنتاج وتوريد مستقرة.

وما يلفت في الكتاب أيضاً أنه يركّز على حقبة ما بعد إعادة التوحيد المنشودة، مُعدّداً بالأرقام، كيف ستخدم هذه العملية تايوان بشكل خاص، و«المجتمع الدولي» بشكل عام، إذ يقول: «كان حجم التجارة عبر المضيق يبلغ 46 مليون دولار فقط عام 1978، لكنه ارتفع إلى 328.34 مليار دولار عام 2021، أي 7 آلاف أضعاف. وأشار كذلك إلى أن البرّ الصيني شكّل أكبر سوق تصدير لتايوان على مدار السنوات الـ21 الماضية، ما أدّى إلى تحقيق فائض سنوي كبير للجزيرة. ثم إنه مثّل الوجهة الأولى للاستثمارات الخارجية لتايوان. فبحلول نهاية عام 2021، استثمرت الشركات التايوانية في 124 ألف مشروع في الصين، بقيمة إجمالية قدرها 71.34 مليار دولار أميركي. وتابع أن تنمية الصين وتَقدّمها، ولا سيما الصعود المطّرد لقوّتها الاقتصادية والتكنولوجية وقدراتها الدفاعية الوطنية، توفّر مساحة واسعة وفرصاً كبيرة للتبادل والتعاون عبر المضيق، وتخدم مصلحة سكّان تايوان. أضف إلى ذلك إمكانية تكثيف التبادلات والتفاعل والتكامل عبر المضائق في جميع القطاعات، وتعميق الروابط الاقتصادية والشخصية بين السكّان من كلا الجانبين، وغيرها من المنافع. وحول هذه النقطة، يقول عبد العزيز الشعباني، الباحث بمركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية: «إن تحقيق إعادة التوحيد السلمي عبر المضيق نعمة، ليس للأمة الصينية وللشعب الصيني فقط، بل للمجتمع الدولي والشعوب في جميع أنحاء العالم كذلك، وهي نتيجة يتطلع المجتمع الدولي لأن يراها».

جانب من العاصمة التايوانية تايبيه (أ ف ب/غيتي)

الهدف الاستراتيجي... تحقيق حلم الصين العظيم

> أعربت وزارة الخارجية التايوانية، في بيان، عن «استيائها الشديد وإدانتها» للتصريحات التي أدلت بها بكين، عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في تايوان. في حين ينتظر أن يعمل الرئيس الجديد لاي تشينغ تي خلال ولايته الرئاسية على تعزيز وتوثيق علاقات تايوان مع الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان بصورة أساسية.ومن جهة أخرى، أفضت انتخابات 2024 العامة في تايوان إلى جملة من التغيرات اللافتة، سواء ما يتعلق باتجاهات التصويت، أو التركيبة المختلفة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، أو المعادلة الحزبية الجديدة التي تشكلت وما نتج عنها من تشرذم أصوات الناخبين. لا شك أن فوز لاي شكّل إزعاجاً لبكين، ولذا فإن السنوات المقبلة قد تشهد مستويات غير مسبوقة من التوتر بين الجانبين، إذ تتجه بكين نحو ممارسة كل أشكال الضغوط على تايوان، سواء الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفي المقابل، يمثل فرصاً لبكين للتأثير على الجزيرة من دون اللجوء إلى القوة. وعليه تسعى بكين إلى استغلال ما أفرزته الانتخابات لبناء روابط أعمق مع الجزيرة من خلال هذه القنوات، خصوصاً من خلال محاولة تقليص المحور الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد على الاقتصاد الصيني الذي كان الحزب الديمقراطي التقدمي يسعى إليه ببعض النجاح على مدى السنوات الثماني الماضية. أيضاً يتوقع أن تحشد بكين قواها الدبلوماسية لوقف محاولات تايوان الحصول على الدعم على المستوى الدولي. هذا، وواصلت بكين التأكيد على أن نتائج الانتخابات لا تؤثر على جهودها لإعادة توحيد تايوان مع الصين، وأنها لن تتسامح مع النزعة الانفصالية. وعليه يُرجح أن يظل الحوار الرسمي عبر المضيق معلقاً، على الرغم من النشاط العسكري المتزايد، مع مواصلة بكين الاعتماد على وسطاء لفهم طريقة التفكير في العاصمة التايوانية تايبيه، مع إرسال بكين رسائل تحذير شديدة الوضوح «باتخاذ إجراء صارم» إلى تايبيه وواشنطن «في حال إقدام القوى الانفصالية المؤيدة لاستقلال تايوان، أو قوى التدخل الخارجية على استفزاز أو استخدام القوة حتى تجاوز الخط الأحمر». هذا يعني دفع بكين إلى تبني استراتيجية جديدة تقوم على تسريع وتيرة استعادة تايوان عبر الضغط العسكري ثم الضغط الدبلوماسي. ودفع بكين أيضاً إلى تقليص المدة الزمنية بـ10 سنوات كاملة، إذ قد تقدم على ضمّ الجزيرة في 2030، أي خلال 8 سنوات، بدل نهاية العقد المقبل.


مقالات ذات صلة

تايوان ترصد سفناً وطائرات عسكرية صينية حول أراضيها

آسيا سفن شحن وسفن أخرى في ميناء كاوهسيونغ التايواني في 23 مارس 2026 (رويترز)

تايوان ترصد سفناً وطائرات عسكرية صينية حول أراضيها

رصدت وزارة الدفاع الوطني التايوانية 10 سفن حربية و6 طائرات عسكرية وسفينتين رسميتين تابعة للصين حول تايوان.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
الولايات المتحدة​ (من اليسار) المدمرة الصينية تانغشان وسفينة البحرية الإيرانية آيريس مكران 441 وسفينة الإمداد الصينية تايهو في ميناء سيمونز تاون (أ.ف.ب)

واشنطن تتهم بكين باحتجاز سفن ترفع علم بنما

اتهمت الولايات المتحدة الصين بأنها تحتجز في موانيها سفناً ترفع علم بنما، وذلك عقب استحواذ الأخيرة على ميناءين كانا بإدارة شركة صينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رقائق أشباه الموصلات على لوحة دوائر إلكترونية بحاسوب آلي في صورة توضيحية (رويترز)

مسؤولان أميركيان: أكبر شركة صينية لتصنيع الرقائق زودت إيران بمعدات

قال مسؤولان ‌كبيران في الإدارة الأميركية إن «سي إم آي سي»، أكبر شركة لتصنيع الرقائق الإلكترونية في الصين، أرسلت معدات لتصنيع الرقائق إلى الجيش الإيراني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

أعلن البيت الأبيض، اليوم (الأربعاء)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيزور الصين في زيارة دولة يومي 14 و15 مايو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان  (أ.ف.ب)

وزير الخارجية التركي ونظيره الصيني يبحثان جهود إنهاء حرب إيران

كشف مصدر ​دبلوماسي تركي اليوم الأربعاء أن وزير الخارجية ‌هاكان ‌فيدان ​ناقش ‌الحرب ⁠على ​إيران وجهود إنهاء ⁠الصراع خلال اتصال هاتفي مع ⁠نظيره ‌الصيني وانغ ‌يي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».


فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
TT

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي. وجاءت هذه الانتخابات في سياق استثنائي بامتياز؛ إذ إنها تسبق بسنة واحدة الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، وهو ما يجعلها في نظر كثرة من المحللين، اختباراً سياسياً مبكراً لصحة التوازنات بين القوى المتنافسة. نسبة الاقتراع النهائية في الدورة الثانية بلغت نحو 57 في المائة، وفق تقديرات مؤسسات الرصد، في حين لم تتجاوز 41.6 في المائة، في اقتراع 2020. وإذا كانت جائحة «كوفيد - 19» قد أثرت سلباً على نتائج 2020، فالمقارنة الأعمق تبقى مع عام 2014 حين ناهزت المشاركة نسبة 62 في المائة. ويرى الباحث مارسيال فوكو، أستاذ العلوم السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس (سيانس بو) والمدير المشارك لمركز الدراسات السياسية (سيفيبوف) أن هذا الارتداد لا يعني تجاوز الأزمة الديمقراطية، بل يكشف عن توظيف مكثف للمشاركة حين يستشعر الناخبون وجود رهانات حقيقية.

خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي، إجمالاً من هذا الاستحقاق معززاً بقوة أكبر بعد نجاحه في الحفاظ على أهم مراكزه الحضرية الكبرى. ففي العاصمة باريس – التي هي التتويج الأكثر رمزية - حقق إيمانويل غريغوار، المرشح الاشتراكي فوزاً مؤثراً بنسبة 50.52 متغلباً على المرشحة المحافظة وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي التي لم تُحصّل إلا 41.52 في المائة، وعلى مرشحة حزب «فرنسا الأبية» اليساري صوفيا شيكيرو. ولم تكن هذه النتيجة حاسمة فحسب، بل لافتة في دلالتها. إذ أعدت داتي حملتها الانتخابية على امتداد سنتين ونالت دعم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون شخصياً، فضلاً عن الوسط السياسي بمجمله. وعلّق على ذلك الباحث السياسي بول باكو، الأستاذ الفخري في معهد العلوم السياسية في ليون قائلاً: «إن الهزيمة الأشد مفاجأة في هذه الانتخابات هي هزيمة داتي في باريس؛ إذ كانت كل الأسباب الموضوعية تصبّ في مصلحتها، غير أن المشكلة كانت شخصية بامتياز».

إلى جانب باريس، أحكم الاشتراكيون قبضتهم على مدن ليل، ورين، ونانت، وتولوز وستراسبورغ، في حين حافظ عمدة مرسيليا الاشتراكي بونوا بايان على مقعده بنسبة مريحة، بيد أن الاستراتيجيات التحالفية مع حزب «فرنسا الأبية»، تسببت في هزائم مؤلمة للحزب الاشتراكي. ولقد كتبت صحيفة «ليبيراسيون» معلّقة: «الإنجاز الثلاثي في أكبر مدن فرنسا يمثل خبراً بالغ الأهمية للاشتراكيين والخضر، غير أن الميزان الإجمالي لليسار بالغ التشتت؛ إذ خسر كثيرون من الاشتراكيين مدنهم بسبب تحالفهم مع فرنسا الأبية».

وفعلاً، تجلت هذه المعضلة بأجلى صورها في مدينة كليرمون فيران، التي ظلت معقلاً للاشتراكيين لأكثر من ثمانين سنة متواصلة، قبل أن تنتقل إلى حزب الجمهوريين المحافظ. كذلك سقطت مدن بيزانسون، وليموج، وتول وشيربور في أيدي اليمين.

عودة معزّزة للاشتراكيين في المدن الكبرى وتوسيع اليمين المتطرف قاعدته المحلية جنوباً

هزائم القوائم المشتركة بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية» أثارت في الواقع جدلاً داخلياً حاداً، لا سيما أن عمدتَي باريس ومرسيليا، اللذين رفضا تلك التحالفات أحرزا انتصارين مريحين، في حين أخفقت القوائم المدمجة.

من جانبه، انتقد رئيس الوزراء السابق فرنسوا هولاند هذه الاتحادات علناً، معتبراً إياها من بين العوامل الرئيسة التي أسهمت في الهزائم المتكررة.

الجمهوريون: انتعاش في الأقاليم وإخفاق في المدن الكبرى

في هذه الأثناء، رسم حزب الجمهوريين، ذو التوجه المحافظ الليبرالي، معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة. إذ قدّم أداءً متميزاً في المدن المتوسطة والعواصم الإقليمية مقابل خيبات مؤلمة في المدن الثلاث الكبرى. فقد استعاد الحزب مدناً متوسطة، مثل كليرمون فيران بعد الهيمنة اليسارية الطويلة عليها، وكذا مدن بيزانسون، وليموج وشيربورغ، فضلاً عن مدينة بوردو التي فاز فيها المرشح تومَا كازناف المنتمي إلى اليسار الوسطي. وبالنسبة للوسط، أُعيد انتخاب رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب عمدةً لمدينة لوهافر. وبالتالي، بدا رئيس الحزب الجمهوري برونو ريتاييو راضياً عن النتائج؛ إذ أعلن من مقر الحزب بباريس أننا الأولون، والأوفر عدداً في مجالس البلديات في كل فرنسا، هذه هي فرنسا التي لم تعد تُرى، فرنسا ذات المدن المتوسطة والأرياف». لكنه أضاف في اليوم التالي على قناة «فرنس 2» العمومية: «الفائزون الحقيقيون عام 2027 هم اليمين وحلفاؤه عندما نتوحد خلف مرشح واحد».

اليمين المتطرف:اختراق جديد مع سقف راسخ...

أما فيما يخص اليمين المتطرف، فقد تمسّك رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا بوصفه ليلة الإعلان عن النتائج بأنها «أكبر اختراق في تاريخ الحزب». وبالفعل، أكدت الأرقام التي نُشرت بعد ظهور النتائج اتساع الدائرة، فقد بات الحزب يتمثل بـ3121 عضواً بلدياً مقابل 827 عضواً فقط في 2020، كما أصبح يُدير نحو 63 بلدية مقارنةً بـ17 سابقاً، ويضاف إلى ذلك أُعيد انتخاب عمدة مدينة بيربينيان (جنوب فرنسا) لويس أليو بنسبة 51.4 في المائة من الدور الأول. كذلك، حافظ الحزب على معاقله التاريخية في أنان بومون، وفريجوس وبوكير. وكانت السمة الأبرز لهذا التمدد تتجلى في انتزاع الحزب مدناً جديدة خارج قلاعه التقليدية في الجنوب وشمال فرنسا. منها مدينة مونتارجي في منطقة لوارييه، التي كانت بيد اليمين المعتدل منذ عام 2001. كذلك في ليفان، وسان أفولد، وأمنيفيل، وكاستر، وبرنتارسون، وكارباَنترا وميَنتون والعديد من البلديات المتوسطة الأخرى. غير أن النتيجة الأكثر دلالة بالنسبة لليمين المتطرف، جاءت من مدينة نيس، خامس كبرى مدن فرنسا بـ355 ألف نسمة، حيث انتزع إيريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين للجمهورية» المتحالف مع «التجمع الوطني» الفوز بنسبة 48.54 في المائة، منهياً حكم كريستيان إيستروسي الذي امتد 18 سنة متواصلة.

مع هذا، فإن هذه الانتصارات لا تُخفي عن الناظر المدقّق سقفاً زجاجياً صلباً في المدن الكبرى. ففي تولون، خسر اليمين المتطرف بفارق لافت، وكذلك في مرسيليا، بل وأخفق في مدينة نيم أمام مرشح شيوعي!

الباحث الأكاديمي إيمانويل نيغرييه، من معهد سيانس بو- غرونوبل لخّص هذه المعادلة بقوله: «إن الأحياء الشعبية في المدن الكبرى لا تصوّت للتجمع الوطني إلا في حالات استثنائية قليلة؛ فسكان هذه الأحياء المهمّشون اجتماعياً واقتصادياً يلجأون إما إلى الامتناع أو إلى التصويت لصالح اليسار، وهذا يُفسّر الفجوة البنيوية بين أداء الحزب في الانتخابات الوطنية وأدائه في الحواضر الكبرى. ومع ذلك، يبقى الأثر الأبعد لهذه الانتخابات في تمكين الحزب من شبكة انتخابية واسعة تُؤهله للحصول على آلاف الموقّعين الضروريين للترشح في انتخابات الرئاسية 2027، وهي عقبة إجرائية لطالما أثقلت كاهله، فضلاً عن تقوية وجوده في مجلس الشيوخ الذي ستجدد عضويته في سبتمبر (أيلول) 2027».

«فرنسا الأبية»: اختراق الضواحي

في المقابل، سجلت كتلة اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية» اختراقاً لافتاً في هذه الانتخابات، حيث انتزع الحزب بلدية سان-دوني (بضواحي باريس) في الدور الأول بنسبة 50.77 في المائة، متخطياً العمدة الاشتراكي الحالي ماتيو هانوتان الذي حصل على 33 في المائة، لتصبح أكبر بلدية تديرها «فرنسا الأبية» في منطقة الإيل-دو-فرانس بـ150 ألف نسمة.

الحزب اليساري انتزع أيضاً مدينة روبيه، الشمالية قرب الحدود مع بلجيكا، في الدور الثاني على يد دافيد غيرار، فضلاً عن مدن مثل فينيسيو وكريي وبلديات عدة، وتأهّل للدور الثاني في 96 بلدية على امتداد فرنسا. بيد أن هذا الأداء يستوجب قراءةً نقدية. فكما أشار الباحثان نوي فريدمان وفرنسوا كروس في تقرير مؤسسة «جان جوريس»، فإن الخطاب الإعلامي حول «صعود فرنسا الأبية» يحتاج إلى تنسيب دقيق. ذلك أن الحزب الذي حصد أكثر من سبعة ملايين صوت في رئاسيات 2022 لم يُحصّل في هذه البلديات إلا نحو 650 ألف صوت. ثم أن تمدده كان مركّزاًً جغرافياً في الضواحي الشعبية لمدن باريس الكبرى وضواحيها ولا يعكس بالضرورة الجغرافيا الفرنسية الشاملة، لكن السياسي رومي ليفيفر يرى أن زعيم الحزب ميلانشون يبقى أفضل مرشح يساري في الدور الأول للرئاسية المقبلة بفضل استراتيجية القاعدة الاجتماعية المتجانسة.

أجيال الهجرة: قوة انتخابية في طور البناء

انتخابات 2026 المحلية أيضاً كشفت عن تحوّل ناعم، لكنه عميق في بنية الناخبين الفرنسيين المنحدرين من الهجرة. ولعل السمّة الأبرز لهذا التقدم هي الإطار البشري، حيث تقدمت الأحزاب وبالأخص «فرنسا الأبية» بلوائح تزخر بوجوه من أصول مهاجرة، مُجسِّدة ما يسمّيه جان-لوك ميلانشون بـ«فرنسا الجديدة».

ففي بلدية سان-دوني، قاد بالي باغاياكو، المنحدر من عائلة أفريقية مسلمة، قائمة الفوز الأولى. وفي ضاحية لا كورنوف، الواقعة شمال باريس، انتزع علي ديواره الجزائري الأصل مقعد الفوز، وفي اللائحة الإجمالية حققت أجيال الهجرة الفوز في تسع بلديات.

هذه الوجوه لم تعد مجرد استثناء رمزي، بل صارت بمثابة قناة تمثيل سياسي لشرائح كانت محصورة طويلاً بين دور «الناخب» الغاضب أو الممتنع عن التصويت، ودور «المستهدف» بخطاب أمني أو ثقافوي.

وإذا كان الحضور الميداني اللافت لأسماء ذات أصول مغاربية وأفريقية يمثّل خطوة رمزية في اتجاه الانتماء المدني، فإن التحدي الأعمق يبقى في تحوّل هذا التمثيل إلى مشاركة انتخابية موسّعة تتجاوز الأسماء، علماً أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالمفارقات؛ إذ إن إدماج هذه الأجيال في الاستحقاقات البلدية يجري في سياق وطني مطبوع بخطابات قوية ضد الهجرة وضد الأحياء الشعبية؛ ما يجعل المكاسب المحققة هشّة وقابلة للارتداد.

تراجع «الخضر»...

ولكن، إذا كانت انتخابات 2020 قد شكّلت لحظة انتشار «خضراء» استثنائية في التاريخ السياسي الفرنسي، حين استعاد البيئيون مدناً كبرى مثل ليون وبوردو وستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، فإن موجة 2026 جاءت لتكسر هذا الزخم بشكل صريح.

إذ خسر «الخضر» مدينة بوردو المهمة، وتراجعوا في ستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، ولم يُبقوا من انتصارات 2020 الكبرى إلا مدينة ليون. وتفسير هذه النكسة قد يعود للبرامج البيئية التي باتت تُدرَج في خطابات كل الأحزاب الرئيسة، سواء من اليمين أو الوسط أو اليسار التقليدي؛ ما أفقد «الخضر» ميزتهم الخاصة. وفضلاً عن ذلك، أبدت شرائح واسعة من الناخبين قلقاً متصاعداً من تكاليف التحولات البيئية، التي غالباً ما تترجم بارتفاع في نسبة الضرائب. إذ جاء في تحليل لصحيفة «لوبينيون» قبل أيام ما يليك «الخلاصة التي يجب استيعابها قبل 2027 هي أن الوعود بمجتمع يحترم البيئة لم تعد تثير أحلام الفرنسيين...».

الوسط والماكرونيون... أداء متباينوأخيراً، فيما يتعلق بالحزبين حاملي المشروع الرئاسي، «رينيسانس» (البعث) و«أوريزون» (الأفق) فإنهما حققا أداءً متبايناً يصعب تصنيفه بدقة. فمن جهة، احتفظت الكتلة الوسطية بست مدن كبرى مقارنةً بخمس في 2020، بما فيها انتزاع بوردو من «الخضر»... ومن جهة أخرى، خسرت في نيس، حيث هزم العمدة كريستيان إيستروسي المنتمي إلى «أوريزون» في صّد تحالف اليمين المتطرف. وطبعاً، ارتدت رياح باريس، حيث لم تُفضِِ المراهنة الرئاسية الكبيرة على رشيدة داتي إلى نتيجة إيجابية. وهكذا، في خطابه المُوجَّه إلى العمداء الجدد، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: «صناديق الاقتراع لم تُتوج أحداً»، في دلالة سياسية واضحة مفادها أن الانتخابات لم تسفر عن فائز واضح ومهيمن على الساحة السياسية. ومن جانبها، عبّرت الوزيرة والناطقة باسم الحكومة مود بريجون عن قلقٍ مُضمَر، مشيرةً إلى أن «ثمة مساراً من الإعادة اليومية» يُخيّم على السياسة الفرنسية.

دروس وعِبر من الانتخابات المحلية الفرنسية

> على صعيد الدروس والعبر المستقاة من الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، يتمثل الدرس الأول والأبرز في تعمّق الشق بين فرنسا الحضرية الكبرى وفرنسا الإقليمية والمدن المتوسطة. إذ إن المدن الكبرى بقيت في معظمها تحت سيطرة اليسار و«الخضر» في حين دبّت الروح من جديد في عروق اليمين الجمهوري وتوطّد الحضور الشعبوي في فرنسا الداخلية. وحقاً، رصد الباحثان يوسف سويدي وتومَا فوندرشير في الكتاب الصادر حديثاً «جغرافيا انتخابية جديدة لفرنسا» (دار تيكستيل) هذه الانقسامات الدقيقة في نحو سبعين ألف مكتب اقتراع، مستنتجَين أن المعادلة التي تُقابل بين المدن الحضرية والأرياف الشعبوية أصبحت هي نفسها في حاجة إلى مراجعة. أما الدرس الثاني فيتمحور حول وجود شكّ حقيقي في فاعلية الائتلافات اليسارية. ذلك أنه في عدد من المدن، خسرت القوائم اليسارية الموحّدة التي ضمّت الاشتراكيين وراديكاليي «فرنسا الأبية»، بينما انتصرت في باريس ومرسيليا القوى الاشتراكية التي رفضت الاندماج مع الراديكاليين. وهذا التناقض يُغذّي نقاشاً شائكاً حول جدوى «التحالف الأقصى» في مواجهة يمين وسطي وشعبوي متنامٍ، ويضع الحزب الاشتراكي أمام خيار استراتيجي حادّ خلال الأشهر المقبلة. وأمّا الدرس الثالث، فهو ما يمكن تسميته «التطبيع المحلي لليمين المتطرف». إذ بفضل أكثر من ثلاثة آلاف عضو مجلس بلدي، بات لليمين المتطرف، ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، بنية تحتية انتخابية حقيقية، تتيح له ممارسة ضغط على مسار انتخابات الشيوخ، وتسهل الحصول على التزكيات الضرورية للرئاسيات. ويرى الباحث جيل إيفالدي، المتخصص في اليمين الأوروبي، أن «التجمع الوطني» يمتلك الآن من القوى الحية ما يُتيح له تشكيل مجموعة برلمانية في مجلس الشيوخ. ومقابل ذلك، عكس تراجع «الخضر» تحولاً في سُلّم أولويات الناخبين الفرنسيين. فبعد سنوات الوباء والتضخم وأزمات الطاقة والإحساس بالتراجع في معايير المعيشة، يبدو أن خطاب التحوّل البيئي الطويل الأمد بات أقل إلحاحاً لدى شرائح واسعة من الناخبين، أو على الأقل لم يعد حكراً على حزب بعينه.