ظلال ثقيلة لحرب غزة على الداخل العراقي

وسط فشل ضبط قواعد الاشتباك بين واشنطن والفصائل المسلّحة

قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
TT

ظلال ثقيلة لحرب غزة على الداخل العراقي

قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)

لم تصمد المساعي التي بذلها رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني في ضبط قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة والفصائل العراقية المسلّحة التي تُواصل قصف القواعد والمنشآت التي تتمركز فيها قوات مسلّحة أميركية في كل من العراق وسوريا. وفي حين يسعى السوداني إلى أن يجعل من العام الجديد (2024) «عام منجزات»، كما وعد العراقيين، وسط وفرة مالية عبر موازنة ثلاثية نجح في تمريرها داخل البرلمان - وهذا أمر يحصل للمرة الأولى - فإن التحديات التي بدأت تفرضها تداعيات «حرب غزة»، وتفاعل عدد من الفصائل العراقية المسلَّحة القريبة من إيران معها، أخذت تُلقي بظلالها على الداخل العراقي، وسط انقسام سياسي ومجتمعي في كيفية التعامل معها.

كان رئيس الوزراء العراقي، محمد شيّاع السوداني، قد سقف تحدّيه للفصائل المسلّحة التي استهدفت، الشهر الماضي، مقر السفارة الأميركية في بغداد. فيومذاك وصف ما فعلته تلك الفصائل، التي باتت معروفة وتعلن صراحةً ما تقوم به، بأنه «عمل إرهابي». وحقّاً، حاز هذا الوصف رضا واشنطن، وفي المقابل لم يلقَ ممانعة في الداخل، بما في ذلك قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي التي يحسبها البعض على طهران.

إلا أنه في النهاية لم يؤدِّ إلى منع تلك الفصائل من مواصلة استهداف القواعد؛ حيث تتمركز القوات الأميركية بصفة «مستشارين» - مثلما تقول الحكومة العراقية - في قاعدتيْ عين الأسد بمحافظة الأنبار، وحرير بمحافظة أربيل، ولا إلى قدرة الحكومة على اعتقال العناصر التي تعلن دائماً، وطبقاً للبيانات الرسمية، أنها ستقدّمهم إلى العدالة.

الجانب الوحيد الذي التزمت به تلك الفصائل هو تجنّبها توجيه ضربات أخرى إلى مجمع السفارة الأميركية، وهو ما يعني أنها، طبقاً لتصريحات صدرت عن بعض قيادات الفصائل، ستحترم رؤية الدولة بشأن حماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية، بما فيها السفارة الأميركية. بيد أن نوبات القصف للمواقع والمنشآت الأميركية، التي أدت إلى وقوع إصابات في صفوف العسكريين الأميركيين داخل مواقع استهدفتها تلك الفصائل على الحدود العراقية السورية أدّت إلى ردّ فعل أميركي لم يكن متوقّعاً إلى حد كبير، إذ جاء الرد عبر استهداف مقر لقوات «الحشد الشعبي» نتج عنه وقوع قتلى وجرحى عراقيين.

ما يستحق الذكر أن رئيس الوزراء العراقي كان قد أخذ موافقة قوى «الإطار التنسيقي» إزاء كيفية التعامل مع عناصر يُطلق عليها أحياناً مسمى «خارجين على القانون»، وأحياناً أخرى مسمى «إرهابيين». إلا أن الوصف الأخير بات يطلَق للمرة الأولى على فصائل لها عناوين واضحة وتعتبر نفسها «فصائل مقاومة»، الأمر الذي يعكس طبيعة الانقسام داخل قوى «الإطار التنسيقي» التي تسيطر على الحكم الآن؛ كون محمد شيّاع السوداني ينتمي إليها.

في هذا الصدد، فإن رؤية السوداني، سواءً لجهة طريقة إدارة الدولة في الداخل أم على صعيد التعامل مع ملفّات الخارج، بدأت تختلف عما يراه عدد من قادة قوى «الإطار التنسيقي». لكن إقدام القوات الأميركية على ضرب مقرّ لـ«الحشد الشعبي» في منطقة جرف الصخر، جنوب بغداد، كان «المتغير» الذي أدى إلى إحداث خلل بموازين العلاقة بين بغداد وواشنطن. وهنا نشير إلى أن الأخيرة كانت قد أعربت عن رضاها على خطوات السوداني حيال استهداف السفارة الأميركية من قِبل الفصائل المسلّحة، بما في ذلك إطلاقه وصف «العمل الإرهابي» على ما حدث.

من جهة ثانية، صحيح أن الحكومة العراقية أدانت عملية جرف الصخر، لكن الإدانة ظلّت دون مستوى تقديم احتجاج، كما علّقت أطراف عراقية مناوئة للوجود الأميركي في العراق. ثم إن «اللغة الدبلوماسية» التي كُتب بها البيان، توحي وكأن هذه الحكومة تسير على «حبل مشدود» بين واشنطن من جهة، والفصائل المسلَّحة من جهة أخرى، ولا سيما في ظل التأكيد الدائم للحكومة العراقية بحاجتها إلى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ناهيك عن التمسك بـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي» الموقَّعة بين بغداد وواشنطن عام 2009. وبالفعل، فإن البيان الحكومي يقول: «نُدين بشدة الهجوم الذي استهدف منطقة جُرف الصخر، الذي جرى دون علم الجهات الحكومية العراقية؛ ما يُعدّ انتهاكاً واضحاً للسيادة، ومحاولة للإخلال بالوضع الأمني الداخلي المستقر، فالحكومة العراقية هي المعنية حصراً بتنفيذ القانون، ومحاسبة المخالفين».

«رسالتا احتجاج وطمأنة»هذا يعني أن الهجوم شُنّ دون علم الحكومة العراقية، وبدا، من ناحية، كما لو كان «رسالة احتجاج» موجهة إلى واشنطن، لإحجامها عن التنسيق مع بغداد، رغم أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي تُلزمها بذلك، ومن ناحية ثانية بدا بمثابة «رسالة طمأنة» للفصائل المسلَّحة بأن الحكومة لم تعطِ واشنطن «الضوء الأخضر» بأي شكل من الأشكال، وهو ما عدّته انتهاكاً للسيادة.

ليس هذا فحسب، بل إن البيان الحكومي كرّر الترحيب بالتحالف الدولي، عندما نصّ على أن «وجود التحالف الدولي في العراق هو وجود داعم لعمل قواتنا المسلّحة عبر مسارات التدريب والتأهيل وتقديم الاستشارة، وأن ما جرى يُعدّ تجاوزاً واضحاً للمهمة التي توجد من أجلها عناصر التحالف الدولي لمحاربة (داعش) على الأراضي العراقية؛ لذلك فإنها مدعوّة إلى عدم التصرف بشكل منفرد، وأن تلتزم سيادة العراق التي لا تهاون إزاء خرقها بأي شكل كان».

مجمع السفارة الأميركية في بغداد (آ ف ب / غيتي)

ومع هذا، حسم رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني، بخلاف كل رؤساء الوزراء العراقيين السابقين، العلاقة الملتبسة بين الدولة والفصائل المسلَّحة، التي دأبت طوال السنوات الماضية، على استهداف المصالح الأميركية في العراق، إذ إن هذه الفصائل، التي تربط غالبيتها علاقات تحالفية مع إيران، ركّزت هجماتها على القواعد؛ حيث الوجود العسكري الأميركي في البلاد، كقاعدتيْ عين الأسد وحرير، بجانب مقر السفارة الأميركية، من منطلق رفضها بقاء القوات الأميركية في العراق. غير أن تلك الهجمات تكرّرت، طوال السنوات الماضية، وارتفعت وتيرتها على عهد حكومة رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي، ولم تتبنَّ أية جهة المسؤولية عن تنفيذها.

«عملية المطار»

ثم إن الحكومة العراقية نفسها، حينذاك، ما كانت تجرؤ لا على تحديد هوية تلك الفصائل، ولا إطلاق أوصاف تتجاوز وصف «الخارجين عن القانون»، في بيانات الإدانة. وكانت في الغالب تكتفي بالقول إنها تمكنت من العثور على منصات إطلاق الصواريخ. وفي حين كان الكاظمي يعلن الاتفاق مع الأميركيين على جدولة انسحابهم من العراق، والقول إن ما سيبقى منهم لن يزيد على نحو 2000 مستشار تحتاج إليهم الحكومة العراقية بموجب «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» - التي كان العراق قد وقّعها مع الولايات المتحدة عام 2009 على عهد حكومة نوري المالكي - فإن الفصائل كانت تهاجم الكاظمي بشدة، وثمة مَن اتهمه بأنه هو من سهّل «عملية المطار»، التي وقعت يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2020 أيام كان رئيساً لجهاز المخابرات خلال فترة تصريف الأعمال لحكومة عادل عبد المهدي. وكما هو معروف، نفّذت في تلك العملية طائرة حربية أميركية ضربة، بالقرب من مطار بغداد الدولي، أدت إلى مقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» العراقي، وأدت، من ثم، إلى تصعيد غير مسبوق، سواء في الهجمات أم المواقف السياسية. وحقّاً، خلال ثلاثة أيام من العملية، أصدر البرلمان العراقي قراراً غير مُلزِم للحكومة العراقية بإخراج الأميركيين من العراق، لكن هذا القرار تَحوّل إلى شمّاعة تُعلّق عليه القوى السياسية المناوئة للوجود الأميركي كل خلافاتها مع الحكومة التي كان يرأسها مصطفى الكاظمي في الشهر الخامس من عام 2020.

وبينما ازدادت الهجمات، ومعها تعقيد العلاقة مع الكاظمي، إلى حد تنفيذ بعض الفصائل ضربة على منزله بهدف اغتياله، فإن التداعيات اللاحقة فاقمت تعقيدات الموقف حتى ظهور نتائج الانتخابات التي أُجريت أواخر عام 2021، ونتج عنها إخراج الكاظمي ومطاردته مع فريقه، والمجيء بحكومة شكّلتها قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي التي رشحت السوداني لرئاستها.لا حياد مع الدولةعلى صعيد آخر، بعد اندلاع حرب غزة، يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أعلنت فصائل عراقية أطلقت على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»؛ من بينها حركة «النجباء»، و«كتائب حزب الله» العراقي، أنها قرّرت استهداف المواقع والأهداف الأميركية، سواءً في العراق أم سوريا، من منطلق أن واشنطن تقف بالكامل خلف إسرائيل في حربها ضد غزة وحركة «حماس»، وأيضاً أعلنت بشكل واضح أنها جزء من «وحدة الساحات» في مواجهة إسرائيل.

إقدام القوات الأميركية على ضرب مقرّ لـ«الحشد الشعبي» في منطقة جرف الصخر كان «المتغير» الذي أدى إلى إحداث خلل في موازين العلاقة بين بغداد وواشنطن

في الداخل العراقي، على صعيد القوى الرئيسة التي شكّلت الحكومة الحالية؛ وهي قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، بدا أن الأمر أضحى مُحرجاً لجهة كون بعض قوى «الإطار التنسيقي» جزءاً من الحكومة، مثلما لبعضها تمثيل برلماني، وإن كانت تَعتبر نفسها جزءاً من محور «المقاومة». ومع كشف الفصائل، التي باتت تستهدف القوات الأميركية في العراق أو السفارة الأميركية، عن اسمها الصريح، غدا واضحاً أن القوى الأخرى التي هي جزء من «الإطار التنسيقي» الذي يقود الحكومة، وفي الوقت عينه تَعدُّ نفسها جزءاً من المقاومة، صارت تشعر بالحرج لجهة كيفية التوفيق بين مسارين لا يلتقيان. فالحكومة العراقية، وعلى لسان رئيسها، أعلنت موقفاً رسمياً واضحاً حيال حرب غزة تَعدُّه القوى السياسية المؤيدة لرئيس الوزراء موقفاً قوياً. ومع استمرار الحكومة في هذا الموقف، صار استهداف الفصائل المسلَّحة المصالح الأميركية - وبأسمائها الصريحة – واقعاً محرجاً للحكومة نفسها ولداعميها من داخل «الإطار التنسيقي»، وذلك لجهة الفصل بين ضرورة احترام سيادة الدولة، وبين البعد العاطفي في سياق الحرب على غزة وما تفرضه من سياقات دعم.

وفي محاولة من رئيس الوزراء لعقد تسوية مع الأطراف المسلَّحة عن طريق القوى التي تصنِّف نفسها بأنها «مقاومة» مثلها، لكنها جزء من الحكومة للتخفيف من استهداف القواعد العراقية التي تضم قوات التحالف الدولي، أدى استمرار الضربات إلى تصاعد الرفض الرسمي لعمليات الاستهداف، وإن كان من دون أن يبلغ مدًى يمكن أن تترتب عليه مواقف سياسية حادّة. لكن استهداف السفارة الأميركية في قلب بغداد كان «القشّة التي قصمت ظهر بعير» العلاقة بين الحكومة وتلك الفصائل.

ففي بيان حكومي يُعدّ الأقوى لجهة التوصيف، أطلق محمد شيّاع السوداني وصف «عمل إرهابي» على ما فعلته الفصائل باستهدافها السفارة الأميركية. إلا أن هذا الوصف بقدر ما أدى إلى مزيد من المواقف المحرِجة داخل تلك الفصائل، كان محل قبول من قِبل الأميركيين الذين بدا أنهم كانوا ينتظرون مثل هذه الخطوة، وبالأخص، أنهم كانوا يلامون عراقياً لجهة إدراجهم بعض هذه الفصائل في خانة «الإرهاب». ولهذا فإن هذا التوصيف، وخصوصاً أنه جاء على لسان الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلّحة، له دلالاته العميقة.

السوداني لم يكتف بذلك، بل أخذ موافقة قوى «الإطار التنسيقي» التي اجتمع معها ليلة الحادث، لكي تعلن دعمها إياه في سياق حماية البعثات الأجنبية في البلاد. وعلى صعيد هذا التوصيف بدا أن قواعد الاشتباك اختلفت بين الفصائل المسلّحة وواشنطن التي سعى رئيس الوزراء إلى ضبط إيقاعها قدر الإمكان. ومع أن العلاقة ظلت طبيعية بين السوداني والفصائل المسلّحة، من منطلق أنها قريبة من الحكومة - ما أدى إلى حصول هدنة طويلة امتدت لسنة تقريباً - فإن تكثيف العمليات العسكرية في سياق حرب غزة، وتصاعد عمليات الاستهداف للمصالح الأميركية في العراق، أنهيا الهدنة بين الطرفين.

 

محمد شيّاع السوداني (آ ف ب)

هل سيكون 2024 «عام المنجزات» في العراق؟

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني، في إطار برنامجه الحكومي، الذي بدا شاملاً وطَموحاً، مع مطلع العام الجديد، أن هذا العام سيكون «عام المنجزات».السوداني كتب، في سياق تهئنته للعراقيين بمناسبة دخول العام الجديد: «ندخل عاماً جديداً نحمل فيه تطلعات شعبنا، ونعقد الأمل والعزيمة، ونجدد الإصرار على أن يكون عاماً مفعماً بالتقدّم والعمل والعطاء، والمُضيّ بما التزمت به الحكومة في برنامجها وأولوياته التنفيذية، بأنها حكومة خدمات وإصلاح وتحقيق المتطلبات والاحتياجات، التي تلاقي تطلعات المواطنين في كل مكان من هذا الوطن الغالي». وتابع: «عامنا الجديد سيكون (عام الإنجازات) بإذن الله تعالى، سيكون عام تحويل الخُطط إلى واقع عمل، وقطف ثمار الجهد وحصاده، بما يلبّي طموح مواطنينا في كلّ مكان. حفظ الله العراق عزيزاً قوياً مُعافى». وفعلاً، في مارس (آذار) الماضي، أعلن السوداني أن 2023 سيكون «عام المشاريع». وتعهّد رئيس الوزراء، في كلمة له بمناسبة إطلاق الحزمة الأولى من المشاريع الخاصة بفك الاختناقات المرورية في العاصمة العراقية بغداد، خلال احتفالية أقامتها وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة، بأن «الحكومة وضعت أولويات الخدمات في مقدمة برنامجها، وبغداد اليوم بحاجة ماسّة إلى مشاريع خِدمية». وأردف أن «اليوم كل موظف بحاجة إلى ساعتين للوصول إلى مكان عمله، بسبب الاختناقات المرورية... وعام 2023 سيكون عام المشاريع». السوداني أوضح أن «مشاريع المجسّرات تُعدّ ضرورية في العاصمة، وبغداد تستحق تنفيذ حلول دائمة لمسألة الزحامات المرورية»، مبيناً أن «المشاريع التي ستطلَق، اليوم، تحصل للمرة الأولى في بغداد». ومن ثم أضاف أن «الحلول موجودة رغم التأخير والمركز، وأطراف بغداد ستكون واحدة لسهولة التنقل... وهذه المشاريع لن تذهب مع المشاريع المتلكئة، وأي جهة تعرقل تنفيذ المشاريع فأنا موجود»، إلى أن قال: «هذه المشاريع تأتي التزاماً وإيفاءً بما وعدنا به شعبنا، وما سبق أن أدرجناه في البرنامج الحكومي، ضمن حزمة الخدمات التي هي جزء أساس من واجبنا واستحقاقات شعبنا».وطبقاً للمراقبين والمتابعين، فإن ما تحقَّق من منجزات، خلال السنة الأولى من عمر حكومة السوداني، ما كان يمكن أن يتحقق لولا الاستقرار السياسي الذي كان أحد العوامل المساعِدة للعمل. ففي خلال العام كله، وبخلاف الأعوام الماضية، لم تحدث إلا تظاهرات مطلبية بسيطة من قِبل الموظفين أو العاطلين عن العمل أو المفسوخة عقودهم. وحتى حين حاولت بعض القوى المدنية المعارِضة رفع سقف المعارضة والخروج إلى الشارع بتظاهرات، فإنها بسبب تغيب «التيار الصدري» عنها، لم تتمكن من حشد الأعداد المطلوبة التي كان يمكن أن تشكل خطراً تستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية في مواجهتها. «التيار الصدري»، على الرغم من زخمه الجماهيري الكبير، لم يتحرك في الشارع ضد الحكومة، مع أنه بقي رافضاً لها، فقد درج زعيم «التيار» مقتدى الصدر على إطلاق تسمية حكومة «بني العباس» عليها، في مقابل «العلويين» الذين يعلن أنه مَن يمثلهم. غير أنه مع دخول العام الجديد الذي يريده السوداني أن يكون «عام المنجزات»، تظل المخاوف قائمة إذا ما واصلت الفصائل المسلَّحة ضرب المواقع المرافقية والعسكرية الأميركية. كذلك هناك خشية من أن يأتي الرد الأميركي قوياً في المرات المقبلة. وما يزيد من وتيرة المخاوف أكثر هو الخشية من انخراط إسرائيل في المواجهة مع تلك الفصائل داخل العراق، ما يسبب إحراجاً كبيراً للحكومة، وللسوداني شخصياً، في ظل تركيبة سياسية غير متجانسة في ملفات عدة، رغم كونها تشكل ائتلافاً كبيراً داعماً للحكومة اسمه «ائتلاف إدارة الدولة».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».