حرب لبنان اقتربت... وتوقيتها رهن نتائج غزّة

على وقع التهديدات الإسرائيلية... ورغم تردّد إيران

جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
TT

حرب لبنان اقتربت... وتوقيتها رهن نتائج غزّة

جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)
جولة من القصف على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية (رويترز)

دخلت إسرائيل و«حزب الله» اللبناني في وضع اشتباك يومي مستمر، هو الأول من نوعه منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006. وعلى الرغم من هذا الوضع، لم تؤدِ الاختراقات التي تحصل - حتى الساعة - إلى مواجهة شاملة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. ويرى المتابعون والمحللون أن اشتعال الجبهة يبقى رهن تطوّرات معركة غزّة والنتائج التي ستخلص إليها. وحالياً، تتقاطع تقديرات على أن «سيناريو الحرب مع لبنان ما زال قائماً، بل ارتفعت حظوظه بعدما أعادت إسرائيل النظر في سياستها الدفاعية إثر عملية (طوفان الأقصى)، ورفضها العودة لإدارة الصراع وفق المعادلة التي كانت معتمدة قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

تخطّت إسرائيل خلال الأيام الماضية «الخطوط الحمراء» التي رسمها الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، وحذّر من أن تجاوزها سيشعل الجبهة على نطاق واسع، وأهمها تنفيذ عمليات خارج «قواعد الاشتباك» واستهداف مدنيين لبنانيين، والتقدّم العسكري في غزّة.

غير أن نصر الله لم ينفّذ تهديداته رغم الأثمان الباهظة وخسارته 75 من مقاتليه في الجنوب. وفي هذا الإطار، ثمة مَن يرى وجود عوامل تضغط على «حزب الله» كي لا يذهب بعيداً، منها أن إيران – كما يبدو – لا تريد فتح جبهة جديدة، قبل أن تتوضّح صورة الحرب في غزّة.

وهنا يرى النائب السابق علي درويش، المقرّب من رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، أن «اللقاءات والاتصالات التي أجراها رئيس الحكومة ميقاتي قبل القمّة العربية وخلالها حصّنت لبنان نسبياً من الانزلاق إلى الحرب، لكن لا ضمانات ثابتة لتحاشي الوقوع في المحظور».

ويؤكد درويش لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، أن رئيس الحكومة «ناقش خلال اللقاءات التي عقدها أخيراً مع قادة عرب ومسؤولين دوليين موقف لبنان الرسمي والشعبي، وأبلغ الجميع أنه لا مصلحة لأحد بتوسيع رقعة الصراع، لأن نتائجه ستكون كارثية على المنطقة، لكن ذلك لن يمنع لبنان من الدفاع عن نفسه بوجه الاعتداءات الإسرائيلية». وأشار، من ثم، إلى أن «الدول المعنية بما يحصل بدت متفهمة للموقف اللبناني، ولمطالبة الرئيس ميقاتي بلجم التهور الإسرائيلي... لكنها لم تقدم ضمانات دائمة».

ضربة استباقية

من ناحية ثانية، صحيح أن الخطابين، اللذين ألقاهما الأمين العام لـ«حزب الله» خلال الأسبوعين الماضيين، اتسما بنبرة هادئة، غير أنّهما لم يبددا القلق من إمكانية استمرار التصعيد في الجنوب، بما ينذر بتدحرج الأمور. ولا يستبعد الدكتور سامي نادر، مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» في بيروت، احتمال نشوب الحرب مع لبنان نتيجة الغليان العربي بسبب الكارثة الإنسانية التي تشهدها غزّة وارتفاع عدد الضحايا. ويوضح نادر لـ«الشرق الأوسط» أن «المقلق بالنسبة لنا يكمن في إعادة تقويم إسرائيل للموضوع الأمني والهلع الذي يعيشه سكان المستوطنات الشمالية والتأثيرات النفسية لعملية (طوفان الأقصى) عليهم، وكيف يتخيّل هؤلاء أن (حزب الله) سيدخل مناطقهم كما حصل في مستوطنات غلاف غزّة». وأردف نادر أن إسرائيل «دخلت مرحلة إعادة النظر بكل سياستها الدفاعية وعقيدتها الأمنية»، متوقفاً عند ما سرّب عن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت من «احتمال توجيه ضربة استباقية للبنان، غير أن التدخل الأميركي ما زال يلجم هذا الاحتمال حتى الآن».

المواجهة الكبرى

في هذه الأثناء، لا يكتفي المسؤولون الإسرائيليون بالتهديدات العسكرية، بل إنهم يمارسون حرباً نفسيّة ضدّ الشعب اللبناني. وبالفعل، تكاد لا تخلو تصريحات بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس الأركان من التلويح بضرب البنى التحتية اللبنانية وقصف العاصمة بيروت، إذا ما نفّذ «حزب الله» وعده بضرب تلّ أبيب ومواقع استراتيجية في العمق الإسرائيلي. وحول هذا الأمر، قال الدكتور رياض قهوجي، مدير «مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري» في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحاً أن «فرضية اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل ما زالت قوية جداً وقابلة للاشتعال بأي لحظة».

ويتابع قهوجي مشدداً على أنه «طالما هناك قصف يومي على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فإن احتمال وقوع الخطأ الذي يؤدي إلى الانزلاق نحو الحرب ومواجهة كبرى يبقى قائماً». ثم يستطرد: «لا يمكن أن تكون هناك عمليات قصف يومية ونتوقع أن تبقى الأمور تحت السيطرة».

وفق رأي قهوجي، فإن «(حزب الله)، ومثله إسرائيل، خرقا قواعد الاشتباك التي كانت سائدة منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006... وهذا يحصل عندما يجد أحدهما نفسه متألماً من ضربات العدو». كذلك لفت إلى أن «(حزب الله) وجّه ضربات قاسية لإسرائيل باستهدافه مواقعها المكشوفة، من واقع قدرته على مراقبة تحركات الجنود الإسرائيليين، وقتل عدد منهم، وهذا أمر موجع للإسرائيلي».

تثبت موازين القوى

في أي حال، «لن تكون مرحلة ما بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كما قبلها»، على حدّ تعبير بعض المتابعين لتطورات الحرب على جبهتي عزّة ولبنان. إذ إن الجيش الإسرائيلي، الذي تلقى الضربة الأقوى منذ تأسيسه، سيسعى إلى استعادة صورته التي تهشّمت أمام مجتمعه. وضمن هذا الإطار يشدد الدكتور سامي نادر على أن «ثمّة قناعة لدى القيادتين السياسية والعسكرية في تلّ أبيب، بأنه لا يمكن العودة لإدارة الصراع كما كان في السابق، وهذا يضع على الطاولة إعادة حسم الملفات الأمنية بالقوة... من هنا يأتي تحذير الداخلي والخارجي لـ(حزب الله) بعدم الوقوع في الفخّ الإسرائيلي».

ثم يلفت نادر إلى أن إيران «ليست لها مصلحة بالانخراط في الحرب، لأنها تجد نفسها الآن رابحة بالنقاط، وهي تسعى الآن لوقف إطلاق النار وتثبيت موازين القوى التي كانت سائدة قبل 7 أكتوبر الماضي».

وفي حين تكثر الأسئلة عمّا ستقدم عليه إيران في حال نجحت إسرائيل في القضاء على حركة «حماس» في غزّة، وما إذا كانت ستستخدم جبهة لبنان عبر تدخّل واسع من قبل «حزب الله»، يعتقد الدكتور نادر أن إيران «غير مستعدّة للتضحية بـ(حزب الله) حتى لو خسرت (حماس) الحرب». إلا أنه استدرك قائلاً: «قد تضحّي إيران بالحزب في حالة واحدة، هي إذا أضحت طهران نفسها تحت النيران، وذهب (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو بعيداً باتجاه توجيه ضربات عسكرية قوية داخل إيران... ولكن حتى الآن لا يزال الرئيس الأميركي جو بايدن يلجم هذه الاندفاعة الإسرائيلية».

القوّة المُفرطة

على صعيد موازٍ، تدرك إسرائيل أن الحرب على الجبهة الشمالية ليست نزهة، وكلفتها ستكون مضاعفة مقارنة مع معركتها في غزّة، إلّا أن الإسرائيليين ربما يتقبّلون دفع الأثمان بدل البقاء في قلقٍ دائم. وهذا بالذات ما تطرقت إليه تقارير ودراسات أعدّها صنّاع القرار في تلّ أبيب.

وفي هذا الصدد، يلاحظ الدكتور رياض قهوجي أن «الجيش الإسرائيلي يسعى لاستعادة هيبته بعد عملية (طوفان الأقصى)، ويلجأ إلى الإفراط باستخدام العنف والمبالغة بالردّ وارتكاب المجازر بحق المدنيين في غزّة، لكن مشكلته الكبرى تبقى على الحدود الشمالية، إذ إنه لم يستطع حتى الآن التعامل معها... وهذه المخاوف تتزايد لدى سكان المستوطنات الشمالية، الذين يرفضون العودة إليها طالما أن خطر (حزب الله) ما زال موجوداً». وهنا يشدّد قهوجي على أن «هذه المخاوف بدأت تدفع بالإسرائيليين إلى المطالبة بإنهاء وجود الحزب كشرط أساسي لعودتهم إلى هذه المستوطنات».

السيناريو الأسوأ

وما يستحق الإشارة هنا، أنه منذ بدء عملية «طوفان الأقصى»، أخلى الجيش الإسرائيلي أكثر من 10 آلاف إسرائيلي من المستوطنات الواقعة بالقرب من غلاف غزّة إلى مدينة إيلات المطلة على البحر الأحمر جنوب إسرائيل، وأيضاً أخلى 60 ألف مستوطن من المجمعات القريبة من الحدود مع لبنان إلى الداخل الإسرائيلي.

وحسب رأي قهوجي، فإن «قلق المستوطنين من العودة إلى مناطقهم في الشمال قد يدفع إسرائيل للقيام بعمل عسكري كبير مع (حزب الله)، فور انتهاء المعركة في غزة»، محذراً من أنه «قد نجد أنفسنا أمام هذا السيناريو عندما تشعر إسرائيل أنها باتت تسيطر على الوضع في غزة».

الحرب المدمّرة

أيضاً حول الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، خلال جولته الأخيرة على الجبهة الشمالية مع لبنان، من أن «(حزب الله) يقترب من ارتكاب خطأ كبير، سيؤدي إلى تحويل بيروت إلى غزة ثانية». وتابع غالانت: «أقول لمواطني لبنان إن (حزب الله) يجرّ لبنان إلى حرب قد تندلع، وهو يرتكب الأخطاء... وإذا ارتكب هذه الأخطاء هنا فمن سيدفع الثمن، أولاً هم مواطنو لبنان، وما نقوم به في غزة نعرف كيف نكرره في بيروت». ثم تابع مهدّداً أن الطيارين الإسرائيليين «يجلسون داخل قمرات الطائرات المتأهبة للتوجه شمالاً، ولدينا كل ما يلزم لنفعل نفس ما نقوم به في الجنوب».

صحيح أن تهديدات غالانت هذه تأتي في سياق الحرب النفسية على الشعب اللبناني، بيد أنها قد تتحوّل إلى أمرٍ واقع، من هنا يجمع الخبراء العسكريون على أن الحرب المحتملة ستكون حرباً مدمّرة، بالنظر للسلاح المتطور الذي سيستخدمه الجانبان، أي إسرائيل و«حزب الله». ولذا ينبّه قهوجي إلى أن «(حزب الله) سيستخدم كل الأسلحة الاستراتيجية المتوافرة لديه من صواريخ دقيقة ومسيرات ومدافع، وربما سلاح دفاع جوّي». ويلفت إلى أن «إسرائيل ستلجأ إلى كثافة القصف الجوي والأحزمة النارية كالتي تستخدمها في غزة، بالإضافة إلى تدمير المجمعات السكنية والمباني وضرب البنى التحتية اللبنانية وارتكاب المجازر، واستخدام سياسة الأرض المحروقة».

عنصر المفاجأة

هذه الصورة السوداوية ترتسم في أذهان اللبنانيين الذين يشاهدون على مدار الساعة مجازر غزّة ومعاناة أبنائها وتدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة، ولذلك تعلو الأصوات التي تحذر «حزب الله» من الاستدراج إلى حرب كارثية.

ومجدداً، ينبّه قهوجي إلى أن إسرائيل «ستستفيد من الانقسامات اللبنانية حول الحرب، لتعزّز الانشقاق الداخلي وتزيد الضغط على الحزب، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني سيحمّله مسؤولية الانخراط في الحرب، وبالطبع، إسرائيل ستستغلّ ذلك، وتفاقم معاناة الشعب اللبناني».

تدرك إسرائيل أن الحرب على الجبهة الشمالية ليست نزهة وكلفتها ستكون مضاعفة مقارنة مع معركتها في غزّة

من جهة أخرى، يفترض مراقبو التطورات العمليات العسكرية على الجانبين اللبناني والإسرائيلي أن الدولة العبرية باتت أكثر جاهزية من أي وقت مضى لاحتمالات الحرب. ذلك أنها ما عادت تخشى عنصر المفاجأة الذي أنهكها في عملية «طوفان الأقصى»، بل تراقب أي تحرّك، ليس عند الخطّ الفاصل بينها وبين لبنان فقط، بل في القرى والبلدات اللبنانية القريبة من فلسطين المحتلّة. ولذا يذكّر قهوجي بأن «الجيش الإسرائيلي حشد أكثر من 200 ألف جندي على الجبهة مع لبنان، بالإضافة إلى إعلان تأهب كبير في سلاح الجوّ والقوة الصاروخية، أما السيناريو الأسوأ وفق التقديرات، فهو التوغّل الإسرائيلي في اجتياح برّي للبنان».

... والهجرة

أخيراً، تواجه الدولة العبرية راهناً معضلة هجرة الآلاف من أرضها إلى دولٍ أخرى. وتشير معلومات إلى أن أكثر من 230 ألف يهودي غادروا إسرائيل منذ عملية «طوفان الأقصى»، ويتوقع ارتفاع أعداد المغادرين مع استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد التوتر على الجبهة الشمالية مع لبنان، والمواجهات المتواصلة في الضفة الغربية المحتلة.

وهنا يقول قهوجي: «إذا وقعت الحرب، لا سمح الله، فإن إسرائيل أعلنت استعدادها للدخول براً». ويتوقع أن «تلجأ إلى خلق واقع جديد في منطقة جنوب نهر الليطاني، لتكون هذه الحرب أكثر شراسة ودموية من حرب 2006، ولا سيما أن الإسرائيلي سيعمل على إعادة المستوطنين إلى مناطقهم في الشمال، ويثبت لهم أنه قادر على حمايتهم، كما أنه سيحاول استعادة الثقة بقدرة الجيش على الردع وحماية المجتمع الإسرائيلي وتشجيع الذين هاجروا من إسرائيل للعودة إليها مجدداً».

 

الرئيس نجيب ميقاتي (رويترز)

خطّة الدولة للمواجهة... «حبرٌ على ورق»

> في موازاة الجهود التي يبذلها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتجنيب لبنان خطر حرب إسرائيلية وتداعياتها المدمّرة، وضعت الوزارات والإدارات المتخصصّة موظفيها بجاهزية كاملة تحسباً لأي طارئ. إلا أن هذه الاستعدادات لا ترقى إلى مستوى الخطر الداهم، وتبقى من دون جدوى بغياب التجهيزات اللازمة.

وفي هذا الشأن، رأى رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان الوزير السابق محمد شقير خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن هذه التحضيرات «ما زالت حبراً على ورق... وإذا وقعت الحرب فليست لدينا ركيزة أساسية للوقوف عليها».

وأردف شقير أن «الناس ليست لديها الأموال لتكون قادرة على الصمود، كما أن التجار لا يملكون رأس المال الكافي لاستيراد البضائع والتخزين لفترة طويلة، ثم إن المواد المخزّنة في المستودعات لا تكفي لأكثر من شهر أو شهرين بأفضل الأحول، لكن الطامة الكبرى تكمن في شح المحروقات التي لا تكفي لأكثر من أسبوعين. وأعتقد أنه إذا فرض حصار بحري على لبنان فسنقع في الكارثة الكبرى، وعندها كلّ المصانع التي تحتاج إلى الفيول ستتوقف عن العمل».

وحقاً، الأضرار المتأتية عن انقطاع الفيول والمحروقات لا تقتصر على توقف المعامل والمصانع، بل ستعيق أيضاً حركة انتقال المواطنين بين المناطق، وستؤدي حتماً إلى انقطاع التيار الكهربائي. ويرى شقير - الذي شغل منصب وزير الاتصالات بين عامي 2018 و2019 - أن «الطامة الكبرى ستكون في انقطاع الاتصالات والعجز عن تشغيل مولدات الكهرباء في السنترالات الرئيسية ولدى شبكتي الهاتف الخلوي، ما قد يؤدي إلى عزل لبنان عن العالم».

الوزير السابق محمد شقير (الشرق الاوسط)

هذا، وتعقد الهيئات الاقتصادية راهناً اجتماعات أسبوعية بشكل منتظم لمواكبة التطورات والبحث في الخيارات المطروحة في ظلّ استقالة الدولة من مهمتها، أو إعلان عجزها عن التعاطي مع المستجدات لنقص الإمكانات المادية واللوجستية. ووفق شقير، فإن «الخطة التي وضعتها الدولة غير كافية للتعاطي مع الكارثة إذا وقعت، ويصعب تطبيقها في غياب التمويل. ثم إن أكثر من نصف سيارات الإسعاف التابعة للدفاع المدني وسيارات إطفاء الحرائق معطلة، والحكومة تقول إنها سترصد مبلغ 700 ألف دولار للدفاع المدني إذا وقعت الحرب، لكن المؤسف أن هذه الآليات تحتاج إلى ما بين شهر وشهرين لإصلاحها... فهل يعقل أن يرصد المبلغ عند وقوع الحرب؟».

ومن ثم يلفت الوزير السابق إلى أن «كل الآليات والمعدات العائدة للبلديات موضوعة خارج الخدمة، بينها بلدية بيروت التي تعدّ الكبرى والأكثر مسؤولية بين كل بلديات لبنان».

وإذا كان لبنان عاجزاً عن مواكبة الحرب، فكيف له أن يتعاطى مع نتائجها؟

هنا يذكر شقير أن «وضع لبنان في عام 2023 يختلف كلياً عما كان عليه في عام 2006، وبالتالي سيكون في أزمة كبيرة وغير محسوبة بعد الحرب». ويضيف أنه «خلال الحرب، قد تغلّب الدول الشقيقة والصديقة العامل الإنساني وتحاول مساعدة المدنيين عبر مؤسسات صحية ميدانية وأدوية وعلاجات للمرضى والمصابين، لكن السؤال الصعب، من سيعيد إعمار لبنان بعد الحرب؟... نحن الآن في وضع وظروف مختلفة عما كنّا عليه سابقاً».

 


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.