نيوسوم يمهّد الطريق أمام ترشّح محتمل... ولبناني ــ أميركي لحملة «الخضر»

نيوسوم (أ ف ب)
نيوسوم (أ ف ب)
TT

نيوسوم يمهّد الطريق أمام ترشّح محتمل... ولبناني ــ أميركي لحملة «الخضر»

نيوسوم (أ ف ب)
نيوسوم (أ ف ب)

في مقابلة صحافية لافتة بتوقيتها، أدلى غافين نيوسوم، الحاكم الديمقراطي لولاية كاليفورنيا، أكبر ولاية أميركية من حيث عدد السكان والقوة الاقتصادية، بتصريحات حملت رسائل عدة. وجاءت هذه المقابلة، مع تصاعد التكهنات عمّا إذا كان الرئيس جو بايدن سيتخلى عن مواصلة ترشحه في انتخابات 2024. نيوسوم يُعدّ من الشخصيات السياسية البارزة في «الحزب الديمقراطي»، ويتمتع بحضور شخصي و«كاريزما» تحظى باحترام الكثيرين. وهذا الأمر قد يؤهله لأن يكون أحد أبرز المرشحين، في أية مرحلة من مراحل السباق الرئاسي، على أثر توقعات أشارت إلى احتمال تنحّي بايدن قبل المؤتمر الوطني للحزب، ما قد يطيح بحظوظ أي مرشح من خارج الطبقة السياسية الديمقراطية.

بايدن (رويترز)

وعلى الرغم من انتقاد نيوسوم لترمب والجمهوريين عموماً، فإنه سخِر بشكل خاص من حاكم ولاية فلوريدا، رون ديسانتيس، بشأن تلاشي حظوظه الرئاسية. وقال، في مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» معلِّقاً: «لقد تخبط بطنه... أفضل شيء يمكن أن يحدث لديسانتيس غداً هو أن يحزم أمتعته ويحتفظ بأمواله ويقاتل في يوم آخر».

في الواقع، لطالما استمتع نيوسوم بانتقاد ديسانتيس، مستخدماً خصمه الجمهوري غطاء لمهاجمة السياسات المحافِظة وتعزيز السياسات الليبرالية في كاليفورنيا. وفي وقت سابق من هذا العام، علَّق على تأرجح ديسانتيس في كاليفورنيا، من خلال توقع تعثر ترشحه. وقال نيوسوم، في مارس (آذار): «سيدخنك ترمب».

هذا التوقع قد يكون صحيحاً، إذ تراجع ديسانتيس كثيراً خلف الرئيس السابق دونالد ترمب، في استطلاعات رأي الجمهوريين في كاليفورنيا، ما يمهد الطريق لترمب الذي يحافظ على تقدمه، في الحصول على أكبر خزان من أصوات المندوبين الرئاسيين في الولاية. لكن نيوسوم لم يكتفِ بمهاجمة حاكم فلوريدا، بل سخِر أيضاً من المرشحين الجمهوريين المنافسين لترمب، قائلاً «هؤلاء الأشخاص انتهوا... إنهم نُخب». ووفق عدد من المراقبين، اعتبرت تعليقات نيوسوم إعلاناً مباشراً وتصويباً على خصمه الأقوى ترمب، في جهد واضح لإعادة الإمساك بالناخبين الديمقراطيين والمستقلّين الذين لا يرفضون ترمب فحسب، بل بايدن أيضاً، في ظل استطلاعات الرأي الأخيرة.

من جهة ثانية، لعلَّ الجديد الأكثر إثارة في المشهد الانتخابي هو إعلان كورنيل ويست، الباحث اليساري والمرشح الرئاسي عن «حزب الخضر»، يوم الاثنين، تعيين بيتر ضو، المدير السابق لحملة هيلاري كلينتون، مديراً لحملته. ويضيف هذا الاختيار مزيداً من الأسئلة حول المسارات المقبلة على الديمقراطيين.

ضو (58 سنة) عازف جاز ومنتِج موسيقى لبناني أميركي، وجد طريقه إلى السياسة، في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وقد بدأ مدوّناً ليبرالياً ثم أصبح مستشاراً رقمياً لحملة جون كيري الرئاسية عام 2004، وحملة هيلاري كلينتون عام 2008.

ترمب (آ ف ب)

بعدها، كان تأييده لبيرني ساندرز عام 2016، بداية سلسلة من التحولات غير المسبوقة في سياساته، إذ استقال، منذ ذلك الحين، من «الحزب الديمقراطي»، ودعا الرئيس بايدن إلى الاستقالة بسبب مزاعم التحرش، خلال الحملة الانتخابية 2020، وهو الآن يسخر من «الحديث الليبرالي» للديمقراطيين: «6 يناير، الرجل البرتقالي سيئ، بوتين..». ونشر هذه التغريدة على منصة «إكس (تويتر سابقاً)».

وبعدما ألّف ضو كتاباً عام 2019، قال فيه: «لا يوجد شيء في الحياة الأميركية يشكل تهديداً لديمقراطيتنا أكثر من ميل الحزب الجمهوري إلى اليمين المتطرف»، نراه يقول، اليوم، إن الحزب الديمقراطي «يشكل في حد ذاته تهديداً للديمقراطية». لكن، رغم ذلك يرى أن انتخاب ترمب مرة أخرى سيعني نهاية العالم ونهاية البلاد.

على أية حال، يحمّل ضو الحزبين المسؤولية عن التقصير في حماية الديمقراطية بسبب احتكارهما التمثيل. ويقول من المؤكد أن اختيار جو بايدن يشكل تهديداً للديمقراطية، حيث لا يريد 67 في المائة من الناخبين الديمقراطيين أن يكون هو مرشح الحزب.


مقالات ذات صلة

قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي

حصاد الأسبوع قصر العدل في بيروت

قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي

لا تخلو البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، ولا خطاب القسم للرؤساء المتعاقبين على الحكم ولا حتى برامج وزراء العدل، من تخصيص بند أساسي.

يوسف دياب (بيروت)
حصاد الأسبوع كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

هذا التحول «الأنثوي» الجذري في المشهد السياسي للمكسيك؛ كبرى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في العالم، وثاني كبرى دول العالم اللاتينية هو ثمرة مَخاض طويل تبوّأت.

«الشرق الأوسط» ( مدريد) شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع مودي يتكلم في قمة "مجموعة العشرين" بنيودلهي (آ ف ب)

الهند ترى قمة «العشرين» تعزيزاً لمكانتها العالمية

مع إسدال الستار على قمة «مجموعة العشرين» التي عقدت أخيراً في العاصمة الهندية نيودلهي، بحضور كوكبة من زعماء العالم ورؤساء منظمات دولية بارزة على مدار ثلاثة أيام،

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض

السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض

لا يوجد مرشح بين كوكبة المرشحين الرئاسيين الأميركيين عن الحزب الجمهوري مثل تيم سكوت (57 سنة)، السيناتور الأسود عن ولاية ساوث كارولينا،

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)

حظر «العباية» في المدارس يضع مسلمي فرنسا أمام جدل سياسي جديد

يكشف الحضور الدائم لموضوع الإسلام والمسلمين، في النقاش العام الفرنسي، التهميش السياسي لأولئك الذين يُصار إلى تقديمهم على أنهم تهديد للتعددية الديمقراطية.

أنيسة مخالدي (باريس)

قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي

قصر العدل في بيروت
قصر العدل في بيروت
TT

قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي

قصر العدل في بيروت
قصر العدل في بيروت

لا تخلو البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، ولا خطاب القسم للرؤساء المتعاقبين على الحكم ولا حتى برامج وزراء العدل، من تخصيص بند أساسي يتعهّد بالعمل على «استقلالية القضاء وتكريسه سلطة مستقلة توازي السلطتين التشريعية والإجرائية». لكن الوعود شيء والواقع شيء آخر، فالقضاء اللبناني يعيش أسوأ مرحلة في تاريخه، لا يكفيه تدخّل السلطة السياسية الفاضح في عمله، ودورها في تعيين المقربين والأزلام في المواقع الحساسة، ليكونوا أبرز أدواتها للحكم ولتنفيذ القانون بصورة استنسابية، بل جاءت الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لتصدّع المؤسسة وتنذر بانهيار هيكل العدالة على رؤوس الجميع.

لطالما كان المنصب القضائي حلماً يراود كلّ فتاة وشاب لبناني من حملة شهادة الإجازة في الحقوق، لكنه لم يعد كذلك اليوم، إذ يتوق معظم القضاة إلى الاستقالة «والنزوح الجماعي» إلى خارج البلاد، بحثاً عن حياة كريمة لهم ولأسرهم وأبنائهم.

الأسباب التي تحمل هؤلاء على ذلك كثيرة، منها أن القاضي لم يعد صاحب سلطة، بل يكاد بعضهم لا يحكم «باسم الشعب اللبناني» بل باسم المرجعية السياسية التي عيّنته في منصبه.

الأدلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى، يكفي الإشارة إلى تعطيل التحقيق في ملفّ انفجار مرفأ بيروت، وتقويض ملفات المصارف اللبنانية والبنك المركزي والحاكم السابق رياض سلامة، وعرقلة مسار التحقيق بأحداث الطيونة التي وقعت بين مسلحين من «حزب الله» وحركة «أمل» وآخرين من أبناء منطقة عين الرمانة، وقضايا الاغتيال والتصفيات السياسية... وآخرها مقتل المسؤول في حزب «القوات اللبنانية» إلياس الحصروني في بلدة عين إبل الجنوبية، والإعلان الصريح من الأجهزة الأمنية بأنها لم تعد قادرة على التقدّم بالتحقيق.

أزمة بنيوية

يعترف مصدر قضائي لبناني بارز بأن «مشكلة القضاء باتت بنيوية أكثر مما هي معنوية ومالية واقتصادية»، وأطلق صرخة تحذّر من «محاولات حثيثة لتدمير القضاء وهدم بنيان العدالة، بدل تعزيزها وحمايتها».

المصدر الذي طلب إغفال اسمه أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الصورة سوداوية جداً، وإذا بقيت الأمور على حالها حتى نهاية العام الحالي سنشهد هجرة جماعية للقضاة ستفاجئ الجميع». وكشف عن أن «كل قاضٍ بدأ يبحث جدياً عن فرصة للمغادرة، والعشرات منهم أرسلوا ملفاتهم وسيَرهم الذاتية إلى مؤسسات حقوقية وجامعية ومحاكم عربية ودولية للالتحاق بها طلباً للعمل والحياة الكريمة، بدل انتظار راتب شهري في لبنان لا يتعدّى الـ500 دولار أميركي حالياً».

تتباين المواقف حيال التصعيد القضائي واللجوء إلى الاعتكاف، وترى مصادر سياسية أن أزمة الانهيار المالي وفقدان القضاة 90 في المائة من قيمة رواتبهم ينسحب أيضاً على النواب والوزراء. إلا أنّ المصدر القضائي رفض هذه المقاربة، وأكد أن «النواب والوزراء بمعظمهم رجال أعمال ومتمولون وأصحاب شركات، لا يتأثرون بالأزمة، بينما ليس لدى القاضي سوى راتبه الشهري». وأردف: «لا يجوز التشبيه بين السياسي الذي يستطيع العمل في التجارة وأي مجال آخر، بينما لا يملك القاضي أي دخل مالي غير الراتب». وشدد على أن «كلّ ما تبلّغه القضاة خلال انعقاد الجمعية العمومية قبل عشرة أيام، عبارة عن وعدٍ بتغطية المساعدات التعليمية لمدة خمسة أشهر كحدٍ أقصى، بالإضافة إلى وعد بالبحث عن شركة تأمين خاصّة للتعاقد معها، لتغطية النفقات الطبية والاستشفائية، لكنّ للأسف لا شيء مؤكد».

مرحلة اللاعودة

من جهته، يحاذر وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال القاضي هنري الخوري، وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة، ويضع في أولوياته معالجة الأسباب التي أوصلت القضاة إلى هذه المرحلة من الاحتقان والتصعيد.

ويجزم مصدر بارز في وزارة العدل بأن الوزير «يفعّل لقاءاته واتصالاته برئيس الحكومة (نجيب ميقاتي) وبالمراجع القضائية لتبديد الهواجس التي تعتري الجسم القضائي». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الوزير الخوري «يتحسّس صعوبة ما يعانيه زملاؤه القضاة، يأخذ مطالبهم على محمل الجدّ ويبذل كل جهد لوصول القضاة إلى حقوقهم دون منّة من أحد».

ثم يشير إلى أن الخوري «توصل مع المعنيين إلى اتفاق إنجاز عدد من الأمور التي تريح القضاة، سواءً بما خصّ التقديمات الاجتماعية من استشفاء وتعليم، أو بما يخص التقديمات المنح المالية من صندوق تعاضد القضاة»، كاشفاً عن أن «الأزمة سمحت بالبحث عن مداخيل مالية لصندوق القضاة، وبالفعل، بدأت تحصيل هذه الإيرادات التي سيلمس القضاة نتائجها في وقت قريب».

وعود تنتظر التنفيذ

اليوم، لا أحد يحسد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، على منصبه. إذ إن الرجل الذي سعى لأشهر طويلة على إنهاء الاعتكاف السابق بتلبية جزء يسير من حقوق القضاة، عاد ليواجه أزمة مستجدّة برزت مع إعلان مفاجئ لأكثر من 100 قاضٍ توقفهم الفوري عن العمل حتى تتوفر مقومات الحياة الكريمة لهم. ويبدو أن القاضي عبّود لن يقبل هذه المرّة بالعودة إلى شلّ القضاء وتعطيله، فرسالته كانت واضحة للقضاة خلال الجمعية العمومية التي انعقدت في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي؛ إذ كشف قاضٍ شارك في الاجتماع المغلق لـ«الشرق الأوسط» عن أن رئيس مجلس القضاء «بدا مقتنعاً جداً بأحقية مطالب القضاة المعنوية والمادية والاجتماعية وحتى اللوجيستية». وأشار القاضي (أيضاً طلب إغفال اسمه) إلى أن عبود «ذهب أبعد للقول إن وضع قصور العدل صعب ولا يحتمل، وإنه متفهّم لعمل القضاة بظروف صعبة جداً، بلا كهرباء ولا ماء ولا قرطاسيّة. ولكن من غير المقبول العودة إلى إقفال قصور العدل والمحاكم والدوائر القضائية وتعطيل مسار العدالة، فحقوق الناس مقدسة وهي أمانة في عنق كلّ قاضٍ».

ولفت القاضي إلى أن عبود «تمنّى على القضاة الذين توقفوا عن العمل التراجع عن قرارهم وتجنب توسيع دائرة الاعتكاف، ودعا القضاة ليكونوا على قدر قسمهم لأنهم وحدهم الضمانة الحقيقية لبقاء البلد».

تقويض القانون

ما يستحق الذكر، أنه لم يسبق لقضاة لبنان أن استنكفوا عن أداء رسالتهم ولا تخلّفوا عن إصدار الأحكام والقرارات القضائية. إلا أن الأزمة الراهنة قلبت الأمور رأساً على عقب، وبات الإضراب والاعتكاف السلاح الأخير الذي لا بدّ من اللجوء إليه. وهنا يرى القاضي غالب غانم، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، أن «وضع القضاء اللبناني يتأثر سلباً بالوضع السائد في البلاد، وفي غياب أركان دولة القانون، فإن العاصفة التي تضرب لبنان تهدّد بتقويض القضاء حتى لو كانت إرادة القضاة حديدية».

غانم أعرب لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لـ«تمادي تدخلات السياسية بالسلطة القضائية، وكأنهم (السياسيون) يعتقدون أنهم يحققون مكاسب على أرض القضاء، إلّا أن أي تدخل في القضاء سيرتدّ سلباً على البلد ككل». وأضاف: «في السابق كانت التدخلات السياسية سريّة أو غير منظورة، أما اليوم فغدت حدود التدخل مباحة».

وتطرّق غانم إلى «إهمال متعمّد للمرفق القضائي»، وقال: «صحيح أن البلد منهار اقتصادياً ومن واجب القاضي أن يضحّي كغيره، لكن هناك حدّاً أدنى من الحقوق. نحن لا نطلب أن يكون وضع القاضي كما كان قبل الأزمة، إلا أننا نرى وجوب تأمين الحدّ الأدنى أقلّه في التقديمات الاستشفائية والتعليمية حتى يصمد القاضي ويواصل أداء رسالته»، داعياً السلطة السياسية إلى «النظر في وضع القضاء من زاوية خاصّة، حتى تبقى الإنتاجية القضائية قائمة».

استهداف القضاء

بموازاة الأزمة الاقتصادية، يعاني القضاء أزمة معنوية، عبر حملات تطاله عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الفترة التي رافقت مرحلة الاعتكاف الأخيرة وما تلاها. وهنا يلاحظ القاضي غانم «وجود نظرة عدائية من المجتمع تجاه القضاء، وهذا أمر خطير جداً... وحتى إذ كان هناك اعوجاج لدى بعض القضاة القلائل جداً، لماذا استهداف مؤسسة القضاء بشكل عام؟... لماذا التعاطي الإعلامي مع القضاء بشيء من السخرية والتهكّم، بما يرتدّ سلباً على الناس وملفاتهم؟».

الرئيس السابق للسلطة القضائية لا ينكر تأثر بعض القضاة بالتدخلات السياسية. ويوضح: «للأسف، بدل أن يأتي السياسيون إلى القضاء، ثمة قضاة يذهبون إلى أهل السياسة للتقرّب منهم، وهذا غير جائز... فبمجرد لمس السياسيين رفض القضاة لمطالبهم سيتوقف التدخل بعمل السلطة القضائية»، وبالتالي لا تتحوّل بعض الدوائر القضائية إلى دوائر سياسية».

وبينما لا يخفي غانم أن «عدم إقرار القوانين التي تكرّس استقلالية السلطة القضائية تؤثر سلباً على الواقع القضائي» فهو يأمل بأن «تحصر التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى وحده، من دون الحاجة إلى مرسوم، فالقضاء قادر لوحده تولّي هذه المهمّة».

مرحلة سوداوية

على صعيد متصل، يعاني مرفق العدالة في لبنان من تدّني عدد القضاة بسبب إحالة العشرات منهم في السنوات الأخيرة على التقاعد، واستقالة البعض الآخر وتقديم بعضهم طلبات استيداع (العمل في الخارج مؤقتاً)، وإقفال الباب أمام امتحانات اختيار قضاة جدداً لمعهد الدروس القضائية.

أيضاً يعزو القاضي غانم أسباب النزف القضائي إلى «تحطّم المعنويات لدى الكثير من القضاة؛ ما دفع بأعداد منهم إلى طلب الاستيداع، والبعض إلى الاستقالة ومغادرة البلاد، وهذا يهدد وضع القضاء». ثم يختم: «إذا لم نذهب إلى حلول سريعة لأزمة القضاء سنكون أمام مرحلة سوداوية... انهيار القضاء له تداعيات خطيرة على الدولة والمؤسسات وعلى الشعب اللبناني ككل؛ ولذا لا بد من تحرّك سريع واجتراح الحلول حتى لا نصل إلى الأسوأ».

شرعة أخلاقية

من جانب آخر، لا يفصل المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية، بين أزمة القضاء والتفكك الذي يصيب مؤسسات الدولة في لبنان. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لا يمكن الحديث عن القضاء بمعزل عن حال البلد المترهلة أخلاقياً واقتصادياً ومالياً، إلا أنه يقتضي إيلاء فساد بعض القضاء اهتماماً خاصاً لأهمية موقعهم للفصل في الحقوق والحريات».

وفي انتقاد حاد للدولة «التي تخلّت عن حقوق القضاة»، يقول مرقص: «ما دامت رقاب الناس وحقوقهم في أيديهم (القضاة) لا يجوز تركهم عرضة للعوز والضغط السياسي عليهم». ويتابع: «الإصلاح يبدأ باعتماد القضاة شرعة أخلاقية يلتزمون بها افرادياً عند تبوء مناصب سياسية بعد تركهم القضاء، وذلك كي لا يسعوا إليها فيأتمروا بالسياسيين إبان عملهم القضائي، مروراً بتعديل مجلس النواب المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي لجعل التشكيلات القضائية نافذة دون تدخل الحكومة، على اعتبار أن اقتراح قانون استقلال السلطة القضائية المطروح حالياً بصياغته الحالية هو معقد وغير قابل للإقرار».

القاضي غالب غانم - حسابه على إكي كوم تويت على إكس كوم - تويتر)

الأيادي النظيفة

ختاماً، لا جدوى من الرهان على أهل السلطة لإصلاح الوضع القائم، ما دام أن الكارثة التي يعيشها لبنان هي نتاج السياسات التي اتبعوها على مدى العقود السابقة. ويشدد المحامي مرقص على أن «الحل في لبنان يكمن في القضاء على طريقة حملة الأيادي النظيفة في إيطاليا التي حاربت طبقة سياسية أكثر فساداً من لبنان ونجحت في ذلك». ويرى مرقص أن «الحل الثاني هو في تسلّم الجيش اللبناني للحكم، وهذا أمر غير ديمقراطي ولا يستقيم في بلد كلبنان». ثم يضيف: «المطلوب للوصول إلى ذلك تدعيم وضعية القضاة اجتماعياً، مقابل تقديمهم تضحيات تمليها عليهم رسالتهم أصلاً... والسؤال: من سواهم (القضاة) تقع عليهم مسؤولية مكافحة الفساد؟ من سواهم بإمكانه إخضاع السياسيين لحكم القانون؟ من سواهم يعطي الإشارات للأجهزة الأمنية؟... الحل يبدأ بالقضاء وينتهي بمعاقبة الفاسدين واسترداد أموال الفساد».

يحاذر وزير العدل هنري الخوري وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة ويضع في أولوياته معالجة الأسباب

الاعتكاف القضائي: معالجات لا تبدّد الهواجس

> شهد القضاء اللبناني ثلاث مراحل من الاعتكاف الذي تعدّدت أسبابه:

الاعتكاف الأول تلى أول التشكيلات القضائية في السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال عون؛ إذ أثارت تلك التشكيلات غضباً واسعاً في الأوساط القضائية؛ لكونها لم تراع الكفاءة والأقدمية للمعينين في المراكز الحساسة. وهذا الأمر حمل القضاة على إطلاق الصرخة والمطالبة بإقرار قانون استقلالية القضاء، ومنع التدخل السياسي في أداء القضاة، قبل أن تقع الكارثة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالجسم القضائي وأثر سلباً على أدائه وإنتاجيته.

ذلك الاعتكاف بدأ في أواخر عام 2017، وعمّق الخلاف يومها بين السلطة القضائية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى، وبين وزير العدل (آنذاك) سليم جريصاتي (المحسوب على الرئيس ميشال عون). وبلغ الخلاف ذروته بين الطرفين على خلفية قرار اعتكاف التزم به عدد كبير من القضاة، الذين توقفوا عن ممارسة مهامهم؛ احتجاجاً على ما أسموه «إمعان السلطة السياسية في ضرب استقلالية القضاء، ومحاولة إخضاعه عبر التدخل في عمله، والتضييق عليه مادياً ومعنوياً، وحرمان القضاة من بعض المكتسبات التي توفر لهم أماناً اجتماعياً».

يومذاك تسبب الاعتكاف بمواجهة غير مسبوقة بين جريصاتي ومجلس القضاء الأعلى؛ إذ اعتبر الوزير أن الاعتكاف يشكل تحدياً له ولعهد عون في بدايته. ووجّه حينها كتاباً إلى مجلس القضاء الأعلى دعاه فيه إلى «تنبيه القضاة من الاستمرار في الاعتكاف، وتحميلهم مسؤولية أجواء غير صحية تسود أروقة قصور العدل». واستدعى كتاب وزير العدل ردّاً سريعاً من مجلس القضاء، أعلن فيه الأخير أنه «لا يحق للوزير توجيه تعاميم وكتب إلى القضاة». وذكّر بأن «مجلس القضاء الأعلى لا يعدّ جهة تنفيذية لقرارات وزير العدل عملاً بمبدأ استقلالية السلطة القضائية، ومبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وبالتالي لا يجوز لأي سلطة أن تطغى بعملها على أي سلطة أخرى».

القاضي سهيل عبود

الاعتكاف الثاني كان منتصف العام الماضي. فمع تسارع وتيرة الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، أعلن قضاة لبنان على أثر انعقاد الجمعية العمومية، الدخول في اعتكاف شامل خالٍ من الاستثناءات، احتجاجاً على تدني رواتبهم التي فقدت 95 في المائة من قيمتها، وكذلك غياب التقديمات الطبيّة والاستشفائية والمنح المدرسية والجامعية.

وألحق هذا الاعتكاف ضرراً كبيراً بحقوق المتقاضين؛ إذ استعصى على آلاف الأشخاص التقدم بالشكاوى بسبب الإضراب ورفض أي مراجعة، كما تسبب الإضراب بتراكم آلاف الدعوى التي لم يبت فيها، وانسحبت أضراره على السجون ومراكز التوقيف التي غصّت بالسجناء في ظل التأخر بالبت بإخلاءات سبيلهم».

مرحلة الاعتكاف تلك، التي كانت الأطول والأقسى، انتهت بإقرار زيادة الرواتب بثلاثة أضعاف كما ورد في الموازنة العامة، ومساهمة صندوق تعاضد القضاة بدفع مساعدة مالية بـ(الفريش دولار) تراوحت بين 500 و1200 دولار للقاضي، بالإضافة إلى مساهمة الصندوق بإعطاء الأولوية للمساعدة المرضية.

أما الاعتكاف الثالث (الحالي) فبدأ يوم 1 سبتمبر (أيلول) الحالي مع إعلان 111 قاضياً في القضاء العدلي والإداري والمالي، توقفهم فجأة عن العمل احتجاجاً على أوضاعهم المالية والاجتماعية. وقال هؤلاء في بيان أصدروه: «في ظل عجز الدولة عن تغطية الاستشفاء والطبابة والتعليم، الخاص بالقضاة وعائلاتهم، وفي ظل انعدام ظروف العمل اللائقة بالكرامة البشرية في قصور العدل، وفي ظل ما وصل إليه وضع القضاء على جميع الصعد، نعلن التوقّف القسري عن العمل، وذلك الى حين توافر مقومات العيش والعمل بكرامة».

هذا القرار المفاجئ قابله هنري الخوري، وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، بتحرك سريع؛ إذ دعا القضاة إلى الاجتماع به، وأكد أنه «بصدد تنفيذ مطالبهم أو أغلبها عبر اتصالات يجريها مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير المال يوسف الخليل والمراجع القضائية». أما رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الذي بدا مستاءً من العودة إلى شلّ مرفق العدالة، فدعا القضاة إلى جمعية عمومية مغلقة عقدت في قصر العدل في بيروت، وطرح فيها القضاة مطالبهم وهواجسهم، وتعهّد عبود ببذل أقصى جهده بتبديد قلق القضاة وتحصيل حقوقهم، وتمنى عليهم الاستمرار في عملهم والتضحية من أجل الحفاظ على القضاء وهيبته. غير أن قضاة شاركوا في الجمعية العمومية، أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «المعتكفين ما زالوا على اعتكافهم»، وأن باقي القضاة «يراقبون ما ستؤول إليه مساعي وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى وبعدها يبنى على الشيء مقتضاه».


الصراع على كاراباخ يؤجج التنافس بين القوى الإقليمية والخارجية

محنة اللاجئين (آ ف ب)
محنة اللاجئين (آ ف ب)
TT

الصراع على كاراباخ يؤجج التنافس بين القوى الإقليمية والخارجية

محنة اللاجئين (آ ف ب)
محنة اللاجئين (آ ف ب)

أسفرت العملية العسكرية الخاطفة لأذربيجان في إقليم ناغورنو كاراباخ عن تكريس واقع جيوسياسي جديد في منطقة القوقاز. ولا شك أن التطورات المتلاحقة التي أعقبتها، فتحت على مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية، بما في ذلك على خلفية تعزيز قبضة باكو على الإقليم بعد حل مؤسسات «جمهورية آرتساخ» الأرمنية التي لم تحظَ باعتراف دولي، وكذلك بعد نزوح الغالبية الكبرى من أرمن الإقليم خوفاً من تصفيات وعمليات «تطهير عرقي». العملية العسكرية الأذرية باتت الأخيرة وفقاً لتقديرات كل الأطراف، فقد «أنجزت المهمة». ومهما كانت نتائج جولات المفاوضات المحتملة بين باكو ومَن تبقَّى من أرمن كاراباخ، فقد أسفر تثبيت السيطرة الأذرية على كاراباخ عن تداعيات واسعة النطاق سيكون لها، وفقاً لخبراء، تأثيرات كبرى في اللاعبين الأساسيين في جنوب القوقاز وفي مناطق محيطة بها.

لا شك في أن «الانتصار الأذري» عزّز مواقع باكو بقوة، كقوة إقليمية صاعدة ومهمة، ستكون لها مكانة أساسية في كل الترتيبات الإقليمية اللاحقة، بما في ذلك، في إطار تحوّل أذربيجان إلى عقدة ربط أساسية لطرق التجارة والعبور ونقل المواد الخام. وضمن هذا الإطار ستتركز النقاشات الأساسية في المستقبل القريب على آليات فتح الممرات، وإعادة ترتيب طرق بديلة للتجارة، غير أن التداعيات لا تقف عند المنافسة المحتدمة عالمياً على وضع بدائل لطريق «الحزام» الصينية و«ممر شمال - جنوب» الذي تدعمه موسكو بقوة؛ لأنه يخفف من ضغط العقوبات والحصار الغربي عليها.

واقع الأمر أن المعادلة الجيوسياسية الجديدة تحمل توسيعاً للنفوذ التركي في المنطقة، وحضوراً أقوى لإسرائيل مع الحليف الأذري، فضلاً عن تعزيز حضور وتحركات واشنطن في مقابل جدال كبير بين وجهتَي نظر حول التداعيات المحتملة على نفوذ كل من روسيا وإيران في منطقة جنوب القوقاز.

مقدمات الحسم

حرب كاراباخ «الثالثة»، وفقاً لتعبير مراقبين روس، ستكون حقاً الأخيرة في الصراع الأرمني - الأذري الذي استمر أكثر من 30 سنة. لكن خلافاً لتقديرات جهات عدة، بينها أطراف غربية، كانت العملية العسكرية الأذرية الموجهة لحسم الملف نهائياً متوقَّعة منذ وقت ليس بقصير. ولقد جرى تمهيد الوضع تدريجياً لعمل حاسم يفرض قواعد اللعبة الجديدة في المنطقة.

كان قد وُضع أساس للتسوية النهائية خلال اجتماعات الرئيس الأذري إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، في براغ وبروكسل، فضلاً عن المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا، بما في ذلك تلك التي عُقدت في موسكو في مايو (أيار) 2023، ولقد اعترف في ختام الاجتماعات رئيس الوزراء الأرميني بوحدة أراضي أذربيجان بمساحة 86.6 ألف متر كيلومتر مربع، وهو ما يعني أيضاً إقليم ناغورنو كاراباخ، أي تم حل القضية الاستراتيجية التي ظلت عقبة أمام التقدم في تسوية النزاع. وعملياً، عقد باشينيان «صفقة» مع الأذريين، مغامراً بوقوع اضطرابات داخلية واحتجاجات، وربما ثورة مضادة.

بالنسبة لباشينيان، كان الدافع الرئيسي للاتفاقية المستقبلية حماية السلامة الإقليمية لأرمينيا نفسها. ذلك أن موجة الاشتباكات الكبيرة التي وقعت عام 2022 على حدود الدولتين، كشفت عن ميل ميزان القوى بشكل جليّ نحو أذربيجان وإلى تغير المزاج الروسي بشكل واضح أيضاً حيال قواعد الصراع في المنطقة.

خلال تلك الاشتباكات نجحت أذربيجان في السيطرة على جزء من الأراضي الأرمينية. ولم تحظَ شكاوى يريفان ومطالباتها المتواصلة الجانب الروسي و«منظمة الأمن الجماعي» بالتدخل، باهتمام روسي، أو من جانب المنظمة الإقليمية التي ينص ميثاقها الداخلي على مساعدة أي طرف فيها إذا تعرض لاعتداء خارجي.

أكثر من ذلك، مهَّدت هذه الأجواء، للانتقال إلى مرحلة جديدة عبر فرض أمر واقع على الأرض، يشطب أي مجالات لحوارات مستقبلية حول مصير كاراباخ. وبالنسبة إلى أذربيجان لم تعد هذه النقطة المفصلية مطروحة على جدول أعمال أي مفاوضات. والبديل الوحيد المقترح هو التسليم الكامل بسيطرة باكو وبحث الملفات التكميلية لبلورة ملامح المرحلة المقبلة فقط.

من جهة ثانية، في دفع متواصل نحو اللحظة الحاسمة برزت مع نهاية عام 2022، متغيرات جديدة تمثلت في ظهور أزمة ممر «لاتشين». وكان اتفاق وقف النار الموقَّع عام 2020 قد نص على ضرورة فتح المعابر والممرات التجارية، بما فيها معبر «لاتشين» الواصل بين أرمينيا وكاراباخ. لكن في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2022 سارت باكو خطوة أخرى نحو فرض أمر واقع جديد. إذ أغلق نشطاء البيئة الأذريون طريق «لاتشين - شوشا»، مطالبين بوضع حد للاستغلال غير القانوني لمنجمي «جيزيلبولاغ» و«داميرلي». وفعلياً، فرضت باكو سيطرتها على ممر «لاتشين» على الجانب الشرقي. وبعد ستة أشهر، في أبريل (نيسان) 2023، أنشأت أذربيجان نقطة تفتيش على الجانب الآخر من الطريق بالقرب من الحدود الأرمنية. يمكن القول إنه منذ تلك اللحظة، كان مصير كاراباخ التي باتت محرومة من كل الإمدادات، محدداً مسبقاً.

الأمل الأخير ليريفان وستيباناكيرت (عاصمة كاراباخ) بقي في موسكو ونحو 2000 من قوات حفظ السلام الروسية المتمركزة في كاراباخ. وبحلول ذلك الوقت، كان موقف روسيا بشأن هذا الموضوع مبنياً على تصريحات للرئيس فلاديمير بوتين مفادها أن «الوضع النهائي لكاراباخ لم يُحل» لكن في الوقت ذاته، وجّهت موسكو عدة إشارات إلى أن جوهر الصراع سُوّي باعتراف أرمينيا بسيادة أذربيجان على كاراباخ. وكل التفاصيل اللاحقة ستكون من وجهة النظر الروسية الرسمية شأناً «داخلياً» لأذربيجان.

لاحقاً، اتضح أن حسابات يريفان حول احتمال التدخل الروسي لإبطاء عملية تعزيز القبضة الأذرية على كاراباخ كانت خاطئة. فقد وضع بوتين رؤيته بوضوح خلال خطاب ألقاه في المنتدى الاقتصادي الشرقي في سبتمبر (أيلول) مذكّراً بأن رئيس الوزراء الأرميني اعترف بكاراباخ جزءاً من أذربيجان. وبذا بدا واضحاً أن الموقف الروسي ينطلق من فكرة «تأجيل بحث ملامح التسوية النهائية للصراع، والإبقاء على الوضع الراهن كما هو». هذا الأمر يُرضي موسكو وطهران لكنه لأسباب مختلفة لا يُرضي أذربيجان، ولا أرمينيا، وكان البديل ليريفان هو محاولة تنشيط الدور الغربي في الوساطة مع باكو.

نيكول باشينيان (رويترز)

معاقبة باشينيان

لم تعد المشكلة بالنسبة للكرملين تكمن في القضايا القانونية فقط (اعتراف أرمينيا بسلامة أراضي أذربيجان)، وشكل التسوية المحتملة اللاحقة؛ فخلال الأسابيع الأخيرة، اتخذت يريفان خطوات جريئة للغاية نحو التقارب مع الغرب. وفي بداية سبتمبر (أيلول) بدأت يريفان مسار التصديق على «نظام روما الأساسي» الذي أسس «محكمة الجنايات الدولية»، وهذه خطوة رأت فيها موسكو «تطوراً عدائياً للغاية» على خلفية إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي. وفي الفترة نفسها، أجرى باشينيان مقابلة مع وسائل إعلام إيطالية، تحدث فيها باستياء واضح عن «دور روسيا عن منطقة القوقاز». ثم شاركت آنا هاكوبيان، زوجة باشينيان، في اجتماع لضيوف أجانب في كييف وتبرّعت خلاله بمساعدات إنسانية لأوكرانيا. وكان وتر التوتر الأخير هو التدريبات العسكرية الأميركية - الأرمنية في أرمينيا، التي أُجريت بين 11 و20 سبتمبر. ونتيجة لذلك، أرسلت وزارة الخارجية الروسية، لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية، مذكرة احتجاج للسفير الأرمني. وبدا أن «صبر موسكو قد نفد» تجاه تصرفات باشينيان.

جاءت تلك التطورات على خلفية انعدام الود أصلاً بين الكرملين والقيادة الأرمينية. ويقول خبراء روسيا إن بوتين لم يكن من الممكن أن يتسامح مع فكرة أن باشينيان وصل أصلاً إلى السلطة عبر «ثورة ملوّنة» ترفع شعارات التقارب مع الغرب.

وقد حملت تصريحات باشينيان لاحقاً، عن أن الهياكل والمنظمات الأمنية التي تنتمي إليها بلاده حالياً «غير فعّالة»، وقناعته بضرورة الانتقال إلى آليات تحالف جديدة، إشارة مباشرةً وواضحةً إلى تبدل مواقف يريفان حيال روسيا بعد تعرض العلاقات لنكسة قوية بسبب «خذلان» موسكو حليفها في حربي كاراباخ 2020 و2023.

ويُنتظر أن ينعكس ذلك بشكل مباشر على عضوية أرمينيا في «منظمة الأمن الجماعي» التي بدت عاجزة عن حماية أحد أعضائها، خلافاً لبند رئيسي في ميثاقها الداخلي. وبالتالي فقدت أهميتها ليس فقط بالنسبة إلى أرمينيا، بل أيضاً بالنسبة إلى عدد من بلدان آسيا الوسطى التي يواجه بعضها أوضاعاً هشة وتحديات عدة. وللعلم، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت أرمينيا شريكاً أمنياً مهماً لروسيا، وتستضيف واحدة من القواعد العسكرية الروسية القليلة على أراضٍ أجنبية، ولكن في السنوات الأخيرة قاد باشينيان تحولاً كبيراً في سياسة بلاده الخارجية نحو الاقتراب أكثر من الغرب. ويرى خبراء أن وقوف موسكو على الحياد في الحرب الأخيرة شكّل نوعاً من العقاب لرئيس الوزراء الأرميني. أيضاً، يقول خبراء إن موسكو أرادت من خلال موقفها مع معاقبة باشينيان، فتح أبوابها أمام أذربيجان لتخفيف حدة اندفاعها أكثر من اللازم نحو تركيا، لكن هذه الفرضية ضحلة للغاية؛ لأن نتائج حرب كاراباخ كرّست تحالفاً وثيقاً وقوياً للغاية بين أنقرة وباكو.

التحركات الغربية

العنصر الثاني المهم في تهيئة الأجواء لعملية الحسم الأذري تَمثّل في تنشيط التحركات الغربية في منطقة جنوب القوقاز. فمع صعود باشينيان إلى السلطة خصوصاً بعد حرب كاراباخ الثانية، كثّفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اتصالاتهما مع يريفان.

وفي عام 2022، زار وفد من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، العاصمة الأرمينية، وأدانت باكو بسبب أكبر تصعيد على الحدود الأرمنية - الأذرية، الذي اتُّهمت هي نفسها بالتحيز فيه. أيضاً زار سياسيون فرنسيون أرمينيا، وأعرب الرئيس إيمانويل ماكرون مراراً عن الحاجة إلى حماية أرمن كاراباخ، واتهم روسيا بزعزعة استقرار الوضع في المنطقة. كذلك حاول الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يلعب دوراً نشطاً في حل الصراع. وأرسلت بعثة إنسانية أوروبية إلى حدود الجمهوريتين من أرمينيا. لكن في الوقت نفسه، وفي ضوء انتقال الاتحاد الأوروبي إلى موردين بديلين عن روسيا للنفط والغاز، بدا أن الضغط على باكو لا يمكن أن يكون إلا «محدوداً». إضافةً إلى ذلك، دعم أذربيجان الرئيسُ التركي رجب طيب إردوغان، الذي زادت أهميته بالنسبة لحلف شمال الأطلسي بسبب الأحداث الأوكرانية (الوساطة وصفقة الحبوب). فالغرب لم يكن يريد ولا يستطيع أن يقف ضد أنقرة وباكو في الوقت نفسه فتندفعان إلى أحضان روسيا.

أما المتغير الثالث بعد روسيا والغرب، والذي كان يمكن أن يمنع أذربيجان من التصعيد فهو إيران. وقد أوضحت طهران أنها لن تتسامح مع التغيرات الجيوسياسية في المنطقة. وأشار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، خلال لقاء مع نظيره الأرميني أرمين غريغوريان، في طهران خلال أبريل (نيسان) إلى أن «أي تغيير جغرافي في منطقة جنوب القوقاز يخلق توتراً يستغله أعداء أمن واستقرار المنطقة». وبعد حرب 2020 بدأت إيران إجراء كبرى مناوراتها العسكرية في مناطقها الشمالية. وبحلول يناير (كانون الثاني) 2023، عندما تم إطلاق النار على السفارة الأذرية في إيران، وبدا أن أزمة كاملة قد اشتعلت في العلاقات بين باكو وإيران.

في ظل هذا الوضع الجيوسياسي، تبين أن مهمة فرض السيطرة النهائية على كاراباخ لصالح باكو ممكنة تماماً. وكان اختيار ساعة الصفر في 19 سبتمبر عندما تقدمت القوات المسلحة الأذرية، وأطلقت عملية مركزة للسيطرة على المنشآت الأساسية في كاراباخ. وبعد يوم واحد، لم يكن أمام قيادة جمهورية كاراباخ سوى الرضوخ لشروط باكو، والبدء بتسليم السلاح وصولاً في وقت لاحق إلى إعلان «حل الجمهورية» وإنهاء حلم أرمن كاراباخ في الاستقلال.

الحضور الغربي

على الصعيدين الإقليمي والعالمي، يمكن القول إن عملية أذربيجان لم تخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً بل وضعت اللبنة الأخيرة في واقع تبلور تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، وجاءت حرب روسيا في أوكرانيا لتسرّع هذا المسار. وحقاً، يستحيل تجاهل أن التأثير الأوروبي والأميركي في الأحداث الجارية ما زالا محدودين للغاية رغم تزايد نشاطهما أخيراً.

والواقع الذي نشأ بعد حرب كاراباخ الثانية يشير إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية (باستثناء دول معينة مثل المجر) أكثر تعاطفاً مع أرمينيا، خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار عامل باشينيان بوصفه «نظاماً ديمقراطياً». وفي الوقت عينه، فإن الغرب عاجز عن تقديم دعم قوي ليريفان، بسبب عدد من العوامل أبرزها أهمية تركيا، والدور المتنامي لموارد الطاقة في بحر قزوين، والنزعة السلمية الأوروبية، وتشتت القوات الأميركية بسبب المواجهة مع روسيا والصين وإيران.

لقد أثبت الغرب أنه عاجز عن التأثير على مسار الصراع، لما كانت العقوبات هي الأداة الأخيرة بين يديه، ورغم تهديد البرلمان الأوروبي باكو قبلاً باتخاذ إجراءات عقابية، فإن عامل الطاقة منع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ خطوات صريحة مناهضة لأذربيجان.

إيران وتركيا

بالتأكيد أن انتصار باكو عكس انتصاراً إقليمياً مهماً لتركيا التي عززت نفوذها بشكل غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز. في المقابل، تعرضت إيران لنكسة قوية.

كان نشاط إيران قد ازداد خلال العام الأخير على خلفية تعرضها لخسارة فادحة بسبب نجاح باكو خلال حرب 2020 في فرض سيطرة على الجزء الأعظم من الشريط الحدودي الذي كان يُستخدم بنشاط في الحركة التجارية بين أرمينيا وإيران. أيضاً قاد استبعاد إيران عن جهود روسيا لتسوية الصراع إلى ازدياد الاستياء في طهران بسبب تجاهل مصالحها. ونظر كثيرون في موسكو إلى بعض الاستفزازات الحدودية خلال السنوات الثلاث الماضية، بأنها مدعومة من جانب إيران بسبب رفض فرض تسوية نهائية لا تكون مصالح طهران مضمونة فيها.

العنصر الثاني المهم لإيران يتعلق بملفات التوتر بالوضع الداخلي في إيران على خلفية المزاج الاحتجاجي العام في البلاد. ولا يخفى أن ثمة أقلية قومية أذرية وازنة في إيران، يصل حجمها وفقاً لتقديرات مختلفة بين 25 و35 مليون أذربيجاني، وهي أكبر أقلية قومية في البلاد. ولطالما شكّلت أوضاع هذه الأقلية محور نقاشات وسجالات دائمة، وكانت تبرز إلى السطح عند كل منعطف أو توتر بين البلدين، لجهة اتهامات بانتهاك حقوق أبناء هذه الأقلية ووضعهم الاجتماعي والسياسي... فضلاً على مخاوف طهران من أن يُستخدم كثيرون منهم لتأجيج مزاج احتجاجي في البلاد. وهذا أمر له ما يبرره على خلفية تصريحات المسؤولين الأذربيجانيين الدائمة حول هذا الموضوع. ويكفي أنه في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قال الرئيس الأذري إلهام علييف إن «الأذريين الإيرانيين هم جزء من أمتنا». وخروج أذربيجان منتصرة بشكل حاسم من معركة كاراباخ سوف يُعزز هذه المخاوف لدى إيران.

مهّدت الأجواء للانتقال إلى مرحلة جديدة عبر فرض أمر واقع يشطب أي حوارات مستقبلية حول مصير كاراباخ

من ميدان القتال في كارباخ (آ ف ب)

قراءات الربح والخسارة في الحصيلة الروسية؟

> للعلم، برز جدال صاخب بين وجهتَي نظر حول تداعيات الحسم الأذري في كاراباخ على الوجود الروسي في منطقة جنوب القوقاز. فمن ناحية، بيّنت خسائر روسيا المباشرة، وفقاً لترجيحات، انتهاء أو على الأقل تقلص أهمية الدور الروسي في منطقة جنوب القوقاز. ويشير خبراء إلى أن أذربيجان ستذهب لاحقاً نحو طلب مغادرة قوات الفصل الروسية المنطقة بسبب انتفاء الحاجة إليها.

وبما أن كل الأطراف تعترف بأن أذربيجان تتصرف «على أراضيها»، فهذا يعني رفض بقاء القوات الروسية لحفظ السلام هناك. لكنّ المفارقة أن مسارعة يريفان إلى تسهيل استقبال أرمن كاراباخ، يخلق وضعاً مناسباً لباكو لإنهاء أي حضور خارجي بذريعة المحافظة على السلام أو ضمان حقوق الأقلية الأرمنية. وهذا بالتأكيد لا يصبّ في مصلحة موسكو التي لن تفقد فقط حضوراً مؤثراً في منطقة حيوية بالنسبة إليها، بل ستتعرض أيضاً لخسارة جديدة لمواقعها ونفوذها في الفضاء السوفياتي السابق كله، بعد تحوّل أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا إلى خصوم، ومراوحة بلدان آسيا الوسطى على خط «الحياد السلبي» في بعض جوانبه إبان مواجهة روسيا الحالية مع الغرب.

وعليه، طبيعيٌّ أن يتزامن تراجع مواقع موسكو في الإقليم مع تنشيط التحركات الأميركية فيه، والواضح أن نشاط واشنطن الكبير يهدف إلى تسريع تحويل جنوب القوقاز إلى «منطقة واحدة تتجه نحو الغرب». وبين الأهداف الجانبية لواشنطن أيضاً احتواء إيران على حدودها الشمالية، وخلق الظروف الأكثر إزعاجاً لمشاريع النقل واللوجيستيات المشتركة التي تروّج لها موسكو وطهران في المنطقة.

رهانات مقابلة

في المقابل، ترى الأوساط المقربة من الكرملين، أن روسيا ستظل القوة الحاسمة في كاراباخ وجنوب القوقاز ككل. ونظرياً، يمكن أن تؤدي الاتهامات بالتخلي عن أرمينيا وأرمن كاراباخ إلى إضعاف موقف موسكو في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» على المدى الطويل. ويمكن أن تثير يريفان أيضاً مسألة سحب القاعدة العسكرية الروسية رقم 102 من غيومري. لكن في الوقت نفسه، تروّج روسيا لفكرة أنها لم تقف على الحياد، وأن «أرمينيا نفسها وباشينيان شخصياً رفضا التدخل في الأحداث الأخيرة في كاراباخ».

الرهان الروسي يبدو قائماً على أن الاتهامات ضد روسيا لن تغيِّر أي شيء بشكل جذري. وبعد خسارة كاراباخ النهائية، ستبقى أرمينيا بحاجة إلى قاعدة عسكرية روسية كي تشعر بالأمان بجوار البلدين «التركيين» اللذين ترى فيهما تهديداً. ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن قوات حفظ السلام الروسية لن تغادر كاراباخ نفسها، على الأقل خلال السنوات المقبلة، وستحافظ أرمينيا على اعتماد مالي واقتصادي كبير على روسيا. إذ ترتبط جميع قطاعات الطاقة والسكك الحديدية وغيرها من مكونات الاقتصاد الأرمني بأنشطة الشركات الروسية، والتي لن يكون من السهل استبدال الشركات الغربية بها بين عشية وضحاها.

ونظراً لاحتفاظ روسيا بالقاعدة العسكرية في غيومري وقوات حفظ السلام في كاراباخ، فضلاً عن وجود معاقل لها في أبخازيا وأوسيتيا، فإن روسيا في المحصلة سوف تظل من وجهة نظرهم القوة المهيمنة في المنطقة.


كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك
TT

كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

كلاوديا شاينباوم تخوض معركة لتصبح أول امرأة ويهودية على رأس المكسيك

هذا التحول «الأنثوي» الجذري في المشهد السياسي للمكسيك؛ كبرى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في العالم، وثاني كبرى دول العالم اللاتينية، هو ثمرة مَخاض طويل تبوّأت خلاله النساء مناصب بارزة... من رئاسة «المحكمة العليا» إلى المناصفة في الحقائب الوزارية، والمقاعد في البرلمان، وحاكمية الولايات والبلديات الكبرى.

وقد تزامن هذا التحوّل في المكسيك مع تراجع شعبية القيادات السياسية البارزة، غالباً تحت وطأة الفضائح والفساد، وأسهمت في تسريع إيقاعه الإصلاحات التشريعية التي أقرّها البرلمان في السنوات الأخيرة.

غير أن «الذكورية» الجارفة في المجتمع المكسيكي، الذي تشكّل العصابات الإجرامية فيه خامس مصدر لفرص العمل، تُملي الحذر والترقب لمعرفة المآل الأخير لهذا التحوّل الذي تقوده امرأتان على طرفيْ نقيض في كل شيء تقريباً.

صراع المرأتين

عندما صدرت نتائج الاستطلاعات الأولى داخل حزب «مورينا (حزب النهضة الوطنية)» الحاكم، وأظهرت تقدم كلاوديا شاينباوم على منافسيها، أعلنت الرئيسة السابقة لحكومة العاصمة الاتحادية مكسيكو سيتي بأنه لا مجال لتضييع دقيقة واحدة في الحملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، قبل أن تتسلّم، في اليوم التالي، من الرئيس لوبيز أوبرادور مقاليد التنظيم السياسي اليساري الذي أسّسه وقاده منذ ثلاثة عقود.

وكانت تحركات شاينباوم الأولى في اتجاه منافسيها داخل الحزب للاستماع إلى مطالبهم، ومحاولة احتوائهم، ورصّ الصفوف وراءها في حملة يُنتظر أن تكون على جانب كبير من القسوة. وحقاً نجحت السياسية الطَّموح في استقطاب معظمهم، باستثناء منافِسها الرئيس، وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد الذي حلّ في المرتبة الثانية واتهمها بتزوير الاستطلاع ونتائجه، ليقرر بعد ذلك تشكيل جبهته الخاصة داخل الحزب ويفتح معركة ضدها.

ولكن على الرغم من ذلك، لا يشكُّ أحد، اليوم، بأن كلاوديا شاينباوم أصبحت هي الوريثة الشرعية للحركة السياسية التي أسّسها لوبيز أوبرادور، الذي صرّح أخيراً بأنه سيهجر العمل السياسي في نهاية ولايته، مطلع خريف العام المقبل، ويعتزل في مزرعته، بعدما يكون قد فتح الباب أمام أول امرأة لتتولى رئاسة الجمهورية في المكسيك.

من هي شاينباوم؟

تعرّضت كلاوديا شاينباوم، طوال تولّيها رئاسة حكومة العاصمة - وخصوصاً خلال حملة الانتخابات داخل الحزب الحاكم لاختيار المرشح لرئاسة الجمهورية - إلى انتقادات عدة تشكِّك في استقلاليتها عن لوبيز أوبرادور، وتأخذ عليها العمل والتحرك بتوجيهات مباشرة منه. وفي المقابل، دأبت هي في جميع ردودها على الانتقادات الموجَّهة إليها، على وضعها في خانة «الثقافة الذكورية» التي تَعتبر أن المرأة بحاجة دائماً لرجل يوجّه خطاها، ويُملي عليها القرارات التي يجب أن تتخذها.

إلا أن التحدّي السياسي الأكبر الذي يواجه شاينباوم في هذه المرحلة، ليس التعايش مع الظل الوارف للرئيس الذي ينفرد بـ«كاريزما» لم يعهدها المكسيكيون في العقود الماضية، بقدر ما هو إيجاد موقعها داخل الحركة اليسارية في أعقاب تسلمها القيادة منه.

أمر آخر لافت هو أن شاينباوم، وبخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى قبل الانضمام إليه، اقتصر انتماؤها السياسي، طوال ربع قرن، على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور، وبعدها تدرّجت في كنفه حتى أصبحت أَشبه ما تكون بامتداد لأفكاره وأسلوب عمله.

شاينباوم كانت قد توّلت عدة حقائب في حكومة العاصمة التي رأسها لوبيز أوبرادور، في السنوات الخمس الأولى من هذا القرن، وهي التي نظمّت وقادت الإضراب الذي دام 48 يوماً في قلب العاصمة، بعد انتخابات عام 2006 الرئاسية، التي ندّدت المعارِضة اليسارية في حينه بتزويرها من أجل انتزاع الفوز من لوبيز أوبرادور الذي بايعته الحشود المؤيدة «رئيساً شرعياً». وما يُذكر أن الأخير يومذاك أعلن يومها تشكيل «حكومة» تولّت فيها شاينباوم الدفاع عن موارد المكسيك الوطنية، وفي طليعتها النفط؛ وهو أحد المحاور الرئيسة في خطاب لوبيز أوبرادور وحزبه.

في عام 2012، خاض آندريس مانويل لوبيز أوبرادور معركته الرئاسية الثانية، وأعلن، خلال حملتها، تكليف شاينباوم بحقيبة البيئة في حال فوزه، بيد أنه خسر رهانه مجدداً، ومن ثم، في حين عادت هي إلى نشاطها الأكاديمي باحثة في العلوم البيولوجية، انصرف الزعيم الخاسر إلى تأسيس حزب جديد أطلق عليه «حزب النهضة الوطنية» وعُرف بالأحرف الأولى من كلماته «مورينا».

وقد حصل اللقاء الأول بين شاينباوم ولوبيز أوبرادور، بعد فوز الأخير بمنصب رئيس حكومة العاصمة، وخصوصاً عندما اقترح عليه مُعاونوه تكليفها بحقيبة البيئة وخفض نسبة التلوث العالية في المدينة الضخمة (يسكنها أكثر من 10 ملايين نسمة، ويرتفع العدد مع ضواحيها لأكثر من 20 مليوناً)، وحتى ذلك الحين كان نشاطها السياسي مقصوراً على نشاطها ضمن الحركة النضالية الجامعية، في العاصمة المكسيكية أولاً، ثم في جامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة في الولايات المتحدة لاحقاً.

مثقفة ويسارية وعالِمة يهودية

تتحدّر كلاوديا شاينباوم من أسرة يهودية ليتوانية هاجرت إلى المكسيك، وكان والداها يعملان في حقل البحوث العلمية والأكاديمية. وقد سارت ابنتهما على خطاهما، فتخصّصت في العلوم الفيزيائية، ونالت شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول استخدام مَدافئ الحطب في المناطق الريفية، في جامعة مكسيكو الوطنية الحرة «أونام»، دون أن يؤثر نضالها الطلابي في تحصيلها العلمي، ثم تخصّصت في هندسة الطاقة، وسافرت إلى الولايات المتحدة حيث تابعت تحصيلها العلمي في كاليفورنيا، حيث برزت هناك أيضاً مناضلة في صفوف الحركة الطلابية.

تولّت منصباً استشارياً بارزاً في «الهيئة الوطنية لتوفير الطاقة»، وفي «الهيئة الفيدرالية للكهرباء». وعلى الصعيد العالمي كانت مستشارة للبنك الدولي ولـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، ثم إنها في تسعينات القرن الفائت شاركت في وضع المناهج التطبيقية التي قام عليها برنامج مكافحة التلوث في مكسيكو سيتي، ونظام الإنذار المبكر في حال الطوارئ البيئية. وفي عام 2007 انضمت إلى فريق الخبراء الحكوميين الدوليين، الذي شكّلته «الأمم المتحدة» حول تغيّر المناخ، وهو الفريق الذي نال لاحقاً «جائزة نوبل للسلام».

يقول لوبيز أوبرادور، في مذكراته بعنوان «هذا أنا»، إنه بعد الهزيمة التي لحقته في الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2012 كان على وشك اعتزال النشاط السياسي، غير أنه عندما شاهد الحشود الغفيرة تُنادي بفوزه في قلب العاصمة طوال الإضراب الاحتجاجي الذي لعبت شاينباوم دوراً بارزاً في تنظيمه، قرّر مواصلة سعيه إلى الرئاسة الأولى، بينما عادت هي إلى التفرغ للبحث الأكاديمي، والابتعاد عن الدائرة الضيقة المحيطة به.

لكن الوضع تغيّر، إذ عندما قرر لوبيز أوبرادور أن يكون الحزب الجديد الذي أسّسه معقلاً للأفكار والطروحات اليسارية الحديثة - التي كانت شاينباوم تنادي بها منذ سنوات - عادت هي في دور القيادية البارزة إلى جانبه، وحصدت أول انتصار بارز لحزبه الجديد، عندما فازت في انتخابات مدينة تلالبان البلدية عام 2015.

مع هذا، لم تستمر في المنصب طويلاً، فقد استقالت منه بعد سنتين لمساعدة لوبيز أوبرادور في حملته الرئاسية الثالثة، وأيضاً لتحضير ترشيحها لحاكمية العاصمة التي فازت بها عام 2018، وأضحت أول امرأة منتخَبة تتولى هذا المنصب المهم.

يومذاك، قطفت كلاوديا شاينباوم أولى ثمار نضالها الاجتماعي والسياسي الطويل إلى جناب «راعيها» وحليفها لوبيز أوبرادور، الذي كان قد رسّخ النهج اليساري في حزبه حول ثلاثة محاور أساسية هي: مكافحة الفساد، والتقشّف في الإنفاق العام، وإحياء «المذهب الإنساني المكسيكي» الذي يعطي الأولوية للفقراء.

انتصار هذا النهج رسّخ موقع شاينباوم في واجهة المشهد السياسي اليساري المكسيكي الذي كان قد تعاقب على حاكمية العاصمة منذ أواخر القرن الماضي، حيث ترك بصماته لوبيز أوبرادور، ثم مارسيلو إيبرارد، وزير الخارجية السابق، ومنافِس شاينباوم أخيراً على ترشيح الحزب لانتخابات العام المقبل الرئاسية.

العاصمة... مهد اليسار المكسيكيفي

الحقيقة، تُعدّ العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي مهد اليسار المكسيكي الحديث، حيث تلاقت فيها الحركات الاحتجاجية، من جامعية وعمالية وزراعية، وتفاعلت وانصهرت، لتصبح الأساس الذي بنى عليه لوبيز أوبرادور مشروعه السياسي الذي أصبح اليوم في عهدة شاينباوم.

وبالنسبة لشاينباوم شخصياً، تميّزت فترة تولّيها حاكميتها للعاصمة الضخمة المترامية الأطراف، بإنجازات مشهودة في وسائل النقل العام، وآلاف المِنح الدراسية للطلاب الفقراء، وشبكة واسعة من الخدمات لحماية الأقليات ومراكز تعليمية في المناطق المهمَّشة والمحرومة. وكان لوبيز أوبرادور يردد أن وجود شاينباوم على رأس حكومة العاصمة «يبعث على الارتياح»، ويسمح له بالتفرّغ لإطفاء الحرائق في أماكن أخرى. لكن اللافت أن الملف الذي غاب حتى الآن عن العناوين الرئيسة لخطاب شاينباوم هو الإجرام المنظّم، الذي تضمّ عصاباته المسلَّحة ما يزيد عن 200 ألف عنصر متفرّغ لتهريب المخدرات والخطف والقتل والابتزاز، يهددون سلطة الدولة في معظم الولايات، وينشرون الرعب بين المواطنين، الذين يرى كثيرون منهم في هذه المنظمات فرصاً بديلة للعمالة التي يفتقدونها في السوق الشرعية.

وما تجدر الإشارة إليه، هنا، أنه مع بداية انحسار جائحة «كوفيد-19» في عام 2021، انهار أحد خطوط شبكة مترو الأنفاق في العاصمة، وأسفر الحادث عن مقتل 27 من العمال، وإصابة المئات. وحقاً كانت له تداعيات سياسية فورية دفعت شاينباوم ثمنها باستقالتها، إلى جانب إيبرارد الذي كان خط الشبكة قد دُشّن خلال فترة ولايته.

ذلك الحادث شكّل بداية معركة شرسة بين الاثنين داخل الحزب، حيث حاول كل منهما إلقاء اللوم على الآخر، وتحميله مسؤولية تلك الكارثة. وبعد ذلك تعرَّض الحزب لسلسلة من الهزائم على الصعيدين المحلي والوطني، ثم خسر الغالبية التي كان يتمتع بها في البرلمان، الأمر الذي حالَ دون المُضي في التعديلات الدستورية التي كان قد بدأها تنفيذاً لبرنامجه الانتخابي، بينما كان اللوم يلقى على شاينباوم، الوجه الأبرز للحزب (آنذاك) بعد الرئيس.

وبالفعل، تعرّضت شاينباوم، داخل الحزب وخارجه، لسيلٍ من الانتقادات المشكِّكة في قدراتها القيادية واستقلاليتها، بعدما كانت توصف بأنها «المفضَّلة» لدى الرئيس، لأنها تتماهى مع مواقفه، وأنه سيكون هو الحاكم الفعلي، في حال وصولها إلى الرئاسة. غير أنها كانت تصرّ دائماً على رفض تلك الاتهامات، بانيةً حملتها للفوز بترشيح الحزب لرئاسة الجمهورية على خطاب عنوانه الرئيس «إن الوقت قد أزف كي تصل المرأة إلى قمة الهرم السياسي في المكسيك».

ورغم المساعي التي أطلقتها لتعميق السياسات التي نهجها لوبيز أوبرادور، مثل الاهتمام المحوري بالفقراء، وتوسيع الخدمات الاجتماعية لهم، والرهان على تنمية المناطق المهمَّشة، والتقشف في الإنفاق العام، فإنها طرحت عناوين جديدة في برنامجها الانتخابي غابت عن سياسة الرئيس الحالي، مثل الانتقال إلى الطاقة النظيفة والمتجددة، وتنمية البحوث العلمية والتكنولوجية.

حقائق

بخلاف منافسيها داخل الحزب من الذين تدرّجوا في أحزاب أخرى، اقتصر انتماؤها السياسي على الحزب الذي أسّسه لوبيز أوبرادور.

سباق 2024 الرئاسي المكسيكي «اختبار» سياسي وثقافي

 

عندما استقالت كلاوديا شاينباوم من رئاسة حكومة العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، بعد حادثة شبكة مترو الأنفاق، كانت شعبيتها في أعلى مستوياتها. بَيْد أن المعركة التي تنتظرها راهناً داخل حزبها «مورينا» اليساري قد تكون أشرس من تلك التي تستعدّ لها ضد منافِستها مرشحة المعارضة اليمينية، إذ رفض خصمها ومنافِسها وزير الخارجية السابق مارسيلو إيبرارد نتائج الاستطلاع الداخلي، وقرّر تأسيس تيّاره الذاتي داخل الحزب، ومواصلة سعيه للترشح إلى الرئاسة، في مواجهة مفتوحة مع شاينباوم قد تشق صفوف اليسار.

لوبيز اوبرادور (غيتي)

وردّاً على ذلك، لإدراك شاينباوم أهمية وحدة الصف في الاستحقاق الرئاسي الذي من المنتظر أن تكون المنافسة فيه على أشُدّها بعد إعلان الأحزاب اليمينية المعارضة خوضه ضمن تحالف واسع موحّد، تعهّدت شاينباوم بإعطاء جميع منافسيها داخل الحزب مناصب في الحكومة، إذا فازت في انتخابات العام المقبل، بل إنها تركت الباب مفتوحاً، حتى أمام إيبرارد في حال قرر البقاء داخل «مورينا» بجانبها، إذ قالت، عند إعلان النتائج: «وحدة الصف أساسية، وأبواب الحزب لن توصَد أبداً».

ايبرارد (تويتر)

مع هذا، ورغم أن إيبرارد، الذي يتمتع بتأييد لا يُستهان به داخل الحزب أعطاه 26 في المائة من الأصوات، لم يعلن خروجه من الحزب حتى الآن، بات من شِبه المؤكّد على أثر قراره تشكيل تياره الذاتي داخل الحركة، أن خطوته التالية ستكون الانفصال، وهو، بهذا الانفصال، يمهد، على الأرجح، لتحديد موقعه في المشهد السياسي؛ تأهباً لبداية حملة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

غالفيز (آ ف ب)

وفي حين يرى بعض المراقبين أنه ليس مستبعَداً انضمام إيبرارد إلى التحالف اليميني المعارض، مقابل «ضمانات» بمستوى طموحاته، يرجّح آخرون أن يخوض المعركة الرئاسية بصفته مرشحاً ثالثاً في مواجهة شاينباوم، ومرشحة المعارضة اليمينية كسوتشيل غالفيز. وكان لوبيز أوبرادور قد علّق على هذا الاحتمال الأخير بقوله «إذا حصل ذلك، فستكون المعارضة هي الخاسر الأكبر»؛ إدراكاً منه أن إيبرارد يتمتع بشعبية واسعة بين الطبقة الوسطى.

من جهة ثانية، حرص لوبيز أوبرادور، منذ إعلان نتائج الاستطلاع الداخلي لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، على حسم موقفه بشكل واضح، موصِداً بذلك الباب أمام محاولات الالتفاف على النتائج، وتكرار الاستطلاع، كما يطالب وزير خارجيته السابق، بل إنه قال صراحةً: «لقد أنهيت مهمتي، وسلّمت قيادة الحركة إلى شاينباوم الاستثنائية، صاحبة القناعات الراسخة والمبادئ النزيهة».

ولكن إذا كان الرئيس المودّع يعتبر أن مهمته انتهت بتسليمه القيادة إلى وريثته السياسية، فإن مهمة شاينباوم ما زالت في بدايتها لتسجل سابقة في التاريخ المكسيكي، وتصبح أول امرأة تصل إلى الرئاسة الأولى، وهي في حال وصولها - الذي ترجِّحه كل الاستطلاعات الحالية ما لم تحصل مفاجآت على الطريق الطويلة - سيكون تتويجاً لمرحلة مفصلية شهدت «اجتياحاً» نسائياً للمناصب العليا في المؤسسات السياسية والإدارية المكسيكية، داخل القطاعين العام والخاص. والواقع أن وصول المرأة إلى المناصب العليا في المكسيك بلغ حداً دفع كثيرين إلى التساؤل: متى سيَحين الوقت ليسلم الرجال هذه المناصب... كما تساءل أخيراً قائد الشرطة الوطنية عمر حرفوش، المرشح لرئاسة حكومة العاصمة.


«طوفان ليبيا» يعصف بالديار... ويهدد الساسة

منظر يعبر عن فداحة الكارثة في درنة المنكوبة (رويترز)
منظر يعبر عن فداحة الكارثة في درنة المنكوبة (رويترز)
TT

«طوفان ليبيا» يعصف بالديار... ويهدد الساسة

منظر يعبر عن فداحة الكارثة في درنة المنكوبة (رويترز)
منظر يعبر عن فداحة الكارثة في درنة المنكوبة (رويترز)

تفجّرت شرارة غضب مفاجئة، من قلب الركام في مدينة درنة الليبية الجريحة، مهددة على نحو غير متوقع مواقع «الساسة التقليديين» في ليبيا، ومعلنة على ما يبدو أن «ساعة الحساب قد اقتربت»، وأن «الطغمة الحاكمة» ستسدد حتماً فاتورة «الخراب» الذي حلّ بالمدينة... كل من واقع مسؤولياته. فلقد ظن البعض أن «دفتر الأحزان» الممتد على طول ليبيا وخارجها قد يُلهي المكلومين عن تتبع «الجناة» والمطالبة بالاقتصاص منهم، لكن ما شهده محيط مسجد الصحابة وسط درنة، منتصف الأسبوع الماضي، جاء مذهلاً لمَن في سدة الحكم: فها هم «أصحاب الدم»، بعد ما فرغوا من مواراة جثامين أبنائهم وذويهم الثرى، جاءوا بالآلاف غاضبين محتجين متوعّدين بالبحث عن قاتليهم، وهم يهتفون باسم «ليبيا الموحدة».

كـ«طائر الفينيق»، انتفضت أسر ضحايا فيضانات شرق ليبيا واحتشدت قُبالة المسجد الذي يجاوره مقابر أربعة من الصحابة في مدينة درنة المنكوبة، فيما اعتلى بعض المتظاهرين سقفه والتفوا حول قبته الذهبية التي تعد أحد معالم المدينة، مطالبين بمحاسبة عدد من المسؤولين من بينهم رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح.

عبدالحميد الدبيبة (غيتي)

وهناك من قلب المدينة، المطلّة على البحر المتوسط، التي تحولت إلى خلية نحل لفرق إنقاذ محلية وعربية ودولية، بدا أن الضحايا الذين قضوا تحت الركام يبعثون من مرقدهم رسائل رفض إلى المتكلمين باسمهم في «حِسبة سياسية» على وقع تناحر وانقسام حكومي.

الغضب الشعبي في درنة يتمثل في أن «الفساد» الذي تعانيه ليبيا - وفق تقارير ديوان عام المحاسبة - كان أحد أسباب الدمار الذي لحق بالمدينة ومضاعفة أعداد ضحاياها، وفقاً لرؤيتهم، وذلك بالنظر إلى تجاهل تحذيرات أُطلقت قبل سنة، تشير إلى أضرار جسيمة ببعض سدودها تتطلب إخضاعها للصيانة.

عقب ساعات من اندلاع الإعصار، الذي شبهه بعض الناجين المصريين بطوفان سيدنا نوح. سارعت السلطة التنفيذية في العاصمة، ممثلة في محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إلى مطالبة النائب العام بفتح تحقيق «شامل» في تداعيات الكارثة، ومحاسبة المسؤولين عن انهيار سدّي «وادي درنة» و«أبو منصور» بالمدينة.

غضب وطلب محاسبة

في تلك الأثناء، كان سكان المدينة يوارون المئات من القتلى في مقابر جماعية، في حين لا تزال الجثث عالقة تحت الركام، ورائحة الموت تفوح في جميع الأنحاء، والمطالب تتصاعد بضرورة محاسبة «المتورطين». وفي جلسة برلمانية لبحث تداعيات أزمة السيول، قال رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إن ما حصل في درنة «فاجعة كبرى». وسعى إلى صرف اللوم عن السلطات المسيطرة على درنة، واصفاً الإعصار بـ«الكارثة الطبيعية»، وقال إنه «ينبغي عدم التركيز الآن على ما كان يمكن القيام به».

تصريح صالح، وضعه في مرمى الغاضبين في درنة، فوجهوا إليه انتقادات لاذعة، مردّدين هتافات تطالب بـ«رحيله»، غير أن عددا من السياسيين الذين تكلموا إلى «الشرق الأوسط» لفتوا إلى أن موجة الغضب هذه لم ولن تتوقف عند صالح، بل «ستطول جميع الساسة في عموم البلاد»، لكونهم «انشغلوا طوال العقد الماضي بتحقيق مكاسب سياسية لهم ولجبهتهم على حساب الشعب الليبي».

ولقد قال جمال الفلاح، رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية: «عندما نتحدث عن رحيل الأجسام السياسية فإننا نشير إلى ضرورة رحيلها جميعاً، مجالس وحكومات». وما ذهب إليه الفلاح تبنته تيارات سياسية عديدة ترى أن السياسيين في البلاد «عملوا طوال السنوات الماضية على عرقلة المسار الانتخابي بهدف بقائهم في السلطةعلى حساب المواطنين الذين طحنتهم الأزمات المتلاحقة».

أيضاً اعتبر المحتجون في درنة تصريحات صالح «تستراً» على حكومة أسامة حمّاد، المكلفة من مجلسه، ولذا تمسكوا في مطالبهم بـ«إجراء تحقيق دولي» في انهيار السدّين، وأن تكون «إعادة إعمار مدينتهم تحت إشراف دولي» أيضاً، كما حمّلوا المسؤولية «للحكومات المتعاقبة حتى الآن، ولمجلس النواب الحالي بشكل خاص». وأرجع المتظاهرون غضبتهم إلى التحذيرات السابقة التي أوردها الباحث الليبي عبد الونيس عاشور، في كلية الهندسة جامعة عمر المختار بالبيضاء، ورأى فيها الحاجة الملحة لصيانة سدود درنة، خوفاً من تعرضها للغرق حال حدوث فيضان، وذلك بعدما عاين ما بها من تشققات.

«تحقيق دولي» ... وتداعيات

للعلم، تقع درنة شمال شرقي ليبيا، ويبسط «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر سيطرته عليها، بجانب إشراف حكومة أسامة حمّاد. والسيول التي أوقعت آلاف الضحايا في مدن شرق ليبيا هي الآن محل تحقيق من المستشار الصديق الصور النائب العام الليبي، وسط تبرؤ الحكومتين مما لحق بالبلاد من كارثة. هذا، وقال مصدر في النيابة العامة الليبية، لـ«الشرق الأوسط» إن النائب العام بدأ التحقيقات في القضية، منتصف الشهر الحالي، لمعرفة الأسباب التي أدت لانهيار سدي «وادي درنة» و«أبو منصور». وتابع أن «المساءلة ستشمل مسؤولين من السلطات التي تعاقبت على حكم البلاد خلال العقد الماضي». وما يُذكر هنا أنه سبق واستدعى النائب العام مسؤولين من وزارة الموارد المائية والهيئة المختصة بصيانة السدود لسماع أقوالهم، بالنظر إلى وجود تحذيرات سابقة من «كارثة» قد تتعرض لها درنة في حال تعرضها لأي فيضان، ما لم تبدأ السلطات في صيانة السدود.

من جهة ثانية، كان الدبيبة قد نقل عن وزارة التخطيط التابعة لحكومته «وجود تشققات وهبوط أرضي ومشكلات إنشائية بالسدّين المنهارين، وعدم إخضاعهما للصيانة منذ عام 2011». وبدا لليبيين عديدين سياسيين ودبلوماسيين وإعلاميين أن كارثة الإعصار لن تمر على البلاد كأزمة اعتيادية شهدت مثلها منذ رحيل الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011. إذ إن أكثرهم يعتبرون أيضاً ما حدث في البلاد بمثابة «طوفان» سيعصف بسياسييها كما أتى على ديار «الدرناوية»، وأغرق قرابة ربعها في البحر.

محمد المبشر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالح» يرى أن «التحقيق ومعاقبة المُقصّرين مطلب لا يمكن التنازل عنه». وبالفعل، أضرم متظاهرون النار في منزل عبد المنعم الغيثي عميد بلدية درنة، بعد اتهامات بـ«الفساد والإهمال» اللذين تسببا في عدم إجراء الصيانة اللازمة للسدود وانتهى بالكارثة. لكن رئيس حكومة شرق ليبيا سارع بإقالة جميع أعضاء المجلس البلدي لدرنة وأحالهم إلى التحقيق. ومع تعاظم تداعيات الإعصار المميت، وتصاعد المطالب بالتحقيق، سارعت بعض الجهات السياسية بتقديم ما يمكن وصفه بـ«كشف حساب» عن تحركاتها حيال تأثير الكارثة. وفوّض المجلس الأعلى للدولة الجهات المعنية في الدولة بمطالبة إجراء «تحقيق دولي شامل» في أسباب الكارثة، وقال إنه أعلن درنة «مدينة منكوبة» وطلب اتخاذ ما يلزم من إجراءات وترتيبات لاستصدار قرار دولي بهذا الشأن وبما يضمن تخصيص ورصد الأموال اللازمة لإعادة إعمارها. وأضاف المجلس أنه طالب بضرورة الإسراع في توفير الإمكانيات اللازمة للرعاية الصحية في درنة، واستحداث مركز للدعم النفسي والاستعانة بجهود دول أو منظمات متخصصة في هذا الشأن.

المكاسب السياسية

في سياق آخر، بعد 10 أيام من وقوع الكارثة واستمرار عمل فرق الإنقاذ في درنة، واندماج الأجهزة المدنية والأمنية والعسكرية التابعة لغرب ليبيا وشرقها معاً هناك، بدا أن أطرافاً سياسية لم تتخل بعد عن «الروح الانقسامية». وظهر ذلك جلياً في اتهامات موجهة لحكومتي الدبيبة وحمّاد.

وأمام جلسة برلمانية، خرج يوسف العقوري، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس، عن تحفظه، واتهم وزراء حكومة حمّاد وبعض النواب بالسعي لتحقيق «مكاسب سياسية» لكونهم طالبوا المنظمات الدولية والسفراء الأجانب بالتوقف عن التواصل مع الدبيبة. وقال «الناس تموت والجثث في البحر، وأنتم تبحثون عن مكاسب سياسية».

وفي المقابل، عدّد علي القطراني، نائب رئيس حكومة حمّاد عضو اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة، الجهود الإغاثية التي تجريها حكومته على الأرض، وأشار في مؤتمر صحافي لما سماه «متاجرة سياسية رخيصة بدماء وأرواح الضحايا» من بعض أطراف (لم يسمها) وقال إنها «تنسب هذه المجهودات لنفسها؛ وهم أبعد ما يكونون عن الواقع أو الأرض»، في إشارة إلى حكومة الدبيبة.

من جهة ثانية، سبق للمتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية نجوى مكي، القول لوكالة «رويترز» للأنباء إن «فريقاً من الأمم المتحدة كان من المقرر أن يذهب إلى درنة من بنغازي (الثلاثاء) للمساعدة في مواجهة آثار السيول، ولكن لم يسمح له بذلك»، وطالبت بالسماح بوصول الفرق دون عراقيل. وعلى الفور أمر الدبيبة مصلحة الجوازات والجنسية بوزارة الداخلية، التابعة لحكومته، بتسهيل منح تأشيرات دخول فرق الإنقاذ العربية والأجنبية، وتيسير إجراءات الموافقة لدخول بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي للمساهمة الإغاثة.

كلام عبد الجليل

اليوم يربط بعض المراقبين بين مطالبة حكومة حمّاد للصحافيين ووسائل إعلام بمغادرة درنة، وبين المظاهرات الاحتجاجية لأسر الضحايا التي خرجت تطالب برحيل صالح، ويرون أن الحكومة «لا تريد نقل حالة الاحتقان الحاصلة إلى الرأي العام الدولي». غير أن الدكتور عثمان عبد الجليل، وزير الصحة في حكومة حمّاد وعضو اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة، قال إن «فرق الإنقاذ المحلية والدولية لا تزال تتوافد على درنة للمساعدة في عمليات الإغاثة (...) ويوجد 14 فريق إنقاذ يعملون على الأرض منهم 10 فرق أجنبية». وبشأن إخلاء المدينة، نفى عبد الجليل ذلك، وقال «إخلاء جزئي لبعض المناطق فقط؛ لتسهيل عمل فرق الإنقاذ لاستخراج الجثث من تحت الأنقاض». وكان صحافيون ووسائل إعلام ينقلون الأحداث على الهواء من المدينة منذ أيام قد ادعوا أنهم «أُمروا بالمغادرة».

تسييس المعاناة

أمام هذه التجاذبات تساءل المحلل السياسي الليبي يوسف الحسيني «كم هو بشع تسييس المعاناة الإنسانية»؟ وأردف «... والأبشع أن يحدث ذلك باسم الله». ثم إنه على الرغم مما يحدث قال السفير الليبي إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين بالأمم المتحدة سابقاً، إن درنة، التي شبهها بطائر الفينيق «تسمو على مصابها، وتُسمع العالم صوتها؛ بشعار صادح وصادق وصادم يعري انتهازيي الداخل، ويهز متربصي الخارج هو ليبيا وحدة وطنية... لا شرقية ولا غربية».

الحقيقة، أن لليبيا تاريخاً ممتداً في الإفلات من العقاب، على مدار العقد الماضي، والذي شهد العديد من الجرائم دون محاسبة المتورطين فيها. لكن بعض المنظمات الحقوقية المحلية والعربية دعت إلى ضرورة إجراء تحقيقات «شاملة ومستقلة ونزيهة وشفافة» في ظروف هذه الكارثة و«إعلان نتائجها على الملأ». ولكن في هذه الأثناء، لم يتحدد بعد العدد الإجمالي للقتلى، إذ لا يزال الآلاف في عداد المفقودين. وظهر تفاوت كبير في الأعداد التي أعلنها مسؤولون، علماً بأن «منظمة الصحة العالمية» أكدت وفاة 3922 مع نهاية الأسبوع الماضي.

أيضاً، ما يستحق الإشارة أن «إعصار دانيال» ضرب يوم سبتمبر (أيلول) الحالي معظم منطقة الجبل الأخضر بشرق ليبيا، متسبباً بأضرار بشرية ومادية بالغة في كل من مدن درنة والبيضاء وشحّات والمرج وسوسة وتاكنس والبياضة ووردامة وتوكرة.

مواطنان أمام الدمار الكبير (رويترز)

ليبيا: سنوات من الفوضى والفشل في عقد الانتخابات

شهدت ليبيا خلال السنوات الـ12 الماضية عشرات الأزمات على مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية عدة، بداية من الفوضى الأمنية التي سادت البلاد عقب إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وما أعقبها من انقسام سياسي ضرب البلاد عام 2014، واستمر حتى الآن.

وهنا نرصد أهم هذه المحطات في تاريخ البلاد:

> بدأت التوترات تظهر في ليبيا عندما حملت ميليشيات محلية السلاح ضد الرئيس الراحل معمر القذافي، إلى أن تمكنت من إسقاطه في مشاهد مأساوية. ومن ثم، انزلقت البلاد إلى حالة الفوضى بعد الإطاحة بالنظام السابق في عام 2011.

> أجريت في ليبيا انتخابات برلمانية شهدت نزاعاً على نتيجتها وتصعيد الاقتتال في عام 2014. وفي أعقاب ذلك ظهرت حكومتان متنافستان: واحدة تتمركز في الشرق والأخرى في العاصمة طرابلس.

> انقسم مصرف ليبيا المركزي إلى فرعين في غرب ليبيا وشرقها بعد ظهور إدارة موازية في الشرق لدى انقسام ليبيا جراء الحرب الأهلية.

> تولى البنك المركزي في طرابلس التعامل مع عائدات الطاقة، وكان يصرف المرتبات الحكومية ويوفر العملة الصعبة للمستوردين والتمويل الحكومي.

> ضمت طرابلس حينها حكومة «الوفاق الوطني» غير المنتخبة التي ترأسها فائز السراج، وكانت تشكلت بموجب «اتفاق الصخيرات» الموقع في المغرب، والذي توسطت فيه الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2015.

> نسجت حكومة «الوفاق الوطني» تحالفات في المناطق الغربية، أما شرق ليبيا فيخضع منذ فترة ما بعد رحيل القذافي لسيطرة «الجيش الوطني الليبي» الذي أعاد خليفة حفتر تكوينه هناك، حتى بات يسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد.

> طردت عناصر «البنيان المرصوص» تنظيم «داعش» من سرت عام 2016 بإسناد أميركي. وتعافى جزئياً إنتاج النفط وانحسرت شبكات تهريب المهاجرين إلى حد ما في تلك الأثناء إثر ضغوط قوية من جانب إيطاليا، لكنها نشطت عقب ذلك.

> تحديات سياسية وأمنية ولوجيستية عديدة جعلت من الصعب إجراء انتخابات ناجحة، في ظل مساعٍ أممية لإنهاء المرحلة الانتقالية.

> اعتبر سياسيون ليبيون أن الحملة العسكرية التي شنها «الجيش الوطني الليبي» ضد حكومة «الوفاق الوطني» بالعاصمة طرابلس عام 2019 انتكاسة للجهود الأممية حينها للوصول إلى اتفاق يُعجّل بالعملية الانتخابية.

> عقب «مؤتمر برلين»، نظمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «ملتقى الحوار السياسي» الليبي الذي اختار حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأنيط بها تجهيز البلاد لانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في 24 ديسمبر 2021. لكن ذلك لم يحدث لأسباب تتعلق بالقوانين الانتخابية.

> بعد فشل انتخابات 24 ديسمبر أصدر مجلس النواب مرسوماً في 10 فبراير (شباط) 2022 يسمح بتعيين فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الجديدة، لتجد ليبيا نفسها مرة أخرى أمام حكومتين متنازعتين على السلطة.

> تمسكت حكومة «الوحدة الوطنية» بالاستمرار في الحكم حتى إجراء انتخابات جديدة (رغم انتهاء ولايتها) بعد تكليف البرلمان لحكومة باشاغا.

> تصدت ميليشيات مسلحة موالية لحكومة الدبيبة لمسؤولي حكومة باشاغا ومنعتهم من الدخول إلى العاصمة طرابلس لممارسة مهامهم، ما اضطر باشاغا لقيادة الحكومة من سرت وبنغازي إلى أن أعلن مجلس النواب عزله وإسناد الحكومة إلى أسامة حمّاد.

- أعلنت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا عن الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة «6 6» مكونة من أعضاء مجلس النواب و«الدولة» لحسم الملفات الخلافية بينهما، بشأن القوانين الانتخابية، لكنها حتى الآن لم تتوافق على الشكل النهائي للقاعدة التي من المفترض أن يجرى على أساسها الاستحقاق.

- تسعى الأمم المتحدة لدى الأطراف السياسية في ليبيا إلى حالة من التوافق، والاتفاق معها على ضرورة انتهاء اللجنة المشتركة «6 6» من وضع القوانين الانتخابية، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.

- تسببت كارثة درنة التي وحدت الجهود الشعبية في انصراف الحديث عن الانتخابات راهناً، وبات الجميع منشغلا بعمليات الإنقاذ والإغاثة مع ارتفاع أعداد الضحايا والمفقودين والمشردين بمدن شرق ليبيا.


دنيس ساسو نغيسو... الزعيم المخضرم للكونغو برازافيل يقاوم «عدوى الانقلابات»

دنيس ساسو نغيسو... الزعيم المخضرم للكونغو برازافيل يقاوم «عدوى الانقلابات»
TT

دنيس ساسو نغيسو... الزعيم المخضرم للكونغو برازافيل يقاوم «عدوى الانقلابات»

دنيس ساسو نغيسو... الزعيم المخضرم للكونغو برازافيل يقاوم «عدوى الانقلابات»

يبدو أن على رئيس الكونغو برازافيل دينيس ساسو نغيسو أن «يتحسّس حكمه» في ظل عدوى الانقلابات التي تضرب أفريقيا حالياً، ونالت أخيراً من جارته الغابون. فبينما يتأهب نغيسو (79 سنة) لأن يتجاوز 40 سنة في السلطة مع نهاية ولايته الحالية عام 2026، تأتي شائعات الانقلاب لتلاحقه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثناء وجوده خارج البلاد للمشاركة في نيويورك باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. التكهنات التي ظهرت بالتزامن مع مغادرة نغيسو العاصمة الكونغولية برازافيل، التي زعمت سيطرة قوات من الجيش على مؤسسات الدولة، نفتها الحكومة ووصفتها بـ«الشائعات الخيالية»، وطالبت الرأي العام بالهدوء، والمواطنين بممارسة نشاطاتهم المعتادة.

قبل بضعة أيام، وحول الوضع في الكونغو برازافيل، كتب تييري مونغالا، وزير الإعلام، في منشور على صفحته الشخصية بمنصة «إكس» («تويتر» سابقاً): «تنفي الحكومة الشائعات، وتؤكد أنه لم يحدث انقلاب عسكري في برازافيل، وتطالب الرأي العام بالهدوء، والمواطنين بممارسة نشاطاتهم المعتادة». كذلك نشرت الرئاسة الكونغولية، في وقت لاحق، شريط فيديو للرئيس لدى وصوله إلى مقر البعثة الكونغولية للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغابون، الجارة الغربية للكونغو برازافيل، كانت آخر محطة وصل إليها قطار الانقلابات العسكرية الأفريقية، يوم 30 أغسطس (آب) الماضي، بعد كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا.

النشأة والمسيرة

ولد دينيس ساسو نغيسو عام 1943 في منطقة في وسط المستعمرة الفرنسية السابقة التي تتجاور مع الغابون وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وبحسب نغيسو، فإن والده كان زعيماً للقرية ويقود رابطة للصيادين. وهو، بعد إنهائه دراسته الثانوية في مدرسة لوبومو الثانوية المحلية عام 1961، كان ينوي العمل مدرساً، بيد أنه فشل في الالتحاق بكلية تخرج المعلمين في العاصمة برازافيل، لأن ذلك كان يحتاج إلى علاقات سياسية لم تتوفر لديه ولدى أسرته، فالتحق بالجيش الذي أرسله إلى الجزائر وفرنسا لتلقي الإعداد العسكري. وبعد مسيرة في السلك العسكري، عيّن ساسو نغيسو عام 1963 قائداً للقوات المسلحة في برازافيل، وبحلول أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان قد ارتقى إلى رتبة عقيد.

الصعود إلى السلطة

خلال هذا الوقت، لعب ساسو نغيسو دوراً نشطاً في السياسة، إذ انضم إلى حزب العمل الكونغولي الذي اعتنق الآيديولوجية الماركسية اللينينية وأصبح الحزب الحاكم والوحيد في البلاد في عام 1970. وغدا ساسو نغيسو مقرّباً من الرئيس اليساري الراحل ماريان نغوابي الذي تولّى الحكم بين عامي 1968 و1977، وعيّنه الرئيس وزيراً للدفاع عام 1975. غير أنه، بعد اغتيال نغوابي عام 1977، وعلى الرغم من نفوذ ساسو نغيسو الكبير داخل الجيش والحزب الحاكم، وصل يواكيم يومبي أوبانغو، منافسه داخل الحزب، إلى السلطة... بينما عيّن ساسو نغيسو نائباً أول لرئيس الجمهورية. ومع هذا، في ضوء فشل يومبي أوبانغو في فرض سيطرته على الجيش والحزب، أجبرته اللجنة العسكرية للحزب على الاستقالة في فبراير (شباط) 1979، وفي الشهر التالي نصّبت ساسو نغيسو رئيساً للجمهورية ورئيساً للحزب.

استقرار نسبي ثم سقوط وحرب

تمتعت البلاد في البداية بفترة من الاستقرار النسبي في عهد الرئيس الجديد، وأعاد الحزب انتخابه للرئاسة في عام 1984، ومرة ثالثة في عام 1989. وخلال تلك الفترة نجح ساسو نغيسو في التخلص من منافسيه وخصومه السياسيين في الحزب والجيش، ونجح في تقوية دعائم حكمه مستفيداً من اكتشاف احتياطات النفط في بلاده، ورواج الآيديولوجيا الماركسية في بلاده والقارة الأفريقية بمساندة الاتحاد السوفياتي والصين له. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التوجه اليساري للبلاد، ساعدته الاستثمارات الفرنسية في مجال النفط على تحقيق استقرار اقتصادي لا بأس له. غير أن انخفاض أسعار النفط في الثمانينات أدى إلى تعثر الاقتصاد الكونغولي، ما نجم عنه تآكل شعبية ساسو نغيسو وتزايد السخط الشعبي، وبالفعل، تصاعدت المطالبة بالديمقراطية وتنامت الاحتجاجات الشعبية، كما أجهض الرئيس انقلاباً عسكرياً ضد حكمه عام 1987، وتبنّى سياسات عنفية وقمعية ضد خصومه.

ومن ثم، وسط الأوضاع الاقتصادية السيئة وتراجع شعبية الرئيس، تخلى الحزب الحاكم رسمياً عن سياساته الماركسية اللينينية عام 1990. وهذه الخطوة ما كانت تبشر بالخير لساسو نغيسو، إذ تلاها إجراء أول انتخابات متعددة الأحزاب في البلاد خلال أغسطس 1992. وجرى إقصاء ساسو نغيسو في الجولة الأولى من التصويت بعدما حل ثالثاً، وانتُخب باسكال ليسوبا من حزب الاتحاد الأفريقي للتنمية الاجتماعية رئيساً.

عودة جديدة... بالقوة على الأثر، شكّل حزب ساسو نغيسو تحالف معارضة نظّم احتجاجات وعصياناً مدنياً ضد إدارة ليسوبا. ثم في عام 1993، اشتبكت الميليشيات الداعمة لساسو نغيسو مع القوات الحكومية، واستمر العنف المتصاعد في العام التالي وسقط جراءه عدد كبير من الضحايا. وبعد فترة هدوء نسبي عاد العنف ليستعر بين الجانبين في الأشهر التي سبقت الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1997، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طالت لمدة سنتين، سقط فيها آلاف القتلى ونزح مئات الآلاف.

وبعد الحرب، في خريف عام 1997، أُجبر ليسوبا على مغادرة البلاد، وأُعلن ساسو نغيسو رئيساً للبلاد مرة أخرى. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار خلال عام 1999، واجه الرئيس العائد أعمال عنف لبعض الوقت في بعض مناطق البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، واجه مشكلات اقتصادية مستمرة ومزاعم بالفساد داخل الحكومة.

انتخابات ... بلا منافسين

أعيد انتخاب ساسو نغيسو عام 2002 في انتخابات شابها الجدل. وقاطع بعض مرشحي المعارضة السباق الانتخابي، زاعمين أن الإصلاح الديمقراطي لا يزال غائباً وأن الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة. ونتيجة لذلك، لم يواجه الرئيس أي منافسة حقيقية، في حين شككت المعارضة في شرعية فوزه الساحق. وبعدها أعيد انتخابه في ظروف مشابهة عام 2009، ومجدداً، قاطع مرشحو المعارضة الأساسيون الانتخابات، وأُعيد انتخاب ساسو نغيسو بفارق كبير. لكن، على الرغم من ادعاء المعارضة وبعض المنظمات وقوع حوادث تزوير وترهيب، اعتبر المراقبون الدوليون من الاتحاد الأفريقي أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة.

تعديل الدستور

من جهة ثانية، على الرغم من أن الدستور يمنع ساسو نغيسو من الترشح لولاية أخرى للرئاسة، اتُّخِذت خطوات للتغلب على هذا القيد. وجرى طرح اقتراح لتعديل الدستور لإلغاء حدود الولاية ورفع الحد الأقصى لسن المرشح الرئاسي - وهي من التغييرات التي من شأنها السماح للرئيس بالترشح لفترة رئاسية أخرى - للاستفتاء في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. ومرة أخرى، قاطعت المعارضة الاستفتاء في حين ذكرت السلطات الرسمية أن 3 أرباع الناخبين المسجلين أدلوا بأصواتهم، بنسبة تأييد للتعديلات المقترحة وصلت إلى 92 في المائة.

وبعد التعديلات، رُشّح ساسو نغيسو مرشحاً رسمياً عن حزب العمل الحاكم في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 20 مارس (آذار) 2016، وسط انقطاع للاتصالات، ما أثار انتقادات شديدة. ومن ثم، أعلن فوز الرئيس بالانتخابات، وادعى المسؤولون أنه فاز بحوالي 60 في المائة من الأصوات، الأمر الذي اعترضت عليه المعارضة، وأدى إلى نشوب أعمال عنف احتوتها السلطات الأمنية. وفي انتخابات مارس 2021، أُعيد انتخابه، وورد رسمياً أنه حصل على أكثر من 88 في المائة من الأصوات، وهذا على الرغم من تكرار الظروف نفسها التي حدثت عام 2016، حين قاطعت المعارضة الرئيسة الانتخابات، وعُطّلت خدمة الإنترنت في البلاد، وكانت النتيجة محل نزاع، وسط تكرار المزاعم بتزوير الانتخابات.

في هذا السياق، كتب فافا تامبا، الباحث الكونغولي في الشؤون الأفريقية، في مقال نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعد انتخابات عام 2021، إن ساسو نغيسو «حريص على إجراء الانتخابات الشكلية لأنها تمنحه شكلاً من الشرعية، حتى لو كانت مزوّرة ومعيبة بشكل صارخ وتشبه ارتداء الإمبراطور لملابسه الجديدة».

وتابع أن ساسو نغيسو «أمير الحرب الذي أطاح باسكال ليسوبا، المنتخب ديمقراطياً، ليعيد تنصيب نفسه رئيساً عبر حرب أهلية خلّفت آلافاً من القتلى وظلت جرحاً مفتوحاً في البلاد، يريد سلطة غير محدودة طوال حياته. إلا أنه يريد أيضاً الحصول على موافقة من القوى الدولية على ذلك».

اتهامات بالفساد

ما يستحق الذكر أن ساسو نغيسو اتهم عدة مرات بالاختلاس وإساءة استخدام الأموال العامة وغسل الأموال. وفي مايو (أيار) 2009، أعلنت محكمة فرنسية إجراء تحقيق في ما إذا كان الرئيس الكونغولي، ومعه زعيمان أفريقيان هما عمر بونغو رئيس الغابون (آنذاك)، وتيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو رئيس غينيا الاستوائية، نهبوا خزائن دولهم لشراء منازل وسيارات فاخرة في فرنسا.

أيضاً، اتُّهم نجل ساسو نغيسو، دينيس كريستيل، وكان وقتها عضواً في المجلس التشريعي الوطني ووزير التعاون الدولي في الحكومة، بتلقي 50 مليون دولار أميركي من الخزانة الوطنية بشكل فاسد. وكذلك اتُّهمت ابنته كلوديا ليمبومبا، عضو المجلس التشريعي الوطني ورئيسة مكتب الاتصالات الرئاسية، باستخدام 20 مليون دولار من أموال الحكومة لشراء شقة في أبراج ترمب في مدينة نيويورك، واتُّهمت ابنة ثانية هي جوليان بغسل الأموال.

وفي هذا الإطار، يتهم الباحث الكونغولي تامبا القوى الغربية بالصمت حيال الفساد وتزوير الانتخابات في برازافيل، لافتاً إلى أن نصف الشعب يعيش في فقر مدقع، رغم غنى وثراء البلاد. ويعدّ تامبا أن الدولة محكومة بالفساد، وأن أي معارضة حقيقية «يُصار إلى قمعها بالقوة، ويجري استهداف المعارضين بالسجن والنفي وغيرهما من أشكال العنف». كذلك يرى تامبا أن الكونغو لم تتخلص بعد من الاستعمار بسبب حكم ساسو نغيسو وعائلته، مشيراً إلى أنه «بحلول نهاية عام 2026، سيكون ساسو نغيسو قد أمضى في السلطة فترة أطول من فترة حكم جوزيف ستالين وديكتاتور جمهورية أفريقيا الوسطى جان بيديل بوكاسا مجتمعين». ومن ثم، يضيف أنه «منذ عهد الاتحاد السوفياتي، لم تكن الكونغو برازافيل، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، ومتوسط العمر فيها 17 سنة، ديمقراطية أو جمهورية من الناحية الليبرالية. بل يحكمها ساسو بقبضة من حديد».

ثم يشير إلى الحالة الاقتصادية السيئة المزمنة التي تعيشها البلاد حيث «يمضي موظفو الخدمة المدنية شهوراً من دون أجور ومعاشات تقاعدية. وتمر على المستشفيات أشهر من دون توفير الأدوية الأساسية».

أزمة انتقال السلطة في أفريقيا

أخيراً، ترى أماني الطويل، الباحثة المصرية في الشؤون الأفريقية، في حالة الرئيس ساسو نغيسو في الكونغو برازافيل، «تمثيلاً لمأساة كثير من الدول الأفريقية في ما يتعلق بالتحايل على عملية انتقال السلطة بشكل قانوني، وذلك عبر انتخابات شكلية مزورة والفساد واضطهاد المعارضين والمنافسين وإقصائهم أو عن طريق العنف المتمثل في الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت الطويل أن سيطرة رؤساء على السلطة بشكل غير قانوني يساهم في انعدام الاستقرار والأمن، وقد يؤدي إلى مزيد من الانقلابات العسكرية والحروب في أنحاء مختلفة من القارة. وتابعت: «على الاتحاد الأفريقي والقوى والمنظمات الدولية تبني مقاربات جديدة فاعلة تدعم عمليات تحوّل حقيقي للديمقراطية في القارة، والكفّ عن غض الطرف عن الانتخابات المزوّرة والفساد بكل أشكاله... لأن انعدام الأمن والاستقرار في أفريقيا يهدد الأمن العالمي».


الكونغو برازافيل... «دولة غنية» ينهش الفقر شعبها القاهرة: «الشرق الأوسط»

 لقطة للعاصمة برازافيل (شاترستوك)
لقطة للعاصمة برازافيل (شاترستوك)
TT

الكونغو برازافيل... «دولة غنية» ينهش الفقر شعبها القاهرة: «الشرق الأوسط»

 لقطة للعاصمة برازافيل (شاترستوك)
لقطة للعاصمة برازافيل (شاترستوك)

تبرز دولة الكونغو برازافيل من بين الدول الأفريقية التي يعاني شعبها من أوضاع اقتصادية سيئة وفقر شديد، كما ترزح الدولة تحت عبء الديون، رغم كونها دولة نفطية وغنية بالموارد الطبيعية. ومع أن هذه البلاد سادس أكبر منتج للنفط في أفريقيا، يعاني حوالي نصف السكان من الفقر، كما أنها تصنف من بين أكثر الدول فساداً في العالم. إذ احتلت الكونغو، التي كانت تعرف قبل الاستقلال بـ«الكونغو الفرنسي»، ولاحقاً «جمهورية الكونغو»، المرتبة 165 من بين 180 دولة من حيث مستوى الفساد، وفقاً لتصنيف منظمة الشفافية الدولية في 2020. جاء ذلك رغم إعلان الرئيس دنيس ساسو نغيسو أخيراً اكتشاف رواسب نفطية جديدة من شأنها زيادة الإنتاج اليومي للجمهورية من 350 ألف برميل يومياً إلى 980 ألف برميل، ما يضاعف إيرادات الكونغو من قطاع النفط والغاز الطبيعي 3 مرات.

تقع جمهورية الكونغو في غرب وسط أفريقيا، وتحدّها الغابون والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا. أما عاصمتها فهي مدينة برازافيل، ولذا يُشار إليها أحياناً باسم الكونغو – برازافيل، للتمييز بينها وبين الكونغو الديمقراطية، التي عاصمتها كينشاسا، التي عُرفت قبل الاستقلال بـ«الكونغو البلجيكي»، كما حملت لفترة اسم زائير. وتقدّر مساحة البلاد بـ342 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها ما يقرب من 5.5 مليون نسمة، وفقاً لإحصاءات عام 2021. وينتمي السكان إلى 3 مجموعات عرقية رئيسة، هي الكونغو (الباكونغو) والتيكي (الباتيكي) والمبوتشي، وتضم كل منها مجموعات فرعية. وينتمي نحو 45 في المائة من السكان إلى شعب الكونغو، وهؤلاء مزارعون يسكنون غرب وجنوب غربي برازافيل، بينما ينتمي نحو 20 في المائة إلى شعب التيكي ويسكنون شمال برازافيل، ويعيشون على صيد الحيوانات والأسماك. ويشكل المبوتشي نحو 10 في المائة من السكان وكانوا في السابق يعتمدون على صيد الأسماك، أمَّا اليوم فيعمل كثير منهم حرفيين وموظفين في الوظائف الحكومية في المدن.

تاريخياً، كانت الكونغو برازافيل مستعمرة فرنسية سابقة استقلت عام 1960، والفرنسية ما زالت هي اللغة الرسمية للبلاد. ولقد اكتُشف النفط الخام في ساحل الكونغو، واليوم يشكل النسبة الكبرى من الصادرات السنوية للبلاد. ثم بدأت مصفاة البترول في ميناء بوانت نوار بتكرير النفط عام 1976، مساهمة بـ55 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي، و85 في المائة من الصادرات، و80 في المائة من الموازنة، وفقاً لبنك التنمية الأفريقي. مع ذلك، ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع الدولي بشكل طفيف من 52.0 في المائة عام 2021 إلى 52.5 في المائة عام 2022، وفق البنك الدولي. كذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 6.2 في المائة عام 2022 (على أساس سنوي)، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في البلاد. ويعد توفير وجبة أو وجبتين من الغلال الأساسية يومياً بمثابة حرب يخوضها أرباب الأسر.

على صعيد متصل، على الرغم من خصوبة أرض الكونغو وإمكاناتها الزراعية الكبيرة، فإنها تعتمد إلى حد كبير على الواردات التي تكلف ما يقرب من 700 مليار فرنك أفريقي سنوياً. وفي سياق حرمان الكونغوليين من احتياجاتهم الأساسية، يصل معدل الحصول على الكهرباء إلى 66 في المائة من السكان في المناطق الحضرية، مقارنة بـ15 في المائة فقط في المناطق الريفية. ثم إن الوصول إلى المياه النظيفة أقل من الإمكانات الهيدرولوجية للبلاد، حيث إن لدى 74 في المائة من السكان فقط إمكانية الوصول إلى مصادر للمياه النظيفة، في حين أن الوصول إلى المياه في المناطق الريفية أقل بنسبة تصل إلى 46 في المائة، أيضاً وفق البنك الدولي.

هذا، وفي عام 2021، بلغ حجم الدَّين الوطني لجمهورية الكونغو حوالي 107.92 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقبله، عام 2019، أعادت الصين هيكلة دَين الكونغو، ما سمح للبلاد بالتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي حول التسهيل الائتماني الممدّد.


«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)
TT

«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)

كثيراً ما تنشط «نظريات المؤامرة» في العراق. ومنذ تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وما جرى بعد ذلك، وخصوصاً ما وُصف بأنه «استقرار سياسي»، يمكن أن يكون مقدمة لتحقيق منجزات على الأرض لم تكف هذه «النظريات» عن حياكة مزيد من القصص والحكايات بشأن الآتي من الأيام. ومع كل بيان أو تصريح لرئيس الوزراء بشأن تحقيق تقدم في تنفيذ فقرات البرنامج الحكومي، كانت «نظريات المؤامرة» تشتغل في سياق موازٍ لما يجري، إلى حدٍّ غدا فيه الاستقرار السياسي والأمني في البلاد جزءاً من «مؤامرة» تُحاك في السر لـ«تفليش» كل شيء في المستقبل. وفي هذا السياق بدا الانقسام حادّاً بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها. وكما هو معروف، يقود معسكر المؤيدين «ائتلاف إدارة الدولة»، أي الائتلاف السياسي ـ البرلماني الذي دعّم تشكيلها ويضم قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي والسنّة والأكراد، بينما ينقسم المعارضون إلى قسمين يضمّان أنصار «التيار الصدري» (تابعون لزعيم التيار مقتدى الصدر)، والقوى المدنية التي كانت وما زالت تنتظر تحرك «التيار الصدري»، لكي تطلق تظاهرات الشارع العراقي ضد الحكومة.

السيد مقتدى الصدر (رويترز)

بعد سلسلة تجارب فاشلة تتصل بإمكانية أن يغيّر زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر موقفه باتجاه إعلان معارضته حكومة محمد شياع السوداني، الأمر الذي قد يبرّر إخراج تظاهرات مُعادية للحكومة، ساعدت الأحكام التي أصدرها القضاء العراقي بحق الضباط الذين أخفقوا بحماية السفارة السويدية في بغداد على إعادة الكلام عن «مؤامرة». يُذكَر أن مؤيدين للصدر كانوا قد اقتحموا السفارة المذكورة وأحرقوها احتجاجاً على حرق نسخة من المصحف الشريف في العاصمة السويدية ستوكهولم.

وطوال الفترة الماضية، منذ تشكيل الحكومة الحالية وحتى اليوم، لم تصدر عن الصدر مواقف حادّة حيالها، وهو ما فسّره مؤيدو الحكومة بتأييد، ولو ضمنيّ، لها. أما المعارضون فيقفون موقفاً حائراً، ولا سيما أن الصدر وإن كان قد سحب نوابه من البرلمان، رغم فوزهم بأعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2021، فإنه لم يسحب المحسوبين عليه من الحكومة. غير أن ما حصل على صعيد الموقف السلبي الذي عبّر عنه الزعيم الشيعي حيال الأحكام بحق الضباط، بدا بيئة مناسبة لترويج توقّعات مفادها أنه سيتبنى موقفاً معارضاً - وبقوة - لحكومة السوداني، وبالأخص، بعد وصفه إياها بأنها «الحكومة العباسية». وللعلم، في أقوى بيان للصدر بعد صدور الأحكام القضائية قال «ليس من المستغرب أن يصدر من تلك الحكومة العباسية تلك العقوبة، فليس لهم من القرآن صحبة، ولا من العقيدة صحبة، وليس لديهم إلا الكراسي والفساد والمال». والواضح في تأويل وصفه للحكومة الحالية بأنها «عباسية» أنها محاولة لاستدعاء الخلاف التاريخي بين العباسيين والعلويين. لكن الصدر، وفي أعقاب موقفه هذا الذي يُعدّ الموقف الأقوى منذ تشكيل الحكومة، لم يتخذ أي إجراء لاحق يمكن أن يفسَّر على أنه ترجمة لما قاله بشأن الحكومة وخصومه من قوى «الإطار التنسيقي الشيعي».

السوداني في نيويورك (روينرز)

العلاقة الملتبسة مع واشنطن

الواقع أنه لا أسهل من اختبار «نظرية المؤامرة» لدى مراجعة العلاقة الملتبسة بين العراق والولايات المتحدة، بل تحديداً بين قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» وواشنطن. فعند تشكيل أية حكومة عراقية يبدأ قياس قوى الضغط السياسي والرأي العام عبر مسار واحد هو علاقة رئيس الوزراء بالقيادة الأميركية. وغالباً، يدافع مؤيدو رئيس الوزراء عن سياساته وإنجازاته، دون الذهاب بعيداً باتجاه العلاقة الملتبسة شيعياً. ومعلوم أن رئيس الوزراء العراقي شيعيّ دائماً بعد عام 2003، ولكن في حين صنّفت واشنطن نفسها بعد أقل من شهر على احتلالها العراق (أبريل «نيسان» 2003) على أنها «قوة احتلال»، ظل الطيف السياسي الأول من الآباء المؤسسين للعملية السياسية، بعد سقوط النظام السابق، يعتبرها «سوبر صديقة».

أيضاً، مع بدء المقاومة ضد القوات الأميركية، سواءً من قِبل فصائل سُنّية أم «التيار الصدري»، تظل بقية القوى السياسية العراقية المشارِكة في الحكم تعمل جاهدة على إقامة أفضل العلاقات معها، وحقاً تُوّجت الجهود باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت بين البلدين عام 2008.

خلال حقبة «العلاقة الذهبية» بين الزعامات العراقية من الجيل الأول والإدارات الأميركية المتعاقبة، وصولاً إلى إدارة دونالد ترمب التي قلبت الموازين، لم يكن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من بينهم. بيد أن السوداني، بعد فترة قصيرة من تولّيه منصب محافظ ميسان، بعد عام 2003، «استوزر» ليتولى منذ التغيير حتى تولّيه رئاسة الوزراء أواخر العام الماضي، نحو 5 وزارات.

ومع احتدام الصراع داخل الطبقة السياسية الشيعية بين الجيلين الأول والثاني، حسمت الغلبة عند اختيار رئيس الوزراء الجديد لصالح الجيل الثاني، الذي لم يعرف عنه عقد صداقات تقليدية مع الرؤساء الأميركيين؛ بمن فيهم الرئيس الحالي جو بايدن.

بايدن لم يلتقِ السوداني، كما لم يلتقِ السوداني به حين أدمن بايدن زيارة العراق لعشرات المرات منذ إسقاط نظام صدام حسين، حتى تولّيه منصب نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما، إذ ظلّ يزور العراق بوصفه الأكثر اهتماماً بالملف العراقي.

وبعد نحو عقدين من الزمن احتكر خلالهما الجيل الشيعي الأول أهم منصب في البلاد وهو رئاسة الوزراء، جاء دور «الشاب» محمد شياع السوداني (مواليد 1970) في رئاسة الوزراء.

جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن، فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها.

إلا أنه بدا واضحاً وجود دعم أميركي لهذه الحكومة تمثَّل بمجموعة من الإجراءات؛ منها اتصال هاتفي للتهنئة من بايدن.

كذلك هناك زيارات لوزيري الخارجية أنتوني بلينكن، والدفاع لويد أوستن، إلى بغداد، وسلسلة لقاءات أجرتها السفيرة الأميركية إلينا رومانسكي مع السوداني، التي ربما تعدّت الـ8 لقاءات.

لكن مقابل ذلك، لم توجه، طوال الأشهر التسعة الماضية، التي تولَّى فيها السوداني السلطة، أية دعوة له لزيارة واشنطن، حاله في ذلك حالُ مَن سبقه من رؤساء الوزارات. وهكذا تجددت «نظريات المؤامرة»، وخصوصاً أن انسحاب «التيار الصدري» أدى إلى بلورة قوى معارِضة لقوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، بدا أن رئيس الوزراء هو ضحيتها.

وفي حين تتشارك قوى «الإطار التنسيقي» مع «التيار الصدري» في رفض الوجود الأميركي والمطالبة بانسحابه، يظهر السوداني - الذي ينتمي إلى «الإطار» - في وضع حرِج لجهة الموازنة بين متطلبات منصبه الذي يتطلب علاقات دولة لدولة مع واشنطن... والضغوط النفسية والاعتبارية المتصلة بالاعتراض على الوجود الأميركي تحت أي مسمّى من المسميات.

سقوط نظرية المؤامرة

من جهة أخرى، ما إن حلّقت طائرة السوداني متجهة إلى نيويورك، للمشاركة في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى تطايرت تساؤلات عما إذا كان سيحظى بلقاء مع بايدن أم لا... وهل سيكون اللقاء - في حال حصوله - لقاء بين «زعيمين»، ومن خلال وفدين رسميين، أم مجرد لقاء سريع لالتقاط الصور من منطلق أن السوداني - من وجهة نظر هؤلاء - يحتاج إلى التقاط صورة كي يبين لخصومه أنه التقى بايدن أخيراً.

المفاجأة التي لم يكن يتوقعها خصوم السوداني هي أنه ما إن وصل إلى نيويورك حتى كانت باكورة لقاءاته مع كبار المسؤولين الأميركيين، كوكيل وزارة الخزانة الأميركية، ثم أنتوني بلينكن وزير الخارجية.

رئيس الوزراء العراقي، الذي ترك وراءه الدولار الأميركي في حالة ارتفاع أمام الدينار العراقي، أكد، لوكيل الخزانة، قيامه بإجراءات للإصلاح المالي المطلوب، والذي ربما يأخذ وقتاً.

أما اللقاء مع بلينكن فكان مفاجأة بحد ذاته حين سلَّمه دعوة رسمية من الرئيس جو بايدن لزيارة واشنطن التي قد يلبّيها السوداني أواخر العام الحالي.

بايدن وفّى بالتزامه، وأوضح أنه ما كان يفكر بأية قطيعة مع رئيس الوزراء العراقي، بخلاف ترويج «نظريات المؤامرة». ومن جانبه، تحرَّر السوداني تماماً من قصة اللقاء مع بايدن في نيويورك أم لا، إذ ضمن الدعوة التي ستكون واحداً من أهم أسلحته في مواجهاته الداخلية.

ميناء خور عبد الله (أ.ب)

بين كركوك... واتفاقية خور عبد الله

> وسط انشغال الأوساط السياسية في العراق بالأوضاع في مدينة كركوك، أطلّت المفاجأة، المتمثلة بقرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق بشأن «اتفاقية خور عبد الله» بين العراق والكويت.

القضيتان شغلتا الرأي العام العراقي، وطبعاً نشطت، في موازاة ذلك، «نظرية المؤامرة»، سواءً بشأن الأهداف والتوقيت والملابسات، وكيفية مواجهة القضيتين معاً، مع أن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فقضية كركوك قضية داخلية عراقية ترتبط بالدرجة الأساس بطبيعة الوضع السياسي، ومنطقة كركوك واحدة من المناطق التي يطلَق عليها مسمّى المناطق «المتنازع عليها»، طبقاً للدستور العراقي، ومن ثم تخضع للمادة 140 من الدستور. أما «اتفاقية خور عبد الله» فإنها تدخل فيما يمكن تسميته «خلافات حدودية» بين العراق والكويت، بوصفها جزءاً من تبِعات الغزو العراقي للكويت على عهد النظام العراقي السابق. إلا أن «نظريات المؤامرة» لاحت، مع هذا، في سياق ما قِيل داخل العراق عن صلة تلك الاتفاقية بميناء الفاو، ربطها آخرون بما يُتداول من شائعات عن تواطؤ بعض المسؤولين العراقيين وتلقّيهم رشاوى.

على أية حال، ومع أن الكويت احتجّت على قرار «المحكمة الاتحادية» بشأن ما قيل إنه «إلغاء للاتفاقية» من جانب واحد (هو الجانب العراقي)، ما كان قرار المحكمة إلغاء الاتفاقية بقدر ما هو تعليق العمل بها إلى حين تعديل القانون من قِبل البرلمان، فالمحكمة قضت بلا دستورية قانون تصديق اتفاقية الملاحة البحرية في خور عبد الله مع الكويت. والتطمينات التي حاولت قيادات عراقية عليا تقديمها للكويت لم تقلل من أهمية المخاوف الكويتية بهذا الشأن.

ما يجدر ذكره هنا أن «البرلمان العراقي» كان قد صادق على الاتفاقية بموجب القانون 42 لعام 2013، و«مجلس الأمة الكويتي» بموجب القانون الصادر رقم 4 لعام 2013، وجرى إيداعها لدى «الأمم المتحدة»، لكن قرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق أعاد الأمور إلى المربع الأول.

سياسياً، وطبقاً لما يقوله الأكاديمي والباحث العراقي، الدكتور يحيى الكبيسي، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «أولاً، لا يمكن للحكومة العراقية إلا أن تعمل على تهدئة الأمور مع الكويت، وذلك بأن ترسل رسالة رسمية إلى الكويت والأمم المتحدة توضح أن إلغاء التصديق على الاتفاقية اتخذته المحكمة الاتحادية لأسباب تتعلق بالمرجعية القانونية للتصويت على الاتفاقية، ولا تأثير له على الاتفاقية الموقَّعة بين الحكومتين، وأن الحكومة العراقية ستعمد إلى إرسال الاتفاقية مرة ثانية إلى مجلس النواب للتصويت عليها وفقاً لقانون المعاهدات رقم 35 لسنة 2015». وأردف الكبيسي: «وثانياً، إن الحكومة العراقية تُجري، في الوقت نفسه، اتصالات ثنائية مع الكويت لتعديل الفقرات التي كانت استُخدمت ذريعة التحشيد ضد الاتفاقية... وذلك لإسكات هؤلاء المحشّدين، ومنعهم من الزعم بأن هذه الاتفاقية المتعلقة بتنظيم الملاحة لا يمكن تأويلها أو تفسيرها على أنها تتضمن ترسيماً ضمنياً للحدود البحرية بين البلدين بعد العلامة 162 جنوباً».

أما قانونياً، وكما يرى الخبير القانوني علي التميمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، فإن «قرار المحكمة الاتحادية العليا يتعلق بلا دستورية قانون تصديق الاتفاقية الخاصة بخور عبد الله مع الكويت، حيث استندت إلى أن الدستور العراقي يشترط تشريع قانون خاص للتصويت على الاتفاقيات المهمة، بما فيها ترسيم الحدود والسياسة بغالبية ثلثي عدد أعضاء البرلمان». وتابع التميمي: «قرار الاتحادية بلا دستورية التصويت لا يعني إلغاء الاتفاقية بقدر ما يعني تعليقها لحين تشريع قانون يتطلب التصويت بغالبية الثلثين... وهو ما يعني أنه في حال صادق عليها البرلمان الحالي بعد تشريع القانون بغالبية الثلثين، تعتبر شرعية وتمضي، ولكن في حال لم يصادق عليها البرلمان؛ عند ذاك تعتبر مُلغاة لكن من جانب واحد». وبيّن أن «النص الصريح في الاتفاقية، طبقاً للمادة 14، يشير إلى أن أي خلاف بين الطرفين بخصوص الاتفاقية تتم تسويته ودياً، وفي حال عدم التوصل إلى حل يُحال إلى محكمة البحار التي مقرُّها في ميونيخ، وهو ما يعني أن البرلمان العراقي، ما لم يصوِّت، تُعتبر مُلغاة من جانب واحد. وهناك مادة أخرى في الاتفاقية (المادة 16) تتضمن أنه في حالة أراد أي طرف إلغاء الإتفاقية، لا بد أن يخبر الطرف الآخر قبل 6 شهور، على أن يتم الإنهاء باتفاق الطرفين، وبعكسه يُصار إلى اللجوء إلى محكمة البحار».

داخل الصندوق

في هذه الأثناء، ومع احتدام الجدل عراقياً وكويتياً بشأن قرار «المحكمة الاتحادية»، فإن النزاع حول كركوك جرى تبريده ثانية باتجاه جولة تالية قد تُعقب انتخابات مجالس المحافظات المقرر إجراؤها نهاية العام الحالي. ومع أن كل القوى السياسية العراقية تسعى لإثبات وجودها واختبار قوتها عبر هذه الانتخابات، يتوقع أن يزداد الصراع على كركوك حِدةً أمام هشاشة التوافقات العراقية. وفي هذا السياق يرى محمود خوشناو، القيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشكلة تكمن في أن الجميع يفكرون داخل الصندوق لا خارجه... وكأنما نعيش منذ عقود، حين كانت الخلافات بأدوات قديمة، لكنها الآن بأدوات جديدة».

ويضيف خوشناو: «كل الأطراف متمسكة بالصيغ القديمة نفسها، حيث يطغى البعد القومي والبعد الطائفي، ويهيمن حب السيطرة والنفوذ على الذهنية السياسية في العراق، سواءً على المستوى الاتحادي أم على مستوى إقليم كردستان». ويتابع أن «الضغط الإقليمي موجود كذلك، وآخِر ذلك ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي وجّه رئيس الاستخبارات بشأن كركوك، وهو تدخُّل في شأن محلي عراقي». ثم يستطرد أن «الدستور لا ينفَّذ في كركوك، بدءاً من المادة 140 والمواد الأخرى، لأسباب تتعلق بالأجندات السياسية الداخلية والخارجية، وربما كركوك الآن تستخدم بوصفها منطقة رخوة لتافتعال أزمة جديدة بالعراق... وهو ما حذَّرنا منه نحن في الاتحاد الوطني؛ لأن هناك معلومات بهذا الشأن. هذا يتطلب منا جميعاً ترك الصيغ القديمة، وانتهاج صيغ جديدة للحل».

في السياق نفسه يرى الأكاديمي وأستاذ الإعلام الدكتور غالب الدعمي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استخدام حصة الإقليم المالية لغرض تصفية حسابات مع شعب عراقي هم الكرد، أمر غير صحيح... ومن ثم مطلوب من بغداد تسديد حصة كردستان من الموازنة المالية التي أقرّها مجلس النواب». ويوضح الدعمي أنه «في قضية كركوك، تحديداً، لا يجوز أن تكون أملاك الدولة عرضة للخلافات بين الجهات السياسية، ومن ثم يجب احترام إجراءات الدولة في هذا السياق عبر منع سيطرة الأحزاب السياسية على ممتلكات الدولة، بمن فيها تلك التي خُصّصت في النظام السابق». ويضيف الدعمي أنه «إذا كانت الأملاك في كركوك مِلكاً للدولة فيجب أن تعود للدولة... مثلما حصل في محافظات الوسط والجنوب، باستثناء ما كان خصّصه النظام السابق من مقرّات لأجهزته القمعية، يمكن أن تعود إلى كردستان أو أية جهة تدَّعي ملكيتها». ويوضح أن «المشاكل التي تحصل حالياً ليست في صالح البلاد؛ لأن الأوضاع ليست مستقرة... وهذا مؤشر سلبي ينبغي التنبه إليه، علماً بأن الحكومة ليست مسؤولة عن محاولات تقويض الاستقرار، وإن محاولات إضعاف الدولة مقصودة». جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن... فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها


الهند ترى قمة «العشرين» تعزيزاً لمكانتها العالمية

مودي يتكلم في قمة "مجموعة العشرين" بنيودلهي (آ ف ب)
مودي يتكلم في قمة "مجموعة العشرين" بنيودلهي (آ ف ب)
TT

الهند ترى قمة «العشرين» تعزيزاً لمكانتها العالمية

مودي يتكلم في قمة "مجموعة العشرين" بنيودلهي (آ ف ب)
مودي يتكلم في قمة "مجموعة العشرين" بنيودلهي (آ ف ب)

مع إسدال الستار على قمة «مجموعة العشرين» التي عقدت أخيراً في العاصمة الهندية نيودلهي، بحضور كوكبة من زعماء العالم ورؤساء منظمات دولية بارزة على مدار ثلاثة أيام، تفاوضت الهند من أجل التوصل إلى توافق في الآراء بين الدول الكبرى، وأظهرت مهارة دبلوماسية تمخّضت عن «إعلان نيودلهي» المشترك للمجموعة. يشكل هذا تحولاً كبيراً بعيداً عن القمة السابقة في بالي عام 2022، التي هزّتها انقسامات حادة بين الأعضاء بخصوص الحرب في أوكرانيا. وأما هذه المرة فاعتمد قادة المجموعة بالإجماع «الإعلان» بوصفه وثيقة شاملة تغطي مواضيع مثل التغييرات المناخية والصحة والتجارة والاقتصاد الرقمي والإرهاب وتمكين المرأة. أيضاً، من المهم التذكير بأن «مجموعة العشرين» المنعقدة في بالي خلال العام الماضي تزامنت مع فوضى عالمية كبيرة عميقة، فاقمها اصطفاف القوى الكبرى بعضها ضد بعض بعد الحرب الأوكرانية، أما هذه المرة فقد كان غياب الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبباً في خفض سقف التوقعات.

منذ بداية قمة نيودلهي لـ«مجموعة العشرين» كان واضحاً وجود خطوط صدع جيوسياسية بين الاقتصادات الكبرى في العالم المشاركة، كما كانت ظلال الحرب في أوكرانيا تخيم على القمة، مع احتدام الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول مصير الصراع. وحول الجو العام للقمة، علّق غوتام تشيكرمان، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر ريسرتش» الفكرية، قائلا: «قبل ساعات قليلة من إعلان رئيس الوزراء ناريندرا مودي التوصل إلى إجماع بشأن إعلان مجموعة العشرين، كان مجتمع المؤسسات الفكرية العالمية المعني بالشؤون الجيوسياسية، على ثقة من غياب مساحة تسمح بإعلان مشترك في نيودلهي، وهنا يتبين أهمية الإنجاز الكبير الذي حققته رئاسة الهند للقمة». وتابع: «لطالما نظر إلى مهمة التوصل لإجماع بعدّها مهمة مستحيلة، ولذلك، جاء الإجماع بمثابة مفاجأة». وعن دور الهند قال تشيكرمان «الهند اضطلعت فعلاً بدور حاسم في سد الفجوة بين الغرب وروسيا، وتيسير الحوار البناء الذي أثمر بياناً مشتركاً دعا جميع الدول إلى الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها سعياً للاستيلاء على أراض». ومع ذلك: «لم تدن نيودلهي موسكو على عدوانها، بحجة أن هناك آراء وتقييمات مختلفة للوضع»، ومن ثم نبهت إلى أن المجموعة «ليست منصة لحل القضايا الجيوسياسية والأمنية».

جدير بالذكر أن الدبلوماسيين الهنود قادوا أكثر من 200 ساعة من المفاوضات المتواصلة، و300 اجتماع ثنائي، وناقشوا 15 مسودة للتوصل إلى توافق في الآراء بخصوص إعلان زعماء «مجموعة العشرين». وكان الجزء الأكثر تعقيداً في القمة التوصل إلى توافق في الآراء بشأن الفقرات الجيوسياسية. ومن جهة ثانية، نجحت الهند في التوصل إلى إجماع مفاجئ بين دول المجموعة حيال هذه الفقرات من خلال سلسلة من المفاوضات المحمومة مع دول الاقتصادات الناشئة، مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا التي لعبت دوراً بارزاً في تحقيق هذا الإنجاز.

وفي قراءة تحليلية أخرى لما جرى، يقول المحلل هارش في. بانت «مع اقتراب انتهاء رئاسة الهند لمجموعة العشرين، تركزت الأضواء العالمية على السياسة الخارجية الهندية وتواصلاتها الخارجية. وفي حقبة تتسم بالاستقطاب الشديد بين القوى الكبرى وتآكل المؤسسات متعددة الأطراف، نجحت نيودلهي في بث روح جديدة في مجموعة العشرين. والواقع أن أحداً ما كان يتوقع هذا الاهتمام العالمي المتزايد بالمجموعة بينما كانت غالبية المؤسسات المتعددة الأطراف الأخرى بدأت تفقد أهميتها». وأعرب هارش عن اعتقاده أن المفاوضين الهنود أثبتوا من جديد براعتهم في إيجاد الحجج المناسبة لدفع الجميع نحو خط النهاية، بمعنى إقناع الولايات المتحدة بأن فوز الهند يساعد الغرب، وإقناع روسيا بالموافقة على اللغة التي تشير بوضوح إلى مسؤولية موسكو في الحرب، لكن من دون تسميتها بوضوح، وإجبار الصين على قبول النتائج أو التعرض لعزلة.

سيرة «مجموعة العشرين»

أسست «مجموعة العشرين» عام 1999 في أعقاب سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي اجتاحت العالم. أما الهدف، فكان أن تعمل المجموعة بوصفها تكتلا اقتصاديا مؤثرا لتناول القضايا المتعلقة بالاقتصاد العالمي. والواقع أنها عبارة عن منتدى «بين الحكومات» يضم 19 دولة ذات سيادة، بجانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، بما في ذلك دول صناعية ونامية. وفي السنوات اللاحقة، تجاوزت المجموعة دائرة اهتماماتها الاقتصادية والمالية، سعياً لتناول قضايا جيوسياسية كذلك. ومع ذلك، على مر السنوات، لم تظهر خلافات على السطح فحسب، بل تعمّقت خطوط الصدع، ما أدى إلى ظهور انقسام حاد حالياً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من ناحية، وروسيا والصين من ناحية أخرى. أما أهمية المجموعة اليوم فتنعكس في حقيقة أن لأعضاء «مجموعة العشرين» نحو 80 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، و75 في المائة من التجارة الدولية، وثلثي سكان العالم، و60 في المائة من مساحة اليابسة على مستوى العالم.

تحديات الغائبين

على صعيد متصل، لئن كانت الهند تأمل في حضور جميع رؤساء دول مجموعة العشرين، فإنها بالتأكيد شعرت بشيء من خيبة الأمل. إذ تصدر الغائبين الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وكان لكل منهما أسباب جيوسياسية مختلفة.

غياب الرئيس الصيني شخصياً أو افتراضياً، كان بسبب تضارب المواعيد، وبعث رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ بدلاً من ذلك. وبالمثل، تغيب بوتين، المطلوب بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزعومة في أوكرانيا، عن الحدث وأرسل وزير الخارجية سيرغي لافروف. ومع ذلك، رأى عدد من المراقبين في التغيب المزدوج ازدراء للهند، ومؤشراً لاستياء بكين من علاقات نيودلهي المتنامية بالولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات.

وحقاً، ويأتي غياب شي جينبينغ بمثابة تذكير بمدى السرعة التي يتطوّر بها النظام العالمي، و«الموقف الصعب الذي تجد الصين نفسها فيه الآن»، وفق المنظور الهندي. ويستشهد الجانب الهندي على ذلك بقول الرئيس الأميركي جو بايدن «رغم غياب شي، فإن قمة مجموعة العشرين تسير على ما يرام». بل ويذهب أبعد ليقول إن تغيب الزعيم الصيني أدى إلى نتائج عكسية، بينها بروز الهند بوصفها القائد المستحق في الجنوب العالمي ومجموعة «بريكس». فاليوم: «تبدو نيودلهي بمثابة جسر حيوي مع الغرب، وبدأت تبرز بوصفها قوة على صعيد التفوق الاقتصادي والعسكري الإقليمي، مع تمتعها بخيارات أكبر في تعاملها مع الولايات المتحدة وروسيا»، الأمر الذي تفتقر إليه الصين. وحول الصين أيضاً، يعلق راجيش غوبالان، أستاذ السياسة الدولية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، قائلا: «يبدو أن الصين اتبعت نهج عدم التدخل في القمة بعد اجتماع مجموعة البريكس المؤلفة من خمس دول أعضاء، الشهر الماضي». وأردف أن بكين، على ما يبدو، لم تعد تنظر إلى مجموعة العشرين بوصفها تجمعاً دولياً رئيسياً. ويعني ذلك أنها ربما تعطي الأولوية فقط لتلك المؤسسات الدولية التي يمكنها السيطرة عليها، مثل مجموعة البريكس الموسعة، بينما تسعى إلى تقويض الأطر المتعددة القائمة. وأضاف غوبالان: «إن إمداد الهند بمنصة تستطيع من خلالها الاضطلاع بدور قيادي عالمي، كان خطوة ذكية من جانب بايدن وقادة مجموعة السبع الآخرين».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

زيلينسكي... لم يُدع

وحول أبرز المتغيّبين، لم يجر توجيه دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحضور القمة، مع قرار الهند قصر الدعوات على أعضاء «مجموعة العشرين» وتسع دول غير أعضاء. وكان زيلينسكي قد خاطب زعماء المجموعة عبر رابط فيديو خلال قمة بالي السابقة في إندونيسيا عام 2022. أما نيودلهي، فقد وقفت إلى جانب حليفتها القديمة موسكو في مواجهة كييف. ورأى مراقبون أن قرار الهند ألا تدعو الرئيس الأوكراني جاء بوصفه خطوة تتعمد تجنب إزعاج روسيا التي تتقاسم «شراكة استراتيجية خاصة ومتميزة» مع الهند. إلا أن زيلينسكي، في أي حال، أعرب عن خيبة أمله إزاء إعلان القمة، وقال إن الإعلان لا يعكس حقيقة العدوان الروسي ضد أوكرانيا، ولم يقدم أي دعم ملموس لأوكرانيا، ولم يفرض عقوبات ضد موسكو.

ولكن في سياق موازٍ، في خطوة غير مسبوقة أحدثت هزة في المجتمع الدبلوماسي الدولي، رحبت الهند بحرارة بالاتحاد الأفريقي خلال القمة، وعد المراقبون التحول إلى دور «بطل الجنوب» العالمي، هو أكبر مساهمة للهند. ويتضمن ذلك تحويل «مجموعة العشرين» إلى «مجموعة الـ21» مستقبلاً، من خلال ضم الاتحاد الأفريقي. وما يستحق الذكر، أن مصادر مطلعة أكدت أن هذه الفكرة جرى طرحها في يونيو (حزيران) من هذا العام، عندما كتب مودي إلى قادة «مجموعة العشرين» مقترحاً منح الاتحاد الأفريقي «العضوية الكاملة» في قمة نيودلهي.

وأضافت المصادر أن الفكرة نشأت بعد قمة «صوت الجنوب العالمي» في يناير (كانون الثاني) من هذا العام، التي شاركت فيها معظم دول القارة الأفريقية البالغ عددها 55 دولة. وجرت المناقشات في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، مقر الاتحاد الأفريقي. وحتى ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى دولة واحدة من القارة الأفريقية بأكملها في «مجموعة العشرين» هي جنوب أفريقيا.

من ناحيتهم، شكا عدد من الزعماء الأفارقة من أن أوروبا ممثلة بخمس دول، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، في حين يستحق الاتحاد الأفريقي بدوره تمثيلاً مماثلاً. ومعلوم أن ناريندرا مودي، الذي أجرى زيارات لـ10 دول على الأقل في أفريقيا خلال السنوات التسع الماضية، أطلق حوارات مع قادة العالم، بما في ذلك الرئيس الأميركي بايدن والرئيس الروسي بوتين، بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، ونال دعمهم لضم الاتحاد الأفريقي. وكانت حجة الزعيم الهندي في ذلك واضحة، ومفادها أن المستقبل المستدام لكوكبنا يتطلب الاعتراف بجميع الأصوات وتمثيلها، خاصة الأصوات الآتية من العالم النامي.

وهنا، أعرب الكاتب شوباجيت روي، عن اعتقاده أن هذه الخطوة «رسخت مكانة الهند بقوة بوصفها قوة جيوسياسية صاعدة عالمياً. كما يعد ذلك انعكاسا لقوة روابط نيودلهي بأفريقيا، ويتزامن كذلك مع تطلع الهند للحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ما يعد سبباً وراء حرص نيودلهي على حشد دعم أفريقيا التي تمتلك 55 صوتاً».

وفي هذا الإطار، نشير إلى أن تواصل الهند المنظم مع أفريقيا كان قد بدأ عام 2008، ولكن مع ذلك نجحت الصين في «سرقة» المسيرة، بعدما كانت قد بدأت تواصلها مع القارة الأفريقية لأول مرة عام 2000، عندما كان جيانغ زيمين رئيساً. ولقد بدأ عمل «منتدى التعاون الصيني - الأفريقي» (فوكاك) عندما انعقد الاجتماع الوزاري الأول في بكين ذلك العام، وقد قطعت الصين شوطاً طويلاً منذ ذلك الحين، ما يعد دليلاً على تطور المصالح الصينية داخل القارة الأفريقية.

رحبت الهند بحرارة بالاتحاد الأفريقي خلال قمة «مجموعة العشرين»

الرئيس الصيني شي جينبينغ (آ ب)

 

الهند والولايات المتحدة في «متابعة مشتركة» للحالة الصينية

وفق جملة من التحليلات والتوقعات، تظل الهند من أكثر الحلفاء أهمية للولايات المتحدة، في حين تبقى الصين في خلفية الصورة الأكبر هنا.

وما يمكن ملاحظته في هذا الإطار، أن الرئيس الأميركي جو بايدن تعمد تجنب إحراج القيادة الهندية، وذلك من خلال امتناعه عن الإعلان عن سلبية توجهات واشنطن إزاء بكين. لكن، مع ذلك، ما تلمسه الأوساط السياسية الهندية أن الأولوية الكبرى عند واشنطن إشراك نيودلهي في اللعبة الطويلة ضد الصين. وعلاوة على ذلك، وفي مسار مواز ومقابل، فإن الموافقة على الإعلان لا تنطوي على تهديد لموقف الولايات المتحدة تجاه روسيا، وليس ثمة رسالة من واشنطن إلى موسكو بأنها ستخفف من قوة سياستها تجاه دعم أوكرانيا أو انتقاد «عدوان» موسكو.

في مطلق الأحوال، استغلت الولايات المتحدة فراغ السلطة في غياب الرئيس الصيني لاتخاذ خطوة مهمة لتعزيز جهودها من أجل توقيع اتفاقات دفاعية جديدة مع الهند.

ويأمل بايدن حاليا في الاعتماد على سلسلة مشروعات البنية التحتية والاستثمارات الجديدة بوصفها دليلا قويا وموثوقا على التزام واشنطن تجاه دول العالم النامي، وتقديم بديل أفضل وأكثر موثوقية من الصين.


السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض

السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض
TT

السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض

السيناتور تيم سكوت... المرشح الأسود الوحيد المحافظ في التنافس على البيت الأبيض

لا يوجد مرشح بين كوكبة المرشحين الرئاسيين الأميركيين عن الحزب الجمهوري مثل تيم سكوت (57 سنة)، السيناتور الأسود عن ولاية ساوث كارولينا، والمرشح الأسود الوحيد الحالي في حلبة انتخابات 2024، التي يَبرز فيها الرئيس السابق دونالد ترمب. سكوت سليل أسرة من العبيد المحرَّرين، والابن الثاني لأم مطلقة، عزَبٌ، ولا يعاقر الكحول. وقد بدأ مشواره العملي بائع تأمين، وعاش حياة صعبة قبل نجاحه الفريد في اقتحام عالم السياسة، ثم إنه شهد في المتاجر، وعلى الطرق، والإنترنت، وحتى في مبنى «الكابيتول» بالولايات المتحدة نفسها، التفرقة العنصرية، لكنه مع ذلك كان دائماً راضياً ومتفائلاً، بل ربما يكون السياسي البارز الوحيد الذي لا يرى في البلاد عنصرية، ولا يعدّ نفسه ضحية لها. ومن أقواله «أميركا ليست دولة عنصرية... في أميركا فقط يمكن لقصتي أن تستمر بالطريقة التي ظهرت بها». هذه رسالة قد تفيد الآن محاولته الرئاسية، لكن مع استبعاد أن تنجح في إقناع الناخبين الجمهوريين في اختياره، لعلّه يراهن على تغيرٍ ما في المدى البعيد.

تيم سكوت هو، اليوم، السيناتور الجمهوري الأسود الوحيد في «مجلس الشيوخ الأميركي»، والشخص الأسود الوحيد الذي خدم على الإطلاق في مجلسي «الكونغرس»، هو واحد من 11 شخصاً أسود فقط في تاريخ البلاد، نالوا عضوية «مجلس الشيوخ»، وواحد من ثلاثة فقط (إلى جانب الديمقراطييْن كوري بوكر ورافائيل وارنوك) أعضاء حالياً في هذا المجلس.

الجدير بالذكر أن سكوت هو أيضاً أول جمهوري أسود يُنتخب لمنصب سياسي في ولاية ساوث كارولينا. وكان عام 1996، قد تحدّى عضو مجلس شيوخ الولاية؛ وهو الديمقراطي روبرت فورد، الذي كان يعمل لدى مارتن لوثر كينغ «الابن»، واعتُقل 73 مرة خلال حركة الحقوق المدنية، لكنه خسر أمامه بفارق كبير (35 في المائة مقابل 65 في المائة)، وكان قريباً من السيناتور التاريخي الراحل ستروم ثورموند؛ أحد دعاة الفصل العنصري، في «مجلس الشيوخ» عام 1996. وحول علاقته السياسية بثورموند أوضح سكوت، ذات مرة: «إن الناس يغيّرون رأيهم».

خطواته السياسية

بعد ذلك تقلّب سكوت في عدد من المواقع السياسية الصغيرة على مستوى مدينته تشارلستون (حتى عام 2009)، أو على مستوى الولاية؛ حيث انتُخب عضواً في مجلس نوابها (بين 2009 و2011). وللعلم، في دورة عام 2010 التي حدّدها «حزب الشاي» - الجناح المحافظ في «الحزب الجمهوري» - في منطقة ثلاثةُ أرباع سكانها من البيض، ترشّح سكوت وتغلّب على بول ثورموند (أصغر أبناء ستروم ثورموند في الانتخابات التمهيدية). وبدعم من سارة بالين وكيفن مكارثي وإريك كانتور، أصبح سكوت رسمياً عام 2011 أول جمهوري أسود يُنتخب لعضوية «مجلس النواب الأميركي» منذ عام 1897.

بعدها، صادقت نيكي هيلي - التي كانت آنذاك حاكمة الولاية والمرشحة الرئاسية الحالية - على تعيين سكوت، بعد انتخابات خاصة، عضواً في «مجلس الشيوخ الأميركي» عام 2014؛ وذلك لملء مقعد السيناتور جيم ديمينت، الذي استقال لتولّي رئاسة مركز «هيريتيدج فاونديشن»؛ أحد أبرز مراكز أبحاث اليمين المحافظ الأميركية. ولاحقاً، انتُخب عام 2016 لولاية كاملة، وأُعيد انتخابه عام 2022، غير أن أبرز تجليات طموحه السياسي كانت، في 12 أبريل (نيسان) الماضي 2023، عندما شكَّل سكوت لجنة استكشافية تشكل الإعلان الفعلي عن ترشحه للانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري لعام 2024. وحقاً، قدَّم أوراق ترشحه إلى «لجنة الانتخابات الفيدرالية»، يوم 19 مايو (أيار)، وأعلن ترشحه رسمياً بعد 3 أيام.

النشأة والمسيرة

بعد نحو 150 سنة من جلب أسلافه المستعبَدين إلى ساوث كارولينا، وُلد تيموثي يوجين سكوت، في الضاحية الشمالية من مدينة تشارلستون يوم 19 سبتمبر (أيلول) 1965. وكان في السابعة من عمره عندما وقع الطلاق بين والديه، وانتقل في سن السابعة للعيش مع أمه - التي كانت تعمل مساعِدة ممرضة - وشقيقه الأكبر في بيت جدّه لأمه في بيئة فقيرة متواضعة. وفي ذلك البيت تقاسم مع أمه وشقيقه، الذي أصبح فيما بعد رقيباً أول في الجيش، غرفة بسرير واحد. أما الجد فما كان يجيد القراءة والكتابة؛ لكونه ترك المدرسة في الصف الثالث، ليعمل في جمع القطن مقابل 50 سنتاً في اليوم، لكنه مع ذلك كان متابعاً نهماً لما يُنشَر في الصحف اليومية.

معجزة الأسود على بطاقة الاقتراع

أيضاً، كان تيم الصغير وجدّه شغوفين بالمصارعة المحترفة في منتصف السبعينيات، وشجّعا هيوستن هاريس، الذي كان يحمل اسم «بوبو برازيل»، وهو أول رجل أسود في «تحالف المصارعة الوطني». وكتب سكوت، حينها: «لقد ساعدَنا نجاحه على رؤية العالم الذي كان جدّي يسعى من أجله، وأنه يمكننا فعل المزيد. يمكننا أن نتقدم أكثر».

وفي عام 2008، عندما ترشّح وفاز بمقعد في مجلس الولاية المحلي، كان قد اصطحب جده للتصويت في الانتخابات الرئاسية، ذلك العام. غير أن الجد لم يتمكن من قراءة بطاقة الاقتراع، فأشار إلى اسم باراك أوباما. وبينما كان يقوده إلى المنزل، نظر إلى جده، الذي كانت الدموع تنهمر على وجهه. وقال جده: «تيمي، المعجزة ليست في فوزه أم لا... المعجزة هي أنه على ورقة الاقتراع!... تيمي، لأكثر من نصف حياتي، لم يكن يُسمَح لي بالتصويت».

وبضفته طالباً جديداً في مدرسة «آر بي ستال» الثانوية، في شمال تشارلستون، فشل تيم سكوت في مواد اللغة الإنجليزية واللغة الإسبانية والجغرافيا والتربية المدنية، وهو ما فرض على أمه إرساله إلى مدرسة صيفية، كما فرض عليه البحث عن عمل ليدفع مصاريفها.

وقبل سنته الأخيرة الدراسية، في أواخر أغسطس (آب) من عام 1982، غفا سكوت أثناء قيادته سيارة أمه، فانقلب بالسيارة وكُسر كاحله، وتعرَّض لإصابة في ظهره، ما قلّل من اهتمام الجامعات الكبرى به بوصفه لاعب كرة قدم، ومن ثم كانت وظيفته الأولى في دار سينما محلية، ليفرقع الفشار «البوب كورن». وفي فترات الاستراحة كان يذهب إلى محل الوجبات السريعة «شيك- فيل-إيه» القريب، ويطلب دائماً الوجبة نفسها، بطاطا مقلية وماء؛ لأنه كان الشيء الوحيد الذي يمكنه تحمُّل تكلفته.

يومذاك، لاحظه مالك المحل، وهو رجل أبيض محافظ يُدعى جون مونيز. وسرعان ما صار مونيز مرشداً له وقدوة غيّر مسار حياته، وكان ينقل له «مبادئ الأعمال المحافظة»... وحول هذه المحطة من مسيرته يقول سكوت: «لقد مكّنني من أن أفكر في طريقي للخروج من هذا الفقر». وحقاً، رغم العوز واضطراره للعمل من أجل الإنفاق على ضرورات الحياة، بدأ مسيرته مع التعليم العالي، فالتحق، عام 1988، بالكلية المعمدانية في تشارلستون، مستفيداً من منحة رياضية، إلا أنه لم يبق في الكلية سوى سنة واحدة انتقل بعدها إلى جامعة تشارلستون سوذرن (وهي أيضاً تتبع الكنيسة المعمدانية البروتستانتية، حيث تخرَّج بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية.

بعد ذلك، بدأ سكوت بيع التأمين، وبرزت قدراته بوصفه رجل أعمال، بعدما أسّس شركة عقارية، لديها اليوم 3 آلاف عميل، كما أنه لم ينس - وهو العزَب حتى هذه اللحظة - شراء منزل لوالدته. ولكن، عودةً إلى السياسة، فإنه يقول، في كتاب نشره عام 2022، إنه همس لنفسه، ذات ليلة، وهو في السرير: «الرئيس تيم سكوت»، ثم قال لصديق له: «أنا سأفعل ذلك... سأترشح للرئاسة».

وتابع: «في بعض الأحيان كنت أتلقى رسائل مليئة بالكراهية مع إهانات عنصرية، هي معلّقة الآن على خزانتي». ويضيف: «وأحياناً شعرت بمزيد من العنصرية... حتى من أصدقائي السود»، الذين أطلقوا عليه اسم «أوريو» (على اسم البسكويت الشهير الأسود المحشو بكِريما بيضاء). وتفسيره لذلك «لأنني لم أكن أحقق توقعات التفكير الجماعي داخل المدرسة».

أيضاً كتب سكوت عن تعرضه للتوقيف من قِبل رجال الشرطة، أكثر من 20 مرة، خلال 20 سنة، شارحاً «لم يُوقفوني لأنني تجاوزت الحد الأقصى للسرعة، بل لكوني أسود». وفي السياق نفسه ذكر أن شرطة «الكابيتول»، بدورها، أوقفته 5 مرات بينما كان في طريقه إلى مبنى «الكابيتول» للإدلاء بصوته... «وفي كل مرة، بعد أن أُظهِر للضابط أوراق اعتمادي، كانوا يعتقلونني. وفي كل مرة، كان عليّ أن أطلب من زملائي البيض التعريف عني».

لا يرى عنصرية في أميركا ولا يعدّ نفسه ضحية

ترمب ليس عنصرياً

بعد إطلاق النار على كنيسة الأم إيمانويل، في مدينته تشارلستون عام 2015، انضمّ سكوت إلى نيكي هيلي في دعم إزالة علم الكونفدرالية من مبنى «الكابيتول» بالولاية. وقال يومذاك، في بيان: «لا أعتقد أن الغالبية العظمى من أولئك الذين يدعمون العلم، لديهم كراهية في قلوبهم، لكن من الواضح أن هذه هي الخطوة الصحيحة إلى الأمام، بالنسبة لولايتنا».

أيضاً إبان الأحداث التي أعقبت تجمّع العنصريين البيض في مدينة تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، صيف 2017، انزعج من تعليق للرئيس السابق دونالد ترمب، بأنه «كان هناك أشخاص طيبون على كلا الجانبين»، فقال «أعتقد أن الرئيس قد تخلّى هنا عن سلطته الأخلاقية للقيادة». إلا أنه حين سئل، فيما بعد، عمّا إذا كان يؤمن بأن ترمب عنصري، أجاب «لا أعتقد، هل هو غير حساس عنصرياً؟ نعم... لكن هل هو عنصري؟ لا». ثم، في مقابلة مع الإعلامي اليميني شون هانيتي، على محطة «فوكس نيوز»، قال: «ربما لا توجد خلافات كثيرة معه على الإطلاق. أنا ممتنّ جداً لوجود ترمب في منصبه».

وكتب، في كتابه: «لا يهمُّني لمَن صوَّتَّ أو ما رأيك في انتخابات 2020، لكن ما حدث في 6 يناير (كانون الثاني) كان خطأ». ومع ذلك فهو لم يلُم ترمب، على وجه التحديد، واكتفى بوصف ذلك التمرد بـ«أن هذا اليوم المأساوي - على حد تعبيره - كان تتويجاً لداء أفراد اتخذوا خيارات سيئة».

مواقف مختلفة

اجتماعياً، يصف تيم سكوت نفسه بأنه «مؤيد للحياة، ومعارض صريح للإجهاض». وخلال مقابلة عام 2023، قال إنه سيوقّع على قانون حظر الإجهاض الفيدرالي لمدة 20 أسبوعاً، إذا ما انتُخب رئيساً. بيد أنه تهرَّب من الأسئلة حول ما إذا كان يؤيد حظر الإجهاض لمدة 6 أسابيع، وهي القضية التي تقسِّم المرشحين الجمهوريين وتُحرجهم في مواجهة تنامي الرفض الوطني لتقييد الإجهاض، حتى في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون.

أيضاً يعارض سكوت زواج المثليين، وكان قد صوّتَ ضد قانون احترام الزواج لعام 2022، الذي ينصّ على الاعتراف القانوني الفيدرالي بزواج المثليين. وفي المناظرة الجمهورية الأولى، التي أُجريت الشهر الماضي، قال «إذا جعلك الله رجلاً، فأنت تلعب الرياضة ضد الرجال».

وفي موضوع الهجرة، يدعم سكوت تشديد العقوبات على أصحاب العمل الذين يشغِّلون مهاجرين غير شرعيين عن علم. ويدعم تعزيز «الاستيعاب الثقافي»، من خلال جعل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية، وتعليمها للمهاجرين الجدد.

واستراتيجياً، دعا سكوت، الذي عارض التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، إلى استمرار الوجود العسكري في أفغانستان، وهو يبرر فيقول «لأن الانسحاب المبكر سيفيد تنظيم القاعدة»، ثم إنه ينظر إلى إيران باعتبارها «أخطر دولة في العالم»، ويعتقد أن على الولايات المتحدة مساعدة الجماعات الإيرانية المؤيِّدة للديمقراطية هناك.

وأخيراً، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وردّاً على جهود الصين لشراء شركات التكنولوجيا الأميركية، كان سكوت واحداً من 9 رعاة لمشروع قانون مِن شأنه توسيع قدرة الحكومة الفيدرالية على منع المشتريات الأجنبية للشركات الأميركية، وذلك من خلال تعزيز لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، والسماح لها بمراجعة، وربما رفض الاستثمارات الصغيرة، وإضافة عوامل الأمن القومي.

شرطة «الكابيتول» أوقفته 5 مرات وفي كل مرة كان يطلب من زملائه البيض التعريف عنه


حظر «العباية» في المدارس يضع مسلمي فرنسا أمام جدل سياسي جديد

طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
TT

حظر «العباية» في المدارس يضع مسلمي فرنسا أمام جدل سياسي جديد

طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)
طالبات مسلمات طُردن من مدرستهن بسبب العباية (رويترز)

يكشف الحضور الدائم لموضوع الإسلام والمسلمين، في النقاش العام الفرنسي، التهميش السياسي لأولئك الذين يُصار إلى تقديمهم على أنهم تهديد للتعددية الديمقراطية. والواقع أنه لا الثقل البشري والاقتصادي لهذه الجالية ولا محاولات التنظيم التي بادرت بها بعض الحكومات، كحكومة جان بيار شوفنمان وحكومة نيكولا ساركوزي، استطاعت أن تخرج الجالية المسلمة، خصوصاً الشمال أفريقية، من دائرة الوصم والتهميش التي تتخبط فيها منذ عقود. ولكن الفرنسيين استقبلوا الدخول المدرسي على وقع جدل سياسي كبير، بسبب قرار وزير التربية والتعليم، غبريال آتال، الأحد 28 أغسطس (آب) الماضي، حظر ارتداء «العباية» في المدارس بوصفها رمزاً دينياً. وكان الوزير الجديد، الذي تسلَّم حقيبة التربية والتعليم، أواخر يوليو (تموز)، قد صرح، في مقابلة مع قناة «تي إف أ» بأن «ارتياد المدرسة بالعباية مظهر ديني يرمي إلى اختبار مدى مقاومة الجمهورية، على صعيد ما يجب أن تشكله المدرسة من صَرح علماني... ولا يجوز تمييز ديانة التلاميذ من خلال الزي الذي يرتدونه في القسم»، مشدداً على سعيه لوضع «قواعد واضحة على المستوى الوطني» لمديري المدارس أخيراً.

في الرسالة التي بعث بها غبريال آتال، وزير التربية الجديد، إلى هؤلاء، أوضح أنه يجب إعطاء الأولوية «للحوار» مع التلميذات وأهاليهم، وتجنب طرد أي تلميذة إلا بعد استنفاد كل سبل التحاور. وكان القرار قد جاء على خلفية معلومات كشفت عنها وزارة التربية تفيد بأن نسبة «الانتهاكات» التي طالت «قانون العلمانية» في المدارس قد بلغت (منذ 2021) 120 في المائة، معظمها بسبب ما يُسمى بـ«العباية»، وهي فستان ذو كُمّ طويل وعريض متداوَل بشدة عند الفتيات المسلمات. ووردت هذه المعلومات في أعقاب تسجيل أكثر من 5000 بلاغ وصل لمصالح وزارة التربية، ويتعلق بنحو 513 مؤسسة تربوية، معظمها ثانويات، زُعم أن قوانين العلمانية قد انتُهكت فيها. وبالمناسبة، بلغ عدد البلاغات أرقاماً قياسية، بالأخص، خلال شهر رمضان وفي المناسبات الدينية التي يكثر فيها إقبال الفتيات على ارتداء هذا النوع من اللباس التقليدي.

غبريال آتال (أ ف ب)

تدابير حازمة

هذه المعطيات جعلت «مجلس حُكماء العلمانية وقيَم الجمهورية»، وهو الهيئة التي تراقب حسن تطبيق قانون العلمانية في المدارس، ينصح وزير التربية، اعتباراً من يونيو (حزيران) 2022، باتخاذ تدابير «حازمة» لتدارك الوضع، وهذا وفق مذكرة سرية كشفت عنها صحيفة «لوموند»، علماً بأن الوزير السابق، باب انداي، كان قد رفض حظر «العباية»، وهو الموقف الذي كلفه منصبه الوزاري، حسب بعض التقارير.

للتذكير، البرلمان الفرنسي كان قد صادق يوم 15 مارس (آذار) من عام 2004 بـ494 صوتاً مقابل 36 على قانون يمنع كل الرموز الدينية في المدارس الحكومية، ومنها الحجاب الإسلامي والقلنسوة اليهودية والصلبان المسيحية، لكن الجدل تركز على الحجاب الإسلامي. ورغم القرار الوزاري، كشفت صحيفة «ليبراسيون» في عددها الصادر يوم 5 سبتمبر (أيلول) الحالي عن أن أكثر من 300 تلميذة قصدن المدارس وهن مرتديات «العباية»، وأن 67 منهن رفضن خلعها مفضلات العودة إلى بيوتهن.

في هذه الأثناء، قابلت نقابات المعلمين القرار بكثير من الحذر، وذكرت أن «هناك مشكلات أهم من العباية» في قطاع التعليم، كأزمة العجز في عديد الجهاز التعليمي، حيث ينقص المؤسسات التربوية الفرنسية سنوياً نحو 300 معلم.

اليمين يرحب بالقرار

سياسياً، خص الرئيس إيمانويل ماكرون قناة أحد المؤثرين الذين يحظون بشعبية كبيرة لدى الشباب بحوار ربط فيه بين اغتيال مدرس التاريخ والجغرافيا صامويل باتي عام 2019 والرموز الدينية في المدارس، وأردف: «أنا لا أوازي بين ارتداء الفتيات المسلمات لهذا الزي والإرهاب، لكنني هنا أؤكد أن تطبيق مبدأ العلمانية مهم بالنسبة لنا». وخلال زيارته لثانوية مهنية في أورانج بجنوب فرنسا قال: «لن ندع أي شيء يمر. نعلم أنه ستكون هناك حالات... ربما بسبب الإهمال... لكن علينا أن نكون حازمين».

بدورها، رفضت رئيسة الحكومة إليزابيث بورن، كل اتهامات «الوصم» والتمييز التي قد تستهدف المسلمين، فقالت على أمواج إذاعة «أر تي آل» موضحة: «أريد أن أوضح الأمور... ليس هناك أي محاولة للوصم. فلكل واحد من مواطنينا، أيّاً كانت ديانته، مكانه في بلادنا». وكذلك أدلى وزير الاقتصاد برونو لومير بدلوه الذي صرح لـ«إذاعة أوروب 1» قائلاً: «الإسلام السياسي يمتحننا ويمتحن حدودنا وقدرتنا على المواجهة منذ سنوات... شيء جيد أن يقول وزير مسؤول عن تربية الأطفال وتعليمهم وتكوينهم: كفى، للإسلام السياسي».

غير أن الترحيب الأكثر حرارة بقرار وزير التربية والتعليم بحظر العباية في المدارس جاء من الأوساط السياسية اليمينية، بدءاً بـ«العائلة السياسية» للوزير. وحقاً تلقى الوزير آتال دعماً واسعاً من قبل شخصيات كثيرة من اليمين الفرنسي، كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي هنّأه على قراره، مهاجماً في الوقت ذاته الوزير السابق باب انداي: «الذي ترك مديري المدارس يتخبطون في المشكلات بمفردهم»، حسب كلام ساركوزي. وتفاعل إيريك سيوتي، زعيم كتلة الجمهوريين، أيضاً مع قرار الوزير على منصة «إكس» («تويتر» سابقاً) فكتب: «الطائفية آفة تهدد الجمهورية، ولقد طالبنا مراراً بمنع ارتداء العبايات في المدارس... وأنا أُحيّي قرار وزير التربية». وبطبيعة الحال، أعلن قادة اليمين المتطرف دعمهم القوي، يتقدمهم إيريك زمور زعيم حزب «روكونكيت» (أو «الاستعادة») الذي أكد «تأييده الكامل»، وطالَب «بخطوات أكثر جرأة». إذ قال على منصة «إكس» أيضاً إن «حظر ارتداء العباية خطوة أولى جيدة إذا ما طُبقت فعلاً... نحن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنطالب بتعميم الزي الرسمي لتفادي كل تحريض إسلامي في المدارس».

لم يختلف كثيراً موقف غريغوار دو فورناس، نائب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد الذي ترأسه مارين لوبان، إذ استغل الجدل ليذكّر على المنصة نفسها بأنه «لم نكن لنبتهج بمنع ارتداء العباية لو لم نتبنَّ سياسة انفتاح واسعة تجاه الهجرة. هذه الخطوة بداية حسنة، إلا أنها أشبه بمحاولة إفراغ البحر بملعقة صغيرة... لأنها لم تحل المشكلة من العمق».

جيرالد درمانان (أ ف ب/غيتي)

تباين في مواقف اليسار...

في المقابل، جاء أبرز ردود الفعل المستنكرة من جان لوك ميلونشون، زعيم كتلة اليسار المتطرف «فرنسا الأبية»، الذي عبر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عن حزنه لأن «الدخول المدرسي أصبح عرضة للاستقطاب السياسي». وتابع ميلانشون أن «العلمانية يجب أن تكون عامل سلام وليس عامل انقسام... وما تقوم به الحكومة ليس إلا حرباً دينية سخيفة مصطنعة حول لباس نسوي».

وفي الاتجاه نفسه، عدّت ماتيلد بانو، زعيمة كتلة نواب «فرنسا الأبية»، في البرلمان أن الوزير الجديد آتال «مهووس بالمسلمين، وتحديداً بالمسلمات... بما أنه ترك كل المشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم، كنقص المعلمين وانخفاض مستوى التلاميذ، وركز اهتمامه على الفتيات المسلمات ولباسهن». وأضافت زميلتها النائبة كليمونتين أوتان أن الوزير الجديد اخترع «شرطة للثياب». في حين أعلن منسق حزب «فرنسا الأبية»، إيمانويل بومبار، أنه يُحضّر لتقديم شكوى إلى مجلس الدولة لأن القرار غير «دستوري» ويتعارض مع الحريات الفردية.

غير أن معسكر اليسار الفرنسي لم يشهد إجماعاً بهذا الشأن (أي حظر العباية في المدارس) بل قسم الجدل آراء اليساريين، ذلك أنه في حين أبدى حزب «فرنسا الأبية» وحزب «الخضر» معارضتهما، أيد كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي القرار الوزاري؛ إذ حيّا النائب الاشتراكي جيروم غادج قرار الوزير باسم العلمانية، وكذلك فعل زعيم الشيوعيين، فابيان روسيل.

قانون مناهضة

«الانفصال» الإسلامي!

الواقع أن الجدل حول ارتداء العباية ليس الأول من نوعه إبان ولاية الرئيس ماكرون، بل سبقه قانون أثار كثيراً من الجدل أيضاً، هو قانون «مناهضة الانفصالية» أو «التيارات الانعزالية». وهذا القانون عرضه وزير الداخلية جيرالد درمانان ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) 2020، ثم تبناه أعضاء الجمعية الوطنية في فرنسا (البرلمان) بشكل نهائي في يوليو 2021.

اليوم يُعرف هذا القانون رسمياً بـ«قانون تعزيز مبادئ الجمهورية»، وجرى التعريف به أول مرة باسم «مكافحة الإسلام الانفصالي». ويومذاك طرحه درمانان على أنه القانون الذي «يقدم ردوداً ملموسة على الانعزال المرتكز على الهوية، وعلى انتشار التطرف الإسلامي، الذي يمثل آيديولوجيا معادية للمبادئ والقيم المؤسسة للجمهورية». بيد أن المعارضين، لا سيما من اليسار، رأوا في هذا القانون استهدافاً للمسلمين ورؤية ضيقة للعلمانية. ومع هذا بررت الحكومة الفرنسية، في حينه، طرح المشروع بأنه «يعزز قيَم الجمهورية العلمانية»، تماماً كما بررت أخيراً قرار حظر ارتداء العباية، واعتبرت أن ارتداءها «يهدد علمانية الدولة».

«قانون تعزيز مبادئ الجمهورية» عده كثيرون تطوراً خطيراً، لكونه يقضي بتجريم المسلمين الذين يخالفون قوانين الجمهورية بعقوبة سجن 5 سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى 75 ألف يورو لكل مَن يهدد أو يعتدي على مسؤول أو موظف. ويعاقب بالسجن والغرامات أيضاً كل مَن يرفض اتباع القواعد التي تحكم الخدمات العامة الفرنسية، مثل رفض النساء الخضوع للفحص الطبي من قبل طبيب، أو الرجال من قبل طبيبة، أو تنظيم أوقات مخصصة للنساء في المسابح، أو تقديم وجبات أكل خاصة في المدارس. بل ذهبت آني جنفار، وهي نائبة عن اليمين، إلى حد اقتراح إدراج الرقصات الشعبية المغاربية والأفريقية وحمل الأعلام الأجنبية في الأفراح ضمن قائمة لائحة المحظورات التي قد يعاقب عليها «قانون مناهضة الانعزالية الإسلامية».

على صعيد آخر، أثار هذا القانون ردود فعل غاضبة على المستوى الخارجي، لا سيما بعد خطاب ماكرون الذي قال فيه إن «الإسلام ديانة تعيش أزمة في كل مكان في العالم». ويذكر أن القانون كاد يتسبب في أزمة دبلوماسية بين باريس وأنقرة، حين وصفه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه «ضربة مقصلة في حق الديمقراطية الفرنسية»، ونددت به عدة جمعيات حقوقية، كـ«منظمة العفو الدولية»، إذ عدّت الناطقة الرسمية باسمها، آن صوفي سيمبار، القانون، «تعسفياً».

أيضاً كشف موقع «ميديا بارت» الإخباري المستقل أن هذا القانون تسبب إلى غاية الآن في وقف نشاطات عدة جمعيات خيرية ومحلات يديرها المسلمون، إضافة إلى إغلاق عدة مدارس قرآنية ومساجد، كما أخضعت آلاف المؤسسات الإسلامية للتحقيق، وأغلق نحو 900 منها، بالإضافة إلى مصادرة أكثر من 55 مليون يورو.

النموذج العلماني الفرنسي

جدير بالذكر أن فرنسا تنتهج شكلاً صارماً من العلمانية أُسّس في فترة مبكرة من تاريخها المعاصر حين كُرس في القانون عام 1905، وهذا بعد صراع ضد رجال الكنيسة (الإكليروس) الكاثوليك. وهذا الشكل مُصمم للفصل بين الدين والحياة العامة؛ إذ تنص علمانية الدولة على أن الأماكن العامة، سواء أكانت مؤسسات تعليمية أو وظيفية، يجب أن تكون خالية تماماً من كل الرموز الدينية.

غير أن ظاهرة تنامي الهجرة من بلدان إسلامية إلى فرنسا ساهمت في حدوث أزمات بخصوص كيفية التعامل مع التنوع الجديد الدخيل على المجتمع الفرنسي، فبرزت مقاربات فاقمت المشكلات في ظل تأسيسها على العداء للمهاجرين وتراجع الثقة بالمسلمين.

كذلك شكل هذا النموذج العلماني الصارم عائقاً أمام ممارسة بعض المسلمين لمعتقداتهم الدينية، على خلفية تمسكهم بتطبيق الشرائع الدينية، وهو ما كشفت عنه دراسة حديثة لمعهد «ستاتيستا» نشرت في مارس (آذار) 2023، جاء فيها أن 58 في المائة من الأشخاص الذين أعلنوا أنهم مسلمون يُطبقون الشرائع الدينية بانتظام مقابل 15 في المائة فقط من المسيحيين الكاثوليك. وكشفت الدراسة أيضاً أن 80 في المائة منهم مثلاً لا يتعاطون الخمر، وأن 60 في المائة مواظبون على صلاة الجمعة.

في هذا السياق، يقول الباحث جوزيف مسعد شارحاً إن «أزمة فرنسا مع الإسلام هي إرث 200 سنة من الوحشية الاستعمارية. وهي تقليدٌ فرنسي علماني مُتعارف عليه بين الفرنسيين منذ قديم الزمان»، ثم أشار إلى أن الرئيس الحالي ماكرون ليس أول حاكم فرنسي أراد «تحرير» الإسلام، بل سبقه نابليون بونابرت، عندما غزا مصر بحجة رغبته في تحريرها من استبداد المماليك.

وفعلاً، تُظهِر مقارنة بسيطة بين فرنسا و«جاراتها» من الديمقراطيات الغربية مدى الاختلاف والتنوع والتعارض مع الدول الأوروبية الذي تعيش فيه جاليات مسلمة كبيرة. ولعل الاختلاف يظهر بصورة واضحة في النموذج الأنجلوسكسوني، الذي يعترف بالكنيسة، لكنه لا يحظر الرموز الدينية في الفضاء العام أو الخاص.

حتى في إسبانيا، فإن «قانون 2010» الذي أرسى فيها مبدأ العلمانية يمنع استعمال الصليب في المدارس، لكن وزارة التربية لا تفرض أي قوانين، بل تترك للأقاليم الحرية في تنظيم شؤون سكانها. ونظراً للتقليد الديني القوي للإسبانيين وانتشار الكنائس، فالجدل المتعلق بالممارسات الدينية شبه غائب، ولم يُسمع إلا عن قضيتين هما لفتاة في مدريد عام 2010 وأخرى في إقليم الباسك عام 2014 مُنعتا من دخول المدرسة بسبب ارتداء الحجاب، والمشكلة حُلّت بالتحاقهما بمدرسة خاصة.

من جهة ثانية، فإن ألمانيا، بالنظر إلى تاريخها المعاصر، بلد حريص على احترام الأقليات، وليس هناك فصل بين الكنيسة والدولة، مقابل أن للأقليات الدينية الحقَّ في الطعن في أي قرار تراه تعسفياً. وكانت تقارير صحافية قد نقلت أخيراً قضية فتاة من مدينة هامبورغ تقدمت بشكوى وافق عليها القضاء الألماني بعدما مُنعت من أداء امتحان بسبب ارتدائها النقاب.

أما في السويد، فكل الرموز الدينية مُباحة في الحيز العام والخاص وفقاً لقانون يضمنه دستور البلاد. وكانت المحكمة العليا للسويد قد أدانت بلدية سكاني، بجنوب السويد، بعدما منعت البلدية نساء مسلمات من العمل بسبب ارتداء الحجاب. وغير بعيد عن السويد، تمنع الدنمارك تغطية الوجه بارتداء البرقع منذ 2018، وتفرض غرامة مالية على كل مَن يخالف هذا القانون. وفي النرويج وفنلندا البرقع محظور، علماً بأن الرابطة الوطنية لكرة القدم تمنح للفتيات المسلمات حجاباً رياضياً لتشجيعهنّ على ممارسة الرياضة.

حقائق

البرلمان الفرنسي كان صادق في 2004 بـ494 صوتاً مقابل 36 على قانون يمنع كل الرموز الدينية في المدارس الحكومية

أزمة عزلة المسلمين... أم أزمة فرنسا؟

> من جملة الانتقادات التي وُجهت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد ما أقرّ بأن «المسلمين يعيشون في عزلة قد تهدد مبدأ العلمانية»، فكرة أن السلطات الفرنسية هي مَن وضعت هذه الجاليات في عزلة.

وأليسَتْ هي مَن استقطبت الجاليات المغاربية والأفريقية للعمل في مناجم الفحم ومصانع السيارات، ووضعتهم في «غيتوهات» بضواحي المدن حريصةً على عدم اختلاطهم بالأوروبيين البيض؟ والأدهى، كما يلاحظ المراقبون، أنها (أي فرنسا) لم ترَ أن هذه الجالية قد توسعت وأصبح لها اليوم ثقل بشري واقتصادي مهم، بأجيال ثانية وثالثة من الهجرة يملكون، خلافاً لآبائهم، ثقافة مزدوجة، وأن هؤلاء مُتمسكون بمعتقداتهم الدينية، وأيضاً بالموطن الذي نشأوا فيه (أي فرنسا).

قرار منع العباية في المدارس أثار جدلاً واسعاً في فرنسا (أ.ف.ب)

بل، ربما لوحظ (كما يرى البعض) أن محاربة الإسلام أضحت خزاناً انتخابياً للسياسيين والمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية؛ إذ يُصار في كل مرة إلى احتلال الفضاء الإعلامي بالكلام التهويلي عن الإسلام والهجرة، من أجل تخويف الفرنسيين وكسب الأصوات في الانتخابات.

قرار منع العباية في المدارس أثار جدلاً واسعاً في فرنسا (أ.ف.ب)

ولذا فإن إشكالية حظر العباية في المدارس ليست إلا أحدث مثال على السياسيين الذين يتوددون إلى اليمين المتطرف، عبر التلويح بالتشدد ضد الإسلام في بيئة سياسية شعبوية على حساب الأقلية المسلمة، وهو أمر أكدته كثير من الدراسات، آخرها من إنجاز معهد «إبسوس» الذي كشف فيها أن 80 في المائة من الفرنسين يؤيدون قرار وزير التربية بحظر العباية في المدارس، بمن فيهم الفرنسيون ذوو الخلفيات اليسارية، حيث إن 65 في المائة منهم يؤيدون القرار أيضاً.

في أي حال، ورغم تهميشها، فالجالية المسلمة في فرنسا هي الأهم في أوروبا. إذ يُقدر تعداد المسلمين في هذا البلد بنحو 5 ملايين، معظمهم جاليات من المغرب العربي وأفريقيا الفرنكوفونية، إضافة إلى تركيا وجنوب شرقي آسيا، لا سيما الهند وباكستان، وهو ما يمثل نسبة 10 في المائة من سكان هذا البلد. وتعيش نسبة كبيرة من هؤلاء في منطقة الـ«إيل دو فرانس» (أي العاصمة باريس وضواحيها)، وكذلك ضواحي مرسيليا وليون ومدن أخرى في جنوب فرنسا. أخيراً، يشكو العديد من المسلمين الفرنسيين، منذ فترة طويلة، حسب تقرير لموقع ذي «إنترسبت»، من التمييز والتهميش الذي ساهم في فقرهم وعزلتهم داخل مجتمعاتهم. ويوضح تقرير آخر لموقع «ذا سوشياليست» أن المسلمين الفرنسيين يواجهون تمييزاً واسع النطاق، مع معدلات بطالة وفقر أعلى بثلاث مرات من المتوسط الوطني، ودخل سنوي أقل بنسبة 30 في المائة.