قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

رفضها الإقرار بالأخطاء وتبّنيها معاييرَ مزدوجة أساءا لصورتها

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
TT

قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (ا ف ب)

أخذ الخطاب المُعادي لفرنسا في الرأي العام الأفريقي أبعاداً كبيرة لم يسبق أن وصل إليها من قبل. وبعدما كانت الانتقادات والاحتجاجات مُنحصرة في صفوف المثقفين والنُّخب، فإنها انتقلت، في الآونة الأخيرة، إلى الشارع، وقد تجلّت بصفة واضحة في خروج ملايين المتظاهرين عبر مدن أفريقيا الغربية، من داكار إلى باماكو، مروراً بواغادوغو ونيامي؛ للتنديد بالتدخل الفرنسي والمطالبة بوقفه نهائياً. وحمل المتظاهرون المحتجّون لافتات كُتب عليها عبارات مثل «يا فرنسا ارحلي!». لماذا وصلت العلاقات الفرنسية الأفريقية إلى هذه الوضعية المُتردية؟ كثيرون من الخبراء حاولوا البحث في العوامل التي أفضت إلى هذا الوضع الجديد، بينما يحاول الساسة، في حالة من الذهول، استيعاب هذه المعطيات من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المعروف لكثيرين أن فرنسا أنشأت لنفسها إمبراطورية واسعة، بعد استعمارها أكثر من عشرين دولة في غرب أفريقيا ووسطها وشمالها على امتداد ثلاثة قرون. واتسم الاستعمار الفرنسي خصوصاً بأنه «ثقافي الهوية»، والقصد أنه تميَّز بمحاولة صبغ الهويات الخاصة بالشعوب الأفريقية بألوان المسيحية والفرنكوفونية، ناهيك عن ميله إلى القمع العنيف.

وواقعاً، كان الاستعمار الفرنسي في هذا الجزء من العالم شديد الوطأة ودمويَّ الممارسات، خلّف فصولاً سوداء في تجارة العبيد والمجازر البشرية والتعذيب ونهب الثروات. وبعد استقلال المستعمرات السابقة - ومعظمها استقلّ في عقد الستينات - طوّرت فرنسا ما يسمى سياسة «فرنس أفريك (أفريقيا الفرنسية)»؛ للمحافظة على نفوذها في هذه المنطقة من العالم، معتمدة فيها على تكثيف حضورها العسكري والاقتصادي، والتدخل في السياسات الداخلية، مع بسط نفوذها الثقافي عبر «المنظمة الدولية للناطقين بالفرنسية».

الوضع، كما يبدو، يتغير اليوم.

كثيرة من التقارير يتكلم عن تقلّص دائرة هذا النفوذ، بعد توجّه حكومات الدول الأفريقية إلى نسج شراكات اقتصادية وأمنية وثقافية جديدة مع قوى دولية طارئة على المشهد، كالصين وروسيا وتركيا. وفي تداخل على قناة «تي في5» الفرنسية، شرح عصمان نديامي، رئيس تحرير قسم أفريقيا، أن «القطيعة» مع الرأي العام في أفريقيا «بدأت بسبب طريقة تعامل فرنسا مع مستعمراتها السابقة التي تغلب عليها الرؤية الفوقية، والنزعة نحو التفوق العِرقي، إضافة إلى شعور الأفارقة بأن فرنسا لم تغادر أوطانهم بعد الاستقلال». وهنا يشرح: «إن السؤال الذي يعود دائماً في الدوائر الفرنسية هو هل سنخسر أفريقيا؟ وهذا يفترض أن فرنسا تمتلك أفريقيا... فبأي صفة يطرح الفرنسيون هذه الأسئلة؟ ثمة أزمة قراءة من طرف الفرنسيين، وهي الثغرة التي استغلّها الروس والأطراف الأخرى التي تتوجه، اليوم، إلى الشعوب الأفريقية بخطاب مختلف، وكأنها تقول لهم «نحن مختلفون عن المستعمر السابق، سنعاملكم بصفة مختلفة، سنكون شُركاء لكم، النّد بالنّد، وليس كمستعمرات سابقة».

الانتقادات الأفريقية المالوفة أيضاً تشمل أيضاً «التعامل الأبوي»، وازدواجية المعايير التي تعتمدها فرنسا وتدخلاتها في السياسات الداخلية لدول المفروض أنها تتمتع بسيادة كاملة على أراضيها. وهذا ما أشار إليه فيليكس تشيسيديكي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير والكونغو البلجيكي سابقاً)، خلال اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الأخيرة، في الرابع من شهر مارس (آذار) 2023، حين توجه إليه أمام عدسات الكاميرات بالقول: «ما يجب أن يتغير في علاقتنا الثنائية هو نظرتكم إلى ما يحدث في أفريقيا... عندما يجري في عهد الرئيس (الفرنسي الأسبق جاك) شيراك الكشف عن استعمال أصوات أشخاص متوفِّين، في الانتخابات، فلا أحد يتكلم عن تجاوزات... بينما تنتقدون كل ما يحدث عندنا وتتابعونه عن كثب...».

الانقلابات العسكرية ودور باريس فيها

وليس سراً الإقرار بأن باريس كانت وراء كثير من الانقلابات العسكرية والاغتيالات والانتخابات التي كانت تُموّلها مباشرة أو عبر شركاتها التي توغلت في الأوساط السياسية لدعم النُّخب الحاكمة وضمان ولائها، دراسة أخيرة صادرة عن جامعة تكساس قيَّمت عدد هذه التدخلات بأكثر من عشرين بين 1961 و2018، لذا فإن لجوء فرنسا إلى إعطاء دروس في الديمقراطية أصبح يثير تقزز الشارع الأفريقي.

هذه «التناقضات» أشار إليها الباحث المختص في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «ماكرون الفخ الأفريقي»، حين شرح: «عندما تكون دولة كالغابون عضواً (غير دائم) في مجلس الأمن، فإن من مصلحة فرنسا الحصول على صوتها، والحرص على تجنب إغضابها. والشيء نفسه بالنسبة لتشاد، التي حصل فيها محمد إدريس ديبي على تأييد باريس وزيارة خاصة من ماكرون، رغم الانتقادات. وما لا يفهمه الأفريقيون هو أنْ تُوجه باريس بعد ذلك كله انتقادات لأنظمة الحكم العسكري في مالي والنيجر وبوركينا فاسو... فبأي صفة تقرّ ما هو شرعي وما هو غير شرعي؟!... كل هذه التناقضات أصبحت مرفوضة وجاءت كالقطرة التي أفاضت الكأس...».

الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)

رفض الإقرار بالأخطاء

مؤرخون وناشطون كُثر حذّروا من تجاهل فرنسا طلبات مستعمراتها السابقة بإعادة فتح ملفات حقبة الاحتلال والاعتراف بأخطاء الماضي، ولا سيما أن هذا المطلب الثابت لقي صدًى عند الكثير من القوى الاستعمارية السابقة التي بذلت جهوداً لا يُستهان بها في هذا المجال.

بريطانيا مثلاً، اعترفت رسمياً بالجرائم التي اقترفتها في حق الجماعات التي شاركت في ثورة «الماو ماو» في كينيا، وقدّمت لها تعويضات مع طلب العفو. وإيطاليا هي الأخرى، بلسان رئيس حكومتها السابق سيلفيو برلوسكوني، طلبت من ليبيا العفو رسمياً في 2008. وكذلك فعلت بلجيكا، التي تقدمت باسم ملكها الملك فيليب، يوم 30 يونيو (حزيران) المنصرم، باعتذار رسمي إلى الكونغو، معبّرة عن «أسفها العميق عن البشاعات التي اقترفتها في حق شعب الكونغو، وأعلنت الحكومة البلجيكية تأسيس لجنة لـ(الحقيقة والتصالح)»، وكذلك فعلت هولندا «جارة بلجيكا» مع مستعمرتها السابقة الضخمة إندونيسيا.

في المقابل، ماذا فعلت فرنسا للتصالح مع ماضيها الاستعماري؟ على هذا السؤال يجيب باسكال بلانشار، الباحث المختص في التاريخ الاستعماري: «لا شيء..! بل بدل ذلك صُودق، خلال فبراير (شباط) 2005، بإيعاز من اليمين، على قانون يقضي بأن تمتدح المُقرَّرات المدرسية الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي... الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في أوساط النخبة الأفريقية».

وتابع: «حين وصل ماكرون إلى السلطة، اعتقدنا أن الأمور ستتغير حين أعلن عن صفحة جديدة مع أفريقيا، إلا أنه بدلاً من اتخاذ قرارات فورية للتعبير عن وجود الإرادة السياسة لتصحيح الأخطاء، تخلّص من هذه الوعود بتمريرها للجان من المؤرخين، من أجل البحث في الجرائم التي اقتُرفت في الجزائر والكاميرون، والتي قد تأخذ سنين للوصول إلى نتيجة...».

ويضيف بلانشار: «في بلد يضم أكثر من 12 ألف متحف، لا يوجد واحد يهتم بالتاريخ الاستعماري!... كيف نتصالح مع ماضينا ونحن ما زلنا نصر على دفنه؟! لماذا نستغرب حين تنتفض أجيال الهجرة، ونحن الذين تركنا أولادهم يعيشون بالذاكرة الجريحة نفسها التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم؟ إننا لن نتخلص من هذا العبء إلا إذا واجهنا الأمور وقررنا تصفية هذا الإرث الثقيل...».

رموز الحقبة الاستعمارية

الماضي يعيش أيضاً في الفضاء العام الذي يبقى مطبوعاً برموز الحقبة الاستعمارية، إذ إن كثيراً من المدارس والشوارع والتماثيل والنُّصب لا يزال إلى يومنا هذا يحمل أسماء شخصيات ذات ماضٍ استعماري معروف.

وحقاً، رصد ناشطون في جمعية «أنكراج لإعادة اعتبار الثقافات والذاكرات» أكثر من 300 شارع في العاصمة الفرنسية، وثلث الفضاء العام في مدينة مرسيليا، ارتبطت بتمجيد شخصيات ثبتت مسؤوليتها في جرائم حرب أو تجارة الرقيق. وكان رئيس الجمعية باتريك زيلبرشتاين قد شرح أخيراً، لموقع إخباريّ، العراقيل التي يواجهها الناشطون لتغيير الأوضاع، قائلاً: «كثيراً ما يُقال لنا إن الاستعمار، وحتى العبودية، قد شكّلا تاريخ فرنسا، ومن ثم لا يمكن محوهما من الذاكرة الجماعية. لكن ما نطلبه ليس محو أي شيء، بل التوقف عن تمجيد هذا الماضي عبر إعطائه مكاناً في الفضاء العام...».

شباب القارة يواجهون المستعمر القديم

من حيث معدل أعمار السكان، فإن أفريقيا هي القارة الأكثر فتوة في العالم بأكثر من 400 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، وأكثر من 60 في المائة منهم دون الرابعة والعشرين.

هذه الشبيبة التي تصبو إلى حياة أفضل يئست من وعود الأنظمة الفاسدة ونهْب الغرب خيراتها، وأصبحت واعية بأن الأمور يجب أن تتغير. وهنا يتكلم الباحث السنغالي حميدو، في كتابه «أفريقيا الآتية»، عن رغبة هذه الشبيبة في استرداد كرامة الأفريقي التي أساء إليها المستعمر السابق، في مناسبات كثيرة، كـ«خطاب داكار» في 2007، حين أعلن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي «أن الرجل الأفريقي لم يدخل التاريخ... وأن العصر الذهبي الذي تتأسف عليه أفريقيا لن يعود؛ لأنه ببساطة لم يوجد...»، أو كما تشير إليه الإعلامية شارلوت لالان، في مقال بصحيفة «ليكسبرس»، قائلة: «في الطوابير الطويلة أملاً في الحصول على تأشيرة دراسة لا تُمنَح إلا نادراً أو في رفع الرسوم الدراسية، وكأن الفرنكوفونية تقتصر على قول باريس تحدثوا بالفرنسية ولكن ابقوا في منازلكم، وهو شيء غير منطقي».

أما الفرنكوفوني ستيفن سميث، الكاتب وأستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك الأميركية، فكتب، في مقال بصحيفة «لوفيغارو» بعنوان «فرنسا أفريقيا لماذا كل هذا الحقد؟»: «نقمة الأفارقة على فرنسا تظهر في أشياء بسيطة... عندما يشجع السنغاليون كل الفِرق الرياضية التي تلعب ضد الفريق الفرنسي، فإنك تلمس هذا الشعور المناهض لفرنسا... وحين تتحدث إليهم يجيبونك بأن فرنسا لا تفكر إلا في مصالحها... ولا تتردد في إمداد أوكرانيا بجميع أنواع العون، بينما ترفض مساعدة أفريقيا التي كافح أبناؤها إلى جانب الجيوش الفرنسية لتحريرها...».

مِثل هذا الخطاب المُعادي لفرنسا بدأ يظهر كثيراً في وسائل التواصل الاجتماعي مع بعض المؤثرين الذين يتمتعون بنفوذ كبير في أوساط الشباب الأفريقي، أهمُّهم الناشطة السويسرية الكاميرونية نتالي يامب، والفرنسي البنيني كيمي سيبا، اللذان حظيا باهتمام كبير خلال القمة الروسية الأفريقية الأخيرة.

نتالي يامب، التي يلقبها الإعلام الفرنسي بـ«صوت بوتين في أفريقيا»، ممنوعة من دخول الأراضي الفرنسية بسبب خطابها المبنيّ على «الحقد العميق تجاه فرنسا»، كما يقول بيان وزارة الداخلية، وهي تدعو في تداخلاتها إلى إنهاء سياسة «فرنس أفريك» التي تعتبرها وراء تخلف أفريقيا، وتدعو إلى تكثيف التعاون مع روسيا التي تتمتع بتقليد قديم في مناصرة الدول الضعيفة دون ماض استعماري كفرنسا، كما تقول. أما الناشط كيمي سيبا، وهو كاتب وإعلامي حاضر بقوة على منصة «تويتر» فهو يتبنى قناعات «بان أفريكانية» تدعو إلى قطع كل صلّة بالمستعمر القديم، وإنهاء الوجود العسكري، والعودة إلى الأصول الأفريقية في كل مظاهر الثقافة في الأكل واللباس والفنون.

فرنسا: الانتكاسة

يشرح الباحث في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «متكبر... كفرنسي في أفريقيا» قائلاً: «كل الأنظار كانت متجهة نحو أوروبا وآسيا، ولا أحد لاحظ أن أفريقيا دخلت عصر العولمة... ففي الوقت الذي كانت فرنسا نائمة، دخلت الصين بقوة حتى أصبحت، اليوم، أول شريك اقتصادي لأفريقيا، وأول مُورِّد للبضائع في حوالي 30 دولة، إضافة إلى كل المنافسين الجدد الذين ظهروا على الساحة، طمعاً في حصّة من الكعكة...». الباحث ستيفن سميث، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك يشير إلى أن التوقيت مهم، فما يحدث لفرنسا من متاعب في أفريقيا، كما يقول، يوافق الانتكاسة التي تشهدها في عدة ميادين، بدءاً بالاقتصاد الذي يعرف ركوداً شديداً، إلى الحضور العسكري الذي تَقلّص بصورة ملحوظة من 10000 جندي إلى 3000 اليوم، إلى الاحتجاجات الواسعة التي ميّزت ولاية الرئيس ماكرون، وصعود اليمين المتطرف وخطابه المُعادي للأجانب، ولا سيما الأفارقة، كل هذا أسهم بصورة واضحة في الإساءة لصورة فرنسا في الرأي العام الأفريقي.

هكذا رسمت فرنسا حدود مستعمراتها في أفريقيا

الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

*أدى «مؤتمر برلين» عام 1885 إلى ترسيم الحدود الاستعمارية للقوى الكبرى، حيث لجأت كل منها إلى إنشاء منطقة نفوذ؛ لتأكيد هيمنتها السياسية والاقتصادية. بالنسبة لفرنسا، جرى تقسيم مستعمراتها إلى كتلتين: كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية، وكتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية.

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية (1895 - 1958)، ضمت ثماني مستعمرات هي: موريتانيا والسنغال ومالي (عُرفت أيضاً بالسودان الفرنسي سابقاً) وغينيا وكوت ديفوار (ومعناها بالعربية: ساحل العاج) والنيجر وأعالي الفولتا العليا (حالياً بوركينا فاسو)، وداهومي (حالياً بنين). وتبلغ مساحة هذه الكتلة 4.689.000 كيلومتر مربع، أي نحو سبعة أضعاف مساحة فرنسا. أما عاصمتها فكانت سانت لويس (السنغال) حتى عام 1902، ثم صارت داكار (عاصمة السنغال الحالية). قبل أن يسيطر الأوروبيون على هذه الأراضي ويطلقوا عليها اسم أفريقيا الغربية الفرنسية، كان شعب المنطقة مُقسّماً إلى شعوب ومجموعات قبلية ولغوية عدة. وبعض هذه المجموعات كان تجمعات لعائلات عاشت في مساحات صغيرة دون سلطة مركزية. ولاحقاً شكلت بعض الجماعات دولاً أكثر تطوراً ولها حكومات مركزية وتضم عدداً كبيراً من السكان.

أيضاً، يشار إلى أنه قامت عدة إمبراطوريات كبيرة على حدود الصحارى، بلغت إمبراطورية غانا أوج قوتها خلال القرن الـ11 الميلادي، ووصلت إمبراطورية مالي إلى قمة عظمتها في القرن الـ14، وازدهرت إمبراطورية الصنغاي في أوائل القرن الـ16.

منحت فرنسا حقوق المواطنة للأفارقة، إلا أنها لم تمنحهم كلهم حق التصويت. وفي عام 1947م، بدأت فرنسا برنامج تنمية اقتصادية للاتحاد، ثم في عام 1956م أعطت جميع الأفارقة في الاتحاد حق التصويت. وحينما أقرت دستوراً جديداً عام 1958م، صوّتت غينيا الفرنسية لصالح ترك «الاتحاد الفرنسي» لتغدو دولة مستقلة، في حين صوّتت المناطق السبع الأخرى لصالح بقائها في «الاتحاد الفرنسي»، في إطار الجماعة الفرنسية الجديدة. ولكن، في نهاية عام 1958م، صوّتت هذه المناطق لتصبح جمهوريات ذاتية الحكم، قبل أن تحقق استقلالها التام تباعاً.

كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية

أما كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية (1910 - 1960)، فكانت اتحاداً من أربع مناطق في أفريقيا الوسطى، يمتد من مصب نهر الكونغو جنوباً إلى شمال شرقي الصحراء الكبرى شمالاً. ضمت هذه الكتلة ما أصبح، اليوم، خمس دول هي: الكونغو (الكونغو-برازافيل)، وتشاد، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والغابون، وفيما بعد الكاميرون (المستعمرة الألمانية السابقة التي تقاسمتها فرنسا وبريطانيا لاحقاً)، وهي تمتد على مساحة 2.509.994 كيلومتر، وكانت عاصمة هذه الكتلة مدينة برازافيل الكونغولية.

في المنطقة الشاسعة التي تشمل الكتلتين الغربية والاستوائية تعيش شعوب وقبائل عدة من أعراق متعددة وتتكلم لغات مختلفة. ومن أكبر شعوب دول هاتين الكتلتين: الفولاني (الفولا/ البول/ الفولفولدي) – الذين ينتشرون من السنغال غرباً إلى الكاميرون شرقاً – والهاوسا والكانوري والإيغبو (الإيبو)، والولوف والسيرير والصنغاي والماندينكا (المالينكي)، والصنغاي (منهم الجيرما/ الزبرما) والمانينكا والسونينكي والسينوفو والموسي والمندي والأكان.

ومن الناحية الاقتصادية، تزخر هذه المنطقة الشاسعة بثروات طبيعية مهمة، ذلك أن فيها موارد كثيرة من الغابات والمعادن، وكذلك النفط في الغابون. وأما عن المنتجات الزراعية الأهم فبينها القطن والأرز واللحوم والفول السوداني والكاكاو والبن والخشب والزيوت على أنواعها.

تاريخياً، وصل المستعمرون الفرنسيون الأوائل إلى أفريقيا في عام 1911، وتنازلت فرنسا عن أجزاء من أراضيها لمستعمرة الكاميرون الألمانية نتيجة أزمة أغادير، قبل أن تعاد إليها بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. ولكن، إبان «الحرب الباردة» برزت قيادات أفريقية نشطة سياسياً خاضت معركة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، كان من أبرزهم الزعيم الغيني أحمد سيكوتوري، والزعيم المالي موديبو كيتا، والزعيم السنغالي ليوبولد سنغور، بجانب الزعيم الإيفواري فيليكس هوفويت بوانيي.

الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية «برخان» ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (أ.ب)

- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (أ.ف.ب)

- الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

- الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)


مقالات ذات صلة

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

يثير اختفاء رئيس مالي، أسيمي غويتا، كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

«الشرق الأوسط» (انجمينا)
أفريقيا جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)

جيش مالي: جماعات مسلحة تهاجم مواقع عسكرية في أنحاء البلاد

أعلن الجيش في ‌مالي ‌أن جماعات «إرهابية» ​مسلحة ‌مجهولة ⁠هاجمت ​عدة مواقع ⁠عسكرية في ⁠العاصمة وأماكن ‌أخرى.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)

بآخر مرحلة من جولته الأفريقية... البابا يحذر من «خطر مأساوي» يهدد مستقبل البشرية

حذر ​البابا ليو بابا الفاتيكان، الثلاثاء، من أن مستقبل ‌البشرية مهدد ‌بأن ​يقوض «على نحو ‌مأساوي» ⁠بسبب ​الحروب المستمرة ⁠في العالم وانهيار القانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (مالابو - روما)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.