هولندا: قوى اليمين تعدّ العدة لانتخابات نوفمبر رغم تحسن فرص تحالف العمال - «الخضر»

بين «سندان» طالبي اللجوء و«مطرقة» نقص المساكن

مارك روته (آ.ن.ب)
مارك روته (آ.ن.ب)
TT

هولندا: قوى اليمين تعدّ العدة لانتخابات نوفمبر رغم تحسن فرص تحالف العمال - «الخضر»

مارك روته (آ.ن.ب)
مارك روته (آ.ن.ب)

أسقطت سياسة الهجرة واللجوء حكومة هولندا، ومعها رئيس الحكومة مارك روته الذي يحكم بلاده منذ 13 سنة، والذي كان حتى استقالته، صاحب ثاني أطول فترة لرئيس حكومة في أوروبا، بعد رئيس الحكومة المجري فيكتور أوربان.

ومع أن بناء الائتلاف الحكومي في ولاية روته الرابعة استغرق وقتاً قياسياً لامس الـ300 يوماً (أو 9 أشهر)، بعد انتخابات عام 2021، فإن الخلافات حول قانون لمّ شمل أسر اللاجئين أسقطت الحكومة في وقت قياسي. كذلك لم يزد عُمر الائتلاف على بضعة أيام بعد سنة ونصف سنة فقط، ويومذاك فاجأ بناؤه كثيرين داخل هولندا. واليوم، يبدو أن حزباً واحداً، بالتحديد، سيكون في طليعة المستفيدين من مغادرة روته السياسة ودعوته إلى انتخابات نيابية في نوفمبر (تشرين الثاني). هذا الحزب هو «حركة المواطنين المزارعين» الذي أسس قبل 4 سنوات فقط، وهو تنظيم شعبوي يميني تحوّل إلى واحد من المنافسين الأساسيين في الانتخابات المقبلة في هولندا.

استقالة مارك روته جاءت بعدما اصطدم برفض أحد شركائه الثلاثة في الحكومة، القبول بفرض مهلة سنتين على اللاجئين قبل أن يتمكنوا من طلب لم شمل عائلاتهم. ومع أن الزعيم المستقيل عُرف بمهارته في تخطّي عقبات صعبة في الماضي، فإنه عجز هذه المرة عن إقناع شركائه في الحكومة بدعمه. كذلك عجز عن تخطي الضغوط داخل حزبه للتخلّي عن مساعيه بتشديد قوانين الهجرة، فوجد نفسه مضطراً للاستقالة. والآن سيبقى روته على رأس «حكومة تصريف» الأعمال حتى الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل، المفترض أن تتيح تشكيل حكومة جديدة. ولكن في نظام أفرز أكثر من 17 حزباً لم يتمكن أي منها أبداً من الفوز بغالبية مطلقة في البرلمان، قد يستغرق تشكيل الحكومة العتيدة عدة أشهر... سيظل خلالها روته على رأس حكومة «تصريف الأعمال» حتى الصيف من العام المقبل.

تحالف غير متماسك

من ناحية ثانية، مع أن انهيار حكومة روته شكّل مفاجأة لكثيرين، فإن المراقبين داخل هولندا يقولون إن الائتلاف الذي قاده قام منذ البداية على تحالف هش تشوبه الخلافات، ما جعل سقوطه مسألة وقت لا غير؛ إذ إنه في حين كان «حزب الشعب للحرية والديمقراطية» بقيادة روته، يضغط مع حزب آخر من يمين الوسط داخل الحكومة بتجاه تشديد قوانين الهجرة، كان الاتحاد المسيحي (أيضاً من اليمين الوسط) وحزب «الديمقراطيون 66» (يسار الوسط) يشدّان في الاتجاه المعاكس. واللافت أنه على الرغم من ميل الأحزاب اليمينية عادة إلى تشديد قوانين الهجرة، فإن الاتحاد المسيحي المشارك في الحكومة رفض دعم روته من مبدأ رفضه تفريق العائلات وتشتيتها.

هذه الخلافات حول قوانين الهجرة واللجوء سلطت، في الواقع، الضوء على أزمة عادت إلى الواجهة في هولندا لتغدو الملف الأول من حيث الأهمية للناخب الهولندي، وفق آخر استطلاع للرأي نشره معهد في العاصمة أمستردام. فلقد نقلت وسائل إعلام هولندية عن الباحث بيتر كان، قوله إن «مسألة الهجرة واللجوء هي القضية الأهم بالنسبة للناخبين، خاصةً، بعد انهيار الحكومة». وبحسب الباحث، فإن حزب روته سيكون من المستفيدين مما حصل، مع أن زعيمه المستقيل نفسه أعلن أنه سيغادر الحلبة السياسية نهائياً، ولن يقود حزبه في الانتخابات المقبلة.

تركية - كردية لاجئة

في الواجهة

ديلان يشيلغوز – زيغيريوس (آ.ن.ب)

وحقاً، رشّح الحزب - الذي يتمتع بأكبر كتلة نيابية هولندية حالياً - وزيرة العدل ديلان يشيلغوز - زيغيريوس لترؤس لائحة الحزب وتقوده في الانتخابات المقبلة. ويشيلغوز - زيغيريوس، المولودة في العاصمة التركية أنقرة، وصلت طفلة إلى هولندا ضمن عائلة أب تركي كردي يساري طلب اللجوء السياسي فيها. ومع أنها توافق روته في مواقفه حول الحد من اللاجئين، فليس واضحاً بعد ما إذا كانت ابنة العائلة اللاجئة من تركيا، ستتمكن من جمع الناخبين حول الحزب الذي قاده سلفها طوال 17 سنة.

روته نجح، بلا شك، خلال السنوات الـ13 التي قاد فيها هولندا، بأن يرسم لنفسه صورة الرجل العادي القريب من المواطن، الأمر الذي ساعده على التغلب على عدة فضائح التي كادت تطيح به خلال حكوماته السابقة. ولقد عُرف عنه كان غالباً ما يتنقل بين بيته ومقر عمله ممتطياً دراجته الهوائية، بل شوهد ذات يوم وهو يمسح أرضية مدخل البرلمان بنفسه بعدما سقط من يده فنجان قهوته، بينما اصطف المنظفون بالقرب منه وهم يصفقون له. كذلك، ظل روته يدرّس مرة أسبوعياً في مدرسة بمدينة لاهاي، صباح كل اثنين، قبل أن يتوجه إلى المكتب، وهي مهنة قد يتفرّغ لها بعد اعتزاله السياسة.

من منجزاته دولياً

من ناحية أخرى، يرى مراقبون في هولندا أن الزعيم المستقيل نجح إبان سنوات حكمه في أن يحوّل هولندا إلى لاعب أكبر من حجمه الحقيقي على الساحة الأوروبية، كما أنه «شبّك» تحالفات من دول داخل الاتحاد الأوروبي تؤمن بالمبادئ نفسها حول تقليص الإنفاق والدَّين العام. وبالتالي، فغيابه سيترك فراغاً على الساحة الدولية، ويهدّد بتقليص دور هولندا مرة جديدة. ولكن، في المقابل، تفتح استقالة روته الباب مرة جديدة أمام أحزاب اليسار الوسط، وخاصة حزب العمال الذي شارك في السلطة للمرة الأخيرة عام 2002. فقد أعلن فرانتس تيمرمانز، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيسة المفوضية الأوروبية، نيته العودة إلى السياسة الهولندية وترؤس تحالف العمال مع حزب «الخضر» في انتخابات نوفمبر المقبلة. وحسب المتابعين، ما زال تيمرمانز - الذي شغل سابقاً منصب وزير الخارجية - يحظى بشعبية واحترام لا بأس بهما. ويبدو، فعلاً، أن اختيار تيمرمانز لقيادة تحالف العمال - «الخضر» رفع حظوظ الحزبين شعبياً. ذلك أن آخر استطلاعات الرأي أظهر أن التحالف اليساري - الوسطي يتصدّر الأحزاب المتنافسة، وسيفوز بـ28 مقعداً من أصل 150 في البرلمان، بزيادة 11 مقعداً عن المقاعد التي لدى الحزبين حالياً. وبيّن الاستطلاع نفسه أن حزب روته تحت قيادة يشيلغوز - زيغيريوس سيحل ثانياً بـ25 مقعداً. أما المرتبة الثالثة، بعدد مقاعد يصل إلى 21 مقعداً، فستكون لحزب «حركة المواطنين المزارعين» الذي أسس عام 2019 من قلب حركة المزارعين المعارضة لقرارات أصدرتها الحكومة تفرض على المزارعين تخفيض انبعاثات غاز النيتروجين الناتج عن مزارع الأبقار، بهدف خفض التلوث.

هذا، وكانت خطط الحكومة - التي كانت قد أجُبرت على إدخالها بعد قرارات أوروبية - قد أثارت جدلاً شديداً بين المزارعين الهولنديين الذين سيخسر كثيرون منهم مزارعهم بسبب تخفيض نسبة انبعاثات النيتروجين. وتترأس «حركة المواطنين المزارعين» اليوم صحافية سابقة اسمها كارولين فان دير بلاس، نجحت بقيادة الحزب الفتيّ لتحقيق أول انتصاراته في مارس (آذار) الماضي، بانتخابات المجلس الأدنى، حيث أصبح أكبر حزب ممثَّل فيه. ومع أن الحزب أسس أصلاً للدفاع عن المزارعين جعلته طبيعة الشعبوية يستفيد أيضاً من الجدل الدائر حول اللاجئين.

اللجوء... اللجوء... اللجوء

مركز «تير آبيل» للاجئين في محافظة خرونينخن (آ.ن.ب)

جدير بالذكر، أن هولندا شهدت جدلاً واسعاً في العام الماضي، بسبب نقص أماكن الإيواء والسكن للاجئين ما دفع بالمئات منهم لافتراش الأرض خارج أحد أكبر مراكز استقبال اللاجئين لعدة أشهر. بل توفي رضيع يبلغ من العمر 3 أشهر في المركز بسبب الاكتظاظ. ثم إن طالبي لجوء اضطروا للعيش في العراء لأشهر خارج مركز «تير أبيل» في محافظة خرونينخن (أقصى شمال هولندا)، المركز الرئيس والأكبر لاستقبال اللاجئين في هولندا، وصفوا الظروف التي تركوا فيها بأنها «غير إنسانية». وللعلم، فإن المركز المؤهل لاستيعاب ألفي لاجئ يُعد النقطة الأولى للاجئين حين يتقدمون بطلباتهم، وينتظرون فيه البت فيها. وبالفعل، انتقدت منظمات إنسانية الظروف الصحية التي ترك فيها اللاجئون، من دون القدرة على الاستحمام أو استخدام حمامات، والنوم في الخارج لأشهر، حتى المرضى منهم، ما يعني أن خطر انتقال الأمراض المعدية بينهم كان مرتفعاً. هذا، وبات قرابة الـ700 لاجئ معظمهم من دول عربية كاليمن وسوريا ودول فقيرة مثل أفغانستان، في العراء، بينما كان اللاجئون الأوكرانيون يحظون بمعاملة مختلفة، ويصار إلى توزيعهم على مساكن تابعة للبلديات المختلفة.

الحكومة الهولندية برّرت - آنذاك - الازدحام الشديد في مركز اللاجئين الرئيس المذكور، بإقفال العديد من مراكز الاستقبال إبان جائحة «كوفيد - 19»، وببقائها مقفلة بعد انحسار الجائحة. ولكن، ما يزيد الوضع سوءا أن هولندا تعاني من نقص حاد ودائم على صعيد المساكن، ما يعني أن اللاجئين الذي يُمنحون أوراق إقامة بعد أشهر قليلة من وصولهم، لا يستطيعون العثور على أماكن ينتقلون إليها، فيضطرون إلى البقاء في مراكز اللجوء.

وبالفعل، تسببت هذه الفوضى في مركز لجوء «تير أبيل» ووفاة الرضيع بإعادة ملف اللاجئين إلى الواجهة. وفي حينه، تعهّد روته بوضع حد لأعداد اللاجئين نتيجة «عجز البلاد عن استيعابهم» كما قال. ومن ثم، جاء اقتراح وقف لمّ شمل العائلات لمدة سنتين ضمن الإجراءات التي تعهد باتخاذها لتخفيض أعداد اللاجئين، بيد أن الخلافات داخل حكومته الائتلافية أدت في النهاية إلى استقالته.

استفادة اليمين

على أي حال، استفاد حزب روته من أزمة اللاجئين، وأيضاً «حركة المواطنين المزارعين» من الأحزاب التي قد تكسب كثيراً من هذه الأزمة. فحزب «حركة المواطنين المزارعين»، كونه تنظيماً شعبوياً صريحاً يؤمن بمعالجة أزمة اللاجئين «في دول المنبع»، أي بتقديم مساعدات مالية للدول التي ينطلق منها اللاجئون إلى أوروبا وهولندا، مثل تونس وليبيا. بل يروّج البعض داخل هذا الحزب بأن اللاجئين «هم الذين يتسببون بأزمة السكن» في هولندا، وأن الحكومة تسعى للاستحواذ على المزارع لتحويلها إلى مجمعات سكنية. وحقيقة الأمر أن الحكومة أقرت، بالفعل، خطة لشراء مزارع بتمويل من الاتحاد الأوروبي - الذي خصّص مبلغ مليار ونصف مليار بورو - لتمويل برنامج الحكومة الهولندية بشراء مزارع بهدف تخفيض انبعاثات النيتروجين الضارة. وراهناً، تسعى الحكومة إلى خفض معدلات أوكسيد النيترات والأمونيا إلى النصف بحلول عام 2030، بعد تبنيها أخيرا خطة يقول ناشطون بيئيون إنها «جاءت متأخرة»، وإن الحكومات الهولندية المتعاقبة «تلكأت لسنوات في مواجهة الكميات الكبيرة من الانبعاثات الضارة التي تتسبب بها المزارع في البلاد».

ولكن، في المقابل، تعد الزراعة – ومن ضمنها تربية الماشية - جزءا أساسيا من الاقتصاد الهولندي. وبحسب مجموعة «الزراعة الوطنية» هناك قرابة الـ54 ألف شركة أعمال مرتبطة بالزراعة. ووصلت قيمة الصادرات الزراعية من هولندا إلى قرابة الـ95 مليار يورو عام 2019. وحقاً، تعد هولندا ثاني أكبر مصدّر زراعي في العالم بعد الولايات المتحدة، وأكبر مصدر للحم في أوروبا. واليوم يُستخدم ثلثا الأراضي في هولندا للزراعة وتربية الماشية، ما يعني أن النظام الزراعي يتسبب بأضرار بالغة على الطبيعة بسبب التلوثات الناتجة عن تربية الماشية بشكل أساسي.

الحسابات الانتخابية

وعلى الصعيد الانتخابي، بينما تتوقّع الاستطلاعات تحقيق حزب «حركة المزارعين المواطنين» نتائج طيبة في الانتخابات، مستفيدة من غضب المزارعين وأزمة اللاجئين، فإن حزباً يمينياً متطرفاً آخر يتوقع أن يحقق مكاسب من الخلافات حول الهجرة، هو «حزب الحرية» بقيادة النائب المتشدد خِيرت فيلدرز الذي يقود الحزب منذ عام 2006. وهنا، نشير إلى أن روته كان يرفض الدخول في تحالفات مع حزب فيلدرز، لكن ثمة إشارات بدأت الأن تخرج من داخل حزب روته توحي بإمكانية تحالف الحزبين بعد الانتخابات المقبلة؛ إذ قال النائب روبن بريكلمانز، الذي يعد من الوجوه الصاعدة في حزب روته، إنه لا يريد استبعاد إنشاء تحالف مع «حزب الحرية» حول الهجرة، رغم كلامه عن «استمرار» الخلافات الجوهرية مع الزعيم اليميني المتطرف الذي كان تعهد عام 2014 بمنع القرآن، وإغلاق كل المساجد في هولندا في حال انتخابه، من بين جملة سياسات متطرفة أخرى.

بناءً على ما تقدم، تبدو هولندا الآن أمام تقاطع 3 طرق: فإما أن يختار الناخبون مجدداً حزب روته ويخاطروا بجنوحه نحو اليمين المتطرف، وإما أن يختاروا «حركة المواطنين المزارعين» سائرين مباشرة في خيار التطرف اليميني، أو يقرّرون السير مع التحالف اليساري المعتدل والعودة إلى زعيم ما زال محبوباً في أنحاء هولندا هو فرانتس تيمرمانز، رغم غيابه عن السياسة المحلية منذ انتقاله إلى بروكسل قبل 9 سنوات.

فرانتس تيمرمانز

أزمة السكن في هولندا مزمنة... وحكوماتها

المتعاقبة متهمة بالتلكؤ في بناء مساكن كافية

*مع أن هولندا تُعد من أقل الدول الأوروبية استقبالاً للاجئين، فإن قضية اللجوء والهجرة تَحل في طليعة اهتمامات الناخبين خلال الانتخابات المقبلة في نوفمبر المقبل، بعدما كانت السبب الرئيس لإسقاط حكومة مارك روته. وللعلم، زاد نقص المساكن من حدة أزمة اللاجئين الذين وجهت إليهم الاتهامات بمفاقمة أزمة السكن، بعدما تعهدت حكومة روته الائتلافية في بداية عام 2022 عند تشكيلها بالعمل على بناء 100 ألف وحدة سكنية سنويا حتى عام 2030، لكن عدد السكان ازداد العام الماضي بنسبة أسرع.

إذ سجلت هولندا وصول أكثر من 400 ألف شخص جديد إلى البلاد، مقابل مغادرة 174 ألفا، ما يعني أن العدد الصافي للواصلين الجدد بلغ قرابة الـ229 ألف شخص. ولكن من بين الواصلين الجدد الـ400 ألف العام الماضي، كان 44 ألف هولندي عائدين، و129 ألفاً (32 في المائة) جاؤوا من داخل الاتحاد الأوروبي، و108 آلاف (27 في المائة) كانوا لاجئين من أوكرانيا.

كذلك سجل مجيء 122 ألف شخص من العمالة الماهرة من خارج دول الاتحاد الأوروبي. ولم يتخطَّ عدد اللاجئين غير الأوكرانيين، الـ46 ألف لاجئ من ضمنهم الذين وصلوا بحسب قانون لمّ الشمل، وكانوا بمعظمهم من سوريا. وتشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من المهاجرين واللاجئين إلى هولندا هم من الأوروبيين، وهذا يتطابق من أعداد السنوات التي سبقت باستثناء عامي 2020 و2021، حين توقفت معظم الإجراءات بسبب «كوفيد - 19».

هذا، وربط وزير التخطيط والبناء الهولندي هوغو دي جونغه بين الوحدات السكنية والهجرة بشكل مباشر، فقال إنه في حال بقيت أعداد الهجرة السنوية على حالها، فإن بناء 900 ألف منزل بحلول عام 2030 لن يكون كافياً. وأضاف أنه «يتعين خفض ميزان الهجرة».

غير أن أزمة السكن في هولندا ليست جديدة، ولذا، يلوم خبراء الحكومات المتعاقبة على التلكؤ في بناء مساكن كافية في السنوات الماضية. ومع أن اللاجئين (وعائلاتهم) من دول خارج الاتحاد الأوروبي الذين يسعون إلى المجيء إلى هولندا ضمن قانون لم الشمل، يشكلون الجزء الأصغر من المهاجرين، فإن النقاش الحالي كله حالياً يدور حول الحد من أعدادهم كوسيلة للسيطرة على أزمة السكن.

أخيراً، ما يستحق الذكر، إقدام هولندا على الحد من أعداد اللاجئين الذين يمكن أن ينضموا لعائلاتهم سنوياً إلى 2200 - كما أراد حزب روته وفشل - يعني أن هولندا ستكون في خرق لالتزاماتها الدولية والمواثيق الأممية التي سبق أن وقعت عليها لقبول لاجئين من دول الحرب. وخلال العام الماضي، دخل إلى هولندا قرابة 8 آلاف لاجئ ضمن قانون لم الشمل. ولو كان قانون روته الذي فشل وأسقط الحكومة، ساري المفعول، لكان بقي أكثر من 5700 لاجئ خارج البلاد ينتظرون سنوات من أجل الانضمام لعائلاتهم.


مقالات ذات صلة

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

تواجه القوى الشيعية الرئيسية في العراق صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق على مرشح لتشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة الدستورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

التحالف الحاكم في بغداد على حافة مهلة دستورية حاسمة

تتجه الأنظار إلى اجتماع «الإطار التنسيقي» المرتقب، الجمعة، والذي يصادف اليوم الأخير من المهلة الدستورية لتسمية مرشح رئاسة الوزراء في العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.