سانتياغو بينيا ... وارث رئاسة الباراغواي يعيش هم إرث «عرّابه» وداعمه السياسي

مصرفي يميني تقلقه العلاقة المستقبلية مع واشنطن

سانتياغو بينيا ... وارث رئاسة الباراغواي يعيش هم إرث «عرّابه» وداعمه السياسي
TT

سانتياغو بينيا ... وارث رئاسة الباراغواي يعيش هم إرث «عرّابه» وداعمه السياسي

سانتياغو بينيا ... وارث رئاسة الباراغواي يعيش هم إرث «عرّابه» وداعمه السياسي

المفاجأة الوحيدة التي حملتها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها الباراغواي أخيراً، لم يكن فوز سانتياغو بينيا مرشّح «الحزب الأحمر/الملّون» اليميني الذي يهيمن على المشهد السياسي في البلاد منذ أكثر من 75 سنة، بل الفارق الكبير الذي فاز به على منافسه اليساري، وحصول هذا الحزب للمرة الأولى في تاريخه على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، فضلاً عن فوزه بحاكمية 15 من أصل 17 دائرة. مع هذا، وعلى الرغم من الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس الجديد، الذي سيتسلم مهامه مطلع أغسطس (آب) المقبل وهو لا يزال في الرابعة والأربعين من عمره، تواجه ولايته سلسلة من التحديات والعقبات. وليس التحدي الأقل بينها العلاقات المُلتبسة مع الحليف الرئيسي الولايات المتحدة، وبخاصة، بعدما فرضت الإدارة الأميركية في مطلع العام الجاري عقوبات على الرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس، «عرّاب» بينيا وداعمه الأكبر، وطلبت تسليمه لمحاكمته بتهم الفساد والتعامل مع منظمات إرهابية.

سانتياغو بينيا هو أصغر رئيس جمهورية في تاريخ الباراغواي. وهو تكنوقراطي بامتياز إذ سبق له أن تولّى حقيبة المال في حكومة الرئيس الأسبق أوراسيو كارتيس بعدما كان نشاطه المهني مقتصراً على وظائف استشارية في المصرف المركزي الوطني وصندوق النقد الدولي، الذي التحق به في أعقاب حصوله على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا العريقة في نيويورك، ومن ثم، إدارة أحد المصارف التي يملكها كارتيس الذي - إلى جانب نفوذه السياسي الواسع - يعد من أكبر الأثرياء في الباراغواي ويملك شبكة مترامية من المؤسسات الناشطة على امتداد أميركا اللاتينية.

ثم أن بينيا، إبان عضويته لمجلس إدارة المصرف المركزي، برز بين زملائه كصاحب أفكار جديدة وجريئة نادراً ما وجدت طريقها إلى التطبيق - كما يقول بعض الذين واكبوه آنذاك - لكن «الوصمة» التي لازمته منذ ذلك الحين، والتي كرّرها خصومه السياسيون طوال الحملة الانتخابية الرئاسية، أنه ينتمي إلى نخبة ضئيلة منفصلة عن واقع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الباراغواي... ثم أنه أداة طيّعة بيد الزعيم اليميني والرئيس الأسبق كارتيس الذي يعتقد كثيرون أنه سيكون الرئيس الفعلي للبلاد.

في المقابل، فإن الذين رافقوا مسيرته في السنوات الثلاث المنصرمة يقولون عنه إنه «براغماتي... لا يسعى لإحداث ثورة في بلد ترسّخت فيه الأساليب الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، بل سيحاول تطوير النظام السائد انطلاقاً من برنامج توافقي سبق أن أعلن مراراً أنه يريده ميثاقاً وطنياً يتبناه أكبر عدد ممكن من القوى السياسية». وما يذكر أنه في أول تصريح للرئيس الجديد الشاب بعد انتخابه، قال «هذا ليس انتصاراً شخصياً، بل هو انتصار الشعب الذي اختار طريق السلم الاجتماعي والحوار والأخوة والمصالحة الوطنية كي نواجه معاً التحديات العديدة للنهوض بالاقتصاد بعد سنوات من الصعوبات. لقد أزف الوقت كي نؤجل خلافاتنا وصراعاتنا، ونعطي الأولوية للقضايا التي تجمعنا حول مصلحة الوطن العليا».

النشأة والمسيرة

ينتمي سانتياغو بينيا (44 سنة) إلى عائلة ميسورة كانت له سنداً قوياً لمواصلة تحصيله العلمي بعدما أصبح أباً وهو لا يزال دون السابعة عشرة من عمره. ويقول المقربون منه إن تجربة الأبوّة المبكرة تركت أثراً عميقاً في تكوين شخصيته من حيث تحمّله المسؤولية في سن يافعة، ويردد هؤلاء أنها كانت مرحلة صعبة في حياته ساعدته على رسم طريق واضح لطموحاته، وعلمته «الالتزام والنزاهة، وأن خدمة الذين يعتمدون علينا هي أنبل القضايا التي يمكن للمرء أن يكرّس لها حياته»، كما جاء في تصريح له أخيراً. وبالمناسبة، يدافع بينيا عن العائلة بمفهومها التقليدي المحافظ، فيرفض الإجهاض وزواج المثليين، وقد تعهّد في برنامجه الانتخابي بتعديل التشريعات التي قال إنها «تشرع الأبواب أمام التراخي في ضبط السلوك الأخلاقي للمجتمع».

في المقابل، رغم خبرة بينيا الضئيلة في المجال السياسي، فإنه ليس حديث العهد على المعارك الانتخابية، إذ سبق له أن حاول الفوز بترشيح حزبه اليميني للانتخابات الرئاسية عام 2017، لكنه خسر أمام منافسه الرئيس الحالي ماريو عبده، الذي يتزّعم التيار المناهض لداعمه كارتيس داخل الحزب. وهذه المرة، جاء ترشيحه حلاً توافقياً وثمرة «هدنة» بين كارتيس وعبده بعدما تعذّر على كليهما فرض سيطرته كاملة على الحزب، الأمر الذي هدد بصعوبات وعقبات تنتظره حتى على الجبهة الداخلية التي من المفترض أن تؤمن له الاستقرار... بعد حصول الحزب على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب.

تعهّد بينيا في برنامجه الانتخابي وضع سياسات «ليبرالية» لتشجيع الاستثمارات الخارجية في القطاعات الإنتاجية الرئيسة مثل الزراعة والصناعات الغذائية، وخفض الضرائب بالتركيز على إيجاد فرص العمل... إذ تشكّل البطالة المرتفعة في البارغواي «كعب أخيل» الاقتصاد الذي يتباطأ نموه باطراد منذ سنوات برغم القدرات والموارد الكبيرة التي تزخر بها البلاد. ثم بعد فوزه، وجهت إليه الإدارة الأميركية التهنئة في بيان قالت فيه إنها تتطلع إلى التعاون معه لتحقيق أهداف مشتركة مثل مكافحة الفساد والإفلات من العقاب وتعزيز سيادة القانون والنهوض بالاقتصاد. وفي ذلك إشارة واضحة إلى طلب تسليم كارتيس إلى القضاء الأميركي بعد توجيه التهم إليه بالتعامل مع منظمات إرهابية، من بينها «حزب الله» اللبناني. وكان أنصار كارتيس في الحزب قد استغلّوا العقوبات الأميركية المفروضة عليه لمهاجمة الولايات المتحدة خلال الحملة الانتخابية، واتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد بهدف منع وصول بينيا إلى الرئاسة، ما ساعد على تعبئة مؤيديه واستقطاب كثيرين من المترددين في حسم خيارهم الانتخابي.

مواقف حزبية وسياسية

خلال الحملة الانتخابية جهد بينيا للنأي بنفسه عن الرئيس الحالي ماريو عبده، الذي سيسلمه السلطة مطلع أغسطس (آب) المقبل، بعد تراجع شعبية عبده كثيراً في الفترة الأخيرة بسبب سوء إدارته جائحة «كوفيد - 19» والخلافات التي نشبت داخل الحزب على عهده، وبالذات، مع جناح الرئيس الأسبق كارتيس الذي أهداه بينيا الفوز بالرئاسة، وشكره على دعمه، قائلاً له: «دورك لا يقابل إلا بالاحترام والتقدير والثناء. شكراً على هذا الفوز».

ومن ثم، حرص بعد ذلك في عدة تصريحات أدلى بها إلى وسائل إعلام محلية وأميركية على التأكيد بأن كارتيس «بريء» من الاتهامات التي وجهتها إليه الخزانة الأميركية. ومن هذه التهم أنه كان يدفع خلال ولايته الرئاسية رواتب شهرية مقدارها 50 ألف دولار لعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب لتأمين الغالبية التي كان يحتاج إليها لتمرير المشاريع والقوانين التي تخدم مصالحه، وأنه أسس علاقات تجارية مع جهات قريبة من تنظيم «حزب الله» اللبناني الذي بنى خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، في طليعتها فنزويلا والإكوادور والباراغواي. واستغرب الرئيس المنتخب كيف وصلت مثل هذه «المعلومات الخاطئة» الى الإدارة الأميركية، مضيفاً: «هذا سيبقى من الأسرار التي لن نعرف أبداً حقيقتها مثل: هل نزل الإنسان فعلاً على سطح القمر؟؟ (!!) ومن قتل الرئيس جون كيندي؟؟».

موضوع تايوان الحساس

من ناحية أخرى، إلى جانب دفاع بينيا القوي عن «عرّابه» السياسي في وجه الاتهامات والعقوبات الأميركية، فهو أبدى استعداده للتهدئة مع واشنطن بإعلانه أنه سيحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، برغم الضغوط الشديدة التي يتعرض لها حتى من داخل حزبه والقطاعات الزراعية والصناعية التي تطالبه بإنهاء هذه العلاقات والانفتاح على الصين وسوقها التجارية الواسعة. وللعلم، الباراغواي هي واحدة من 13 دولة في العالم فقط لا تزال تقيم علاقات دبلوماسية مع تايوان تعود إلى عام 1957، أي على عهد الديكتاتور السابق ألفريدو ستروسنير، الذي دام حتى عام 1989، والذي كان على علاقة وثيقة بالزعيم الوطني الصيني (ورئيس تايوان المؤسس) شيانغ كاي شيك، الذي ما زال تمثاله الضخم يرتفع وسط حديقة واسعة تحمل اسمه في العاصمة الباراغوانية أسونسيون.

وفي حين يشكك كثيرون في قدرة بينيا على الصمود في وجه الضغوط التي يتعرّض لها من بعض النافذين في حزبه - وأيضاً من شركات الصناعات الغذائية الكبرى التي تشكّل العماد الأساسي لاقتصاد الباراغواي - لإقامة علاقات دبلوماسية مع بكين التي تواظب على التلويح بالإغراءات التجارية، يؤكد الرئيس الشاب أن لبلاده مصلحة على المدى الطويل في الحفاظ على العلاقات مع تايوان وزيادة استثماراتها في عدد من القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية المتقدمة، وليس في الاعتماد على سوق واحدة من الصين لتصريف إنتاجها من المواد الزراعية والثروة الحيوانية.

غير أنه بعد تراجع صادرات الباراغواي إلى الأسواق الدولية بسبب المنافسة الشديدة التي تتعرض لها منتوجاتها، أخذت البلاد تواجه صعوبات متزايدة في السنوات الأخيرة لإيصال هذه المنتوجات إلى السوق الصينية، إذ أنها تضطر الآن إلى تصريف إنتاجها عبر أسواق بلدان ثالثة مثل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، وهي دول تصدّر المنتوجات ذاتها إلى الصين.

ثم أن المراقبين كانوا قد توقفوا عند بعض تصريحاته التي قال فيها «إن المواطنين يعرفون أن بلادهم تملك من الموارد ما يمكّنها أن تكون بين أكثر بلدان العالم تطوراً»، في حين أنها اليوم من أفقر بلدان أميركا اللاتينية. إذ يعيش ربع سكانها تحت خط الفقر، وتعدّ مؤسساتها التعليمية وخدماتها الصحية من الأسوأ في المنطقة. وأيضاً من تصريحاته المثيرة للاستغراب قوله إن «أسباب التخلف الذي تعاني منه الباراغواي تعود إلى الهزيمة القاسية التي تعرّضت لها عام 1870 على يد جيرانها وقضت على غالبية سكانها من الذكور ما أدّى إلى خسارتها قطار التنمية لسنوات طويلة». وكانت الباراغواي قد خاضت حرباً عسكرية طويلة، يطلق عليها اسم «الحرب الكبرى»، ضد التحالف الثلاثي الذي كانت تشكله البرازيل والأرجنتين والأوروغواي، انتهت بتعرضها لهزيمة قاسية خسرت معها مناطق واسعة كانت تتنازع عليها مع البرازيل والأرجنتين. وبجانب ذلك قضت تلك الحرب على نسبة عالية من رجالها، حتى أن بعض المؤرخين يعتبرون أنها كانت «حرب إبادة» للقضاء على الشعب في الباراغواي - الذي يقدّر أنه فقد بين 50 و 80 في المائة من أفراده، بل و90 في المائة من ذكوره البالغين إبان السنوات الست التي اشتعلت فيها تلك الحرب.

أخيراً، من الملفات الساخنة التي تنتظر الرئيس الجديد العلاقات مع إسرائيل، وذلك بعدما قررت حكومة بنيامين نتنياهو الحالية قطعها وإقفال سفارتها في أسونسيون رداً على قرار الرئيس المنتهية ولايته ماريو عبده إعادة مقر سفارة الباراغواي إلى تل أبيب، بعدما كان الرئيس الأسبق كارتيس قرّر نقلها إلى القدس.

ومع أن الطرفين عادا وقررا استئناف العلاقات في عام 2019، فإنهما لم يتفقا على إعادة فتح السفارتين، ويعزو المراقبون عودة إسرائيل عن خطوتها إلى قلقها من نفوذ «حزب الله» وتغلغله في المنطقة، وما تعتبره تهديداً لمصالحها وأمنها. وكان بينيا قد صرّح خلال حملته الانتخابية بأنه تعهّد في المباحثات التي أجراها قبل أشهر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية سيعيد مقر السفارة إلى القدس.



شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
TT

شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)
المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)

قد تشكّل الزيارة «التاريخية»، كما وصفتها موسكو وبيونغ يانغ، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية، نقطة تحوّل رئيسية في الصراع المتفاقم بين روسيا والغرب. لقد نفّذ «سيد الكرملين» عملياً بعض تهديداته المعلنة على خلفية زيادة انخراط الغرب في الحرب الأوكرانية. ولم يعد الأمر يقتصر على التلويح بتسليح «خصوم الولايات المتحدة وحلفائها»، بل خيار وُضع على مسار التنفيذ وينتظر القرار السياسي في اللحظة المناسبة للكرملين. بيد أن الأمر الأكثر إثارة في مُخرجات زيارة بيونغ يانغ كمُن في إطلاق إشارة جدية بجهوزية الكرملين لتوسيع «رقعة المواجهة» الدائرة في أوكرانيا وحولها، لتشمل مناطق في العالم، مشتعلة بملفات ساخنة ومعقدة للغاية. ولذلك؛ كان طبيعياً أن تثير الزيارة ونتائجها قلقاً جدياً لدى الغرب. وأن تفتح أيضاً باباً واسعاً للنقاش حول رؤية الكرملين لملامح «العالم الجديد المتعدد الأقطاب» الذي لطالما روّج له بوتين، وآليات بناء تحالفاته في المنظومتين الإقليمية والدولية التي يسعى لتكريسها.

لعل العنوان الأبرز لزيارة الرئيس فلاديمير بوتين كوريا الشمالية تمثّل في توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، التي حملت في أحد بنودها تأكيداً مثيراً للغاية حول «الدفاع المشترك» ضد أخطار خارجية قد تهدّد البلدين أو أحدهما.

هذه الصيغة بحد ذاتها شكّلت مادة غنية للنقاش، وأساساً لزيادة مخاوف الغرب حيال سياسات بوتين الإقليمية.

وقبل الدخول في تفاصيل الاتفاق وآليات تطبيقه المحتملة، تجدر الإشارة إلى نقطتين فارقتين. النقطة الأولى هي أن الاتفاقية بشكلها الراهن تشكل استعادة مباشرة للإرث السوفياتي بكل ما يحمل هذا الأمر من رسائل وإشارات من جانب الكرملين حول مدى استعداده للمضي في صراعه القائم مع الغرب إلى أقصى مدى ممكن. ولذلك؛ يمكن ملاحظة أن الاتفاقية تشكل تطويراً مباشراً لـ«معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة المُبرمة» بين «كوريا الديمقراطية والاتحاد السوفياتي» في العام 1961 في ذروة «الحرب الباردة».

والنقطة الثانية أن هذه أول اتفاقية من نوعها توقّعها روسيا المعاصرة خارج الإطار الجغرافي للفضاء السوفياتي السابق، بمعنى أنها خارج نطاق مجالها الحيوي وفضاء مصالحها المباشرة. وللعلم، كانت روسيا أبرمت اتفاقاً مماثلاً فقط مع حليفتها الأقرب بيلاروسيا، وكما أبرمت اتفاقات جماعية حملت المضمون نفسه في إطار «معاهدة الأمن الجماعي» مع بلدان سوفياتية سابقة، لكن هذه المعاهدة ظلت في غالب الأحيان حبراً على ورق. ولم تشهد تحركاً جماعياً «ضد خطر خارجي» على أحد بلدان المجموعة إلا في حالات محدودة للغاية.

بداية حقبة جديدة!

بناءً عليه؛ تكتسب الاتفاقية مع بيونغ يانغ أهمية إضافية. وهو ما دفع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى إعلان بداية «حقبة جديدة». وقال بعد التوقيع إنه «تم الإعلان عن البداية الرسمية لعلاقات التحالف بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية والاتحاد الروسي؛ ما يمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ تطور العلاقات الكورية - الروسية».

الواقع، وفق قسطنطين أسمولوف، الباحث البارز في مركز الدراسات الكورية في معهد الصين وآسيا الحديثة التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أن تسمية الاتفاقية بحد ذاتها تشير إلى ارتفاع كبير في مستوى العلاقات الثنائية. ورأى أن «الشراكة الاستراتيجية» تقفز بالعلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ «خطوات عدة دفعة واحدة».

وهنا، لا بد من استعادة نص المعاهدة الأصلية التي طُوّرت؛ إذ نصّت المادة 1 من «معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة» لعام 1961 على ما يلي: «إذا تعرض أحد الطرفين المتعاقدين لهجوم مسلح من قِبل أي دولة أو تحالف دول، وبالتالي وجد نفسه في حالة حرب، فإن الطرف المتعاقد الآخر يقدم على الفور المساعدة اللازمة. المساعدات العسكرية وغيرها من المساعدات بكل الوسائل المتاحة لها». وهكذا استُعير النص حرفياً تقريباً في الاتفاقية الجديدة مع إضافة نكهة معاصرة عبر الكلام عن التحديات الجديدة و«العدوان» المحتمل من خصوم الطرفين. وفي هذا الإطار تبرز إشكالية التعامل مع النص الموقع، وما إذا كان الهدف منه تطبيقاً عملياً أم توجيه رسائل تهديد لأطراف ثالثة.

هنا يقول بعض الخبراء الروس إنه «من الواضح أن السؤال الذي يطرح نفسه: مَن سيصف ما يشكّل عدواناً؟ على سبيل المثال، إذا قالت كوريا الشمالية إنها تعرّضت لهجوم، هل ينبغي لروسيا أن تتفق مع وجهة النظر هذه؟ أم يتوجب عليها أن تقيّم بنفسها أن هذا عدوان، وما إذا كان الوضع يتطلب تفعيل بند الدفاع المشترك؟».

رسالة إلى «الجيران»

الواضح أن الضمانات الأمنية التي قدّمتها روسيا لكوريا الشمالية تستهدف في المقام الأول أقرب جيرانها - اليابان وكوريا الجنوبية -، فضلاً عن حليفتهما الأكبر الولايات المتحدة. ولقد تجلى ذلك في خطاب بوتين، الذي ذكر فيه تحديداً توسيع البنية التحتية العسكرية الأميركية في شمال شرق آسيا، فضلاً عن زيادة حجم وكثافة التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية واليابان. ووفقاً لخبراء، فإن «الإشارة الواضحة إلى خصوم الطرفين قد تدفع بيونغ يانغ نحو نشاط عسكري أكبر في المنطقة».

أسمولوف يضع تفسيره لأحكام الاتفاقية المُبرمة عبر الإشارة إلى احتمالات تطبيق أحكام المساعدة المتبادلة في سياق العملية العسكرية في أوكرانيا. ويقول: «من الناحية النظرية، دعونا نتخيّل موقفاً يقوم فيه الجانب الأوكراني مرة أخرى بقصف بيلغورود بطائرات قدّمتها الولايات المتحدة. يعلن الجانب الروسي أن هذا بالفعل هجوم على أراضيه، ويتجاوز حدود المنطقة العسكرية الشمالية، ويطلب المساعدة من كوريا الشمالية. أي أن الاتهامات الموجهة ضد موسكو وبيونغ يانغ حول تعاون عسكري في أوكرانيا ستتحول عملياً وقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً».

ولكن في المقابل، ثمة من يقول إن مفهوم «المساعدة المتبادلة» أُدرِج في الاتفاقية بشكل غير واضح عمداً؛ بهدف توظيفه وفقاً للحاجة السياسية عند الضرورة.

الرئيسان الروسي والكوري الشمالي يتأهبان لتوقيع الاتفاقية الدفاعية (رويترز)

أداة ضغط سياسي

«إلى حد ما، يمكن اعتبار زيارة بوتين لبيونغ يانغ نفسها إحدى أدوات الضغط السياسي»، كما يقول روبرت وينستانلي تشيسترز، المحاضر في جامعة ليدز البريطانية. بمعنى أن أهمية الزيارة الحقيقية تتجلى في أبعادها من وجهة نظر جيوسياسية، أكثر من أن تكون محطة لإعلان تحالف عسكري. ولتوضيح هذه الفكرة يقول الباحث إن على الولايات المتحدة وحلفائها أن يأخذوا هذا العامل (الاتفاقية مع روسيا) في الاعتبار عند محاولاتهم لمواجهة بيونغ يانغ؛ الأمر الذي سيقلل من احتمالية الصدام العسكري مع كوريا الشمالية. وبذا يبدو التطور جزءاً من سياسة الردع للطرفين أكثر من أن يكون «تحالفاً عسكرياً واسع النطاق» بين روسيا وكوريا الشمالية.

وفي الوقت عينه، ووفقاً لخبراء روس، يُستبعَد أن يؤثر رفع مكانة علاقات بيونغ يانغ مع موسكو على علاقات الأولى مع بكين. وهنا يجب الأخذ في الاعتبار أن موسكو ما كانت لتقدم على خطوة كهذه من دون إبلاغ بكين. ويرجح خبراء أن يكون بوتين أبلغ الصينيين بنيته توقيع اتفاقية جديدة مع بيونغ يانغ إبان زيارته بكين في مايو (أيار). لكن هذا لا يعني أن الصين راضية تماماً عن وضع قد يؤجج التوتر أكثر في شبه الجزيرة الكورية. وهي ما زلت، وفقاً لخبراء، تفضل إدارة الملف عبر القوة الناعمة والدبلوماسية النشطة في مقابل الاندفاع الروسي «الساخن» في المواجهة القائمة مع الغرب.

عموماً، لا تزال الصين مُحتكِرة فعلياً مجال التعاون التجاري والاقتصادي مع كوريا الشمالية، مع محاولة موسكو تحقيق تكافؤ معين في هذا الشأن في المجال الأمني والعسكري. لكن التطور الأخير لا يعني أن بيونغ يانغ قد تنظر إلى روسيا كشريك أكثر أهمية من الصين. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن تستخدم كوريا الشمالية علاقتها مع روسيا لتحقيق التوازن وتوسيع قدراتها الاستراتيجية تجاه العلاقة مع الصين.

ملف العقوبات

الشق الثاني المهم للغاية في زيارة بوتين إلى كوريا الشمالية، تعلّق بملف العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ. إذ تطرق بوتين بشكل منفصل لموضوع العقوبات التي تخضع لها كل من روسيا وكوريا الشمالية، مع الفارق أن الأخيرة لا تخضع فقط لعقوبات أحادية الجانب، بل لتدابير يفرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أيضاً.

"أول اتفاقية من نوعها توقّعها روسيا المعاصرة خارج الإطار الجغرافي للفضاء السوفياتي السابق"

لذا حمل تعهده بـ»إعادة النظر في النظام التقييدي غير المحدد المدة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي تجاه بيونغ يانغ» أهمية خاصة. ثم أن هذا الموقف ارتبط بالحرب الأوكرانية بشكل مباشر، عبر إعلان بوتين إطلاق شارة البدء بتنشيط التعاون العسكري التقني مع كوريا الشمالية بعد اتهامه الدول الغربية بانتهاك الالتزامات الدولية فيما يتعلق بإمدادات محتملة لأسلحة بعيدة المدى وطائرات مقاتلة من طراز «إف - 16» إلى أوكرانيا.

لكن هذا الملف لا يقتصر على البُعد العسكري. وبجانب تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج ووقود الطائرات والصواريخ، فإن القرارات الدولية تحظر تزويد كوريا الشمالية بالغاز الطبيعي والمعادن والمعدات الصناعية والمركبات والسلع الفاخرة. كذلك يُحظر على هذا البلد تصدير الفحم والمأكولات البحرية والمنسوجات والأجهزة الكهربائية والخشب والموارد الطبيعية الأخرى، وعلى البنوك الكورية الشمالية فتح فروع أجنبية، وكان تم وضع حد لتوظيف العمال الكوريين الشماليين.

ماذا يمكن لروسيا أن تفعل في هذا الإطار؟

ظلت موسكو منذ بعض الوقت تضع عقبات أمام تشديد نظام العقوبات ضد بيونغ يانغ. وفي مايو 2022، منعت روسيا والصين مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة بشأن فرض قيود جديدة رداً على اختبارات الصواريخ الباليستية المتكررة. وفي مارس (آذار) 2024، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) ضد قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتمديد ولاية مجموعة من الخبراء الذين يراقبون الامتثال للعقوبات الدولية ضد كوريا الشمالية.

في المقابل، حتى بدعم من الصين، تظل روسيا عاجزة عن رفع العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الديمقراطية. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019، قدّمت موسكو وبكين مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي، يتضمن رفع الحظر على تصدير المأكولات البحرية والمنسوجات والتماثيل، وإعفاء مشاريع السكك الحديدية والطرق بين الكوريتين من العقوبات الأميركية، فضلاً عن رفع العقوبات الأميركية، وإنهاء حظر عمل الكوريين الشماليين في الخارج. ولكن في النهاية... لم تُطرح الوثيقة للتصويت. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قدمت روسيا والصين نسخة منقحة من القرار إلى أعضاء مجلس الأمن لكنهما فشلتا مجدداً في اعتماده. وهكذا، في ظل الحقائق الجيوسياسية الحالية، تظل فرص إقرار مثل هذه الوثيقة من قِبل بقية الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، عملياً معدومة.

مع هذا، قد تجد موسكو بدائل. منها مثلاً، إعلان وقف مؤقت للامتثال لعقوبات معينة ضد كوريا الشمالية لأسباب إنسانية؛ وهو الأمر الذي ستنتقده حتماً الولايات المتحدة وحلفاؤها. وبمقدور موسكو أيضاً اللجوء إلى تفسير «مبتكر» للعقوبات - وفق مبدأ «ما ليس محظوراً فهو مسموح به».

بالإضافة إلى ذلك، قد ترفض روسيا الامتثال للقيود الدولية المفروضة على توظيف العمال الكوريين الشماليين وتوريد الموارد الطبيعية والمعدات إلى بيونغ يانغ. وهنا يشدد خبراء على أن «عبر هذه الإجراءات، تستطيع روسيا أن توضح للمجتمع الدولي أن العقوبات غير فعالة ليس فقط في سياق كوريا الشمالية، ولكن أيضاً بشكل عام».

موسكو وبيونغ يانغ وقَّعتا اتفاقية ممر جسر تومانايا الحدودي

> بالإضافة إلى الاتفاقية الاستراتيجية الجديدة، وقّعت موسكو وبيونغ يانغ خلال الزيارة اتفاقيتين لا تقلان أهمية، الأولى بشأن بناء جسر بري عبر نهر تومانايا الحدودي الذي يتدفق إلى بحر اليابان، والأخرى حول التعاون في مجال الرعاية الصحية والتعليم الطبي والتعليم الطبي. ولقد ورد ذكر تومانايا سابقاً في بيان مشترك عقب المفاوضات بين بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ في منتصف مايو (أيار)؛ إذ أكد الطرفان في حينها أنهما «سيواصلان، إلى جانب كوريا الديمقراطية تبادل وجهات النظر البنّاءة حول موضوع ملاحة السفن الصينية في الروافد السفلية».لزيادة حجم التجارة، يعد الاتفاق على بناء جسر طريق عبر تومانايا أمراً مهماً؛ نظراً لأن الأطراف في حاجة إلى تعزيز الروابط اللوجيستية، فحالياً يرتبط البلدان براً فقط بخطوط سكك الحديد التي تمر عبر «جسر الصداقة».ولتوضيح أهمية المشروع أكثر، يقول خبراء إن الصين وكوريا الشمالية (التي يبلغ اعتمادها التجاري على بكين بنسبة 95 في المائة) لديهما الآن 18 نقطة تفتيش. وتهتم الصين بالوصول إلى بحر اليابان، لكن تطوير الأراضي في هذه المنطقة يعتمد على القرارات السيادية لموسكو وبيونغ يانغ.كذلك، يشير بعض الخبراء إلى أن مشروع الجسر البري عبر نهر تومانايا العميق القابل للملاحة طُرح للمرة الأولى في تسعينات القرن الماضي. وفي حال شرع البلدان حالياً في التنفيذ العملي للمشروع بعد توافر الإرادة السياسية والظروف الدولية الملائمة لهما، فإن هذا المسار سيخلق وضعاً جديداً تماماً بالنسبة إلى حركة البضائع والتجارة، وستكون الصين قادرة على الإبحار مباشرة بسفنها التجارية إلى بحر اليابان؛ الأمر الذي سيكون أكثر ربحية.ويخلص خبراء إلى أنه من الناحية النظرية، يمكن للصينيين لاحقاً، الحصول على الحق في مثل هذه التحركات للسفن الحربية أيضاً؛ ما من شأنه تغيير الوضع الاستراتيجي الإقليمي بشكل كبير.