«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي روبوتي ذكي يفتح الباب أمام عصر «الذكاء الاصطناعي المادي» في الرعاية الصحية

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
TT

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

تخيّل أن تدخل مستشفى المستقبل، فلا يكون أول ذكاء اصطناعي تقابله برنامجاً على شاشة، ولا خوارزمية تقرأ صورة أشعة، بل كرسياً متحركاً ذكياً يأتي إلى المريض، يساعده على الانتقال، ويتحرك به داخل المستشفى من دون أن يحتاج إلى من يدفعه طوال الطريق.

من العالم الرقمي إلى العالم المادي

قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يشير إلى تحول بدأ يأخذ شكلاً مادياً أمام زوار «ليب 2026» في الرياض: انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى آلات تستطيع أن ترى وتستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان والبيئة المحيطة بها.

لسنوات، دخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب من خلال الشاشة. قرأ صور الأشعة، وحلل البيانات، وتنبأ بالمخاطر، وأجاب عن الأسئلة. لكن الجيل المقبل قد يدخل المستشفى بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس بوصفه «عقلاً رقمياً» يقدم توصية للطبيب فحسب، بل ذكاءً يمتلك جسداً ويتحرك في المكان نفسه الذي يتحرك فيه المريض.

وهنا يظهر مفهوم يتقدم سريعاً إلى واجهة النقاش التقني: «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي أنظمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمستشعرات والرؤية الحاسوبية والروبوتات والحركة، بحيث لا تكتفي بفهم العالم، وإنما تستطيع أن تتصرف داخله.

ومن بين آلاف التقنيات التي اجتمعت في «ليب 2026» بملهم (شمال الرياض)، قد يكون الكرسي الروبوتي الذكي مثالاً صغيراً على سؤال طبي أكبر بكثير: ماذا سيحدث عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة... ويبدأ العمل إلى جانب الطبيب والممرض والمريض داخل المستشفى؟

ومع وصول «ليب 2026» اليوم إلى محطته الختامية في ملهم، بعد أربعة أيام من العروض والجلسات التي استعرضت أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام طبياً هو ذلك الذي ينقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى العالم المادي؛ من خوارزمية تقدم المعلومة إلى آلة تستطيع أن تستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان.

كرسي متحرك... أم روبوت؟

من بين التقنيات الطبية اللافتة في «Tech Arena» ضمن «ليب 2026»، يبرز نظام «بوليميديكس» POLYMEDX الذي طورته شركة «كومبال إلكترونيكس» (Compal Electronics)، ويقدمه البرنامج الرسمي للمؤتمر بوصفه كرسي رعاية صحية روبوتية ذكية مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأنه تطور آخر للكرسي الكهربائي المتحرك. لكن الفرق بين الكرسي الذي ينفذ أمر الإنسان وبين الآلة التي تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي يمثل واحداً من أهم التحولات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم.

إن الكرسي الكهربائي التقليدي ينتظر من المستخدم أن يحدد الاتجاه والسرعة. أما عندما تدخل المستشعرات والرؤية الحاسوبية والخوارزميات والقدرة على الحركة في منظومة واحدة، فإننا نقترب من نوع مختلف من الآلات: آلة لا تتعامل مع البيانات فقط، بل مع المكان والأجسام والبشر من حولها.

عمل الكرسي الروبوتي الذكي... من استشعار البيئة إلى الحركة تحت الإشراف البشري

استشعار العالم المادي وإدراكه

وهنا يظهر مفهوم «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من أنظمة تفهم الكلمات والصور والبيانات إلى أنظمة تستطيع أن تستشعر العالم المادي، وتفسره، ثم تتصرف داخله.

والفرق قد يبدو لغوياً، لكنه في الطب جوهري.فالخوارزمية التي تخطئ في تحليل معلومة يمكن للطبيب أن يراجعها على الشاشة. أما عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن حركة آلة تحمل مريضاً داخل مستشفى، فإن القرار الرقمي يتحول إلى فعل مادي، وتتحول معه أسئلة الدقة والسلامة والمسؤولية إلى مستوى جديد تماماً.

المستشفى الذكي... روبوتات وأنظمة ذكاء اصطناعي مادي تعمل تحت الإشراف البشري

عندما يصبح المستشفى «بيئة ذكية»

ولا تتوقف فكرة «بوليميديكس» عند كرسي روبوتي واحد؛ فالرؤية الأوسع هي بناء منظومة للمستشفى الذكي، تتكامل فيها الروبوتات مع تنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي، و«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، والذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI).

وتعمل «كومبال» على نقل هذه الفكرة إلى بيئات سريرية فعلية في تايوان، من نقل الأدوية في أقسام الطوارئ إلى الخدمات اللوجيستية وحركة المواد والأجهزة بين أقسام المستشفى.

وهنا يصبح الكرسي الذكي مجرد قطعة واحدة داخل شبكة أكبر من الآلات والبيانات والقرارات. تخيّل مريضاً يحتاج إلى الانتقال من جناح التنويم إلى قسم الأشعة: يتحرك الكرسي عبر الممرات، وفي الوقت نفسه ينقل روبوت آخر الدواء من الصيدلية، بينما تنسق منصة رقمية حركة المرضى والأدوية والأجهزة والموارد في الوقت الفعلي.

إنه فارق جوهري بين «مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«مستشفى تتحرك داخله أنظمة ذكية».

من «ليب» إلى المريض... هل الفكرة قابلة للتطبيق؟

والأهم أن الكراسي المتحركة ذاتية القيادة لم تعد مجرد تصور لمستشفى المستقبل. ففي دراسة حديثة نُشرت في يوليو (تموز) 2026، اختبر باحثون من «مايو كلينك» في روتشستر بولاية مينيسوتا الأميركية استخدام كرسي متحرك ذاتي القيادة لنقل المرضى داخل بيئة سريرية كبيرة. وشملت التجربة 409 مرضى بالغين استخدموا الكرسي خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى يناير (كانون الثاني) 2026.

وكانت النتائج لافتة: لم تسجل التجربة أي اصطدام أو حادث ضار، وقال 86.3 في المائة من المشاركين إنهم سيستخدمون الكرسي مرة أخرى، بينما قال 91.7 في المائة إنهم سيوصون الآخرين باستخدامه.

لكن ربما تكون النقطة العلمية الأهم هي ما لم يقله الباحثون. فالدراسة لم تعلن أن الكراسي ذاتية القيادة أصبحت جاهزة لتحل محل وسائل نقل المرضى التقليدية، وإنما خلصت بحذر إلى أن النتائج تدعم قابلية استخدام التقنية وقبول المرضى لها داخل بيئة سريرية مضبوطة، مع الحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتقييم.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسافة بين روبوت ينجح في معرض تقني وروبوت يمكن الوثوق به يومياً إلى جانب المرضى هي المسافة بين الابتكار الطبي والسلامة الطبية.

من «المعرفة» إلى «الفعل»

من «ماذا يعرف؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»... إن الخطأ الذي يبقى على الشاشة ليس كالخطأ الذي يتحول إلى حركة في العالم الحقيقي. فإذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تحليل صورة طبية، يستطيع الطبيب - نظرياً - مراجعة النتيجة قبل أن تتحول إلى قرار. أما عندما يقود النظام آلة تحمل مريضاً وتتحرك به عبر ممرات المستشفى، فإن المسافة بين القرار الخوارزمي والفعل والضرر المحتمل تصبح أقصر بكثير.

ماذا لو أخطأ الكرسي في تقدير المسافة إلى عائق؟ ماذا لو تعطل أحد المستشعرات؟ ماذا يحدث إذا انقطع الاتصال؟ هل يتوقف تلقائياً؟ ومن يستطيع إيقافه فوراً؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: ما مقدار الاستقلالية الذي ينبغي أن نمنحه للآلة؟ هل نسمح لها باختيار الطريق؟ بتغيير وجهتها؟ بالتعامل مع موقف غير متوقع؟ وأين تنتهي سلطة الخوارزمية وتبدأ سلطة الطبيب أو الممرض أو المريض نفسه؟

هنا لم نعد نتحدث عن هندسة الروبوتات فقط. نحن نتحدث عن سلامة المرضى، والمسؤولية، وحدود الاستقلالية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عندما يصبح قادراً على الفعل.

قبل دخوله المستشفى السعودي

وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً عندما نتصور انتقال هذه الأنظمة مستقبلاً من قاعات المعارض إلى المستشفيات السعودية. فالنجاح في معرض تقني، أو حتى في مستشفى خارج المملكة، لا يعني تلقائياً أن النظام جاهز للعمل في بيئة سريرية سعودية. قبل أن يحمل روبوت مريضاً واحداً، ينبغي أن نعرف: هل اختُبر في المستشفى الذي سيعمل فيه؟ وهل يتعامل بأمان مع مرضاه وممراته ومصاعده وأنظمته الرقمية وظروف العمل الفعلية؟

وهنا لا يكفي اختبار دقة الخوارزمية وحدها. يجب التحقق من سلامة النظام كاملاً، وتحديد حدود استقلاليته، واختبار أدائه عند تعطل مستشعر أو انقطاع الاتصال، وحمايته من المخاطر السيبرانية، وتدريب العاملين على التعامل معه، وتحديد من يتحمل المسؤولية عندما لا يسير الأمر كما هو متوقع.

من الاستقلالية إلى التوقف الآمن ودور الإنسان في حوكمة النظام

لكن هناك سؤالاً أبسط قد يكون أهم من كل ذلك: مَن يستطيع إيقاف الآلة؟ إن كل نظام ذكي يتحرك بالقرب من المريض يحتاج إلى «وظيفة توقف» (Stop Function) واضحة وفعَّالة؛ آلية تمنح الإنسان القدرة على التدخل الفوري أو إيقاف النظام عندما تظهر إشارة خطر، من دون أن يصبح الطبيب أو الممرض مجرد مراقب لقرار اتخذته الآلة بالفعل.

والاستقلالية في الرعاية الصحية لا ينبغي أن تعني غياب الإنسان، بل أن تعمل الآلة ضمن حدود معروفة، ورقابة بشرية حقيقية، وقدرة دائمة على التدخل والإيقاف. وهذا هو الفارق بين أن نُدخل روبوتاً إلى المستشفى وبين أن نحكم عمل روبوت داخل المستشفى.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

تكمن أهمية ما يعرضه «ليب 2026» في أنه يكشف عن تحول أكبر بكثير من كرسي متحرك ذكي. فالذكاء الاصطناعي الطبي الذي عرفناه حتى الآن كان في معظمه ذكاءً يرى ويقرأ ويحلل ويتنبأ ويقترح. أما الجيل المقبل، فقد يضيف إلى هذه القدرات أفعالاً جديدة: يستشعر ويتحرك وينفذ ويتفاعل مع الإنسان والعالم المادي من حوله.

وتقدم «كومبال» رؤيتها لمنصة «بوليميديكس» في هذا الاتجاه؛ منظومة تجمع الروبوتات وتنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي و«التوأم الرقمي» والذكاء الاصطناعي الطرفي، بما يسمح بمحاكاة بعض السيناريوهات واختبارها افتراضياً قبل انتقالها إلى البيئة الحقيقية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي يغيّر المعادلة الطبية نفسها.

ولسنوات، كان السؤال الذي يرافق الذكاء الاصطناعي الطبي: هل يستطيع أن يفكر مثل الطبيب؟ أما ما تعرضه تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» اليوم في الرياض، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير فحسب... بل يصبح قادراً أيضاً على الحركة والفعل؟

عندها لن يكون التحدي الأكبر بناء آلة أكثر ذكاءً، بل بناء الحدود التي تحكم ذكاءها: متى نسمح لها بأن تتحرك؟ متى نثق بها لتتصرف؟ ومتى يجب أن تتوقف؟

فالطب قد يكون مقبلاً على عصر لا يبقى فيه الذكاء الاصطناعي خلف الشاشة... سيدخل الغرفة... سيتحرك إلى جانب المريض... وقد يحمل المريض نفسه.

ولهذا، كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من جسد الإنسان، يجب أن تقترب منه الرقابة البشرية بالقدر نفسه.


مقالات ذات صلة

باحثون يحذرون: تطبيقات المحادثة الآلية تلغي الفروق بين البشر والبرامج

تكنولوجيا عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

باحثون يحذرون: تطبيقات المحادثة الآلية تلغي الفروق بين البشر والبرامج

قال باحثون أميركيون إن تطبيقات المحادثة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم «المشاعر الأبوية» التي يفتقدها الكثيرون في حياتهم الفعلية حالياً.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه (كاليفورنيا))
تحليل إخباري شاشة تعرض صورة للذكاء الاصطناعي في جناح شركة «إس كيه هاينكس» خلال معرض أشباه الموصلات في سيول (أ.ب)

تحليل إخباري هل بدأت فاتورة الذكاء الاصطناعي تُربك «وول ستريت» بعد أسوأ أسبوع منذ يونيو؟

أعادت موجة البيع التي ضربت أسهم التكنولوجيا الأميركية، يوم الجمعة، التساؤلات بشأن تكلفة طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما أنهت «وول ستريت» أسبوعها الأسوأ منذ يونيو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

طفرة الذكاء الاصطناعي تزيد الطلب على السيولة وتهدد بإطالة أمد الفائدة المرتفعة

أطلقت طفرة الذكاء الاصطناعي سباقاً عالمياً على السيولة، ما يدفع المصرفيين المركزيين إلى الاستعداد لمرحلة قد تظل فيها أسعار الفائدة مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
تحليل إخباري التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)

تحليل إخباري التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى الخيارات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في خياراتنا. فهل جعلتنا التكنولوجيا أكثر حرية أم فعلت العكس؟

أنطوان الحاج
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

العقود الآجلة الأميركية تتباين وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا

تباين أداء العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع تعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط جديدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية
TT

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

بعد أن تعلّمت فرشاة الأسنان قياس ضغط اليد وحساب وقت التنظيف، بدأت تتعلم كيف «ترى» داخل الفم. فالكاميرا التي تدخل اليوم إلى هذه الأداة اليومية لا تكتفي بعرض الصور؛ بل تساعد على توجيه التنظيف إلى المسافات بين الأسنان. فهل تمهّد هذه الخطوة لتحوّل الفرشاة من أداة لإزالة اللويحة الجرثومية إلى وسيلة للمراقبة والوقاية المنزلية؟

يطرح هذا السؤال نظام «CameraJet» الذي كشفت عنه شركة «دايسون» (Dyson) في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026. ويجمع الجهاز فرشاة كهربائية وكاميرا صغيرة وخوارزمية تعلّم آلي، لتوجيه دفعات دقيقة من سائل المضمضة نحو الفراغات بين الأسنان. وتكمن دلالته في الربط بين ما تراه الكاميرا وما تفعله الفرشاة: صورة تُحلَّل، وموضع يُحدَّد، ودفعة سائل تتجه إليه في أثناء التنظيف.

فرشاة ترى قبل أن تنظّف

• كاميرا تلتقط وتوجّه. يعتمد النظام على كاميرا للتصوير القريب بدقة 100 ألف بكسل، وخوارزمية تسميها الشركة «Gap Optical Targeting». ووفق بيانات «دايسون»، تحلل المنظومة 28 صورة في الثانية، لتتعرف على الفراغات بين الأسنان وتتتبع مواقعها في أثناء حركة الفرشاة، ثم توجه إليها دفعات دقيقة من السائل. وتقول الشركة إنها طوّرت الخوارزمية باستخدام أكثر من 470 ألف صورة للأسنان.

وتوضح هذه الآلية معنى «الذكاء الاصطناعي المادي»: خوارزمية تتصل بجهاز يستطيع استشعار محيطه والتصرف فيه. ففي هذه الفرشاة، تتحول الصورة إلى دليل يحدد إلى أين تُوجَّه دفعة السائل في أثناء التنظيف. وهنا تتجاوز وظيفة الكاميرا نقل المشهد إلى المشاركة في توجيه حركة الجهاز واستجابته.

ويتيح تطبيق «MyDyson» للمستخدم مشاهدة داخل الفم مباشرةً، مع إرشادات عن مدة التنظيف والمناطق التي تغطيها الفرشاة وطريقة استخدامها. وبذلك تضيف الكاميرا بُعداً بصرياً إلى متابعة الوقت والضغط، قد يساعد المستخدم على فهم ما يجري داخل فمه وتوجيه عنايته اليومية بصورة أدق.

تأتي هذه الفرشاة ضمن تحول أوسع في العناية بصحة الفم خارج العيادة. فقد وجدت مراجعة نُشرت في «Journal of Dentistry» في أغسطس (آب) 2026، وشملت 305 دراسات، أن التقنيات الرقمية تجاوزت التثقيف وتعديل السلوك إلى مراقبة اللويحة الجرثومية، واستكشاف إمكانات الكشف عن التسوس وأمراض اللثة والغشاء المخاطي وتقييم أخطارها.

• مراجعات علمية. غير أن هذه التطبيقات لا تقف على أرضية علمية واحدة. فقد وجدت المراجعة أن تقنيات الوقاية الأولية أكثر نضجاً، بينما يحتاج كثير من أدوات الكشف المبكر إلى مزيد من التحقق السريري. وهذا فارق أساسي: فنجاح أداة في تحسين عادات التنظيف لا يثبت قدرتها على اكتشاف المرض.

وتوضح مراجعة أخرى، نُشرت في «International Dental Journal» في يوليو (تموز) 2026، ملامح هذا الاتجاه. فمن بين 43 دراسة عن الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان الوقائي، تناولت 23 دراسة التنبؤ بمخاطر التسوس، وست أخطار أمراض اللثة، وسبع الكشف الآلي عن اللويحة، فيما بحثت دراستان تحليل طريقة التنظيف. وتكشف هذه الأبحاث اهتماماً بمراقبة عوامل الخطر والسلوك اليومي، لكنها لا تعني أن فرشاة بعينها تستطيع أداء هذه الوظائف مجتمعة.

وقد مهَّد طب الأسنان عن بُعد لهذا المسار، باستخدام الهواتف والكاميرات الرقمية والكاميرات داخل الفم لنقل الصور وتقييمها خارج العيادة. أما إدماج الكاميرا في الفرشاة، فيفتح احتمال متابعة التغيرات في أثناء العناية اليومية، بدلاً من الاقتصار على صور متفرقة.

ومن هنا ينشأ السؤال: هل يستطيع جيل لاحق رصد موضع تتكرر فيه اللويحة، أو تغير في اللثة يستدعي مراجعة الطبيب؟ الانتقال من التعرف على فراغ بين سنين إلى تمييز تغير مرضي يحتاج إلى أدلة واختبارات مختلفة. لذا تبقى المراقبة الصحية المحتملة أفقاً بحثياً، وليست قدرة تشخيصية مثبتة لهذا الجهاز.

الكاميرا ليست طبيب أسنان

• الدقة لا تعني التشخيص. الخوارزمية التي ترى الأسنان، لا يعني أنها تفهم المرض. فالتعرف على فراغ أو تغير في الصورة يختلف عن تشخيص تسوس أو التهاب لثة أو آفة تحتاج إلى علاج. إذ يجمع الطبيب بين الفحص والتاريخ المرضي، وقد يستعين بالأشعة واختبارات أخرى. ومن هنا تأتي ضرورة الفصل بين توجيه التنظيف وإصدار حكم طبي.

ولا تكفي الدقة المرتفعة في تحليل الصور لإثبات الصلاحية السريرية. فذلك يحتاج إلى دراسات مستقلة تقارن النتائج بمعايير تشخيصية مرجعية، وتشمل أشخاصاً بأعمار وحالات فموية مختلفة. ويشمل التقييم أيضاً تحديد مواضع الخطأ، والفئات الأكثر عرضة له، وعواقبه على قرارات العناية والعلاج.

وتوضح مراجعة منهجية لتقنيات التقييم الرقمي للويحة السنية هذه الفجوة. فرغم الارتباط القوي بين نتائج بعض الأدوات الرقمية والطرق المرجعية، ظل اليقين الإجمالي للأدلة منخفضاً جداً؛ ما يحد من تعميم النتائج واعتماد هذه الأدوات بديلاً مستقلاً عن التقييم السريري.

وتصبح عواقب الخطأ أوضح حين يرسل الجهاز تنبيهاً عن مرض محتمل، أو يصمت عنه. فالإنذار الكاذب قد يثير القلق ويدفع إلى فحوص غير ضرورية، بينما قد يؤخر الاطمئنان الكاذب زيارة الطبيب. لذلك لا يكفي غياب التنبيه للاطمئنان إلى سلامة الفم.

• الخصوصية داخل الحمام. تقول «دايسون» إن الكاميرا تعمل في أثناء المشاهدة الحية أو التوجيه التلقائي للسائل، وإن الصور لا تُسجل ولا تُخزن في التطبيق أو تُرفع إلى السحابة، بل تُحذف بعد المشاهدة، فيما تُعالج بيانات التنظيف محلياً. ويقترب هذا النهج من مبدأ «الخصوصية حسب التصميم»، أي بناء الحماية ضمن آلية عمل الجهاز منذ البداية.

وتزداد أهمية هذا المبدأ حين تدخل الكاميرا إلى أداة للعناية اليومية بالجسم. فصور الفم تحمل تفاصيل عن الأسنان واللثة والترميمات، وقد تستخلص منها الخوارزميات مؤشرات صحية إضافية. ومن حق المستخدم معرفة البيانات التي تُجمع، ومكان معالجتها، ومدة بقائها، ومن يطّلع عليها، وكيف يحذفها أو يمنع مشاركتها.

وقد أبرزت مراجعة للجوانب القانونية للصحة الفموية الرقمية قضايا أمن البيانات، والسرية والموافقة والمسؤولية. لذلك ينبغي تقييم حماية المعلومات ضمن جودة الجهاز وسلامته، مع تقديم شروط واضحة يفهمها المستخدم قبل الموافقة عليها.

• هل نحتاج إلى هذا الذكاء. حذرت الجمعية البريطانية لطب الأسنان، تعليقاً على إطلاق الجهاز، من الاعتقاد بأن أحدث الأجهزة وأغلاها تحل جميع مشكلات صحة الفم. فمهما تطورت التكنولوجيا، تظل الوقاية قائمة على إزالة اللويحة بانتظام، وتنظيف المسافات بين الأسنان، وضبط عوامل الخطورة، وإجراء الفحوص الدورية.

وتُقاس قيمة الفرشاة بما تحققه في الاستخدام اليومي: هل تساعد على تنظيف أفضل وعادات أكثر انتظاماً؟ وهل تؤكد الدراسات المستقلة فائدتها وسلامتها؟ فسرعة معالجة الصور ودقة توجيه السائل إنجازان تقنيان، لكن إثبات أثرهما في صحة الفم يحتاج إلى أدلة سريرية.

بدأت الفرشاة أداة ميكانيكية، ثم أصبحت تقيس الوقت والضغط، وها هي تبدأ في رؤية ما تنظفه. وقد تمنحها هذه القدرة دوراً أوسع في الوقاية المنزلية، متى ثبتت فائدتها وحُميت بيانات مستخدميها واتضحت حدودها. أما نجاحها الحقيقي، فسيكون في مساعدة الإنسان على العناية بفمه ومعرفة متى يحتاج إلى الطبيب، دون أن تمنحه ثقة تتجاوز ما تستطيع إثباته.

نجاحها الحقيقي سيكون في مساعدة الإنسان على العناية بفمه ومعرفة متى يحتاج إلى الطبيب


لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟
TT

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لطالما لاحظ الأطباء أن الرجال والنساء لا يتعرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها؛ فبعض أمراض القلب الخلقية تكون أكثر شيوعاً أو أشد خطورة لدى الإناث بينما تصيب الذكور بصورة مختلفة. ورغم عقود من الأبحاث ظل السبب البيولوجي وراء هذه الفروق غير واضح.

«درع وراثي»

واليوم، توصل باحثون من جامعة نورث كارولاينا في الولايات المتحدة إلى اكتشاف قد يفسر هذا اللغز؛ فقد أظهرت دراسة جديدة نُشرت في دورية «Genes & Development»، في الأول من يوليو (تموز) 2026، أن قلب الأنثى يعتمد على بروتين يعمل بمثابة «درع وراثي» أساسي أثناء نموه، في حين يستطيع قلب الذكر أن يتطور بصورة طبيعية إلى حد كبير، حتى في غياب البروتين.

ويُعرف هذا البروتين باسم «DDX3X» ويُنتجه جين يقع على الكروموسوم «إكس» (X). وفي تجارب أُجريت على الفئران وجد الباحثون أن حذف هذا الجين من خلايا عضلة القلب النامية أدى إلى إصابة الأجنة الأنثوية بفشل قلبي حاد انتهى بوفاتها قبل الولادة، بينما واصل الذكور الذين يحملون التغير الجيني نفسه نموهم الطبيعي ونجوا حتى الولادة.

وتقول كايلا ماسون الطبيبة بقسم بيولوجيا الخلية وعلم وظائف الأعضاء في الجامعة الباحثة الرئيسة في الدراسة: «أحدث التغيير الجيني نفسه نتيجتين مختلفتين تماماً بحسب الجنس؛ فبالنسبة إلى قلب الأنثى يُعد بروتين (DDX3X) ضرورياً للحياة، بينما يستطيع قلب الذكر الاستغناء عنه إلى حد كبير».

> «قراءة» الجينات ليست المشكلة في الجينات، بل في كيفية قراءتها؛ فهذه الدراسة تقلب مفهوماً راسخاً في علم الوراثة؛ إذ تشير إلى أن الأمراض الوراثية لا تنجم دائماً عن خلل في الشفرة الجينية للحمض النووي (DNA) نفسها، بل قد تكون نتيجة عجز الخلية عن قراءة هذه الشفرة بصورة صحيحة.

إن الجينات تحمل المخطط الأساسي لبناء أعضاء الجسم، لكن هذا المخطط لا يصبح ذا قيمة إلا بعد ترجمته إلى بروتينات، وهي الجزيئات التي تنفذ معظم وظائف الخلية. وهنا يبرز الدور المحوري لبروتين «DDX3X» الذي يعمل مساعداً أساسياً في عملية ترجمة التعليمات الوراثية إلى بروتينات فعالة.

إلا أن المهمة ليست سهلة دائماً؛ فبعض جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) تلتف لتكوّن تراكيب معقدة تعيق آلة تصنيع البروتين داخل الخلية وكأنها عُقَد يصعب فكها. ويعمل بروتين «DDX3X» أشبه بـ«مفتاح جزيئي» يفكّ هذه العقد ما يتيح للريبوسومات ribosomes قراءة التعليمات الوراثية وإنتاج البروتينات الضرورية لنمو القلب بصورة سليمة.

وعندما يغيب هذا البروتين، تتعثر عملية الترجمة وتنخفض مستويات عدد من البروتينات الحيوية التي يعتمد عليها القلب في التكوين والعمل.

واكتشف الباحثون أيضاً أن قلوب الإناث تمتلك بصورة طبيعية مستويات أعلى من بروتين «DDX3X» مقارنةً بقلوب الذكور، لأن الجين المسؤول عن إنتاجه يفلت من آلية بيولوجية تُعطّل عادة إحدى نسختي الكروموسوم «إكس» لدى الإناث. ويبدو أن هذه «الجرعة الإضافية» من البروتين تمثل درعاً وراثياً يمنح القلب النامي الحماية التي يحتاج إليها خلال المراحل الحرجة من تكوينه.

> ماذا يحدث عند فقدان هذا الدرع؟ وعندما حذف الباحثون بروتين «DDX3X»، انهار إنتاج عدد من البروتينات الأساسية المسؤولة عن تكوين عضلة القلب وتنظيم الإشارات الكهربائية التي تنسق نبضاته. ونتيجة لذلك تشكلت ألياف عضلة القلب لدى الأجنَّة الأنثوية بصورة غير منتظمة واضطربت نبضات القلب، ثم انتهى الأمر بفشل قلبي أدى إلى وفاة الأجنة قبل الولادة.

أما الأجنّة الذكور فلم تظهر عليها هذه التأثيرات الخطيرة، رغم امتلاكها التغير الجيني ذاته، وهو ما يكشف عن اختلاف بيولوجي جوهري بين الجنسين.

تفسير الأمراض البشرية

تنسجم هذه النتائج مع ما يلاحظه الأطباء في العيادات، إذ تختلف معدلات الإصابة وشدَّة بعض أمراض القلب الخلقية بين الذكور والإناث.

> تفسير حالتين وراثيتين كما قد تساعد الدراسة في تفسير حالتين وراثيتين معروفتين؛ الأولى هي «متلازمة تيرنر» Turner syndrome التي تُولَد فيها الفتيات بكروموسوم «إكس» واحد فقط، ويعاني معظمهن من عيوب خلقية في القلب. أما الثانية فهي متلازمة «DDX3X» الناتجة عن طفرات في هذا الجين التي تصيب الإناث في الغالب، ويظهر لدى بعض المصابات بها تشوهات قلبية.

ويعتقد الباحثون أن نموذج الفئران الذي طوروه يقدم لأول مرة تفسيراً بيولوجياً لهذه الظاهرة.

> رؤية جديدة لاختلاف أمراض القلب بين الجنسين يرى العلماء أن نتائج الدراسة تمثل تحولاً في فهم أسباب اختلاف أمراض القلب بين الذكور والإناث؛ فبدلاً من التركيز على الطفرات الوراثية وحدها تشير النتائج إلى أن الطريقة التي تُترجم بها المعلومات الوراثية إلى بروتينات قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير القلب أثناء نموه.

ويقول البروفسور فرانك كونلون من قسم الأحياء وعلم الوراثة بمعهد ماك أليستر للقلب جامعة كارولينا الشمالية كبير الباحثين في الدراسة إن هذه النتائج تمثل نموذجاً جديداً لفهم الفروق بين الجنسين في أمراض القلب. فالجين المرتبط بالكروموسوم «إكس» لا يغيّر المخطط الوراثي، بل يتحكم في مدى كفاءة قراءة هذا المخطط.

ويعتقد الباحثون أن بروتين «DDX3X» قد يكون واحداً من مجموعة أوسع من البروتينات المنظمة التي تفسر أسباب اختلاف تطور القلب، وربما أعضاء أخرى بين الذكور والإناث. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج لدى البشر فقد تمهّد الطريق لتطوير وسائل أكثر دقة لتشخيص أمراض القلب الخلقية وعلاجها تأخذ في الاعتبار الاختلافات البيولوجية بين الجنسين.

كما تؤكد الدراسة اتجاهاً متنامياً في علم الوراثة، مفاده أن فهم الأمراض لا يعتمد فقط على معرفة الجينات المصابة بل أيضاً على كشف الآليات الجزيئية التي تتحكم في كيفية قراءة هذه الجينات داخل الخلايا، وهي آليات قد تحمل مفتاح علاجات المستقبل.


الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يمنح الذكاء الاصطناعي أبحاث إطالة العمر مساراً مستقبلياً جديداً من خلال توفير أدوات أفضل لتحديد التدخلات المحتملة، وطرق أكثر فاعلية لدراسة تأثيرات تلك التدخلات على البشر، كما كتب د. أليكس جافورونكوف. (*)

تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة

وتُبرز نتائج بحثين صدرت أخيراً عن فريقنا العلمي وشركائنا الأكاديميين، هذا التطور، حيث قدمنا في دورية «سيل» (Cell) ​​أدوات مفتوحة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يساعد الباحثين على تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة . أما في دورية «نيتشر بايوتكنولوجي» (Nature Biotechnology)، فقد بحثنا في كيفية دمج «قياسات الشيخوخة» المستمدة من عينات الدم ضمن التجارب السريرية لعقار طُوِّر باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أنه لا يمكننا الجزم حالياً بأن هذا العقار سيطيل عمر أي شخص، فإن هذه الدراسات تشير إلى مستقبل واعد في مجال تطوير الأدوية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد علاجات محتملة، مع دراسة تأثيرات تلك العلاجات على بيولوجيا الشيخوخة بالتوازي مع تأثيراتها على الأمراض التي صُممت هذه الأدوية لعلاجها.

الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الاكتشاف

إن الذكاء الاصطناعي قادر على توسيع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه، بينما تظل التجارب العلمية الدقيقة والتجارب السريرية هي السبيل لتحديد أي من هذه التطورات يؤدي فعلياً إلى تحسين الصحة. وهكذا، يمكن لأدوات البحث المتاحة اليوم أن تصبح حجر الأساس لأدوية الغد.

أعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في نهاية المطاف في مضاعفة متوسط ​​عمر الإنسان. لكن هذا يظل طموحاً، وليس توقعاً يمكننا إثبات صحته اليوم. أما الفرصة المتاحة حالياً فهي تطوير أدوية أفضل، وبناء البنية التحتية اللازمة لاختبارها.

اكتشاف الأدوية يسير وفق إيقاعين

يعتمد اكتشاف الأدوية على إيقاعين: أحدهما حاسوبي، والآخر بيولوجي.

الإيقاع الحاسوبي. يسير الإيقاع الحاسوبي بسرعة كبيرة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات البيولوجية، وتحديد الأهداف الدوائية المحتملة، وتوليد هياكل كيميائية، ومساعدة العلماء في اتخاذ قرارات بشأن التجارب التي ينبغي إجراؤها، ما يوسع آفاق الاحتمالات التي يمكن للباحثين استكشافها.

أمّا الإيقاع البيولوجي فيسير بوتيرة مختلفة، إذ يتطلب الأمر تصنيع الجزيء واختباره، والتأكد من وصوله إلى الأنسجة المستهدفة، وعمله وفقاً للمتوقع، وخلوه من الآثار الضارة. كما تتطلب الدراسات البشرية استقطاب المشاركين، وتحديد الجرعات المناسبة، وإجراء متابعة كافية لتقييم السلامة والفوائد.

تجربة مع عقار

وتُعد تجربتنا مع عقار «رينتوسيرتيب» (rentosertib) مثالاً يوضح هذا التمييز، فقد طُوِّر هذا العقار لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب idiopathic pulmonary fibrosis، وهو مرض يؤدي إلى تندب الرئتين بشكل تدريجي. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد هدف بيولوجي وتصميم جزيء يستهدفه. وتوصلنا خلال 18 شهراً إلى مادة «ما قبل سريرية» مُرشحة لهذا الهدف. كان ذلك بمنزلة إنجاز مهم في مجال الاكتشاف، وليس دواءً نهائياً. ثم تلت ذلك دراسات مختبرية وتجارب سريرية. وأظهرت دراسة المرحلة الثانية (A) تحسناً مُشجعاً في وظائف الرئة، وقد انتقل البرنامج الآن إلى المرحلة الثالثة من الاختبارات. وتُجيب كل مرحلة عن أسئلة لم تستطع المرحلة السابقة الإجابة عنها.

بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين والمستثمرين يعني هذا قياس التقدم وفقاً للمعايير الصحيحة. فالتنبؤ الأسرع، والتجربة الواعدة، والتجربة السريرية الناجحة، كلها إنجازات مختلفة. إلا أن وضعها جميعاً على جدول زمني واحد قد يؤدي إلى خلق توقعات غير واقعية حول موعد استفادة المرضى.

«تصغير الأعمار»

طبّق التحليل المنشور في Nature Biotechnology المذكور آنفاً ستة نماذج لتقدير العمر البروتيني على عينات دم من مجموعة فرعية من المشاركين في تجربة «رينتوسرتيب». وتُقدّر هذه النماذج العمر البيولوجي من أنماط البروتينات المنتشرة في الدم. وقد رصدت إمكانات إحداث تحولات علاجية بهدف خلق أنماط أصغر سناً. لكن هذه النتيجة تستحق مزيداً من البحث. ولا تعني بالضرورة أن المرضى يمكن أن يصبحوا أصغر سناً بسنوات. وكان التحليل استكشافياً، وشمل 42 شخصاً مصاباً بمرض رئوي خطير، وامتد لفترة مراقبة قصيرة.

يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين التجارب السريرية

هناك مجال واسع لجعل التطوير السريري أكثر كفاءة. فتحسين تصميم البروتوكولات (العلاجية)، وزيادة فاعلية التوظيف، وتسريع مراجعة البيانات من شأنه أن يقلل من التأخيرات التي يمكن تجنبها. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في اختيار القياسات المفيدة وتحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة.

لكن الكفاءة لا تُجيب عن جميع التساؤلات البيولوجية. فقد لا يظهر أثر جانبي نادر إلا بعد أن يتلقى عدد كافٍ من الأشخاص الدواء. لذا فإن النتيجة تتطلب تحقيق فائدة مستدامة.

إنني لا أزال متفائلاً بشأن إمكانية إطالة العمر بشكل جذري. أتوقع أن يتحقق التقدم من خلال أجيال متتالية من الأدوية والتشخيصات والتقنيات الأخرى التي تقي من الأمراض وتعيد الوظائف الحيوية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تطوير هذه التطورات ودمجها.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنسيليكو ميديسن»، مجلة «فاست كومباني».