«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

يوظَّف في المناطق التي تعاني من تردي خدمات الشبكات الإلكترونية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب
TT

«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب

في صباح أحد أيام عام 2019، كان أديبايو ألونغ يستعد لدخول غرفة فندق بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا؛ لعرض حل شركته الناشئة القائم على الذكاء الاصطناعي، لمشكلة خطيرة في الرعاية الصحية الأفريقية: رصد الأدوية المقلََدة، التي تودي بحياة آلاف الأشخاص في جميع أنحاء القارة كل عام.

جهاز "آر اكس سكانر" لرصد الادوية المزيفة

جهاز رصد الأدوية المزيفة بالذكاء الاصطناعي

جهاز «آر إكس سكانر» RxScanner هو مطياف (جهاز للتحليل الطيفي) محمول باليد يفحص حبة الدواء بالأشعة تحت الحمراء، ثم يرسل الملف الجزيئي (تركيبة الجزيئات) للدواء إلى نموذج ذكاء اصطناعي مزود بقاعدة بيانات صيدلانية. وفي غضون ثوانٍ، يحدد الذكاء الاصطناعي الدواء من خلال ملفه الجزيئي، أو يُبلغ بأنه مزيف.

كانت الصيدليات تستخدم النظام في أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك غانا، وكينيا، وميانمار ونيجيريا، موطن ألونغ. لكن في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، لم يعمل النظام. يقول ألونغ: «لقد صُدمت». تم توصيل جهاز قياس الطيف بنموذج الذكاء الاصطناعي، لكن مركز البيانات كان يبعد 14000 كيلومتر، وكانت سرعة الإنترنت محدودة. ونقل موقع «سييكتروم» لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية عن ألونغ قوله: «كان خادمنا (الكومبيوتري) في الولايات المتحدة، وكان الحصول على نتيجة مسح واحد يستغرق مني أكثر من 5 دقائق».

لذا؛ طلب ألونغ على الفور من مهندسيه تصغير نموذج الذكاء الاصطناعي إلى نسخة أقل حجماً، منخفضة الطاقة، وغير متصلة بالإنترنت، بحيث يمكن تشغيلها بالكامل على هاتفه الذي يعمل بنظام أندرويد. وقد أنجزوا ذلك بعد ساعتين؛ ما أنقذ العرض التوضيحي. والأهم من ذلك، أن هذا العمل أثمر عن نسخة جديدة من جهازه، قادرة على التحقق من صحة حبة دواء في أماكن تفتقر إلى الإنترنت عالي السرعة، وأجهزة الكمبيوتر، أو حتى الكهرباء الموثوقة. كما حوّل ألونغ داعماً لهذا النوع من «الذكاء الاصطناعي المصغر».

الذكاء الاصطناعي المصغر للرعاية الصحية عالمياًيختلف الذكاء الاصطناعي المصغر اختلافاً كبيراً عن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) ومراكز البيانات فائقة التوسع والاستثمارات التي تبلغ مليارات الدولارات، وهو بعيد عن النقاشات الدائرة 3حول وعي الذكاء الاصطناعي في الدول الغنية. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، فإن الذكاء الاصطناعي الوحيد المهم، وغالباً ما يكون النوع الوحيد المتاح، هو «الذكاء الاصطناعي المصغر».

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، فلم يستخدم برنامج «تشات جي بي تي» سوى 0.7 في المائة من مستخدمي الإنترنت في أفقر دول العالم، مقارنةً بربع مستخدمي الإنترنت في الدول الأكثر تقدماً.

قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي: «يناقش معظم الناس الذكاء الاصطناعي من منظور التعلم الآلي/التوليدي. لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة، وكهرباء، وبيانات ضخمة، وكوادر مؤهلة لإدارته. وخارج العالم المتقدم، باستثناء ربما الهند والصين، لا تمتلك سوى قلة قليلة من الدول هذه المكونات».

في المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة أن تقدم خدمات مفيدة، بل ومنقذة للحياة، لسكان المناطق التي تفتقر إلى كل هذه الموارد، كما أوضح بانغا.

رصد الآفات الزراعية واعتلال القلب

وفي الهند، حيث تدعو خطط الحكومة للذكاء الاصطناعي إلى تطوير المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة، تعمل الكثير من هذه الأنظمة لصالح المزارعين.

على سبيل المثال، يقوم نظام يعتمد على الطائرات المسيّرة، طوّره بالا موروجان وزملاؤه في معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، بالتقاط صور لنباتات الكاجو وتحديد تلك التي تظهر عليها بقع تدل على المرض بسرعة. وتُجرى جميع عمليات المعالجة على الطائرة المسيّرة نفسها، لذا لا حاجة إلى حاسوب في الموقع، ولا إلى اتصال بخادم مركزي.

باستخدام نماذج لغوية صغيرة مُدرَّبة على حلّ مشكلة مُحدَّدة، وأحياناً تعمل على أجهزة رخيصة ومنخفضة الطاقة، طُوِّرت تطبيقات أخرى للذكاء الاصطناعي الصغير لتحديد انتشار النمل في مزارع العنب في أوروغواي، والكشف عن وجود البعوض الناقل للملاريا في عدد من الدول، وإجراء تخطيط كهربائية القلب من جهاز أردوينو في مناطق من البرازيل تفتقر إلى المعدات الأكثر تعقيداً.

يقول مارسيلو خوسيه روفاي، الأستاذ في معهد الهندسة ونظم المعلومات بالجامعة الفيدرالية في إيتاجوبا بالبرازيل، والذي شارك في المشاريع الثلاثة: «هذا هو أهم مجال في الذكاء الاصطناعي اليوم. إنه ينمو بسرعة كبيرة».

نماذج صغيرة منخفضة الطاقة

بالنسبة لألونغ وروفاي وغيرهما من المؤيدين لهذه التوجهات، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي الصغير مجرد «اتجاه واعد»، كما وصفه تقرير البنك الدولي، بل قد يكون، على المدى البعيد، الشكل الأمثل للذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر في حياة أكبر عدد من الناس ويظل مستداماً بعد أن أصبحت بعض النماذج الضخمة باهظة الثمن بالنسبة لمعظم المستخدمين.

يقول ألونغ: «أعتقد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في نموذج ضخم واحد في مركز النظام، بل في ملايين النماذج الصغيرة والدقيقة المنتشرة على نطاق واسع، حيث يحلّ كل نموذج منها مشكلة محددة في سياق معين». ويعود ذلك جزئياً إلى أن شريحة كبيرة من البشرية - بما في ذلك سكان بعض الدول الغنية والنامية - لا تستطيع الوصول إلى أحدث النماذج المتطورة. ولكنه يضيف أن السبب أيضاً هو أن هذه النماذج غير مستدامة.

لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح «الذكاء الاصطناعي المصغر»، لكن يُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف نماذج اللغة التي لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات. (قارن ذلك بالنماذج المتطورة التي قد تحتوي على أكثر من تريليون معامل). هذا الحجم الصغير كافٍ لتشغيلها مباشرةً على الهاتف أو جهاز كمبيوتر «راسبري باي» Raspberry Pi. وهذا ما يسمح لهذه التطبيقات بالعمل على الأجهزة دون الحاجة إلى اتصال بمركز بيانات، وباستهلاك بضعة وحدات واط فقط من الطاقة، التي غالباً ما تُستمد من بطارية أو لوحة شمسية.

يقول روفاي إنه على الرغم من صغر حجمها، فإن هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة. فقد تم إنشاء الكثير من نماذج اللغة المصغرة عن طريق «تقليم» النماذج الكبيرة، أو إزالة المعاملات غير الضرورية للمهمة. والنتيجة هي نظام أقل كفاءة بشكل عام، ولكنه لا يزال ممتازاً في المهمة المحددة التي تم تقليمه من أجلها، كما يقول روفاي.

أما النماذج المصغرة الأخرى، فتُنشأ عن طريق «التقطير». يقول روفاي إن هذه الأنظمة تُدرَّب على محاكاة نموذج كبير، حتى يقترب أداؤها من أداء «المعلم». وفي حالات أخرى، تُخفَّض دقة النموذج الأكبر، على سبيل المثال، بحيث يمكن تشغيل نموذج يعمل على بنية 32 بت على تصميمات 8 بت. أما في الحالات التي يُستخدم فيها تطبيق التعلّم الآلي لتصنيف البيانات أو التنبؤ بالأنماط (مثل غزو النمل)، فيُدرَّب منذ البداية على جهاز صغير، وليس مُستمداً من نموذج أكبر على الإطلاق.

تشغيل على الهاتف

ويضيف روفاي، أن تشغيل كل هذه الأنظمة الصغيرة والمتخصصة أصبح أسهل لسببين: أولهما، كما يقول، هو أن الأجهزة تتحسن وتصبح أكثر كفاءة مع استهلاك طاقة أقل. وهذا يعني أن المزيد من الهواتف يمكنها تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي صغيرة، لا سيما تلك المُجهزة بوحدات معالجة عصبية، وهي رقائق متخصصة تتولى مهام الذكاء الاصطناعي مثل التعرّف على الوجوه وتغيير السطوع والظلال والتباين في الصور.

في عام 2025، كان ما يزيد قليلاً على ثلث الهواتف الذكية المُشحونة عالمياً قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45 في المائة بنهاية هذا العام، وفقاً لشركة الأبحاث التقنية Counterpoint. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتمكن ما يزيد قليلاً على نصف الهواتف الذكية من تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي صغير.

السبب الآخر الذي ذكره روفاي هو تقلص حجم نماذج اللغة. يقول روفاي إن كلاً من Gemma 4 من Google DeepMind (الذي صدر في أبريل/نيسان) وQwen 3.5 من Alibaba «رائعان» للذكاء الاصطناعي الصغير. وكلا النموذجين «مفتوح»؛ ما يعني أن المستخدمين يمكنهم تعديل العلاقات بين المعلمات لتناسب احتياجاتهم. وهذا يُسهّل، على سبيل المثال، «أخذ كمية كبيرة من البيانات، مثلاً من قطاع الألبان، وإعادة تدريب النموذج خصيصاً عليها»، كما يقول روفاي.

وأوضح روفاي هذه الأسباب مستخدماً إحدى أحدث تجاربه. يرفع الجهاز ويقول: «هذا هو أردوينو أونو كيو الجديد، وهو جهاز سعره 50 دولاراً أميركياً مزود بشريحة كوالكوم. أقوم بتشغيل نموذج لغوي هنا، يجمع البيانات من أجهزة الاستشعار ويحللها لاكتشاف برك المياه الصغيرة التي قد تتكاثر فيها البعوض. يستهلك 3 واط فقط لتشغيله».

ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن نماذج اللغة الكبيرة ستختفي تماماً. يقول روفاي إن إنشاء ذكاء اصطناعي توليدي يعمل على الهاتف أو أي جهاز صغير آخر يتطلب رؤى معمارية ومعالجة بيانات ونتائج نموذج أكبر. ويضيف: «نحن في حاجة إلى النماذج الكبيرة لإنشاء هذه النماذج الأصغر».

وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المصغر يُمكن أن يُفيد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الكبير، فإن هذه التقنية لا تستطيع حل المشكلات الأكبر المتمثلة في التنمية وعدم المساواة الرقمية، كما يقول ألونغ. إن تطبيق الذكاء الاصطناعي المصغر لن يُعفي الدول من تحدي إنشاء بيئة داعمة للذكاء الاصطناعي، تشمل: طاقة موثوقة، وسلسلة إمداد فعّالة، ونظام تعليمي يُنمّي المواهب اللازمة لإنشاء أدوات الذكاء الاصطناعي.



5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري
TT

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

يتشارك مارك سولمز (*) مع قرائه بخمس رؤى أساسية في كتابه الجديد «العلاج الوحيد: فرويد وعلم الأعصاب للشفاء النفسي» The Only Cure: Freud and the Neuroscience of Mental Healing. وسولمز عالم أعصاب اتخذ خطوة غير مألوفة بحصوله على اختصاص محلل نفسي. وعلى مدى أربعين عاماً، استخدم أدوات علم الأعصاب الحديث لاختبار وتطوير نظرية التحليل النفسي. وبصفته شخصية رائدة في التحليل النفسي العصبي، كشفت أبحاثه عن آليات دماغية رئيسية مسؤولة عن الأحلام، مما أعاد تشكيل فهمنا للعقل أثناء النوم. وهو أيضاً المدير العلمي للجمعية الأميركية للتحليل النفسي.

غلاف كتاب مارك سولمز

الفكرة الرئيسية

لا ينبغي تجاهل فرويد باعتباره مفكراً عفا عليه الزمن أو فاقداً للمصداقية، فقد استبقت العديد من رؤاه الأساسية علم الأعصاب الحديث. لذا فإن المهمة الآن تحديث التحليل النفسي وتصحيحه باستخدام الأدلة العلمية المعاصرة.

1. فرويد كان عالم أعصاب، إذ أمضى 23 عاماً في إجراء أبحاث في علم الأعصاب وعلم الأعصاب السريري. وخلال تلك الفترة، نشر أكثر من 200 مؤلف، أربعة منها كتب. وساهم في اكتشاف الخلايا العصبية، وهي الوحدة الأساسية للجهاز العصبي في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما اكتُشف المشبك العصبي - وهو نقطة التقاء الخلايا العصبية - كان فرويد أول من فسّره على أنه موقع تكوّن الذكريات.

في عام 1895، صاغ فرويد فكرة أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً تتصل ببعضها. يُعرف هذا الآن بقانون هيب Hebb’s law، على الرغم من أن هيب صاغ هذا القانون بعد عقود. واكتشف فرويد منشأ أحد الأعصاب القحفية، الذي كان يُسمى آنذاك العصب السمعي، في جذع الدماغ. ويُعرف الآن بالعصب الدهليزي القوقعي.

وكان فرويد من أبرز خبراء أوروبا في اضطراب حركي يُعرف بالشلل الدماغي (أو المخّي) cerebral palsy. في عام 1891، نشر فرويد كتاباً رائداً حول آليات اللغة في الدماغ، مُبيناً أن اللغة نتاج نظام وظيفي مُوزع على مناطق دماغية مُتعددة. وقد مهّد هذا الطريق لظهور التحليل النفسي، لأن وظيفة اللغة هي وظيفة نفسية.

من الاكتشافات إلى المسلّمات

2. أصبح العديد من اكتشافات فرويد المثيرة للجدل اليوم من المسلّمات العلمية. كانت «الوظيفية Functionalism » ابتكاراً علمياً جديداً عندما طرحها فرويد لأول مرة: فكرة أننا ندرس أنظمة وظيفية، وهي كيانات افتراضية. يُنسب إدخال الوظيفية إلى علم الأعصاب الإدراكي عموماً إلى بوتنام في خمسينيات القرن العشرين، أي بعد عقود من طرح فرويد لهذا المفهوم.

كما طرح فرويد فكرة أنظمة الذاكرة المتعددة في عام 1896. تقوم هذه الفكرة على أن نظام الذاكرة لدينا ليس نظاماً واحداً، بل مُقسّم إلى أنظمة مُتعددة ومُختلفة، يعمل كل منها بطريقة مُختلفة. تُنسب هذه الفكرة إلى باحثين آخرين، أيضاً بعد عقود من طرحها من قِبل فرويد. قال فرويد إنه لا بد من وجود ثلاثة أنظمة ذاكرة على الأقل، عرّفها بأنها الوعي، وما قبل الوعي، واللاوعي. هكذا نقسم أنظمة الذاكرة المتعددة اليوم، إذ يقسمها نموذج علم الأعصاب الإدراكي السائد إلى ذاكرة قصيرة المدى (واعية)، وذاكرة طويلة المدى بيانية declarative (ما قبل الوعي)، وذاكرة طويلة المدى غير بيانية (لا واعية).

«اللاوعي».. ابتكار فرويد

وبالحديث عن اللاوعي، فقد كانت هذه إحدى ابتكارات فرويد: فكرة أن الوظائف العقلية يمكن أن تكون لا واعية. عندما طرح فرويد هذه الفكرة، اعتُبرت متناقضة. في ذلك الوقت، كان العقل والوعي مترادفين. أما الآن، فقد أصبحت فكرة أن أجزاءً كبيرة من حياتنا العقلية تحدث لا شعورياً فكرة سائدة.

ما يُسمى اليوم بالمعالجة التنبؤية predictive processing (التي ينفذها الدماغ) - وهو إطار عمل مؤثر للغاية طوره كارل فريستون - كان، في الواقع، متوقعاً قبل عقود. والمعالجة التنبؤية هي نفسها معالجة التمنّي wishful processing. إنها فكرة أنه بمجرد أن تجرّب شعوراً بالرضا، فإنك (أي دماغك) تحاول تكراره بناءً على كيفية تحقيق هذا الرضا في الماضي. وعلى العكس، فعندما تمر بتجربة مؤلمة، فإنك تحاول تجنبها بعدم تكرار الظروف التي أدت إليها. هذه فكرة فرويدية بامتياز، ويقر فريستون بهذا الفضل.

وينطبق الأمر نفسه على «الإدراك المجسَّد» embodied cognition، الذي كان يُطرح غالباً كتطور معاصر. (الإدراك المجسَّد، أو المكتسب بشكل محسوس، نظرية تقول إن العديد من سمات الإدراك تتشكل من جوانب الجسم بأكمله -الويكيبيديا). وكان فرويد أول من أكد على أن الإدراك مجسد، أي أن الإنسان نوع من أنواع الحيوانات، وأن العقل يعمل لصالح الكائن الحي ككل، ويتعلم كيفية تلبية احتياجاته في العالم.

* التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية

كما كان فرويد رائداً في فكرة الفترات الحرجة في النمو العقلي. لنأخذ على سبيل المثال فقدان الذاكرة الطفولي. لا نستطيع تذكر أول سنتين من حياتنا لأن أنظمة الذاكرة القشرية التي أطلق عليها فرويد اسم ما قبل الوعي (والتي نسميها الآن الذاكرة البيانية طويلة الأمد) لم تكن قد نضجت تماماً بعد.

وبالمثل، فإن فكرة أن التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية اللاحقة كانت فكرة فرويدية. واليوم، من المسلّم به على نطاق واسع أن تجارب الطفولة المؤلمة يمكن أن تزيد من قابلية الإصابة بأمراض مثل الاكتئاب. ومع ذلك، غالباً ما ننسى أن هذه كانت في يوم من الأيام فكرة فرويدية جديدة.

تناول فرويد أيضاً دراسة الدماغ من منظور ذاتي، متسائلاً عن ماهية هذا الدماغ. واليوم، ترتبط الحاجة إلى مراعاة التجربة الذاتية بما أسماه ديفيد تشالمرز بـ«مشكلة الوعي المعقدة»، وهي مشكلة تُعتبر عموماً في طليعة علم الأعصاب المعاصر.

المحادثة علاج نفسي فعّال

3. «العلاج بالكلام» علاج طبي فعّال للغاية. إننا نقيس فعالية العلاج في الطب والطب النفسي بما يُسمى حجم التأثير. يُعتبر حجم التأثير 0.2 فعالاً بشكل طفيف، و0.4 فعالاً بشكل متوسط، و0.8 فعالاً للغاية. أما حجم تأثير الأدوية النفسية فيبلغ في المتوسط نحو 0.4.

يتراوح حجم تأثير العلاج بالكلام بين 0.7 و0.8، مما يضعه ضمن نطاق الفعالية العالية. وينطبق الأمر نفسه على العلاج النفسي التحليلي قصير الأمد. وقد أثبتت الدراسات العشوائية المضبوطة أن له حجم تأثير يبلغ نحو 0.8.

وفي معظم العلاجات النفسية، تخف الأعراض بشكل ملحوظ بنهاية العلاج، لكنها تميل إلى العودة تدريجياً عند المتابعة بعد أشهر أو سنوات. أما العلاج النفسي التحليلي فيبدو أنه يتبع نمطاً مختلفاً، إذ لا يقتصر التحسن على استمراره بعد انتهاء العلاج، بل قد يستمر في الازدياد.

* فعالية العلاج النفسي التحليلي تُضاهي فعالية التدخلات الطبية لعلاج السكري أو لقاح سرطان عنق الرحم

وقد أشارت التقارير إلى أن العلاج النفسي التحليلي طويل الأمد يُحقق تأثيرات أكبر بكثير، تصل إلى 0.9 وما فوق، مع تأثيرات متابعة تتجاوز 1.0، وهو أمر استثنائي. وتُضاهي فعالية العلاج النفسي التحليلي فعالية التدخلات الطبية المُعتمدة، مثل أدوية خفض سكر الدم لمرضى السكري أو لقاح فيروس الورم الحليمي البشري للوقاية من سرطان عنق الرحم.

العلاج بالتحليل النفسي

الأعراض العاطفية تنشأ عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ

4. علاج السبب الجذري. تُخفف الأدوية النفسية الأعراض بينما يُعالج العلاج بالكلام السبب الجذري. ومن أكثر المغالطات شيوعاً بين الناس الاعتقاد بأن الأعراض النفسية ناتجة عن اختلالات كيميائية في الدماغ. في هذا الكتاب، أستعرض الأدلة التي تُفنّد هذه النظرية، بما في ذلك بحثٌ لخصته أخيراً الطبيبة النفسية البارزة جوانا مونكريف في كتابها «الطب النفسي الجزيئي».

وتشير الأدلة إلى أن نظرية الخلل الكيميائي، على الأقل بصيغتها الشائعة، لا أساس لها من الصحة.

للأدوية النفسية أهمية بالغة، فهي تُخفف الأعراض. ​لكن تخفيف الأعراض لا يعني بالضرورة علاج الحالة المرضية الأساسية. إذ وعند التوقف عن العلاج، قد تعود الأعراض، كما أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية خطيرة وأعراض انسحابية. لم يكن الهدف من العديد منها في الأصل تناولها لسنوات أو حتى عقود، ومع ذلك أصبح استخدامها طويل الأمد شائعاً بشكل متزايد.

قدّم فرويد تفسيراً مختلفاً جذرياً. فحسب رأيه، تنشأ الأعراض العاطفية عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ. لذا يهدف العلاج التحليلي النفسي، والعلاجات الكلامية عموماً، إلى مساعدة المرضى على إيجاد طرق أفضل للتعرف على هذه الاحتياجات وتلبيتها. وإذا كانت الاحتياجات العاطفية غير المُلبّاة هي سبب الأعراض، فإن معالجة هذه الاحتياجات تعني معالجة الأسباب بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض.

أخطأ فرويد في تحليل الارتباط العاطفي

5. أخطأ فرويد في بعض الأمور. كان الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه فرويد هو نظريته عن الجنسانية sexuality، فقد أشار إلى أن الدافع وراء السلوك الجنسي ليس النجاح الإنجابي، بل السعي وراء المتعة. واستشهد بالاستمناء كدليل على ذلك، لأنه فعل جنسي واضح لا يُفضي إلى إنجاب أطفال. ومثال آخر استخدمه هو الجماع المثلي، الذي لا يُفضي أيضاً إلى نتائج إنجابية. كان فرويد مقتنعاً بأن الناس يمارسون الأفعال الجنسية في نهاية المطاف لأنهم يستمتعون بها. (الجنسانية - هي الطريقة التي يجرب فيها الناس ويعبرون عن أنفسهم جنسياً- الويكيبيديا),

ثم ذهب فرويد إلى أبعد من ذلك: إذا كان الهدف هو السعي وراء المتعة فحسب، فإن الجنسانية ليست وظيفة إنجابية بل وظيفة سعي وراء المتعة. ومن هنا، استنتج أن أي شيء يُفعل من أجل المتعة فقط هو سلوك جنسي، وهو ما يُعد إعادة تعريف كاملة لكلمة «جنسي sexual». هذا ما دفع فرويد إلى القول: «انظر إلى طفل رضيع يرضع. في البداية، يرضع لتلبية احتياجاته الغذائية، ولكن بمجرد أن يشبع، يستمر في الرضاعة. لماذا؟ من أجل المتعة. لذلك، فهو سلوك جنسي». هذا هو أصل فكرته عن الجنس الفموي، الذي يقول إنه جزء من الوظيفة الجنسية الشاملة.

الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس

في أيامنا هذه، نقول إن الطفل يستمر في الرضاعة بعد تلبية احتياجاته الغذائية لأن استمرار الرضاعة يلبي حاجته للارتباط. الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس. إن وجود من يقدم الرعاية للطفل ممتع، إنه يلبي حاجة خاصة به.

وقد اتضح أن هناك العديد من الاحتياجات النفسية المشابهة. وتتعدد أشكال المتعة في الدماغ وتتنوع العمليات الكيميائية التي تتوسط حدوثها؛ وتُعد الكيمياء المرتبطة بالجنس نوعاً واحداً منها فقط. لذا، لا منطق في اعتبار كافة أشكال المتعة مجرد أجزاء من وظيفة شاملة واحدة.

يرتكب العلماء أخطاءً -ولا سيما الرواد منهم أمثال فرويد- لكننا لا نلغي إرثهم؛ فنحن لا نتجاهل نيوتن لمجرد أنه لم يكن على دراية بفيزياء الكمّ، ولا ننبذ داروين لأنه لم يصب في كل استنتاجاته. وبدلاً من شطب فرويد، ينبغي لنا مواصلة المسيرة التي بدأها. فالأمر لا يقتصر على إثبات صحة أفكاره أو خطئها، بل يتعلق بإتمام المهمة التي بدأها.

* مجلة «فاست كومباني».


ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا
TT

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

كشف استطلاع أميركي جديد أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين من مستخدمي الإنترنت، يجرون تفاعلات اجتماعية وعاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثلثهم يعتبر روبوت الذكاء الاصطناعي الخاص بهم بمثابة صديق.

حلول عصر «روبوتات الرفقة»

ووجد الاستطلاع الذي أجراه مركز «تصورات المستقبل الرقمي Imagining the Digital Future Center » بجامعة إيلون Elon University ونشرت نتائجه أمس الأربعاء، أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت يقيمون علاقات تفاعلية عاطفية أو اجتماعية مهمة مع نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«جيمناي» و«كلود» و«كوبايلت».

مستخدمو رفقاء الذكاء الاصطناعي

يستخدم هؤلاء الأشخاص نماذج اللغة الكبيرة بطرق تؤسس وتبني روابط التواصل والثقة والاعتماد المتبادل، إذ طوّر البعض نوعاً من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ويفضلون التفاعل معها على التعامل مع البشر، فهم يبوحون لها بأسرارهم، ويطلبون المشورة بشأن قضايا حياتية مهمة، ويجرون محاكاة لأدوار وسيناريوهات قد يواجهونها في علاقات عاطفية أو مواقف أخرى، كما أنهم سيشعرون بالاستياء إذا فقدوا إمكانية الوصول إلى هذه الروبوتات.

ويُطلق على الأشخاص الذين يستخدمون نماذج اللغة الكبيرة لأغراض اجتماعية وعاطفية وشخصية اسم «مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي AI companion users». وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية قوامها 1000 شخص منهم لاستكشاف كيفية استخدامهم لهذه الروبوتات الاجتماعية، وطبيعة علاقاتهم بها، وتأثير تفاعلاتهم مع هذه الأنظمة.

نتائج الاستطلاع الرئيسية

يؤدي رفقاء الذكاء الاصطناعي أهدافاً مهمة وحساسة وهي أدوات تلعب أدواراً رئيسية في حياة المستخدمين. وفيما يلي بعض النتائج الرئيسية:

* الصداقة. صرح 31 في المائة ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض اجتماعية وعاطفية بأنهم يعتبرون روبوت المحادثة chatbot الخاص بهم صديقاً، بينما قال 15 في المائة آخرون إن علاقتهم بالروبوت «أكثر تعقيداً» من مجرد تصنيفه كصديق أو غير ذلك. وقال 11 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثة مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي بدلاً من الأصدقاء أو العائلة، بينما قال 27 في المائة آخرون إنهم يقدّرون محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي بقدر تقديرهم لمحادثاتهم مع الأصدقاء أو العائلة. لكن وبشكل عام، قال 59 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثات مع الأصدقاء أو العائلة.

* توفير الدعم. وافق 59 في المائة من مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يوفر لي الذكاء الاصطناعي الدعم الذي أحتاجه».

الارتياح والتفهم

* مشورة حول التعامل. وافق 53 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي عندما أحتاج إلى مشورة حول كيفية التعامل مع المواقف الصعبة مع الآخرين».

* الارتياح. وافق 51 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يساعدني التحدث مع الذكاء الاصطناعي على الشعور بتحسن عندما أكون تحت ضغط أو منزعجاً».

* مناقشة المشكلات. وافق 50 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة التالية: «أستخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة مشكلاتي الشخصية أو مشاعري».

* التفهم. وافق 43 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني كشخص». كما وافق 39 في المائة على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني أفضل من معظم الناس».

العلاقات العاطفية والجنسية

* العلاقات العاطفية والجنسية. ذكر 38 في المائة أن النصائح والمحادثات التي أجروها مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي كانت مفيدة للغاية أو مفيدة إلى حد ما عند الحديث عن مشكلات في علاقاتهم العاطفية أو الجنسية. ووصف 12 في المائة آخرون محادثاتهم بأنها مفيدة نوعاً ما. وبالإضافة إلى ذلك، قال 9 في المائة إنهم سبق واستخدموا الذكاء الاصطناعي في محادثات جنسية أو لعب أدوار (تقمص شخصيات).

* الأسرار. قال 39 في المائة إنهم يخبرون الذكاء الاصطناعي أحياناً بأمور لا يخبرون بها أشخاصاً آخرين. وذكر 29 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم الشخصية، بينما ذكر 26 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم المهنية.

* الفقدان. وافق 37 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «سأشعر بخسارة شخصية إذا لم يعد بإمكاني التفاعل مع الذكاء الاصطناعي».

* الاهتمام بالسلامة. وافق 36 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يهتم بسلامتي ورفاهيتي».

• مدى الألفة. في حال تعذر عليهم التحدث مع الذكاء الاصطناعي حول أمور شخصية، قال 24 في المائة إنهم سيفتقدونه كثيراً، وقال 40 في المائة إنهم سيفتقدونه قليلاً، بينما قال 36 في المائة إنهم لن يفتقدوه على الإطلاق.

* الملل والوحدة: ذكر 39 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتمضية الوقت أو إجراء محادثة عند الشعور بالملل، أو أثناء القيام بأنشطة أخرى مثل القيادة أو إعداد الطعام. و أبدى 38 في المائة من المستخدمين موافقة تامة أو جزئية على العبارة التالية: «أحياناً أدردش مع الذكاء الاصطناعي لمجرد التخفيف من شعوري بالوحدة».

ونقل الموقع الإلكتروني لجامعة إيلون، عن لي ريني، مدير مركز تصورات المستقبل الرقمي: «لطالما تساءل المشرفون والمعلقون الثقافيون عما سيحدث بمجرد أن تصبح الأنظمة الاصطناعية متصلة بالبشر وقادرة على مرافقتهم. وتوفر نتائج دراستنا الجديدة الدفعة الأولى من الرؤى حول هذه العلاقات الناشئة، في ظل تزايد اعتماد الناس على نماذج اللغة الكبيرة، وتحول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى جزء من المشهد العام، وأضاف: «إنها مؤشرات على مستقبل من المرجح أن يقيم فيه عدد أكبر بكثير من الناس مثل هذه الأنواع من العلاقات».

تقرير جامعة إيلون الجديد

طلب المشورة

ويستكشف بعض مستخدمي «الرفيق الرقمي» قضايا حياتية جوهرية مع روبوتاتهم. وعند سؤالهم عن بعض الجوانب المؤثرة في تفاعلهم مع رفيقهم المعتمد على الذكاء الاصطناعي، كانت النتائج كالتالي:

* القضايا الصحية والعائلية. ذكر 67 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للحصول على مشورة بشأن الصحة أو اللياقة البدنية أو خيارات نمط الحياة. كما قال 31 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع قضايا عائلية هامة، مثل قرار إنجاب الأطفال أو مكان السكن.

* القضايا المالية والقانونية. قال 41 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع مسائل مالية كبرى، مثل الاستثمارات أو عمليات الشراء الضخمة. وقال 30 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع المسائل القانونية في حياتهم.

* المسار المهني. قال 39 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التفكير في مسارهم المهني أو التعليمي.

* المعتقدات. ذكر 26 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف معتقداتهم الروحية أو الدينية أو الفلسفية.

منهجية الاستطلاع

وقالت جامعة إيلون، وهي جامعة خصوصية مقرها في مدينة إيلون بولاية كارولينا الشمالية، في بيانها إن شركة «يوغوف YouGov»، الدولية المتخصصة في التسويق واستطلاعات الرأي تولَّت تنفيذ الاستطلاع عبر الإنترنت. وفي الفترة ما بين 18 و22 مايو (أيار) 2026، أجرت «يوغوف» مقابلات مع 4268 شخصاً بالغاً من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة (ممن تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق)، بهدف تحديد واستطلاع آراء مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يوظفون هذه التقنية لأغراض عاطفية أو اجتماعية.

بعد ذلك، تمت مواءمة العينة الإجمالية للبالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت لتصل إلى 4031 مشاركاً، مما أثمر عن عينة فرعية مستهدفة قوامها 1000 مستخدم للذكاء الاصطناعي ممن يستخدمونه لأغراض عاطفية أو اجتماعية. وقد تمت مطابقة المشاركين مع إطار العينة بناءً على معايير الجنس والعمر والعرق والمستوى التعليمي.

https://www.elon.edu/u/news/2026/09/02/imagining-the-digital-future-center-reports-on-the-rise-of-ai-companions/


«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
TT

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

تخيّل أن تدخل مستشفى المستقبل، فلا يكون أول ذكاء اصطناعي تقابله برنامجاً على شاشة، ولا خوارزمية تقرأ صورة أشعة، بل كرسياً متحركاً ذكياً يأتي إلى المريض، يساعده على الانتقال، ويتحرك به داخل المستشفى من دون أن يحتاج إلى من يدفعه طوال الطريق.

من العالم الرقمي إلى العالم المادي

قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يشير إلى تحول بدأ يأخذ شكلاً مادياً أمام زوار «ليب 2026» في الرياض: انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى آلات تستطيع أن ترى وتستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان والبيئة المحيطة بها.

لسنوات، دخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب من خلال الشاشة. قرأ صور الأشعة، وحلل البيانات، وتنبأ بالمخاطر، وأجاب عن الأسئلة. لكن الجيل المقبل قد يدخل المستشفى بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس بوصفه «عقلاً رقمياً» يقدم توصية للطبيب فحسب، بل ذكاءً يمتلك جسداً ويتحرك في المكان نفسه الذي يتحرك فيه المريض.

وهنا يظهر مفهوم يتقدم سريعاً إلى واجهة النقاش التقني: «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي أنظمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمستشعرات والرؤية الحاسوبية والروبوتات والحركة، بحيث لا تكتفي بفهم العالم، وإنما تستطيع أن تتصرف داخله.

ومن بين آلاف التقنيات التي اجتمعت في «ليب 2026» بملهم (شمال الرياض)، قد يكون الكرسي الروبوتي الذكي مثالاً صغيراً على سؤال طبي أكبر بكثير: ماذا سيحدث عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة... ويبدأ العمل إلى جانب الطبيب والممرض والمريض داخل المستشفى؟

ومع وصول «ليب 2026» اليوم إلى محطته الختامية في ملهم، بعد أربعة أيام من العروض والجلسات التي استعرضت أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام طبياً هو ذلك الذي ينقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى العالم المادي؛ من خوارزمية تقدم المعلومة إلى آلة تستطيع أن تستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان.

كرسي متحرك... أم روبوت؟

من بين التقنيات الطبية اللافتة في «Tech Arena» ضمن «ليب 2026»، يبرز نظام «بوليميديكس» POLYMEDX الذي طورته شركة «كومبال إلكترونيكس» (Compal Electronics)، ويقدمه البرنامج الرسمي للمؤتمر بوصفه كرسي رعاية صحية روبوتية ذكية مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأنه تطور آخر للكرسي الكهربائي المتحرك. لكن الفرق بين الكرسي الذي ينفذ أمر الإنسان وبين الآلة التي تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي يمثل واحداً من أهم التحولات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم.

إن الكرسي الكهربائي التقليدي ينتظر من المستخدم أن يحدد الاتجاه والسرعة. أما عندما تدخل المستشعرات والرؤية الحاسوبية والخوارزميات والقدرة على الحركة في منظومة واحدة، فإننا نقترب من نوع مختلف من الآلات: آلة لا تتعامل مع البيانات فقط، بل مع المكان والأجسام والبشر من حولها.

عمل الكرسي الروبوتي الذكي... من استشعار البيئة إلى الحركة تحت الإشراف البشري

استشعار العالم المادي وإدراكه

وهنا يظهر مفهوم «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من أنظمة تفهم الكلمات والصور والبيانات إلى أنظمة تستطيع أن تستشعر العالم المادي، وتفسره، ثم تتصرف داخله.

والفرق قد يبدو لغوياً، لكنه في الطب جوهري.فالخوارزمية التي تخطئ في تحليل معلومة يمكن للطبيب أن يراجعها على الشاشة. أما عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن حركة آلة تحمل مريضاً داخل مستشفى، فإن القرار الرقمي يتحول إلى فعل مادي، وتتحول معه أسئلة الدقة والسلامة والمسؤولية إلى مستوى جديد تماماً.

المستشفى الذكي... روبوتات وأنظمة ذكاء اصطناعي مادي تعمل تحت الإشراف البشري

عندما يصبح المستشفى «بيئة ذكية»

ولا تتوقف فكرة «بوليميديكس» عند كرسي روبوتي واحد؛ فالرؤية الأوسع هي بناء منظومة للمستشفى الذكي، تتكامل فيها الروبوتات مع تنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي، و«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، والذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI).

وتعمل «كومبال» على نقل هذه الفكرة إلى بيئات سريرية فعلية في تايوان، من نقل الأدوية في أقسام الطوارئ إلى الخدمات اللوجيستية وحركة المواد والأجهزة بين أقسام المستشفى.

وهنا يصبح الكرسي الذكي مجرد قطعة واحدة داخل شبكة أكبر من الآلات والبيانات والقرارات. تخيّل مريضاً يحتاج إلى الانتقال من جناح التنويم إلى قسم الأشعة: يتحرك الكرسي عبر الممرات، وفي الوقت نفسه ينقل روبوت آخر الدواء من الصيدلية، بينما تنسق منصة رقمية حركة المرضى والأدوية والأجهزة والموارد في الوقت الفعلي.

إنه فارق جوهري بين «مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«مستشفى تتحرك داخله أنظمة ذكية».

من «ليب» إلى المريض... هل الفكرة قابلة للتطبيق؟

والأهم أن الكراسي المتحركة ذاتية القيادة لم تعد مجرد تصور لمستشفى المستقبل. ففي دراسة حديثة نُشرت في يوليو (تموز) 2026، اختبر باحثون من «مايو كلينك» في روتشستر بولاية مينيسوتا الأميركية استخدام كرسي متحرك ذاتي القيادة لنقل المرضى داخل بيئة سريرية كبيرة. وشملت التجربة 409 مرضى بالغين استخدموا الكرسي خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى يناير (كانون الثاني) 2026.

وكانت النتائج لافتة: لم تسجل التجربة أي اصطدام أو حادث ضار، وقال 86.3 في المائة من المشاركين إنهم سيستخدمون الكرسي مرة أخرى، بينما قال 91.7 في المائة إنهم سيوصون الآخرين باستخدامه.

لكن ربما تكون النقطة العلمية الأهم هي ما لم يقله الباحثون. فالدراسة لم تعلن أن الكراسي ذاتية القيادة أصبحت جاهزة لتحل محل وسائل نقل المرضى التقليدية، وإنما خلصت بحذر إلى أن النتائج تدعم قابلية استخدام التقنية وقبول المرضى لها داخل بيئة سريرية مضبوطة، مع الحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتقييم.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسافة بين روبوت ينجح في معرض تقني وروبوت يمكن الوثوق به يومياً إلى جانب المرضى هي المسافة بين الابتكار الطبي والسلامة الطبية.

من «المعرفة» إلى «الفعل»

من «ماذا يعرف؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»... إن الخطأ الذي يبقى على الشاشة ليس كالخطأ الذي يتحول إلى حركة في العالم الحقيقي. فإذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تحليل صورة طبية، يستطيع الطبيب - نظرياً - مراجعة النتيجة قبل أن تتحول إلى قرار. أما عندما يقود النظام آلة تحمل مريضاً وتتحرك به عبر ممرات المستشفى، فإن المسافة بين القرار الخوارزمي والفعل والضرر المحتمل تصبح أقصر بكثير.

ماذا لو أخطأ الكرسي في تقدير المسافة إلى عائق؟ ماذا لو تعطل أحد المستشعرات؟ ماذا يحدث إذا انقطع الاتصال؟ هل يتوقف تلقائياً؟ ومن يستطيع إيقافه فوراً؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: ما مقدار الاستقلالية الذي ينبغي أن نمنحه للآلة؟ هل نسمح لها باختيار الطريق؟ بتغيير وجهتها؟ بالتعامل مع موقف غير متوقع؟ وأين تنتهي سلطة الخوارزمية وتبدأ سلطة الطبيب أو الممرض أو المريض نفسه؟

هنا لم نعد نتحدث عن هندسة الروبوتات فقط. نحن نتحدث عن سلامة المرضى، والمسؤولية، وحدود الاستقلالية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عندما يصبح قادراً على الفعل.

قبل دخوله المستشفى السعودي

وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً عندما نتصور انتقال هذه الأنظمة مستقبلاً من قاعات المعارض إلى المستشفيات السعودية. فالنجاح في معرض تقني، أو حتى في مستشفى خارج المملكة، لا يعني تلقائياً أن النظام جاهز للعمل في بيئة سريرية سعودية. قبل أن يحمل روبوت مريضاً واحداً، ينبغي أن نعرف: هل اختُبر في المستشفى الذي سيعمل فيه؟ وهل يتعامل بأمان مع مرضاه وممراته ومصاعده وأنظمته الرقمية وظروف العمل الفعلية؟

وهنا لا يكفي اختبار دقة الخوارزمية وحدها. يجب التحقق من سلامة النظام كاملاً، وتحديد حدود استقلاليته، واختبار أدائه عند تعطل مستشعر أو انقطاع الاتصال، وحمايته من المخاطر السيبرانية، وتدريب العاملين على التعامل معه، وتحديد من يتحمل المسؤولية عندما لا يسير الأمر كما هو متوقع.

من الاستقلالية إلى التوقف الآمن ودور الإنسان في حوكمة النظام

لكن هناك سؤالاً أبسط قد يكون أهم من كل ذلك: مَن يستطيع إيقاف الآلة؟ إن كل نظام ذكي يتحرك بالقرب من المريض يحتاج إلى «وظيفة توقف» (Stop Function) واضحة وفعَّالة؛ آلية تمنح الإنسان القدرة على التدخل الفوري أو إيقاف النظام عندما تظهر إشارة خطر، من دون أن يصبح الطبيب أو الممرض مجرد مراقب لقرار اتخذته الآلة بالفعل.

والاستقلالية في الرعاية الصحية لا ينبغي أن تعني غياب الإنسان، بل أن تعمل الآلة ضمن حدود معروفة، ورقابة بشرية حقيقية، وقدرة دائمة على التدخل والإيقاف. وهذا هو الفارق بين أن نُدخل روبوتاً إلى المستشفى وبين أن نحكم عمل روبوت داخل المستشفى.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

تكمن أهمية ما يعرضه «ليب 2026» في أنه يكشف عن تحول أكبر بكثير من كرسي متحرك ذكي. فالذكاء الاصطناعي الطبي الذي عرفناه حتى الآن كان في معظمه ذكاءً يرى ويقرأ ويحلل ويتنبأ ويقترح. أما الجيل المقبل، فقد يضيف إلى هذه القدرات أفعالاً جديدة: يستشعر ويتحرك وينفذ ويتفاعل مع الإنسان والعالم المادي من حوله.

وتقدم «كومبال» رؤيتها لمنصة «بوليميديكس» في هذا الاتجاه؛ منظومة تجمع الروبوتات وتنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي و«التوأم الرقمي» والذكاء الاصطناعي الطرفي، بما يسمح بمحاكاة بعض السيناريوهات واختبارها افتراضياً قبل انتقالها إلى البيئة الحقيقية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي يغيّر المعادلة الطبية نفسها.

ولسنوات، كان السؤال الذي يرافق الذكاء الاصطناعي الطبي: هل يستطيع أن يفكر مثل الطبيب؟ أما ما تعرضه تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» اليوم في الرياض، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير فحسب... بل يصبح قادراً أيضاً على الحركة والفعل؟

عندها لن يكون التحدي الأكبر بناء آلة أكثر ذكاءً، بل بناء الحدود التي تحكم ذكاءها: متى نسمح لها بأن تتحرك؟ متى نثق بها لتتصرف؟ ومتى يجب أن تتوقف؟

فالطب قد يكون مقبلاً على عصر لا يبقى فيه الذكاء الاصطناعي خلف الشاشة... سيدخل الغرفة... سيتحرك إلى جانب المريض... وقد يحمل المريض نفسه.

ولهذا، كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من جسد الإنسان، يجب أن تقترب منه الرقابة البشرية بالقدر نفسه.