«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

يوظَّف في المناطق التي تعاني من تردي خدمات الشبكات الإلكترونية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب
TT

«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

باحث برازيلي  يختبر نظام الذكاء الاصطناعي  المصغر لرسم تخطيط القلب
باحث برازيلي يختبر نظام الذكاء الاصطناعي المصغر لرسم تخطيط القلب

في صباح أحد أيام عام 2019، كان أديبايو ألونغ يستعد لدخول غرفة فندق بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا؛ لعرض حل شركته الناشئة القائم على الذكاء الاصطناعي، لمشكلة خطيرة في الرعاية الصحية الأفريقية: رصد الأدوية المقلََدة، التي تودي بحياة آلاف الأشخاص في جميع أنحاء القارة كل عام.

جهاز "آر اكس سكانر" لرصد الادوية المزيفة

جهاز رصد الأدوية المزيفة بالذكاء الاصطناعي

جهاز «آر إكس سكانر» RxScanner هو مطياف (جهاز للتحليل الطيفي) محمول باليد يفحص حبة الدواء بالأشعة تحت الحمراء، ثم يرسل الملف الجزيئي (تركيبة الجزيئات) للدواء إلى نموذج ذكاء اصطناعي مزود بقاعدة بيانات صيدلانية. وفي غضون ثوانٍ، يحدد الذكاء الاصطناعي الدواء من خلال ملفه الجزيئي، أو يُبلغ بأنه مزيف.

كانت الصيدليات تستخدم النظام في أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك غانا، وكينيا، وميانمار ونيجيريا، موطن ألونغ. لكن في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، لم يعمل النظام. يقول ألونغ: «لقد صُدمت». تم توصيل جهاز قياس الطيف بنموذج الذكاء الاصطناعي، لكن مركز البيانات كان يبعد 14000 كيلومتر، وكانت سرعة الإنترنت محدودة. ونقل موقع «سييكتروم» لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية عن ألونغ قوله: «كان خادمنا (الكومبيوتري) في الولايات المتحدة، وكان الحصول على نتيجة مسح واحد يستغرق مني أكثر من 5 دقائق».

لذا؛ طلب ألونغ على الفور من مهندسيه تصغير نموذج الذكاء الاصطناعي إلى نسخة أقل حجماً، منخفضة الطاقة، وغير متصلة بالإنترنت، بحيث يمكن تشغيلها بالكامل على هاتفه الذي يعمل بنظام أندرويد. وقد أنجزوا ذلك بعد ساعتين؛ ما أنقذ العرض التوضيحي. والأهم من ذلك، أن هذا العمل أثمر عن نسخة جديدة من جهازه، قادرة على التحقق من صحة حبة دواء في أماكن تفتقر إلى الإنترنت عالي السرعة، وأجهزة الكمبيوتر، أو حتى الكهرباء الموثوقة. كما حوّل ألونغ داعماً لهذا النوع من «الذكاء الاصطناعي المصغر».

الذكاء الاصطناعي المصغر للرعاية الصحية عالمياًيختلف الذكاء الاصطناعي المصغر اختلافاً كبيراً عن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) ومراكز البيانات فائقة التوسع والاستثمارات التي تبلغ مليارات الدولارات، وهو بعيد عن النقاشات الدائرة 3حول وعي الذكاء الاصطناعي في الدول الغنية. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، فإن الذكاء الاصطناعي الوحيد المهم، وغالباً ما يكون النوع الوحيد المتاح، هو «الذكاء الاصطناعي المصغر».

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، فلم يستخدم برنامج «تشات جي بي تي» سوى 0.7 في المائة من مستخدمي الإنترنت في أفقر دول العالم، مقارنةً بربع مستخدمي الإنترنت في الدول الأكثر تقدماً.

قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي: «يناقش معظم الناس الذكاء الاصطناعي من منظور التعلم الآلي/التوليدي. لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة، وكهرباء، وبيانات ضخمة، وكوادر مؤهلة لإدارته. وخارج العالم المتقدم، باستثناء ربما الهند والصين، لا تمتلك سوى قلة قليلة من الدول هذه المكونات».

في المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة أن تقدم خدمات مفيدة، بل ومنقذة للحياة، لسكان المناطق التي تفتقر إلى كل هذه الموارد، كما أوضح بانغا.

رصد الآفات الزراعية واعتلال القلب

وفي الهند، حيث تدعو خطط الحكومة للذكاء الاصطناعي إلى تطوير المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة، تعمل الكثير من هذه الأنظمة لصالح المزارعين.

على سبيل المثال، يقوم نظام يعتمد على الطائرات المسيّرة، طوّره بالا موروجان وزملاؤه في معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، بالتقاط صور لنباتات الكاجو وتحديد تلك التي تظهر عليها بقع تدل على المرض بسرعة. وتُجرى جميع عمليات المعالجة على الطائرة المسيّرة نفسها، لذا لا حاجة إلى حاسوب في الموقع، ولا إلى اتصال بخادم مركزي.

باستخدام نماذج لغوية صغيرة مُدرَّبة على حلّ مشكلة مُحدَّدة، وأحياناً تعمل على أجهزة رخيصة ومنخفضة الطاقة، طُوِّرت تطبيقات أخرى للذكاء الاصطناعي الصغير لتحديد انتشار النمل في مزارع العنب في أوروغواي، والكشف عن وجود البعوض الناقل للملاريا في عدد من الدول، وإجراء تخطيط كهربائية القلب من جهاز أردوينو في مناطق من البرازيل تفتقر إلى المعدات الأكثر تعقيداً.

يقول مارسيلو خوسيه روفاي، الأستاذ في معهد الهندسة ونظم المعلومات بالجامعة الفيدرالية في إيتاجوبا بالبرازيل، والذي شارك في المشاريع الثلاثة: «هذا هو أهم مجال في الذكاء الاصطناعي اليوم. إنه ينمو بسرعة كبيرة».

نماذج صغيرة منخفضة الطاقة

بالنسبة لألونغ وروفاي وغيرهما من المؤيدين لهذه التوجهات، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي الصغير مجرد «اتجاه واعد»، كما وصفه تقرير البنك الدولي، بل قد يكون، على المدى البعيد، الشكل الأمثل للذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر في حياة أكبر عدد من الناس ويظل مستداماً بعد أن أصبحت بعض النماذج الضخمة باهظة الثمن بالنسبة لمعظم المستخدمين.

يقول ألونغ: «أعتقد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في نموذج ضخم واحد في مركز النظام، بل في ملايين النماذج الصغيرة والدقيقة المنتشرة على نطاق واسع، حيث يحلّ كل نموذج منها مشكلة محددة في سياق معين». ويعود ذلك جزئياً إلى أن شريحة كبيرة من البشرية - بما في ذلك سكان بعض الدول الغنية والنامية - لا تستطيع الوصول إلى أحدث النماذج المتطورة. ولكنه يضيف أن السبب أيضاً هو أن هذه النماذج غير مستدامة.

لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح «الذكاء الاصطناعي المصغر»، لكن يُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف نماذج اللغة التي لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات. (قارن ذلك بالنماذج المتطورة التي قد تحتوي على أكثر من تريليون معامل). هذا الحجم الصغير كافٍ لتشغيلها مباشرةً على الهاتف أو جهاز كمبيوتر «راسبري باي» Raspberry Pi. وهذا ما يسمح لهذه التطبيقات بالعمل على الأجهزة دون الحاجة إلى اتصال بمركز بيانات، وباستهلاك بضعة وحدات واط فقط من الطاقة، التي غالباً ما تُستمد من بطارية أو لوحة شمسية.

يقول روفاي إنه على الرغم من صغر حجمها، فإن هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة. فقد تم إنشاء الكثير من نماذج اللغة المصغرة عن طريق «تقليم» النماذج الكبيرة، أو إزالة المعاملات غير الضرورية للمهمة. والنتيجة هي نظام أقل كفاءة بشكل عام، ولكنه لا يزال ممتازاً في المهمة المحددة التي تم تقليمه من أجلها، كما يقول روفاي.

أما النماذج المصغرة الأخرى، فتُنشأ عن طريق «التقطير». يقول روفاي إن هذه الأنظمة تُدرَّب على محاكاة نموذج كبير، حتى يقترب أداؤها من أداء «المعلم». وفي حالات أخرى، تُخفَّض دقة النموذج الأكبر، على سبيل المثال، بحيث يمكن تشغيل نموذج يعمل على بنية 32 بت على تصميمات 8 بت. أما في الحالات التي يُستخدم فيها تطبيق التعلّم الآلي لتصنيف البيانات أو التنبؤ بالأنماط (مثل غزو النمل)، فيُدرَّب منذ البداية على جهاز صغير، وليس مُستمداً من نموذج أكبر على الإطلاق.

تشغيل على الهاتف

ويضيف روفاي، أن تشغيل كل هذه الأنظمة الصغيرة والمتخصصة أصبح أسهل لسببين: أولهما، كما يقول، هو أن الأجهزة تتحسن وتصبح أكثر كفاءة مع استهلاك طاقة أقل. وهذا يعني أن المزيد من الهواتف يمكنها تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي صغيرة، لا سيما تلك المُجهزة بوحدات معالجة عصبية، وهي رقائق متخصصة تتولى مهام الذكاء الاصطناعي مثل التعرّف على الوجوه وتغيير السطوع والظلال والتباين في الصور.

في عام 2025، كان ما يزيد قليلاً على ثلث الهواتف الذكية المُشحونة عالمياً قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45 في المائة بنهاية هذا العام، وفقاً لشركة الأبحاث التقنية Counterpoint. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتمكن ما يزيد قليلاً على نصف الهواتف الذكية من تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي صغير.

السبب الآخر الذي ذكره روفاي هو تقلص حجم نماذج اللغة. يقول روفاي إن كلاً من Gemma 4 من Google DeepMind (الذي صدر في أبريل/نيسان) وQwen 3.5 من Alibaba «رائعان» للذكاء الاصطناعي الصغير. وكلا النموذجين «مفتوح»؛ ما يعني أن المستخدمين يمكنهم تعديل العلاقات بين المعلمات لتناسب احتياجاتهم. وهذا يُسهّل، على سبيل المثال، «أخذ كمية كبيرة من البيانات، مثلاً من قطاع الألبان، وإعادة تدريب النموذج خصيصاً عليها»، كما يقول روفاي.

وأوضح روفاي هذه الأسباب مستخدماً إحدى أحدث تجاربه. يرفع الجهاز ويقول: «هذا هو أردوينو أونو كيو الجديد، وهو جهاز سعره 50 دولاراً أميركياً مزود بشريحة كوالكوم. أقوم بتشغيل نموذج لغوي هنا، يجمع البيانات من أجهزة الاستشعار ويحللها لاكتشاف برك المياه الصغيرة التي قد تتكاثر فيها البعوض. يستهلك 3 واط فقط لتشغيله».

ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن نماذج اللغة الكبيرة ستختفي تماماً. يقول روفاي إن إنشاء ذكاء اصطناعي توليدي يعمل على الهاتف أو أي جهاز صغير آخر يتطلب رؤى معمارية ومعالجة بيانات ونتائج نموذج أكبر. ويضيف: «نحن في حاجة إلى النماذج الكبيرة لإنشاء هذه النماذج الأصغر».

وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المصغر يُمكن أن يُفيد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الكبير، فإن هذه التقنية لا تستطيع حل المشكلات الأكبر المتمثلة في التنمية وعدم المساواة الرقمية، كما يقول ألونغ. إن تطبيق الذكاء الاصطناعي المصغر لن يُعفي الدول من تحدي إنشاء بيئة داعمة للذكاء الاصطناعي، تشمل: طاقة موثوقة، وسلسلة إمداد فعّالة، ونظام تعليمي يُنمّي المواهب اللازمة لإنشاء أدوات الذكاء الاصطناعي.



ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره
TT

ترويج مركبات تحاكي تأثيرات التمارين المفيدة... لرواد الصالات الرياضية

بنحاس كوهي في مختبره
بنحاس كوهي في مختبره

قبل بضعة أشهر، علم بنحاس كوهين بوجود تجارة رائجة عبر الإنترنت لنوع من البيبتيدات المسمى MOTS-c، وهو بيبتيد يُحاكي في تأثيره تأثيرات التمارين الرياضية عند حقنه في الفئران، كما كتب كورين بورتيكورين بورتيل(*).

كان كوهين، عميد كلية ليونارد ديفيس لعلم الشيخوخة بجامعة جنوب كاليفورنيا، على دراية تامة بهذا المركب، وهو سلسلة قصيرة من الأحماض الأمينية. وقد حدد مختبره هذه السلسلة منذ سنوات كواحدة من آلاف البيبتيدات التي تعمل كناقلات كيميائية في جسم الإنسان، والتي اعتقد كوهين أنها قد تُستخدم يوماً ما لأغراض علاجية للبشر.

ترويج بلا سند علمي

لكن كوهين شعر بالقلق عندما علم أن اكتشافه هذا يُروج له الآن من قِبل أعداد غفيرة من الباحثين عن طول العمر، وهواة اللياقة البدنية، والمؤثرين في مجال الصحة، باعتباره «تمريناً في زجاجة». ورغم عدم حصوله على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنه متوفر على نطاق واسع عبر الإنترنت، وغالباً ما يُباع في قوارير تُسوّق على أنها «للاستخدام البحثي فقط».

وقال كوهين: «اتضح أن عشرات الآلاف من الناس يحقنون أنفسهم بمادة MOTS-c، وهي مادة غير قانونية تُباع في السوق السوداء، ومن مصادر مجهولة، وبدرجة نقاء وتعقيم غير معروفة، وأنا أعترض بشدة على ذلك».

وخلال العقد الماضي ازداد طلب المستهلكين على البيبتيدات التجريبية بشكل كبير بسبب الضجة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد انعدام الثقة في توجيهات الصحة العامة. والآن، يُؤجج الجدل الدائر حول البيبتيدات غير الخاضعة للرقابة معركة سياسية حاسمة داخل الحكومة الفيدرالية. وقد وصف وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، نفسه بأنه «مؤيد كبير» ومستخدم للبيبتيدات، وتعهد بإنهاء «القمع الشديد» الذي تمارسه الحكومة ضدها.

بعض البيبتيدات لها تأثيرات علاجية

وبينما حققت بعض البيبتيدات، مثل الإنسولين وهرمون النمو البشري والببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1، تأثيرات علاجية مذهلة عند إعطائها للبشر. لكن كل قارورة من الإنسولين أو دواء GLP-1 على رفوف الصيدليات هي نتاج عقود من التجارب السريرية واختبارات السلامة. كما تتوفر كميات هائلة من البيانات حول تأثيرات هذه الأدوية، والفئات الأكثر فاعلية لها، والجرعة والشكل الأمثل لاستخدامها.

انعدام الأدلة العلمية

أما بالنسبة لـ«MOTS-c» ومجموعة من البيبتيدات الأخرى المتوفرة بكثرة على الإنترنت، فلا توجد أدلة مماثلة. على الرغم من أن المؤيدين يدّعون أن هذه المواد تساعد في إنقاص الوزن، وزيادة الطاقة، وبناء الكتلة العضلية، ويستشهدون غالباً بأبحاث أُجريت على الحيوانات فقط أو على عدد قليل جداً من البشر، إلا أنه لا أحد يعلم على وجه اليقين كيف أو متى يجب استخدامها على البشر. وبينما يتناول العديد من المستخدمين عدة بيبتيدات معاً في تركيبات مخصصة، أو ما يُعرف بـ«المجموعات»، لا توجد بيانات حول كيفية تفاعل البيبتيدات الاصطناعية المختلفة مع بعضها.

حتى الآن، كانت معظم هذه البيبتيدات الشائعة متوفرة فقط في الأسواق الإلكترونية غير الخاضعة للرقابة. ولكن أخيراً صوتت لجنة تابعة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية لصالح التوصية بالسماح للصيدليات المتخصصة في تركيب الأدوية بتصنيع 6 بيبتيدات مختلفة متوفرة بالفعل على نطاق واسع عبر الإنترنت، وهي: BPC-157، وTB-500، وKPV، وepitalon، وSemax، وMOTS-c. أما البيبتيد السابع emideltide، فقد رُفض طلبه.

وتُعدّ الصيدليات التي تُحضّر الأدوية حسب الطلب ثغرةً في النظام الرقابي الأميركي. فرغم أن الأدوية التي تُنتجها غير معتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإنها مُلزمة باتباع لوائح السلامة والجودة في ولاياتها.

سافر كوهين إلى واشنطن العاصمة للتحدث أمام اللجنة، التي يعمل العديد من أعضائها في شركات الرعاية الصحية عن بُعد، وإطالة العمر، والعافية، والتي ستستفيد مالياً من تنظيم البيبتيدات. وبالنظر إلى أن «MOTS-c» يُستخدم بالفعل على نطاق واسع خارج نطاق الاستخدام المُصرّح به، وعدم وجود أدلة بحثية تُثبت وجود آثار جانبية ضارة، قال كوهين في كلمته إنه يعتقد أن تحضير الأدوية «تحت إشراف أطباء مُختصين ومراقبة الجودة» هو أسلم سبيل للمضي قدماً. وأضاف: «لا يُمكننا القضاء على السوق السوداء. لذا أعتقد أنه من الأفضل على الأقل ضمان الجودة والتعقيم، واشتراط مشاركة أطباء مُختصين في هذه العملية. أعتقد حقاً أن هذا خيار أفضل من ترك الأمور على حالها».

ولا يتفق الجميع معه. فقد نصح موظفو إدارة الغذاء والدواء الأميركية، الذين تحدثوا في الاجتماع الذي استمر يومين، بعدم استخدام تركيبات البيبتيدات، قائلين إنه لا توجد بيانات كافية حول سلامتها لتبرير هذه الخطوة.

ويقول بول كنوبفلر، أستاذ بيولوجيا الخلية وعلم التشريح البشري في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس: «مع أنه من الصحيح أن معظم مُصنّعي التركيبات قادرون على إنتاج نسخ أنقى من هذه البيبتيدات مقارنةً بما هو موجود في السوق السوداء، فإن هذا لا يُعالج المخاطر الكامنة المحتملة للبيبتيدات نفسها. ليس هناك أي سبب وجيه يسمح لهم بتجاوز نظام التجارب السريرية القياسي لمجرد وجود رواج للبيبتيدات مدفوع بمؤثري الصحة وشركات التطبيب عن بُعد».

مخاطر الاستخدام طويل المدى

اكتشف كوهين ببتيد «MOTS-c» من خلال تحليل 97 في المائة من الحمض النووي البشري الذي لا يحمل جينات. هذا المخزون البيولوجي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه «حمض نووي غير وظيفي» أو «جينوم مظلم»، تبين أنه غني بالهرمونات والبروتينات الدقيقة التي تلعب أدواراً مهمة في تنظيم أجهزة الجسم وعملياته الحيوية.

وقد نُشر ما يقارب 250 بحثاً علمياً من عشرات المختبرات البحثية حول العالم حول بيبتيد «MOTS-c» منذ أن اكتشفه مختبر كوهين. ورغم قلة مخاطر هذا البيبتيد وآثاره الجانبية، وتأثيراته الواضحة على الاستقلاب (التمثيل الغذائي) في الفئران، فإنه لا يُعرف حتى الآن كيف يؤثر استخدامه طويل الأمد على البشر، أو ما هي التركيبة أو الجرعة الأكثر فاعلية. ويبدو أن ادعاءات المؤثرين حول تأثير البيبتيدات على فقدان الوزن، وكتلة العضلات، وطول العمر، والطاقة لدى البشر، مستنبطة من تأثيراتها على حيوانات المختبر.

وقال كوهين: «بعض الفئات من الناس - على سبيل المثال، عشاق اللياقة البدنية، وهو مصطلح لطيف يُطلق على رواد الصالات الرياضية - يأخذون نتيجة واحدة من دراسة أُجريت على الفئران ويعتبرونها حقيقة مطلقة». وأضاف أنه في عالم مثالي، يتمنى أن يُطوّر «MOTS-c» ليصبح دواءً مُعتمداً من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. لكن في الواقع، يتطلب نقل دواء واحد من المختبر إلى السوق وقتاً طويلاً (عشر سنوات على الأقل، وغالباً أكثر) وأموالاً طائلة (مئات الملايين من الدولارات على الأقل، وغالباً أكثر)، ما يجعل عدداً قليلاً جداً من المرشحين لتطويره ينجح في تحقيق هذا الهدف. وقد تعثرت جهوده الشخصية لتطوير دواء منه.

من سيطرة الأطباء... إلى سيطرة المروجين والمستهلكين

وحذر كوهين، قائلاً: «الصورة العامة هي أننا كأمة ننتقل من نموذج القرن العشرين، حيث كانت الرعاية الصحية خاضعة لسيطرة الأطباء وشركات التأمين، إلى نموذج جديد في القرن الحادي والعشرين، حيث يطالب المستهلكون ويحصلون على خدمات ومنتجات الصحة والعافية التي يدفعون ثمنها نقداً. لا أقول إن هذا نموذج أفضل، ولكنه النموذج الذي ننتقل إليه».

* «لوس أنجليس تايمز»، خدمات «تريبيون ميديا».


«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
TT

«قيادة الفضاء الأميركية»: 5 متطلبات لكسب حروب المستقبل

شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض
شكل تصويري لقمر اصطناعي يدور حول الأرض

صرح قائد قيادة الفضاء الأميركية بأن الأسلحة الفضائية والأقمار الاصطناعية القابلة لإعادة التزود بالوقود تأتي ضمن المتطلبات اللازمة للحفاظ على التفوق العسكري الأميركي في المدارات الفضائية مقارنة بالصين، كما كتب توماس نوفلي(*).

استعداد عسكري فضائي... بهدف التفوق على الصين

وفي كلمته أمام الحضور في «ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي» أمس (الأربعاء)، قال الجنرال ستيفن وايتينغ إن خصوم أميركا يستهدفون الآلات الفضائية الأميركية ويعملون في الوقت نفسه على تطوير قدراتهم الفضائية بسرعة. وأشار إلى أن الصين، على سبيل المثال، تمتلك صواريخ مضادة للأقمار الاصطناعية (ASAT) تُطلق من الأرض مباشرة، وأنظمة ليزر أرضية، وأجهزة تشويش، وأقماراً اصطناعية قابلة للمناورة وذات استخدام مزدوج.

5 متطلبات رئيسية

وأضاف وايتينغ: «تهدف هذه التطورات إلى تقويض تفوقنا الحالي في الفضاء، ومن شأنها أن تمنح الصين ميزة في المناورة والخدمات اللوجستية في الفضاء؛ وهو أمر لن نقبل به سواء في البر أو البحر أو الجو». وفي كلمته الأخيرة بصفته قائداً لهذه القيادة القتالية (وهو منصب برتبة جنرال بـ4 نجوم) خلال الندوة المذكورة التي عقدت في هانتسفيل بألاباما، أوضح وايتينغ للحضور، ومن ضمنهم مسؤولون عسكريون وممثلون عن قطاع الصناعة، أن هناك 5 متطلبات رئيسية مدرجة ضمن «قائمة الأولويات المتكاملة» لقيادة الفضاء الأميركية للفترة ما بين عامي 2029 و2033.

وأضاف قائلاً: «هذه ليست مجرد قائمة أمنيات، بل هي مؤشر واضح على المتطلبات الموجهة لعدة جهات، وتحدد القدرات القتالية التي نحتاج إليها لإنجاز مهمتنا».

قدرات نارية متكاملة في الفضاء

1.القدرات النارية الفضائية المتكاملة: على غرار المصطلحات المستخدمة في الجيش البري، استخدم وايتينغ هذا المصطلح طوال فترة توليه قيادة الفضاء للإشارة إلى القدرات الهجومية والدفاعية اللازمة لردع التهديدات الموجودة في المدار. وقال: «نحن قيادة قتالية ومهمتنا القتال لكسب الحروب. ولكي ننتصر، نحتاج إلى قدرات نارية -سواء كانت حركية (تدميرية) أو غير حركية- تتسم بالمصداقية والفاعلية المعترف بها؛ إذ تُعد هذه القدرات عنصراً أساسياً في كيفية تحقيقنا التفوق الفضائي واستعادة قوة الردع الموثوقة».

مجابهة الأقمار منخفضة المدار

2. تقنيات مواجهة الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. ذكر وايتينغ أن هناك حاجة لتقنيات جديدة لمواجهة كوكبات الأقمار الاصطناعية التي ينشرها الخصوم في المدار الأرضي المنخفض. وكانت الصين قد أطلقت حتى الشهر الماضي، 200 قمر اصطناعي للاتصالات من طراز «جي 60» G60 و168 قمراً من طراز «سات نت» SatNet في إطار سعيها لبناء «كوكبتين ضخمتين بهدف منافسة البنى التحتية الغربية المعتمدة على أسراب كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، وذلك وفقاً لوثيقة حقائق صادرة عن «قوة الفضاء» الأميركية.

وصرح وايتينغ للصحافيين عقب كلمته الرئيسية قائلاً: «لا أريد تعريض أي قوة أميركية للخطر لمجرد أن طرفاً آخر قد يمتلك كوكبة كثيفة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قادرة على رصد القوات الأميركية وتحديد مواقعها وتتبعها واستهدافها».

قيادة سيطرة مشتركة

3.القيادة والسيطرة الفضائية المشتركة والمتكاملة: غالباً ما يشدد القادة العسكريون على الأهمية المحورية للقدرة على الإشراف على العمليات الفضائية المعقدة وتنظيمها وإصدار الأوامر بشأنها. وقال وايتينغ في كلمته: «علينا تعزيز الاتصال المباشر بين الآلات (machine-to-machine) لدعم اتخاذ القرار وإدارة المعارك في هذا الصراع الفضائي العالمي، وذلك ضمن أطر زمنية تتناسب مع المتطلبات التكتيكية».

4.الوعي المخصص لفهم أعمال المجال الفضائي بهدف ممارسة الاشتباكات الفضائية: أشار وايتينغ إلى أن الأمر لا يقتصر على الدفاع الصاروخي فحسب؛ إذ يجب أن يتوسع الوعي بالمجال الفضائي ويتطور ليشمل نطاقاً واسعاً من العمليات الفضائية، وليس مجرد قطاع واحد منها. وأضاف قائلاً: «يجب علينا تبني عقلية تركز على (مسارات للتتبع ذات جودة عالية تتيح الاستهداف) في كل ما نقوم به في الفضاء، تماماً كما فعل مجتمع الدفاع الصاروخي لعقود».

الأقمار الاصطناعية القابلة للتزود بالوقود... أولوية

5.المناورة الفضائية المتواصلة والمستمرة: تظل عملية تطوير أقمار اصطناعية قابلة للتزود بالوقود -لإطالة فترة صلاحيتها التشغيلية- إحدى الأولويات الرئيسية للقيادة الفضائية الأميركية. ففي شهر مارس (آذار) الماضي، استخدم قمر اصطناعي تجاري صيني ذراعاً آلية مرنة «لإجراء تجربة عملية للخدمة والصيانة في المدار، والتزود بالوقود، وإزالة الحطام الفضائي»، وذلك حسب «قوة الفضاء» الأميركية.

وقال وايتينغ: «تقتصر قدرات أقمارنا الاصطناعية اليوم على كمية الوقود التي تنطلق بها، ما يولد عقلية قائمة على (شح الموارد)؛ إذ غالباً ما تكون الأولوية للحفاظ على الوقود على حساب مناورات القتال المطلوبة. يجب أن يتغير هذا الوضع؛ إذ يتعين علينا أن نكون قادرين على تجنب التهديدات بفاعلية والمناورة لاكتساب موقع تفوق على خصومنا».

* مجلة «ديفنس وان».


الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني
TT

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

الذكاء الاصطناعي يهدد بتقويض التعليم الإلكتروني

يهدد الذكاء الاصطناعي بتقويض التعليم الإلكتروني، وهو قطاع مزدهر للكليات والجامعات، في ظلّ معاناة الأساتذة لمواجهة موجة الغشّ المتزايدة التي تُمكّنها التكنولوجيا، كما كتب دانا غولدستاين ووآلان بليندر(*)

التعليم عبر الإنترنت

في قاعات الدراسة التقليدية، تحوّل العديد من المدرسين إلى العروض الشفوية والاختبارات الكتابية في محاولة لمنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا غير الخاضعة للرقابة. لكنّ تطبيق هذه الاستراتيجيات قد يكون أكثر صعوبة عبر الإنترنت، حيث التحق أكثر من نصف طلاب الجامعات الأميركية بدورة واحدة على الأقل العام الماضي، مقارنةً بنحو الثلث في عام 2019.

في العديد من الدورات الدراسية عبر الإنترنت، سواء في الكليات المحلية أو الجامعات العالمية المرموقة، قد لا يلتقي الطلاب أساتذتهم أو زملاءهم، حتى عبر الفيديو. إذ إن هذه الدورات ذاتية التعلّم، وتعتمد على محاضرات مسجلة مسبقاً، وتُعرف أيضاً بالتعليم غير المتزامن. ويقدم الطلاب الواجبات والاختبارات إلكترونياً.

وبينما تُقدّم بعض الجامعات التعليم عبر الإنترنت بالكامل، يتزايد عدد الجامعات التقليدية التي تُوسّع نطاق برامجها الإلكترونية. أحياناً، يستطيع الطلاب الحصول على شهادات جامعية كاملة عبر الإنترنت. وفي حالات أخرى، يدرسون مقررات دراسية منفردة.

الغش بواسطة الذكاء الاصطناعي

وفي هذا السياق يتسارع الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، متجاوزاً مجرد نسخ ولصق المقالات ومجموعات التمارين التي تُنتجها برامج الدردشة الآلية. فقد مكّنت هذه البرامج الطلاب من توليد مقررات فصل دراسي كامل من العمل. فبمجرد توجيه أوامر بسيطة - مثل «سجّل الدخول وأكمل اختباري» - يستطيع الطالب استخدام المحتوى الذي يُحاكي محتواه المطلوب دراسياً. فهذه البرامج يمكنها مشاهدة فيديوهات المحاضرات، وإجراء الاختبارات، وكتابة الأبحاث، والتواصل لمناقشة واجبات القراءة.

مخاوف من الشهادات الإلكترونية

لطالما أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كانت الشهادات من البرامج الإلكترونية تُعادل في قيمتها الشهادات التي تُمنح في الجامعات التقليدية. لكنّ صانعي السياسات وقادة التعليم أمضوا عقدين من الزمن في الترويج للتعليم الإلكتروني كأداة لتحقيق العدالة، تُمكّن الطلاب غير التقليديين، مثل أولياء الأمور العاملين ذوي الدخل المحدود، من الدراسة أينما ووقتما يُناسبهم. ويقول العديد من الطلاب إنّ الدراسة عبر الإنترنت جعلت الحصول على الشهادات الجامعية في متناول أيديهم.

لكنّ سهولة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي تُعمّق الآن المخاوف بشأن أكثر أشكال التعليم العالي سهولةً، في الوقت الذي يُعاني فيه العديد من الطلاب من التداعيات الأكاديمية للجائحة، ويتساءلون عمّا إذا كانوا يمتلكون المهارات اللازمة للنجاح في الجامعة.

وفي مقابلات، وصف مُدرّسون من مختلف أنحاء البلاد شعورهم المُقلق بأنّ الذكاء الاصطناعي قد تسلّل إلى فصولهم الدراسية الرقمية.

تجربة مدرسة تعليم إلكتروني

كانت ردة فعل كارين كوستا -التي أمضت ما يقرب من 20 عاماً في تدريس دورات عبر الإنترنت- في البداية تتسم بالاستخفاف كلما تحدث الناس عن احتمالية تغلغل الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم العالي. لكنها تقول إنها لاحظت في العام الماضي «تدفقاً» لأعمال أنجزها طلابها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وتستذكر كوستا - التي حصلت بنفسها على شهادة دراسات عليا متقدمة من خلال برنامج يعتمد بشكل أساسي على التعلم غير المتزامن في جامعة نورث إيسترن - أنها تساءلت حينها: «هل أنا أتعامل مع روبوتات هنا؟». وتعمل كاثرين كايسار في التدريس بالكليات المحلية منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد لاحظت أخيراً أن الطلاب يقدمون أداءً متدنياً للغاية في اختبار أولي لمهارات علامات الترقيم والتنقيط، لكنهم سرعان ما يقدمون بعد ذلك أعمالاً ممتازة تزخر بعلامات الترقيم الدقيقة مثل النقطتين الرأسيتين والفاصلة والفاصلة المنقوطة.

تمييز نصوص الذكاء الاصطناعي الرديئة

وتقول كايسار - التي تشرف على دورات عبر الإنترنت منذ نحو 15 عاماً وتُرجع مشاكل التعليم العالي المتعلقة بسوء استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إخفاقات تنظيمية وقيادية: «الأمر واضح للغاية؛ فالمعلمون ذوو الخبرة الطويلة، ممن يعملون أيضاً في مجالات التحرير والكتابة، يمكنهم عادةً تمييز النصوص الرديئة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في غضون 30 ثانية».

وهي تفرض الآن إجراء اختبارات حضورية (وجهاً لوجه) في منتصف الفصل الدراسي وفي نهايته لبعض الفصول، مع توفير قاموس ورقي في مقدمة القاعة الدراسية.

غش واضح... وحلول غائبة

غالباً ما ينفي الطلاب في جميع أنحاء البلاد بشدة ارتكاب أي مخالفات، بينما يبدي المسؤولون وأعضاء هيئة التدريس -كما يُقال- تردداً مستمراً في فرض إجراءات تأديبية. ويعود ذلك جزئياً إلى احتمالية وقوع برمجيات كشف الذكاء الاصطناعي في الخطأ، ما يعني غياب الأدلة القاطعة على سوء السلوك. كما يخشى بعض الأساتذة أن يرفض بعض المسؤولين المخاطرة بخسارة «زبون يدفع الرسوم» في ظل تقلص الميزانيات وتغير التركيبة السكانية. علاوة على ذلك، يبدي قادة قطاع التعليم حماساً لتبني تقنية من شأنها إعادة تشكيل عالم العمل.

والنتيجة هي تباين في الاستجابة لحالات سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يكتفي بعض الأساتذة بعدم الاكتراث، بينما يمنح آخرون درجات متدنية، في حين يسمح فريق ثالث للطلاب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون قيود.

وقد دعا بعض أعضاء هيئة التدريس إلى فرض تنظيم حكومي لأدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الطلاب. وحتى الآن، لم تتخذ شركات التكنولوجيا - التي تتحرك بمبادرات فردية - خطوات تذكر للحد من الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتطول هذه المشكلة كلاً من الفصول الدراسية التقليدية وتلك التي تُعقد عبر الإنترنت، إلا أن مراقبتها وضبطها يزدادان صعوبة عندما ينجز الطلاب مهامهم ويؤدون اختباراتهم من المنزل، بعيداً عن أنظار الأساتذة.

منصات الذكاء الاصطناعي التي لا ترفض الطلبات

في اختبارات أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، لم تقم أي من أدوات الذكاء الاصطناعي الثلاث الرائدة بين الطلاب — وهي «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«غرامرلي» Grammarly - برفض الطلبات (أو قول «لا») التي تطلب من برمجيات الدردشة الآلية كتابة ورقة بحثية نيابة عن الطالب. ورغم أن النسخ المرخصة للمدارس من هذه البرمجيات قد تفرض قيوداً أكثر صرامة، فإن لا شيء يمنع الطلاب من الالتفاف على تلك القيود باستخدام عناوين بريد إلكتروني شخصية أو أجهزة إضافية.

توظيف المنصات الذكية التعليمية

كما لم تمنع شركات الذكاء الاصطناعي هذه البرمجيات الذكية من تسجيل الدخول إلى منصات تعليمية مثل «كانفاس» Canvas و«براتسبايس» Brightspace و«بلاكبورد» Blackboard، التي تستخدمها الكليات لإدارة الفصول الدراسية عبر الإنترنت. ويمكن لتلك المنصات التعليمية رصد مؤشرات تدل على استخدام هذه البرمجيات، مثل الوقت المستغرق في إنجاز المهمة. ومع ذلك، أشار مسؤولو العديد منها إلى عدم وجود طريقة مضمونة تماماً لمنع الغش باستخدام هذه الأدوات الذكية.

وقال جيسون ويفر، رئيس مكتب العمليات في شركة «بلاكبورد»، إن «زبائننا يوضحون بجلاء أن النزاهة الأكاديمية لم تواجه ضغوطاً بهذا الحجم من قبل». وقد استحوذت الشركة أخيراً على تطبيق يتعلم أنماط الكتابة الخاصة بالطلاب للتحقق من صحة أعمالهم.

مطالبات تربوية وامتناع تكنولوجي

وطالب بعض التربويين بأن تقوم برمجيات الذكاء الاصطناعي العاملة داخل الدورات التدريبية عبر الإنترنت بالإفصاح عن هويتها، ليتسنى للأساتذة مراقبة كيفية استخدامها. غير أن شركات الذكاء الاصطناعي قاومت حتى الآن مثل هذه الشفافية.

وفي بيان لها، ذكرت شركة «بيربليكسيتي» Perplexity المطوّرة لمتصفح ويب مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحظى بشعبية بين الطلاب — أن تقييد قدرة المستخدمين على الاستعانة بهذه الأدوات الذكية داخل أنظمة التعلم عبر الإنترنت، أو إلزام تلك الأدوات بالكشف عن هويتها، «من شأنه أن يعرض خصوصية الطالب وأمنه للخطر».

ولم ترد شركتا «غوغل» مطوّرة «جيميناي» و«أوبن إيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي» على استفسارات حول قيام برمجياتهما الذكية بانتحال شخصية الطلاب. وفي بيانات مكتوبة، أكدت كلتا الشركتين المنافستين أنهما تعملان جنباً إلى جنب مع التربويين لحماية التعلم الهادف.

أشكال غش أكثر حداثة... بالنظارات الذكية

وحذر خبراء من ظهور أشكال أكثر حداثة للغش باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء، مثل النظارات، أن تتيح للطلاب طلب المساعدة حتى أثناء العمل عبر متصفح ويب مؤمّن، كما يمكن للشخصيات الافتراضية (الأفاتار) التي تعمل بالذكاء الاصطناعي انتحال شخصية الطلاب في مكالمات الفيديو.

إضافة عناصر تعليم واقعية لمكافحة الغش

وفي ظل غياب الحلول التقنية، بدأ بعض التربويين بمن فيهم كايسار، بدمج المزيد من العناصر الواقعية في الدورات التدريبية عبر الإنترنت. وقالت مارينا أميني، المديرة التنفيذية لمبادرة «California Virtual Campus» التي توفر دورات تعليمية عبر الإنترنت للكليات المحلية: «لا نريد حرمان الطلاب من إمكانية الوصول إلى هذه الأدوات». لكنها أشارت إلى إمكانية إضافة الأساتذة لعناصر مرنة تتطلب الحضور الشخصي، مثل إجراء اختبار داخل الفصل يُتاح على مدار عدة أيام. كما تعمدت بعض المؤسسات التعليمية تغيير أسلوب تصميم الواجبات الدراسية عبر الإنترنت، معتمدةً على إجابات شخصية يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها أو تزييفها.

* خدمة «نيويورك تايمز».