حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة قبل ظهور الأعراض

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع
TT

حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع

لطالما ارتبطت الدموع في الوعي الإنساني بالحزن والفرح والخوف والحنين، وظلت لقرون تُفهم بوصفها لغة صامتة للمشاعر الإنسانية. لكن هذه القطرات الشفافة بدأت اليوم، داخل مختبرات الطب والذكاء الاصطناعي، تكتسب معنى مختلفاً تماماً.

فالدمعة التي كانت تُقرأ عاطفياً، أصبحت تُدرس علمياً باعتبارها نافذة بيولوجية دقيقة قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة داخل الدماغ والجهاز العصبي، حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة على المريض.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، لم يعد العلماء ينظرون إلى الدموع على أنها مجرد سائل تفرزه العين، بل بوصفها «خريطة بيانات حيوية» تحمل إشارات خفية عن صحة الإنسان، وربما عن اضطرابات لم تبدأ أعراضها السريرية بعد.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب التنبؤي، أصبحت الخوارزميات تحاول اليوم قراءة ما تخفيه الدموع بصمت، بحثاً عن أولى الهمسات البيولوجية للمرض قبل أن يتحول إلى حقيقة سريرية كاملة.

العين امتداد للدماغ

علمياً، لا تُعدّ العين عضواً منفصلاً عن الدماغ، بل هي امتداد حي للجهاز العصبي المركزي، ولهذا يعتقد الباحثون أن بعض الاضطرابات العصبية قد تترك بصماتها المبكرة في العين والدموع قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة بوقت طويل.

• الدموع ومرض ألزهايمر. في فبراير (شباط) 2026، نشرت الباحثة الإسبانية إينيس لوبيز-كوينكا (Inés López-Cuenca) وفريقها من معهد رامون كاستروفييخو لأبحاث طب العيون (Ramón Castroviejo Institute for Ophthalmic Research) في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، بالتعاون مع معهد البحوث الصحية في مستشفى سان كارلوس الجامعي؛ مراجعة علمية موسعة بعنوان: «الدموع بوصفها نافذة على مرض ألزهايمر» (Tears as a Window to Alzheimer’s Disease).

وأشارت الدراسة إلى أن الدموع ليست مجرد سائل لحماية العين، بل تحتوي على مؤشرات حيوية دقيقة، مثل البروتينات المرتبطة بالأمراض العصبية، والحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)، والحويصلات الخلوية المجهرية (Extracellular Vesicles)، وهي جزيئات قد تعكس تغيرات بيولوجية تحدث داخل الدماغ في المراحل المبكرة من مرض ألزهايمر، حتى قبل ظهور اضطرابات الذاكرة الواضحة.

من الدموع إلى العدسات الذكية... العين تتحول إلى منصة تشخيص حية

• دور الذكاء الاصطناعي. التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في جمع الدموع، بل في فهم اللغة البيولوجية المعقّدة المختبئة داخلها.

فالدمعة الواحدة قد تحتوي على آلاف الإشارات الجزيئية الدقيقة التي يصعب على الإنسان ربطها أو تفسيرها بالطرق التقليدية، خصوصاً عندما تكون الفروق بين الطبيعي والمرضي شديدة الدقة والتداخل.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الحيوية واكتشاف أنماط خفية قد لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها.

وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة «تقنيات النانو الحيوية» (Journal of Nanobiotechnology)، قدم الباحث الصيني تشينغفو زو (Qingfu Zhu) وفريقه البحثي نظاماً ذكياً يحمل اسم «إيه بي إل إي دي إكس» (ABLEDx)، يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الحويصلات الخلوية الموجودة في الدموع، بهدف الكشف المبكر عن الأمراض العصبية المزمنة والمتقدمة، مثل ألزهايمر وباركنسون.

وشارك في المشروع العالم لوك بي لي (Luke P. Lee)، المعروف بأبحاثه الرائدة في تقنيات الاستشعار الحيوي والأنظمة الطبية الدقيقة.

ويعتمد النظام على مقارنة الأنماط البيولوجية الموجودة داخل الدموع بقاعدة بيانات ضخمة، ما يسمح للخوارزمية بالتعرف على الإشارات المرتبطة بالأمراض العصبية في مراحلها المبكرة جداً، أحياناً قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة.

بمعنى آخر، لم يعد الذكاء الاصطناعي ينتظر ظهور المرض... بل يحاول الإصغاء إلى همساته الأولى.

• الدموع ومرض باركنسون. الأبحاث الحديثة لم تتوقف عند مرض ألزهايمر، بل امتدت إلى أمراض عصبية أخرى يصعب اكتشافها مبكراً، وفي مقدمتها مرض باركنسون.

ففي فبراير 2026 أعلن المركز الألماني لأبحاث الأمراض العصبية (German Center for Neurodegenerative Diseases – DZNE) في مدينة دريسدن مشروعاً بحثياً جديداً بقيادة البروفسور بيورن فالكينبورغر (Björn Falkenburger)، يهدف إلى البحث عن مؤشرات مرض باركنسون داخل الدموع بدلاً من الاعتماد على الفحوصات العصبية الأكثر تعقيداً وتدخلاً.

ويركز الباحثون على بروتين «ألفا سينوكلين» المشوّه (Alpha-Synuclein)، وهو من أهم العلامات البيولوجية المرتبطة بمرض باركنسون، إذ يعتقد العلماء أن تغيراته قد تبدأ داخل الجسم قبل سنوات من ظهور الارتعاش واضطرابات الحركة المعروفة.

ويأمل الفريق البحثي أن يسمح تحليل الدموع مستقبلاً بالكشف المبكر عن المرض عبر اختبار بسيط وغير مؤلم، وهو ما قد يغيّر طريقة تشخيص الأمراض العصبية المزمنة، التي تُكتشف غالباً بعد أن يكون الضرر العصبي قد بدأ بالفعل.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الدموع لكنه لا يفهم الإنسان

تقنيات وخوارزميات

• من الدموع إلى العدسات الذكية. هذا التقدم العلمي فتح الباب أمام جيل جديد من التقنيات الطبية القابلة للارتداء، حيث تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية حالياً على تطوير عدسات ذكية وأجهزة استشعار دقيقة تستطيع مراقبة المؤشرات الحيوية الموجودة داخل الدموع بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات مباشرة إلى أنظمة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

والفكرة الأساسية تقوم على تحويل العين من عضو للرؤية فقط إلى نافذة صحية قادرة على نقل معلومات بيولوجية لحظية عن الجسم.

وقد لا يقتصر استخدام هذه التقنيات مستقبلاً على الأمراض العصبية وحدها، بل قد يمتد إلى مراقبة السكري، والالتهابات، واضطرابات المناعة، والإجهاد العصبي، وربما بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتغيرات الكيميائية داخل الجسم.

ومع هذا التطور المتسارع، قد تتحول العين تدريجياً إلى منصة تشخيص رقمية حية تعمل بصمت على مدار الساعة، ترصد التغيرات الصحية الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان نفسه.

• هل تستطيع الخوارزميات فهم الإنسان؟ ورغم هذا التقدم العلمي المذهل، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع تحليل البيانات الحيوية بدقة هائلة، لكنه لا يفهم المشاعر الإنسانية بالطريقة التي يفهمها البشر. فالخوارزمية قادرة على اكتشاف تغير بروتيني أو إشارة مرضية دقيقة داخل الدموع، لكنها لا تشعر بالخوف الذي يرافق المريض، ولا تدرك المعنى الإنساني المختبئ خلف دمعة واحدة.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة، بل شراكة أكثر توازناً: الذكاء الاصطناعي يقرأ الإشارات الخفية داخل الجسم، والطبيب يقرأ الإنسان بكل تعقيداته النفسية والإنسانية.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الدموع، التي ظلّت عبر التاريخ رمزاً للمشاعر الإنسانية، قد تتحول قريباً إلى واحدة من أكثر أدوات الطب التنبؤي دقةً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الخوارزميات اليوم فهم ما يقوله الجسد... قبل أن ينطق به الإنسان.


مقالات ذات صلة

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)
صحتك توصي «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» بألا يتجاوز معظم البالغين الأصحاء 400 ملغ من الكافيين يومياً (بيكسلز)

ما كمية مشروب الطاقة التي يمكن تناولها بأمان يومياً؟

ينبغي التركيز على إجمالي الكافيين الذي يستهلكه الشخص خلال اليوم، لا على عدد العبوات فقط، مع ضرورة عدم تناول أكثر من 400 ملغ من الكافيين في اليوم الواحد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك 4 مكملات غذائية لتخفيف آلام المفاصل

4 مكملات غذائية لتخفيف آلام المفاصل

يُعدّ التهاب المفاصل Arthritis حالة مزمنة تتفاقم بسبب استمرار عملية الالتهاب في مكونات المفاصل، وقلة النشاط، وسوء التغذية، واضطرابات النوم. ومع ذلك، فإنه…

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك مرض الكلى المزمن... خطر خفي على قلبك

مرض الكلى المزمن... خطر خفي على قلبك

جولي كورليس*تقع الكليتان أسفل القفص الصدري مباشرةً على جانبي العمود الفقري، وتتوليان تصفية نحو 200 لتر من الدم يومياً، لتخلصا الجسم بذلك من الفضلات،

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية )
صحتك  الدكتور حسان شمسي باشا

أدلة جديدة تُعيد رسم خريطة العلاج والوقاية في الرعاية الأولية

يشهد الطب الحديث تسارعاً غير مسبوق في إنتاج الأدلة العلمية، والدراسات السريرية، حتى أصبح من الصعب على الممارسين الصحيين مواكبة الكم الهائل من المعارف الجديدة،

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة: )

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

لا... لاتخاذ القرارات بواسطة الذكاء الاصطناعي

عندما بدأ قائد شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية باستخدام «تشات جي بي تي»، بدأ بما يفعله معظمنا - الاستفادة من قدرة هذه التقنية الجديدة على تولي بعض المهام الصغيرة والروتينية. ولكن وفي غضون أشهر قليلة، تحوّل نموذج الذكاء الاصطناعي من مساعد يُعنى بالبريد الإلكتروني... إلى أعلى سلطة في الشركة، كما كتب فيصل حقّ (*).

قيادة كارثية لبرنامج ذكاء اصطناعي

ظهرت أولى علامات خروج الأمور عن مسارها عندما وجّه موظفيه إلى استشارة الذكاء الاصطناعي قبل كل اجتماع لمناقشة أفكارهم. ثم بدأ باتخاذ قرارات هيكلية بشأن الشركة بناءً على محادثات مع روبوت الدردشة، وتوظيف وفصل الموظفين بناءً على توصيات الذكاء الاصطناعي، وتحويل تركيز الشركة بالكامل من مجال ممارسة إلى آخر بناءً على ما أخبره به النموذج في ذلك الأسبوع. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وثيقة أطلق عليها اسم «الكتاب المقدس»، وهي عبارة عن دليل عمل متغيّر باستمرار، كان يُتوقع من الموظفين دراسته حتى لا يضطروا أبداً إلى طرح أي سؤال على زميل بشري. قد يميل البعض إلى تصنيف هذا النوع من القصص ضمن «حكايات جنون المكاتب»... لكنها موجودة، بل ومنتشرة.

لماذا يُعدّ حكمك مهماً؟

من المفيد أن تكون واضحاً بشأن ما تُجيده نماذج الذكاء الاصطناعي وما لا تُجيده. لقد استوعب النموذج الرائد ما يُقارب مجموع المعرفة البشرية المُسجلة: العلوم، وروائع الفنون، والحكمة المُتراكمة لمفكري الأعمال في العالم. وهذا ما يجعله قوياً للغاية. لكن هذه القوة متجذرة في معرفة متاحة للجميع.

ما تفتقر إليه نماذج اللغة الكبيرة هو الرؤية من داخل المواقف البشرية المُحددة. يمكنك تزويد النموذج بسياق، وسيستخدمه النموذج الجيد بذكاء. لكن في كثير من الأحيان، تكون أهم الأشياء التي تعرفها عن عملك لم تُدوّن قط. إنها ليست في بيانات التدريب ولن تكون أبداً، لأنها كامنة في تجربتك الشخصية: المقايضات التي تقبلها وتلك التي ترفضها؛ استقبال أو رفض قرار ما من قِبل هذا المجلس ومن هؤلاء العملاء.

لهذا السبب يصعب تفويض الحكم إلى آلة، ولهذا السبب أيضاً يكون تفويضه مغرياً للغاية لأن إجابة النموذج تأتي بسرعة، وتأتي واضحة، ولا تتطلب منك أي جهد. الاستسلام لها دون التفكير ملياً في صحتها أو خطئها هو فشل في الإرادة في أبشع صوره.

القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي... لابتعادهم عن العمل الفعلي

تنطبق مخاطر التخلي عن القدرة المعرفية على جميع العاملين. لكنها تتخذ بُعداً إضافياً بالنسبة للقادة: فالقادة ليسوا فقط عرضة لخطر التخلي عن حكمهم للآلة، بل إن قراراتهم قد تجبر مؤسسات بأكملها على اتخاذ الخطوة الخطيرة نفسها. والقادة معرضون بشكل خاص للعوامل التي قد تؤدي إلى سوء اتخاذ القرارات في هذا المجال.

وأشار آرون ليفي، مؤسس شركة Box ومديرها التنفيذي، إلى هذه المشكلة حديثاً عندما جادل بأن كبار القادة «أكثر عرضة» للمبالغة في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن السبب في ذلك هو ابتعادهم عن العمل الفعلي. فالقادة يرون العروض التوضيحية المصقولة، أو النماذج الأولية، أو العقود المُنشأة من الذكاء الاصطناعي)، ويستنتجون أن المهمة قد أُنجزت.

أما بالنسبة للكثيرين، فيبقى الجهد الكبير المبذول بين الناتج الأولي المثير للإعجاب والنتيجة النهائية، المشابهة ظاهرياً ولكنها أكثر دقة، غير مرئي. وهذه المسافة نفسها التي قد تجعل القادة يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي ويصرون على استخدام موظفيهم للذكاء الاصطناعي في مهام معينة.

وهنا تتحول المشكلة الفردية إلى مشكلة تنظيمية. فالقائد الذي يتوقف عن استخدام حكمه الشخصي يميل إلى بناء شركة لا تطلب من أي شخص آخر استخدام حكمه. والأسوأ من ذلك، أن الشركة قد تبدأ حتى في اعتبار الحكم البشري نقطة احتكاك يجب تقليلها.

ما يجب على القادة فعله

إن حماية الحكم العقلي في جميع أنحاء المؤسسة مسألة نابعة من التصميم، وليست من الفرض الإجباري، إذ لا يمكنك أن تطلب من الناس التفكير بأنفسهم بينما تبني شركة تُكافئهم على عدم بذل الجهد.

3 خطوات يمكنك اتخاذها لحماية مكانة ملَكَة الحكم العقلي البشري

• احمِ وقت القيام بالعمل الفعلي. إن أضمن طريقة لدفع فريق إلى التفكير هي إفساح الوقت لهم وليس إكراههم على القيام بأشياء أخرى. إذا أصررتَ على مواعيد نهائية لا يمكن تحقيقها إلا باستخدام الآلات، فإن الاعتماد على إجابات الذكاء الاصطناعي السلسة لن يكون خياراً (بل سيكون واجباً). ولذا وللحفاظ على فرصة التقييم العقلي البشري، من الضروري وضع حدود للضغط على العاملين لتحقيق أعلى كفاءة بأقل الأوقات.

• كافئ القرار لا الناتج فقط. إذا كان قياسك يقتصر على السرعة والكمية، فإنك تشجع على التهرب من التفكير. ابحث عن طرق لتقدير القرار نفسه، مثل الإشادة بالقرارات التي تنبثق نتيجة تفكير معمق، أو تقييم عدد المرات التي يتجاوز فيها الأفراد توصيات الآلة بشكل صحيح.

• اجعل تقييمك واضحاً. كن قدوة. اجعل علاقتك بالآلة تحدد النمط لكل من يعمل تحت إمرتك. إذا اعتبرت إجابة الذكاء الاصطناعي نهائية، فإنك سترخص لهم فعل الشيء نفسه؛ ناقش تلك الإجابة وتجاوزها أمام فريقك عندما يكون لديك سبب وجيه، واجعل ذلك هو القاعدة. أظهر، بوضوح، أن إجابة الآلة هي بداية عملية التقييم، وليست نهايتها.

الخلاصة: تحمل القرار بنفسك

تكمن المفارقة في أن التخلي عن التفكير الآلي يأتي في وقت تعمل فيه التكنولوجيا في ذروة كفاءتها وفي العادة فإن النموذج الذكي السريع والسلس والصحيح في أغلب الأحيان... هو تحديداً النموذج الذي تتوقف عن مراجعة إجاباته. وهنا يبدو كل تصرف من هذا القبيل منطقياً... إلى حين أن تكتشف أن مؤسستك قد تخلت ليس فقط عن تفكيرها الروتيني، بل عن إرادتها في اتخاذ قراراتها الخاصة.

ليست التكنولوجيا هي المشكلة هنا، وتقليل استخدامها ليس هو الحل. المهم هو التمسك بما لا تستطيع التكنولوجيا توفيره، ألا وهو القدرة على النظر إلى ما أنتجته الآلة، وتحديد مدى صحته، وتحمل مسؤولية القرار بنفسك.

مجلة «فاست كومباني».


الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع
TT

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

الأمم المتحدة: استراتيجية للذكاء الاصطناعي موجهة للجميع

افتُتح «أسبوع جنيف الرقمي» في 6 يوليو (تموز) بالحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وقمة الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث قدّمت اللجنة العلمية الدولية المستقلة الجديدة التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي إلى الحكومات، أول تقييم علمي عالمي لها حول الذكاء الاصطناعي، كما كتب غابرييل أكاسكينا(*).

مواثيق وتوصيات حول الذكاء الاصطناعي

يُختتم هذا التجمع ثلاث سنوات أنتجت خلالها الأمم المتحدة كمّاً هائلاً من الأعمال حول الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الميثاق الرقمي العالمي Global Digital Compact ووصولاً إلى تقرير «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية Global Digital Compact to the Governing AI for Humanity »، ومن توصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى القمم السنوية للاتحاد الدولي للاتصالات.

مورد مستقبلي لا تستطيع الأمم المتحدة تقييمه

وعند النظر إلى هذه الأعمال مجتمعة، نجد أنها تشترك في موقف واحد، وهو أن الأمم المتحدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كشيء علينا استقباله، ومورد يُوجّه نحو غايات نافعة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة، ويُرصد أثره على المجتمع، ويُزوّد ​​بضوابط أخلاقية.

وهذا هو جانب الطلب على التكنولوجيا، وهو محور مشاركة الأمم المتحدة الجوهرية حالياً. أما جانب العرض، أي الأماكن التي تُنتَج فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي الرائدة، وتُقَيَّم، وتُفرَز، فليس هناك وجود فعلي للأمم المتحدة فيه. إذ لا توجد هيئة متعددة الأطراف تضم كوادر فنية قادرة على فحص عمل المختبرات، ولا آلية لتقييم عمليات التدريب، ولا بنية تحتية مشتركة للإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود.

أطر استخدام ثنائية ومحلية... وليست أممية

تتبلور البنية التي ستتحكم بالأمور لعقود مقبلة، حالياً، في اتفاقيات ثنائية (محلية) بين المختبرات الرائدة والحكومات المضيفة لها، وفي كيانات خاصة مثل مشروع «غلاسوينغ Glasswing» التابع لشركة «أنثروبيك»، وفي قرارات مراقبة الصادرات الصادرة عن الجهات المضيفة للتكنولوجيا.

ويتضح هذا النمط (في التوجهات المحلية) جلياً في الأخبار المتداولة، إذ أذنت وزارة التجارة الأميركية أخيراً بنشر نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة من شركة أنثروبيك لنحو 100 مؤسسة أميركية، وذلك بعد أسبوعين من تعليق ضوابط التصدير الذي أدى إلى إيقاف استخدامه من الجميع.

مثال حكر الاستخدام... أميركياً

وبينما كان قرارا البيت الأبيض للتعليق والنشر الانتقائي قرارين أميركيين وكان الشركاء أميركيين، فإن الفئات السكانية المتأثرة بهذه التقنية، كانت عالمية. وقد أعرب مسؤولون أوروبيون علناً عن استيائهم من هذا الاعتماد الجديد على القرارات المتخذة في واشنطن. وباتت سلطة تحديد الفئات السكانية التي تحصل على إمكانية الوصول إلى تقنية أمن المعلومات المتقدمة، بحكم الأمر الواقع، في يد إدارة وطنية واحدة.

تقييم النماذج الذكية عالمياً

كيف سيبدو دور الأمم المتحدة في جانب العرض؟ يجري حالياً تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي قبل نشرها. ويقوم كل من معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني ومركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي الأميركي (معهد سلامة الذكاء الاصطناعي الأميركي سابقاً) باختبار النماذج المتقدمة من خلال اتفاقيات طوعية مع المختبرات الكبرى، وهي ممارسة روتينية لدرجة أن المختبرات نفسها تستشهد بها كدليل على التطوير المسؤول.

191 دولة من دون تنسيق

السؤال الذي لم يطرحه النظام متعدد الأطراف حتى الآن هو: لماذا لا يُتاح ضمان السلامة المتاح لبلدين لبقية دول العالم البالغ عددها 191 دولة؟

وللأمم المتحدة خبرة في إنجاز مثل هذا المستوى من العمل التقني. فقد أُنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 للتواصل المباشر مع مواقع تصنيع المواد النووية، وتمنحها ضماناتها وجوداً تقنياً دائماً في الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تعمل الوكالة داخل المنشآت التي تُعالج فيها المواد النووية، بدلاً من العمل من خارج الصناعة التي تُعالجها، ويتلقى سكان الدول التي لا تملك برامج نووية ضمانات من نظام لا يمكن لأي منهم بناؤه بمفرده.

تشارك المختبرات المحلية مع الأمم المتحدة

ولدى مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة أسبابها الخاصة للمشاركة. فهي تُقدم بالفعل نماذجها للتقييم الطوعي، لأنه يُوفر لها شهادة اعتماد يُمكنها الاستشهاد بها، ودفاعاً ضد الادعاء بأن التطوير الرائد يجري دون رقابة.

ويُوسع الترتيب متعدد الأطراف(للأمم المتحدة) نطاق المنطق نفسه، مانحاً هذه المختبرات ضماناً يُمكنها من تقديمه للأسواق والحكومات خارج نطاق الدولتين اللتين تُقدّمانه حالياً، وحامياً إياها من التشتت التنظيمي الذي قد تُنتجه الاتفاقيات بين الدول. فهي تسعى لكسب ثقة العالم أجمع، لا ثقة واشنطن ولندن فقط.

أميركا والصين لا تتشاركان مع الأمم المتحدة

تكمن الصعوبة في أن إنتاج الذكاء الاصطناعي المتقدم مُركّز في الولايات المتحدة والصين، ولا تُبدي أيٌّ منهما رغبةً تُذكر في فتح مختبراتها أمام وجود متعدد الأطراف.

ويتشابه الأمر مع الضمانات النووية عام 1953، أي قبل أربع سنوات من بدء عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حين بدا أن تركيز القدرات في قوتين متنافستين، واشنطن وموسكو آنذاك، يجعل أي اتفاق مستحيلاً سياسياً. وقد أُنشئت الوكالة لأن كلا الجانبين خلصا في نهاية المطاف إلى أن الشفافية المتبادلة أفضل من التعتيم المتبادل، واتضح أن الفترة القصيرة بين عامي 1953 و1957 كانت الفترة التأسيسية التي وُضعت خلالها أسس العمل على مدى السبعين عاماً التالية.

إنشاء وحدة أممية صغيرة لتقييم الذكاء الاصطناعي

ويمكن اعتبار «برنامج إصلاح الأمم المتحدة لعام 1980» الوسيلة الأمثل لظهور الرقابة على جانب العرض، إذ تسعى تلك المبادرة إلى إعادة توجيه أمانة الأمم المتحدة نحو التعددية المستقبلية. وتُمثّل فجوة حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديداً حالة من الغياب الهيكلي الذي يستوجب الإصلاح.

لا يتطلب سدّ هذه الفجوة إنشاء وكالة جديدة منذ البداية: يكفي منح الأمم المتحدة لعام 1980 تفويضاً لوحدة تقييم دائمة صغيرة، مُشكّلة من أصول تملكها الأمم المتحدة بالفعل، مثل المركز الدولي للحوسبة، مع دعوة المختبرات لتوسيع نطاق الاتفاقيات الطوعية التي تلتزم بها حالياً في لندن وواشنطن لتشمل المركز. هذا هو العمل الذي سيتعين على المرحلة التالية من المشاركة متعددة الأطراف القيام به.

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟
TT

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

كيف تساعدك الطبيعة على الخروج من دوامة أفكارك المتعبة؟

نحن مهيأون جينياً وتطورياً لميل فطري نحو كل الكائنات الحية، وهو ما أطلق عليه عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون مصطلح «البيوفيليا biophilia» (حب الطبيعة). فبمجرد الجلوس بين الأشجار وتأمل روعة الطبيعة المهيبة يمكننا استشعار تدفق الحياة؛ فالطبيعة تعمل على تغيير أدمغتنا نحو الأفضل، كما كتبت ليبي ما (*).

الخوف والتوتر ينحسران في أحضان الطبيعة

كشفت أبحاث نُشرت في دورية «Molecular Psychiatry» أن اللوزة الدماغية (الجزء المسؤول عن معالجة الخوف والتوتر في الدماغ) تكون أقل نشاطاً لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية. كما أظهر مسح منفصل شمل ما يقرب من 20 ألف مشارك أن الفرد يمكنه جني فوائد صحية بعد قضاء 120 دقيقة فقط أسبوعياً في أحضان الطبيعة.

تخفيف حدة «الضجيج الذهني»

وتشير الدراسات المتعلقة بـ«الاستحمام في الغابة» (أو ما يُعرف بـ«شينرين-يوكو shinrin-yoku») إلى أن المشي في الغابة يقلّل من مستويات الكورتيزول، ومعدل النبض، وضغط الدم، ونشاط الجهاز العصبي الودي. ووفقاً لعالم النفس الاجتماعي غريغوري براتمان، فإن الانغماس في روعة الطبيعة يمكن أن يخفّف من حدة «الضجيج الذهني» الذي نولّده بأنفسنا جرّاء اجترار التفكير في منغصات الحياة الصغيرة.

لسنا بحاجة إلى القيام برحلات شاقة في هضبة التبت مثلاً لنحظى بهذه المزايا؛ فحتى العناية بحديقة منزلية صغيرة، أو وضع النباتات في أصص على حافة النافذة، أو الجلوس تحت شجرة في حديقة عامة، يمكن أن يوفّر مكاسب صحية ملموسة. فالطبيعة تذكّرنا بأن عالمنا قد يكون مكاناً رائعاً، وأن شكوانا اليومية ومضايقاتنا التافهة لا ينبغي أن تكون هي ما يحدد مسار حياتنا.

* مجلة «سايكولوجي توداي»