حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة قبل ظهور الأعراض

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع
TT

حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع

لطالما ارتبطت الدموع في الوعي الإنساني بالحزن والفرح والخوف والحنين، وظلت لقرون تُفهم بوصفها لغة صامتة للمشاعر الإنسانية. لكن هذه القطرات الشفافة بدأت اليوم، داخل مختبرات الطب والذكاء الاصطناعي، تكتسب معنى مختلفاً تماماً.

فالدمعة التي كانت تُقرأ عاطفياً، أصبحت تُدرس علمياً باعتبارها نافذة بيولوجية دقيقة قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة داخل الدماغ والجهاز العصبي، حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة على المريض.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، لم يعد العلماء ينظرون إلى الدموع على أنها مجرد سائل تفرزه العين، بل بوصفها «خريطة بيانات حيوية» تحمل إشارات خفية عن صحة الإنسان، وربما عن اضطرابات لم تبدأ أعراضها السريرية بعد.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب التنبؤي، أصبحت الخوارزميات تحاول اليوم قراءة ما تخفيه الدموع بصمت، بحثاً عن أولى الهمسات البيولوجية للمرض قبل أن يتحول إلى حقيقة سريرية كاملة.

العين امتداد للدماغ

علمياً، لا تُعدّ العين عضواً منفصلاً عن الدماغ، بل هي امتداد حي للجهاز العصبي المركزي، ولهذا يعتقد الباحثون أن بعض الاضطرابات العصبية قد تترك بصماتها المبكرة في العين والدموع قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة بوقت طويل.

• الدموع ومرض ألزهايمر. في فبراير (شباط) 2026، نشرت الباحثة الإسبانية إينيس لوبيز-كوينكا (Inés López-Cuenca) وفريقها من معهد رامون كاستروفييخو لأبحاث طب العيون (Ramón Castroviejo Institute for Ophthalmic Research) في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، بالتعاون مع معهد البحوث الصحية في مستشفى سان كارلوس الجامعي؛ مراجعة علمية موسعة بعنوان: «الدموع بوصفها نافذة على مرض ألزهايمر» (Tears as a Window to Alzheimer’s Disease).

وأشارت الدراسة إلى أن الدموع ليست مجرد سائل لحماية العين، بل تحتوي على مؤشرات حيوية دقيقة، مثل البروتينات المرتبطة بالأمراض العصبية، والحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)، والحويصلات الخلوية المجهرية (Extracellular Vesicles)، وهي جزيئات قد تعكس تغيرات بيولوجية تحدث داخل الدماغ في المراحل المبكرة من مرض ألزهايمر، حتى قبل ظهور اضطرابات الذاكرة الواضحة.

من الدموع إلى العدسات الذكية... العين تتحول إلى منصة تشخيص حية

• دور الذكاء الاصطناعي. التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في جمع الدموع، بل في فهم اللغة البيولوجية المعقّدة المختبئة داخلها.

فالدمعة الواحدة قد تحتوي على آلاف الإشارات الجزيئية الدقيقة التي يصعب على الإنسان ربطها أو تفسيرها بالطرق التقليدية، خصوصاً عندما تكون الفروق بين الطبيعي والمرضي شديدة الدقة والتداخل.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الحيوية واكتشاف أنماط خفية قد لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها.

وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة «تقنيات النانو الحيوية» (Journal of Nanobiotechnology)، قدم الباحث الصيني تشينغفو زو (Qingfu Zhu) وفريقه البحثي نظاماً ذكياً يحمل اسم «إيه بي إل إي دي إكس» (ABLEDx)، يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الحويصلات الخلوية الموجودة في الدموع، بهدف الكشف المبكر عن الأمراض العصبية المزمنة والمتقدمة، مثل ألزهايمر وباركنسون.

وشارك في المشروع العالم لوك بي لي (Luke P. Lee)، المعروف بأبحاثه الرائدة في تقنيات الاستشعار الحيوي والأنظمة الطبية الدقيقة.

ويعتمد النظام على مقارنة الأنماط البيولوجية الموجودة داخل الدموع بقاعدة بيانات ضخمة، ما يسمح للخوارزمية بالتعرف على الإشارات المرتبطة بالأمراض العصبية في مراحلها المبكرة جداً، أحياناً قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة.

بمعنى آخر، لم يعد الذكاء الاصطناعي ينتظر ظهور المرض... بل يحاول الإصغاء إلى همساته الأولى.

• الدموع ومرض باركنسون. الأبحاث الحديثة لم تتوقف عند مرض ألزهايمر، بل امتدت إلى أمراض عصبية أخرى يصعب اكتشافها مبكراً، وفي مقدمتها مرض باركنسون.

ففي فبراير 2026 أعلن المركز الألماني لأبحاث الأمراض العصبية (German Center for Neurodegenerative Diseases – DZNE) في مدينة دريسدن مشروعاً بحثياً جديداً بقيادة البروفسور بيورن فالكينبورغر (Björn Falkenburger)، يهدف إلى البحث عن مؤشرات مرض باركنسون داخل الدموع بدلاً من الاعتماد على الفحوصات العصبية الأكثر تعقيداً وتدخلاً.

ويركز الباحثون على بروتين «ألفا سينوكلين» المشوّه (Alpha-Synuclein)، وهو من أهم العلامات البيولوجية المرتبطة بمرض باركنسون، إذ يعتقد العلماء أن تغيراته قد تبدأ داخل الجسم قبل سنوات من ظهور الارتعاش واضطرابات الحركة المعروفة.

ويأمل الفريق البحثي أن يسمح تحليل الدموع مستقبلاً بالكشف المبكر عن المرض عبر اختبار بسيط وغير مؤلم، وهو ما قد يغيّر طريقة تشخيص الأمراض العصبية المزمنة، التي تُكتشف غالباً بعد أن يكون الضرر العصبي قد بدأ بالفعل.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الدموع لكنه لا يفهم الإنسان

تقنيات وخوارزميات

• من الدموع إلى العدسات الذكية. هذا التقدم العلمي فتح الباب أمام جيل جديد من التقنيات الطبية القابلة للارتداء، حيث تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية حالياً على تطوير عدسات ذكية وأجهزة استشعار دقيقة تستطيع مراقبة المؤشرات الحيوية الموجودة داخل الدموع بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات مباشرة إلى أنظمة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

والفكرة الأساسية تقوم على تحويل العين من عضو للرؤية فقط إلى نافذة صحية قادرة على نقل معلومات بيولوجية لحظية عن الجسم.

وقد لا يقتصر استخدام هذه التقنيات مستقبلاً على الأمراض العصبية وحدها، بل قد يمتد إلى مراقبة السكري، والالتهابات، واضطرابات المناعة، والإجهاد العصبي، وربما بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتغيرات الكيميائية داخل الجسم.

ومع هذا التطور المتسارع، قد تتحول العين تدريجياً إلى منصة تشخيص رقمية حية تعمل بصمت على مدار الساعة، ترصد التغيرات الصحية الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان نفسه.

• هل تستطيع الخوارزميات فهم الإنسان؟ ورغم هذا التقدم العلمي المذهل، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع تحليل البيانات الحيوية بدقة هائلة، لكنه لا يفهم المشاعر الإنسانية بالطريقة التي يفهمها البشر. فالخوارزمية قادرة على اكتشاف تغير بروتيني أو إشارة مرضية دقيقة داخل الدموع، لكنها لا تشعر بالخوف الذي يرافق المريض، ولا تدرك المعنى الإنساني المختبئ خلف دمعة واحدة.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة، بل شراكة أكثر توازناً: الذكاء الاصطناعي يقرأ الإشارات الخفية داخل الجسم، والطبيب يقرأ الإنسان بكل تعقيداته النفسية والإنسانية.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الدموع، التي ظلّت عبر التاريخ رمزاً للمشاعر الإنسانية، قد تتحول قريباً إلى واحدة من أكثر أدوات الطب التنبؤي دقةً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الخوارزميات اليوم فهم ما يقوله الجسد... قبل أن ينطق به الإنسان.


مقالات ذات صلة

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

علوم حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

هل يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة فيستقبله شخص يبدو بشرياً، يجيب عن أسئلته، ويساعده في حجز موعده، ويوجهه إلى الخدمة المناسبة،

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

يمر على جانبي العنق زوج من الألياف المدهشة، التي يسميها العلماء «العصب المبهم». وبعض الأحيان، يُطلق على هذا العصب تعبير «منظم ضربات للدماغ»؛

سيمار بجاج (نيويورك)
علوم توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

TT

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

هل يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة فيستقبله شخص يبدو بشرياً، يجيب عن أسئلته، ويساعده في حجز موعده، ويوجهه إلى الخدمة المناسبة، قبل أن يلتقي موظف الاستقبال أو الطبيب؟

الدكتور كيانور شاه مؤسس منصة «ون هولو»

«خيال علمي» في قاعة الانتظار

هذا السؤال لم يعد ينتمي إلى عالم الخيال العلمي بالكامل. ففي الأول من يونيو (حزيران) 2026، أُعلن في ولاية كاليفورنيا الأميركية عن الإطلاق التجريبي لمنصة «ون هولو» (OneHolo.ai)، وهي منصة جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الهولوغرام» (الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد) بهدف تطوير جيل جديد من الأنظمة الرقمية القادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن وإدارة عدد من المهام التشغيلية داخل المؤسسات الصحية والخدمية.يأتي هذا الإطلاق ضمن مرحلة تجريبية تهدف إلى اختبار النماذج التشغيلية والسريرية للمنصة في بيئات رعاية صحية حقيقية، وقياس مؤشرات الأداء المتعلقة بسرعة الاستجابة وتحسين تجربة المرضى وتقليل العبء الإداري على الكوادر البشرية.

• ماذا تفعل منصة «ون هولو»؟ صُممت المنصة للعمل عبر قنوات متعددة تشمل الهاتف والرسائل النصية والمواقع الإلكترونية والشاشات التفاعلية والواجهات المجسمة ثلاثية الأبعاد. وتهدف إلى المساعدة في الإجابة عن الأسئلة الشائعة، وحجز المواعيد، وتقديم المعلومات المعتمدة، وتوجيه الحالات التي تحتاج إلى تدخل بشري إلى الموظفين المختصين.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور كيانور شاه Dr. Kianor Shah، مؤسس منصة «ون هولو»: «لا نطوّر مجرد موظف استقبال رقمي، بل نسعى إلى بناء فئة جديدة من الأنظمة الذكية التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والحضور البصري المجسم وإدارة سير العمل في منصة واحدة».اف: «نحن الآن في مرحلة الإطلاق التجريبي، حيث سنبدأ اختبار المنصة في بيئات تشغيل حقيقية داخل مؤسسات صحية مختارة. هدفنا ليس استبدال الإنسان، بل تمكينه من التركيز على المهام التي تتطلب الخبرة والحكم البشري». وأوضح أن المنصة تعتمد على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع تقنيات التعرف الصوتي ومعالجة اللغة الطبيعية، وربطها بأنظمة العمل المختلفة، مع المحافظة على متطلبات الخصوصية والأمان، وإمكانية إحالة الحالات الحساسة أو المعقدة إلى الموظفين المختصين.

عصر الوكلاء الأذكياء: الإنسان والآلة يعملان جنباً إلى جنب

السعودية أول محطة دولية

كشف الدكتور شاه لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة العربية السعودية ستكون أول دولة خارج الولايات المتحدة الأميركية يُخطط لتجربة المنصة فيها.

وقال: «ننظر إلى المملكة العربية السعودية بوصفها واحدة من أكثر الدول تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. كما أن رؤية السعودية 2030 خلقت بيئة استثنائية للابتكار والتحول الرقمي، ولذلك نرى أن السعودية تمثل الشريك المثالي للمرحلة الدولية الأولى من المشروع».

وأضاف أن المنصة صُممت لتكون قادرةً على التواصل بلغات متعددة، من بينها اللغة العربية، إلى جانب عدد كبير من اللغات العالمية الأخرى، بما يسمح بتكييفها مع الاحتياجات اللغوية والثقافية المختلفة للمؤسسات الصحية والخدمية حول العالم.

حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب

«الهولوغرام» يدخل عالم الرعاية الصحية

يأتي إطلاق «ون هولو» في وقت بدأت فيه تقنيات «الهولوغرام» تجد طريقها إلى التطبيقات الصحية الفعلية. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الرعاية الصحية» (Healthcare)، قادت الباحثة الدكتورة ماريا باجوا Maria Bajwa، وفريقها من كلية الطب بجامعة أديلايد (University of Adelaide) في أستراليا دراسة حول استخدام بيئات «الهولوغرام» التفاعلية في تدريب الفرق الصحية متعددة التخصصات.وأظهرت النتائج أن تقنيات «الهولوغرام» عزّزت من مستوى التفاعل والانغماس البصري. وخلص الباحثون إلى أن «الهولوغرام» قد يمثل أداة واعدة لتطوير التعليم الطبي والتواصل السريري خلال السنوات المقبلة.وأشار الباحثون إلى أن هذه التقنية قد تسهم مستقبلاً في تحسين التعليم الطبي والتواصل بين الفرق السريرية والمرضى.

خصوصاً مع تطور تقنيات الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي.

هل يولد جيلٌ جديدٌ من القوى العاملة الرقمية؟ ورغم أن منصة «ون هولو» لا تقدم تشخيصاً طبياً، ولا تتخذ قرارات علاجية، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو ما يُعرف بـ«الوكلاء الأذكياء» (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام تشغيلية متقدمة بصورة مستقلة نسبياً مع بقاء الإنسان مسؤولاً عن القرارات النهائية.

ويرى شاه أن التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية، اليوم، مثل نقص الكوادر وضياع الاتصالات وتفاوت جودة الخدمة، لا تختلف كثيراً عن التحديات التي تواجه قطاعات أخرى مثل الضيافة والتعليم والخدمات الحكومية. ولذلك يصف «ون هولو» بأنه خطوة نحو بناء قوة عمل رقمية قادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن على مدار الساعة مع الحفاظ على الطابع الإنساني للتواصل.

الهولوغرام الطبي: فصل جديد في تدريب الكوادر الصحية

بين دقة الخوارزمية ودفء الإنسان

لكن الأهمية الحقيقية لمشروعات مثل «ون هولو» قد لا تكمن في قدرتها على الإجابة عن الأسئلة، أو حجز المواعيد، بل في أنها تكشف عن التحول العميق الذي تشهده العلاقة بين الإنسان والآلة في قطاع الرعاية الصحية.

فخلال السنوات المقبلة قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تعمل خلف الكواليس، بل واجهة أولى يتفاعل معها المريض قبل أن يرى الطبيب أو موظف الاستقبال. وقد تتحول العيادات والمستشفيات تدريجياً إلى بيئات هجينة يعمل فيها البشر والوكلاء الأذكياء جنباً إلى جنب، يتقاسمون المهام والمسؤوليات وفق حدود مهنية وأخلاقية واضحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التقنيات في تقديم الكفاءة والسرعة التي تعد بها من دون أن تفقد الرعاية الصحية جوهرها الإنساني؟ فبينما تتطور الخوارزميات و«الهولوغرام» بوتيرة متسارعة، ستبقى قيمة الطب الحقيقية في قدرته على الجمع بين دقة التكنولوجيا... ودفء الإنسان.

ولعل اختيار السعودية لتكون أول محطة دولية للمشروع خارج الولايات المتحدة يعكس المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المملكة في مشهد الذكاء الاصطناعي الطبي عالمياً، في ظل التحولات المتسارعة التي تقودها «رؤية 2030» نحو بناء منظومة صحية رقمية متقدمة.

تؤدي مهمات الحضور البصري المجسم وتنفيذ العمل... والسعودية أول وجهة دولية لها


الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر
TT

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة التي تحدث داخل مليارات الخلايا العصبية لغزاً يصعب تتبعه.

واليوم نجح باحثون في جامعة روكفلر الأميركية في الاقتراب أكثر من هذا العالم الخفي عبر تطوير تقنيات جينية متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد، ورصد كيفية تواصلها، وتغير نشاطها مع مرور الزمن. ويأمل العلماء أن تقود هذه الاكتشافات إلى فهم أعمق للشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، وربما تمهد الطريق مستقبلاً لاستراتيجيات جديدة تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر تدهوره.

قراءة الدماغ بطريقة مختلفة

يقود هذه الأبحاث العالم جونيو كاو من مختبر علم جينوم الخلية المفردة وديناميات السكان جامعة روكفلر نيويورك المتخصص في تقنيات تحليل الخلايا المفردة. وقد طور فريقه أداتين جديدتين تحملان اسم «IRISeq» و«EnrichSci» صُممتا لدراسة الشيخوخة من زاويتين مختلفتين.

التقنية الأولى التي سميت «إعادة بناء الصور باستخدام التسلسل المفهرس» IRISeq Imaging Reconstruction using Indexed Sequencing نشرت في مجلة Nature Neuroscience في 12 مايو (أيار) 2026، تعتمد على فكرة مبتكرة هي استخدام الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه كخريطة لتحديد مواقع الخلايا وعلاقاتها ببعضها داخل أنسجة الدماغ من دون الحاجة إلى المجاهر التقليدية.

وبدلاً من التقاط صور للخلايا تستخدم التقنية ملايين الجزيئات المشفرة وراثياً لجمع معلومات حول الخلايا المتجاورة وطريقة تفاعلها. ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون إعادة بناء خريطة دقيقة للنسيج الدماغي، وفهم كيفية تواصل الخلايا مع بعضها في أثناء الشيخوخة.

ويصف الباحثون هذه الطريقة بأنها أشبه بتحويل تقنيات التسلسل الجيني إلى وسيلة جديدة «لرؤية» الأنسجة البيولوجية، ولكن بتكلفة أقل وقدرة أكبر على دراسة عينات ضخمة.

وقد اكتشف العلماء أمراً لافتاً عند تطبيق التقنية الجديدة على أدمغة متقدمة في العمر وجود مناطق التهابية خفية داخل الدماغ؛ لأن بعض أنواع الخلايا المرتبطة بالالتهاب لا تنتشر بشكل عشوائي، بل تتجمع في «أحياء خلوية» محددة داخل المادة البيضاء للدماغ.

وشملت هذه التجمعات خلايا مناعية وخلايا داعمة للأعصاب تتفاعل مع بعضها بطريقة قد تعزز الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن.

كما كشفت الدراسة أن بعض الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية تنشط بشكل مكثف في مناطق محددة قرب تجاويف الدماغ المملوءة بالسائل الدماغي. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الموضعي ربما كان سيبقى غير مكتشف لولا القدرة الجديدة على رصد المواقع الدقيقة للخلايا داخل النسيج.

وتشير النتائج إلى أن هذه المناطق قد تكون من أكثر أجزاء الدماغ عرضة للتدهور المرتبط بالعمر؛ ما يجعلها أهدافاً محتملة للعلاجات المستقبلية.

تغيرات أعمق من الجينات نفسها

أما التقنية الثانية «إثراء الخلايا المستهدفة الموجهة بالنسخ لتسلسل الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA أحادي الخلية القابل للتطوير» EnrichSci Transcript-guided Targeted Cell Enrichment for Scalable Single-Cell RNA Sequencing فتركز على دراسة أنواع نادرة من الخلايا التي يعتقد أنها الأكثر تأثراً بالشيخوخة، وقد نُشرت في مجلة Cell Genomics في 11 مارس (آذار) 2026، وباستخدام هذه الأداة تمكن الباحثون من عزل مجموعات خلوية محددة داخل أدمغة الفئران المسنة، وتحليل نشاطها الجيني بدقة عالية.

وكانت المفاجأة أن بعض التغيرات المهمة لم تظهر في مستوى نشاط الجينات نفسها، بل في أجزاء أصغر تُعْرف باسم «الإكسونات» exons (الإكسونات هي أجزاء من الجينات التي تُكوّن نسخ الحمض النووي الريبي RNA الناضجة والتي تُترجم إما إلى بروتينات، أو تؤدي وظائف بيولوجية أخرى).

ووجد العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بعملية تُعرف باسم «التضفير البديل» post-transcriptional regulation، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج عدة أشكال مختلفة من البروتينات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن اضطرابات التضفير البديل ارتبطت سابقاً بأمراض عديدة من بينها أمراض التنكس العصبي وبعض أنواع السرطان.

ويعتقد الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف المراحل المبكرة من التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

نافذة جديدة لفهم الدماغ

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على فهم الشيخوخة فإن تطبيقات هذه التقنيات قد تمتد إلى مجالات أوسع كثيراً؛ فالتقنية الأولى يمكن أن تساعد في دراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع الأورام السرطانية، بينما قد تسهم التقنية الثانية في كشف التغيرات الجينية الدقيقة التي ترافق تطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على دراسة الخلايا ضمن بيئتها الطبيعية بدلاً من تحليلها بمعزل عن محيطها.

تكشف هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست مجرد تراجع تدريجي في وظائف الجسم، بل عملية معقدة تشمل شبكة واسعة من التفاعلات بين الخلايا والتغيرات الجينية الدقيقة.

ومع تطور أدوات التحليل الجيني يقترب العلماء أكثر من فك شيفرة ما يحدث داخل الدماغ مع التقدم في العمر، وقد لا يساعد ذلك فقط في فهم الشيخوخة، بل أيضاً في تطوير علاجات جديدة تحافظ على صحة الدماغ، وتؤخر ظهور الأمراض العصبية التي تزداد انتشاراً مع ارتفاع متوسط العمر حول العالم.


هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟
TT

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

هل يمكن لـ«صدمة العصب المبهم» أن تحسّن الصحة؟

يمر على جانبي العنق زوج من الألياف المدهشة، التي يسميها العلماء «العصب المبهم». وبعض الأحيان، يُطلق على هذا العصب تعبير «منظم ضربات للدماغ»؛ إذ إنه يربط الدماغ بمعظم الأجهزة العضوية الرئيسة في الجسم.

نصائح الإنترنت الملتبسة

على مدار مئات السنين، عمل العصب المبهم في هدوء شبه تام. إلا أنه نال حديثاً مكانة شبه أسطورية بين مقدمي «البودكاست» ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من المعنيين بمجال الصحة والعافية.

شخص لا يستطيع النوم؟ عالجوه بالكهرباء... شخص متوتر؟ استمروا في التنبيه الكهربائي... ضباب ذهني، التهابات، مشكلات هضمية؟ الحل المزعوم نفسه.

في هذا الصدد، قال الدكتور كيفن تريسي، جراح الأعصاب ورئيس معاهد فاينستاين للبحوث الطبية في نورثويل هيلث: «هناك مليارات الانطباعات، والمنشورات على الويب، حول العصب المبهم. الكثير من ذلك يقوده مؤثرون يقولون: (فقط افعل هذا لمحاكاة العصب المبهم، وستُحل كل مشكلات حياتك)». وأشاد مشاهير ومؤثرون معنيون بالمجال الصحي، بفوائد تحفيز العصب المبهم. وفي الواقع، فإن بعض النصائح المطروحة على هذا الصعيد غير مؤذية، مثل التنهّد أو تقنيات التنفس العميق.

إلا أن الكثير من المؤثرين ذهبوا أبعد من ذلك، وروَّجوا لأجهزة تُلبس حول العنق أو الأذنين ترسل نبضات كهربائية. ويتوقع بعض المحللين أن صناعة تحفيز العصب المبهم، قد تصل قيمتها إلى مليار دولار بحلول 2030.

جدير بالذكر هنا، أن بعض محفزات العصب المبهم تعدّ أجهزة طبية حقيقية، نالت موافقة الحكومة الفيدرالية لحالات محدودة. في المقابل، نجد أن الكثير من الأجهزة التي قد تصادفها على الإنترنت لا تعمل في الواقع، حسب تريسي، وتستغل ببساطة مصداقية أجهزة التحفيز الطبي - المتاحة فقط عبر الجراحة أو بوصفة طبية.

بمعنى آخر، فإن تحفيز العصب المبهم قائم على علم كافٍ ليبدو جدياً، ومحاط بقدر كافٍ من الغموض ليبدو دونما حدود، كما قال تريسي.

شكل تصويري لجهاز تحفيز العصب المبهم لعلاج الصرع

تحفيز العصب المبهم

• ما العصب المبهم؟ يشكل العصب المبهم vagus nerve أحد الطرق الرئيسة لنقل المعلومات في الجسم، ويحتوي على قرابة 200000 ليف يصل من الدماغ إلى القلب والرئتين والمعدة وغيرها، قبل أن ينتهي عند القولون. وحسب ما أوضحه تريسي، فإن ما يقرب من 80 في المائة من هذه الألياف، ينقل تحديثات لحظية من جسمك إلى الدماغ، بينما ينقل الباقي أوامر من الدماغ إلى الخارج. وتتيح هذه الوظيفة المزدوجة للدماغ مراقبة وتنظيم الكثير من الوظائف، التي نادراً ما تشغل تفكيرك، مثل معدل ضربات القلب والتنفس والهضم. كما أنها القناة الرئيسة الرئيس للجهاز العصبي اللاودي (الباراسمبثاوي)، الذي يساعد في هضم الطعام، وتنظيم الالتهابات وتهدئة الأعصاب.

• ما تأثير تحفيز العصب المبهم فعلياً؟ تستخدم الأعصاب نبضات كهربائية للتواصل؛ لذا وعن طريق توصيل صدمات إليها يمكن للعلماء التأثير على الإشارات التي ترسلها. وبما أن العصب المبهم يلامس الكثير من الأعضاء، يأمل الباحثون أن يتيح لهم هذا النهج تطوير علاجات لمجموعة من المشكلات الطبية، حسب تريسي سنتاني، عالمة الأعصاب في جامعة فلوريدا.

• أجهزة تحفيز العصب المبهم. من جهتها، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أجهزة تحفيز العصب المبهم، لعلاج أنواع معينة من الصرع، والاكتئاب المقاوم للعلاج، والتعافي من السكتة الدماغية، وحديثاً التهاب المفاصل الروماتويدي. وتُزرع هذه الأجهزة جميعها جراحياً في العنق، أو تحت جلد الصدر، لتحفز العصب مباشرة.

كما سمحت إدارة الغذاء والدواء ببعض الأجهزة غير الجراحية بوصفة طبية، وإن كانت تخضع لمعايير سلامة وفاعلية أدنى. وأحد هذه الأجهزة، المسمى «غاما كور gammaCore»، مخصص لعلاج الصداع العنقودي والشقيقة. وهناك أجهزة عدة ـ «إن إس إس ـ 2 بريدج NSS-2 Bridge» و«درغ ريليف Drug Relief» و«سبارو Sparrow» و«نيت NET» قد تساعد في تقليل أعراض الانسحاب عند التوقف عن تناول المواد الأفيونية.

تشير بعض الدراسات الأولية إلى أن هذه الأنواع من الأجهزة قد تساعد في علاج القلق، الأرق والالتهاب، وفقاً لما أوضحته سنتاني. ورغم الحاجة إلى مزيد من الأدلة، لم يمنع ذلك الشركات من إطلاق ادعاءات مُبالغ فيها عبر الإنترنت.

أجهزة استهلاكية خادعة

ينبغي توخي الحذر إذا حصلت على جهاز لتحفيز العصب المبهم دون جراحة أو وصفة طبية، خاصة وأن هذه الأجهزة الاستهلاكية تخضع لرقابة ضعيفة، ولا يشترط عليها إثبات فاعليتها أمام مسؤولي إدارة الغذاء والدواء، حسب ما أفادته الدكتورة كريستل فونك، طبيبة أعصاب في جامعة جنت في بلجيكا. وفي الغالب تشبه هذه الأجهزة نظيراتها الموصوفة طبياً، ويجري ارتداؤها في الأذن أو حول العنق. وفي أثناء استخدامها، قد تشعر ببعض الوخز، أو صدمة كهربائية طفيفة، بل وربما حتى تغير في معدل ضربات القلب، وفقاً لما ذكره مايكل كيلغارد، مدير مركز تكساس للأجهزة الطبية الحيوية، في جامعة تكساس في دالاس. إلا أن هذا أمر طبيعي عند مرور الكهرباء عبر الجلد، ولا يدل بالضرورة على أنها تؤثر فعلياً في العصب المبهم نفسه. وعبَّر كيلغارد عن اعتقاده بأن: «غرابة الإحساس تكفي لتثير شعوراً بالإزعاج»، إلى حد يجعل الناس يشعرون أن الجهاز أنجز شيئاً بالفعل، لكن الإحساس ليس مؤلماً للغاية.

في الواقع، فإنه لا تتوفر بيانات تُذكر تدعم فاعلية هذه الأجهزة. من ناحيتها، تُطلق الشركات المُسوّقة لها ادعاءات مبهمة بأنها تُعزز الطاقة، وتُحسّن النوم، وتُدعم التواصل بين الدماغ والأمعاء، وتُحسّن الذاكرة، وتُعزز التعلّم، وتُعيد التوازن، وغيرها. وفي أغلب الحالات، لا تعدو هذه الأجهزة كونها مُجرد دواء وهمي، مُغلّف بغطاء علم الأعصاب، حسبما يرى كيلغارد.

وأوضحت فونك أن الكثير من هذه الأجهزة «منخفضة المخاطر»، يُمكنها تجاوز المراجعة اللازمة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، من خلال طرح ادعاءات صحية مبهمة، بدلاً من تقديم أدلة على فوائد صحية مُحددة وقابلة للتحقق. وأضافت أن بعض الشركات تُجري دراسات محدودة وضعيفة الجودة لدعم أجهزتها، وأن الكثير منها يكتفي باستخدام مصطلحات البحث العلمي الموثوق بعَدّ ذلك حيلة تسويقية.

إذن، ما الضرر؟ شرحت فونك بأن أجهزة التحفيز التي يُمكن شراؤها عبر الإنترنت، قد تُسبب بعض الاحمرار أو الوخز، ولكن من غير المحتمل أن تُسبب أي ضرر حقيقي./*-8975/

وبشكل عام، فإن بطارياتها صغيرة للغاية، بحيث لا تُسبب حروقاً للجلد، كما قال كيلغارد. وأضاف أن القلق الأكبر يكمن في الأمل الزائف، مشيراً إلى أنه رأى الكثير من المرضى يشترون جهازاً لا يفعل شيئاً سوى تأخير تحولهم نحو العلاجات الفعّالة. وأضاف: «يشعرون بتحسن فوري بمستوى لم يسبق لهم أن شعروا به من قبل. وأعتقد أن الكثيرين منهم يخدعون أنفسهم».

* خدمة «نيويورك تايمز»