دواء مناعي تجريبي يوقف نمو السرطان

طُوِّر بعد رصد أجسام مضادة تحدُّ من الأورام في مراحلها المبكرة

صورة من مختبر الباحث إدوارد باتز تظهر فيها نوى الخلايا السرطانية في الرئة باللون الأزرق وهي ترتبط بالأجسام المضادة «جي تي 103» باللون الأخضر
صورة من مختبر الباحث إدوارد باتز تظهر فيها نوى الخلايا السرطانية في الرئة باللون الأزرق وهي ترتبط بالأجسام المضادة «جي تي 103» باللون الأخضر
TT

دواء مناعي تجريبي يوقف نمو السرطان

صورة من مختبر الباحث إدوارد باتز تظهر فيها نوى الخلايا السرطانية في الرئة باللون الأزرق وهي ترتبط بالأجسام المضادة «جي تي 103» باللون الأخضر
صورة من مختبر الباحث إدوارد باتز تظهر فيها نوى الخلايا السرطانية في الرئة باللون الأزرق وهي ترتبط بالأجسام المضادة «جي تي 103» باللون الأخضر

هل يمكن استغلال آلية الجسم في مكافحة السرطانات لتطوير دواء جديد؟ الجواب: ربما، وفقاً لدراسات بحثية أولية.

أورام سرطانية قاتلة... أو مختفية

تكمن الفكرة في استغلال ما هو معروف عن نمو السرطانات. فبينما ينمو كثير منها وينتشر ويصبح قاتلاً دون علاج، يختفي بعضها تلقائياً، أو ببساطة: لا يتطور. وتبقى في الجسم غير ضارة، ولا تسبب أي أعراض. ​​وهذا يخالف الاعتقاد السائد.

ولطالما أثارت السرطانات غير الضارة اهتمام الدكتور إدوارد باتز الذي أمضى معظم حياته المهنية في بحوث السرطان بجامعة ديوك؛ إذ يعتقد أنها قد تحمل مفاتيح مهمة لتطوير الأدوية.

دواء تجريبي

وكانت النتيجة -بعد سنوات من البحث- تطوير دواء تجريبي، لم يتم اختباره حتى الآن إلا على عدد قليل من مرضى سرطان الرئة. ورغم أن النتائج كانت مشجعة فإن معظم الأدوية التجريبية الواعدة فشلت بعد دراسات أوسع وأكثر دقة.

ولم يمنع ذلك باتز من تأسيس شركة «غريد ثيرابيوتكس» حديثاً، على أمل أن يُثبت الدواء التجريبي أنه نوع جديد من علاجات السرطان.

أجرى الباحثون دراستهم على أورام الرئة السرطانية

فكرة «فاتنة»

ويقول باحثون غير مشاركين في هذا الجهد، إنهم مفتونون بالفكرة؛ إذ يقول الدكتور روي هيربست، خبير سرطان الرئة ورئيس قسم الأورام الطبية في جامعة ييل: «ما زلنا في المراحل المبكرة جداً، ولكنني معجب بالفكرة».

ويُبدي الدكتور ديفيد باربي، رئيس قسم أورام الصدر في معهد «دانا فاربر» للسرطان، إعجابه بالفكرة أيضاً. ولكنه حذر من أن الطريق لا يزال طويلاً من مجرد الفكرة إلى إثبات أن الدواء يُوقف نمو الأورام أو يُزيلها. ويقول باربي إن الفعالية في هذه المرحلة «لا تزال مجرد (حالة) ارتباط»

سرطانات خاملة أو عدوانية

بدأ سعي باتز منذ عقود. فبصفته باحثاً في مجال السرطان بجامعة «ديوك»، أراد أن يفهم لماذا تتصرف أنواع السرطان التي تبدو متشابهة في الصور الشعاعية، بشكل مختلف تماماً عند فحصها من قبل اختصاصيي علم الأمراض وتحليلها جينياً. فبعضها كان خاملاً، وبعضها الآخر كان عدوانياً.

وقرر البحث عن أدلة في عينات من مرضى سرطان الرئة. وقال باتز: «كنا نجمع عينات لمدة 25 عاماً من مرضى تم تشخيصهم حديثاً». وكانت لديه أنسجة ورمية وعينات دم، وسجلات تُظهر أيّ المرضى توفوا سريعاً بسبب السرطان وأيّهم لم يتوفوا.

وتساءل باتز: هل توجد جينات مميزة في أورام أولئك الذين لم يعاودهم السرطان؟ أم أن هناك بروتينات دموية معينة تُفرَز من هذه الأورام؟ ولم يجد فريقه أي دليل.

رصد أجسام مضادة للسرطان

ثم بحث فريقه في مصل المرضى المخزَّن -الجزء الأصفر الصافي من الدم الخالي من خلايا الدم الحمراء- عن علامة على أن شيئاً ما قد هاجم الخلايا السرطانية.

ووجد الدليل في جسم مضاد هو «جي تي 103» (GT103). وبعد دراسة أمصال مئات المرضى، اقترح باتز أن وجود «جي تي 103» علامة على أن مريض سرطان الرئة قد «يتحسن كثيراً إذا كان في مرحلة مبكرة من المرض».

وبدا للباحثين وكأن الجسم المضاد قادر على منع الخلايا السرطانية من استخدام درع جزيئي - عامل المتممة «إتش» (complement factor H) - ضد الجهاز المناعي.

ويعمل الجسم المضاد على حجب هذا الدرع، أي منعه عن العمل. ولذا، عند توفر هذا الجسم المضاد «جي تي 103»، يقوم أحد أجزاء الجهاز المناعي بقتل الخلايا السرطانية.

إنتاج دواء من الأجسام المضادة

كانت الخطوة التالية هي إنتاج كميات كبيرة من «جي تي 103» لاستخدامه كعلاج محتمل. وقد قام بارتون هاينز من معهد «ديوك» للقاحات البشرية بتوفير الجسم المضاد.

وأظهرت بحوث لاحقة أن الجسم المضاد فعَّال في الحيوانات. وعندها ترك باتز جامعة «ديوك» ليؤسس شركته. وبدأت المرحلة الأولى من اختبار الدواء على مرضى سرطان الرئة، والتي تركز فقط على السلامة.

اختبار ناجح لوقف نمو السرطان

أجرى الاختبار كل من الدكتورة هيرفا مامداني من جامعة «واين ستيت» في ديترويت، والدكتور جورج سيمون من «أوهايو هيلث»، وزملاؤهما في جامعة «ديوك» ومركز «موفيت» للسرطان في فلوريدا. وشملت دراستهم 31 مريضاً لم تنجح معهم العلاجات التقليدية لسرطان الرئة.

وقالت مامداني إن الأورام لم تنكمش، ولكنها توقفت عن النمو مؤقتاً على الأقل لدى ثلث المرضى، بينما عبَّر جورج سيمون عن شعوره بالتفاؤل.

وقال: «أعطيتُه لمريضٍ نما ورمه رغم خضوعه لعلاجات عدة. لم يكن لدينا الكثير لنقدمه له». وأضاف أنه مع الدواء التجريبي، توقف نمو السرطان لمدة 9 أو 10 أشهر.

أدوية مدمجة

وكانت الخطوة التالية هي دمج الجسم المضاد مع «بيمبروليزوماب»، وهو دواء للعلاج المناعي من إنتاج شركة «ميرك» ويُباع تحت اسم «كيترودا» (Keytruda).

وكان الباحثون يأملون أن يُكمّل الدواءان بعضهما بعضاً. فالجسم المضاد الذي عزله باتز يُنشّط إحدى أذرع الجهاز المناعي، بينما يُنشّط دواء «ميرك» ذراعاً أخرى.

وقال باتز: «يقتل الجسم المضاد الذي طورناه خلايا الورم تحديداً، ولكنه قد لا يقضي عليها جميعاً». وأضاف: «بإضافة دواء (ميرك) نحاول تدريب الجهاز المناعي على التعامل مع كل ما تبقى».

نتائج متفاوتة

هل نجحت التجربة؟ من الصعب الجزم بذلك. فلو شُفيَت نسبة كبيرة من المرضى، لكان الأمر واضحاً. ولكن هذا لم يحدث. بدت الأورام مستقرة لدى معظم المرضى، ولكن بعضها عاد للنمو.

وأوضح باتز أن المشكلة تكمن في أن الأورام قد تكون مليئة بالخلايا المناعية التي تُسبب الالتهاب، مع وجود عدد قليل من الخلايا السرطانية. وقد لاحظ ذلك في ورم أحد المرضى الذي بدا أنه ينمو، ولكن في الواقع كان الالتهاب هو السبب في تضخمه. وأضاف: «ليست كل الخلايا التي نكتشفها ونقيسها بالتصوير خلايا سرطانية».

لكن كانت هناك نتيجة مذهلة لدى أحد مرضى مامداني؛ إذ قالت إن ورمه اختفى تماماً. ولم تُظهر الفحوصات أي دليل على وجود المرض منذ عامين. وأضافت: «لم يعد يتلقى أي علاج».

وأكد الباحثون أن ما نحتاج إليه الآن هو دراسة أوسع نطاقاً مع مجموعة ضابطة لم تتلقَّ الأجسام المضادة. وقال سيمون: «علينا دراسة مئات المرضى».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

الجلوس المتواصل أكثر من 30 دقيقة يرتبط بارتفاع خطر الوفاة بالسرطان

صحتك الجلوس طويلاً يزيد من خطر الوفاة بالسرطان (بيكساباي)

الجلوس المتواصل أكثر من 30 دقيقة يرتبط بارتفاع خطر الوفاة بالسرطان

توصلت دراسة حديثة إلى أن الجلوس المتواصل مدة تزيد على نصف ساعة يومياً يزيد من خطر الوفاة بسبب السرطان؛ وفق ما ذكرته صحيفة «الغارديان» البريطانية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)

لماذا يعد سرطان القلب من الأمراض النادرة التي تصيب البشر؟

ما الذي يجعل سرطان القلب مرضاً نادر الحدوث؟ يقول العلماء إن السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
صحتك فتاة تستخدم أحد منتجات التدخين الإلكتروني بلندن (إ.ب.أ)

من تلف الرئتين إلى السرطان... 5 أضرار خطيرة للتدخين الإلكتروني

رغم الاعتقاد الشائع بأن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية، تكشف أبحاث متزايدة عن أضرار محتملة للتدخين الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تنصح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بممارسة تمارين تقوية العضلات يومين على الأقل أسبوعياً (أ.ف.ب)

دراسة: تقليص ممارسة الرياضة يزيد من خطر الإصابة بالسرطان

وجد الخبراء أن استبدال الحركة النشطة بسلوكيات خاملة، مثل مشاهدة التلفاز أو الجلوس على المكتب، يزيد من احتمالية الإصابة بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك نوع من العلكة قد يصبح وسيلة مساعدة للحد من الفيروسات (بيكسباي)

هل تصبح العلكة سلاحاً جديداً ضد سرطان الرأس والرقبة؟

قد يصبح مضغ العلكة في المستقبل أكثر من مجرد وسيلة لإنعاش رائحة الفم، إذ يفتح بحث علمي جديد الباب أمام استخدامها للمساعدة في تقليل الميكروبات المرتبطة بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية
TT

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

أدى تزايد انتشار أنظمة المراقبة العامة إلى ظهور رد فعل مضاد يتمثل في صنع أزياء صُممت خصيصاً لإرباك كاميرات المراقبة الأمنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه التصاميم إلى تضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية -مثل كاميرات «أكسون» (Axon) المثبتة على أجسام رجال الشرطة وكاميرات «فلوك» (Flock) وغيرها من أدوات المراقبة الجماعية- وذلك عبر استخدام حيل بصرية، مثل وضع أنماط ورسوم تخدع أجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي وتجعلها تصنف مرتديها خطأً على أنهم حيوانات أو جمادات، أو من خلال استخدام أقمشة عاكسة للضوء، كما كتب هانتر شوارتز (*).

التشويش على 11 نموذجاً للرؤية الحاسوبية

تظهر الآن علامة تجارية جديدة للملابس -تُنتج بإصدار محدود وتعتمد على التمويل الجماعي- لتقدم قطعاً تتميز بأنماط قادرة بفاعلية على التشويش على 11 نموذجاً مختلفاً من نماذج الرؤية الحاسوبية. تحمل هذه العلامة التجارية اسم «noRecognition».(اللاتعرّف).

مسؤول استخبارات يصمم الأزياء المشوشة

وابتكر بيل سوارينجين، وهو مسؤول استخباراتي سابق ومؤسس «SecKC»، وهي خدمة لفعالية شهرية متخصصة في الأمن السيبراني تُقام في مدينة كانساس- علامة «noRecognition» بعد إجراء 31.7 مليون اختبار رقمي لتحديد أنواع الأنماط التي تربك نماذج متعددة في آن واحد، وذلك بهدف ابتكار نمط تمويه شامل ومضاد لأنظمة الرصد. ووظّف سوارينجين الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل كافة، بدءاً من بناء النموذج وتدريبه، ومروراً باستخدامه لتوليد واختبار الأشكال الهندسية للأنماط المضادة، ووصولاً إلى تحديد الأنماط الأكثر فاعلية.

ويكمن التحدي بالنسبة لسوارينجين في أن النمط الذي ينجح في خداع نموذج واحد غالباً ما يفشل أمام نماذج أخرى مختلفة. ويقول في هذا الصدد: «لقد نجحت في التغلب على كل نموذج اختبرته، لذا فإن تجاوز نموذج واحد أصبح بالنسبة لي مسألة محسومة؛ أما التحدي الحالي فيتمثل في العثور على ذلك النمط الفريد الذي ينجح في خداع العديد من النماذج في آن واحد».

وقد كشف سوارينجين عن علامته هذه للجمهور خلال مؤتمر «ديف كون» (Def Con) للأمن السيبراني في لاس فيغاس في 7 أغسطس (آب) الحالي. كما أطلق حملة على منصة «كيك ستارتر» في الأسبوع نفسه لجمع 5000 دولار، لكن الحملة نجحت في جمع أكثر من 40 ألف دولار حتى الآن. ويوضح سوارينجين أن الأموال المجمعة ستُخصص لشراء الأقمشة والكاميرات وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة، معرباً عن امتنانه العميق وتأثره البالغ بهذا الكرم ورد الفعل الإيجابي.

وشاح «أنبوبي» للرقبة وقميص وسترة رياضية

تتضمن تشكيلة الملابس ذات الإصدار المحدود وشاحاً أنبوبياً (يمكن ارتداؤه كغطاء للرقبة)، وقميصاً (تي شيرت)، وسترة رياضية (سويت شيرت)، بالإضافة إلى ملصقات ورقع قماشية. وسيتم إنتاج 50 قطعة فقط من كل صنف، حيث سيتميز كل منها بنمط فريد تم توليده خصيصاً لشخص واحد.

ويعرض موقع «سوارينجين» الإلكتروني أمثلة على بعض الأنماط التي يولدها نموذج «noRecognition»، إلا أن أقوى أعماله تظل بعيدة عن متناول الإنترنت؛ فمن خلال إبقاء أكثر الأنماط فاعلية خارج الموقع، يحول نموذجه هذا دون قيام مشغلي كاميرات المراقبة بتدريب أنظمتهم على ما ينتجه هذا النموذج.

أنماط التضليل البصري

وكانت السفن الحربية استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى نمط «تمويه التمويه البصري» الذي يتألف من خطوط متعرجة بالأبيض والأسود- لإرباك سفن العدو. واليوم تستخدم شركات السيارات أساليب تمويه لإخفاء تفاصيل المركبات أثناء اختبارها عند القيادة. أما في مجال الأزياء المصممة لمواجهة أنظمة الرصد أو ما يسمى أزياء «الخصومة التقنية» أو (Adversarial fashion)، فيتم الاعتماد بشكل أساسي على استخدام وحدات نمطية متكررة.

نمط من وحدات متكررة

تعتمد معظم الأنماط - وإن لم تكن جميعها - على وحدات متكررة؛ إذ تضمن هذه الطريقة بقاء النمط سليماً وواضحاً حتى بعد قص القماش، ما يجعله ظاهراً في مجال رؤية أجهزة الكشف بغض النظر عن الجزء الذي يظهر من قطعة الملابس. ولا تهدف هذه الأنماط إلى تحقيق غايات جمالية، بل تعطي الأولوية للوظيفة العملية؛ حيث تُعد الأبعاد المحددة للنمط عاملاً حاسماً في مدى نجاحه وفاعليته.

وإن كان بعض الناس يختارون ملابسهم لتلائم الكاميرات، فان تصميم «noRecognition» ليفعل العكس تماماً.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».