الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

استونيا وآيسلندا تتفردان في تجارب إدماجه بدلاً من توظيفه الفوري

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم
TT

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

الذكاء الاصطناعي في المدارس يثير مخاوف إضعاف التعليم

تتجه حكومات عدة إلى نشر برامج الدردشة الآلية في المدارس. ويُحذِّر بعض الخبراء من أن هذه الأدوات قد تُضعف عملية التعليم والتعلم.

الذكاء الاصطناعي في التعليم

في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستُزوِّد ​​أكثر من مائتي ألف طالب ومعلم في الإمارات العربية المتحدة بأدوات وتدريبات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وبعد أيام، أعلنت شركة خدمات مالية في كازاخستان عن اتفاقية مع «أوبن إيه آي» لتوفير خدمة «تشات جي بي تي التعليمية» (ChatGPT Edu)، الخدمة المُخصصة للمدارس والجامعات، لـ165 ألف مُعلِّم في كازاخستان.

وفي الشهر الماضي، أعلنت «إكس إيه آي» (xAI) شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك، عن مشروع أكبر مع السلفادور لتطوير نظام تعليمي قائم على الذكاء الاصطناعي، باستخدام برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للشركة، لأكثر من مليون طالب في آلاف المدارس هناك.

وبدعم جزئي من شركات التكنولوجيا الأميركية، تتسابق الحكومات حول العالم لنشر الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ من حيث الأنظمة والتدريب في المدارس والجامعات.

قدرات تعليمية متميزة

يقول بعض رواد التكنولوجيا في الولايات المتحدة، إن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي -القادرة على إنشاء رسائل بريد إلكتروني شبيهة بالرسائل البشرية، وإعداد اختبارات صفَّية، وتحليل البيانات، وكتابة رموز برمجية- يمكن أن تُشكل إضافة قيِّمة للتعلُّم. ويجادلون بأن هذه الأدوات تُوفر وقت المعلمين، وتُخصِّص تجربة التعلم للطلاب، وتُساعد في إعداد الشباب لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي.

مخاطر على تنمية الشباب

لكن بعض منظمات الأطفال والصحة تُحذِّر من أن الانتشار السريع لمنتجات الذكاء الاصطناعي الجديدة قد يُشكل مخاطر على تنمية الشباب ورفاهيتهم:

- إضعاف التفكير النقدي: فقد وجدت دراسة حديثة أجرتها «مايكروسوفت» وجامعة «كارنيغي ميلون» أن روبوتات الدردشة الشائعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تُضعف التفكير النقدي؛ إذ يُمكن لهذه الروبوتات أن تُنتج أخطاءً ومعلومات مُضللة تبدو وكأنها موثوقة.

- انتشار الغش: كما يُواجه بعض المعلمين مشكلة انتشار الغش الطلابي بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

كومبيوترات المدارس لم تحسِّن المهارات المعرفية

لطالما سعى خبراء وادي السيليكون سنوات إلى إدخال أدوات تكنولوجية -مثل أجهزة الكومبيوتر المحمولة وتطبيقات التعلم- إلى الفصول الدراسية، واعدين بتحسين فرص الحصول على التعليم وإحداث ثورة في عملية التعلُّم.

ومع ذلك، لم تُسفر الجهود العالمية لتوسيع نطاق استخدام أجهزة الكومبيوتر في المدارس -وهو برنامج يُعرف باسم «حاسوب محمول لكل طفل»- عن تحسين المهارات المعرفية للطلاب أو تحصيلهم الدراسي، وفقاً لدراسات أجراها أساتذة وخبراء اقتصاديون في مئات المدارس في بيرو.

تراجع مهارات الطلاب

والآن، بينما يُقدِّم بعض مُروِّجي التكنولوجيا حججاً مماثلة بشأن إتاحة استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم، تُطالب منظمات حقوق الطفل -مثل «اليونيسف»-بتوخي الحذر، وتُطالب بتوفير مزيد من الإرشادات للمدارس.

وكتب ستيفن فوسلو، اختصاصي السياسات الرقمية في «اليونيسف»، في منشور حديث: «مع برنامج (حاسوب محمول لكل طفل)، شملت التداعيات السلبية هدراً للموارد وضعفاً في نتائج التعلُّم. وقد يُؤدي الاستخدام غير المُوجَّه لأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مهارات الطلاب والمعلمين».

تجارب تعليمية أميركية

وتتعاون الأنظمة التعليمية في جميع أنحاء العالم بشكل متزايد مع شركات التكنولوجيا لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وبرامج التدريب.

وفي الولايات المتحدة؛ حيث تُقرر الولايات والمناطق التعليمية عادة ما يتم تدريسه، أدخلت بعض الأنظمة المدرسية البارزة أخيراً روبوتات محادثة شائعة الاستخدام لأغراض التعليم والتعلُّم. في ولاية فلوريدا وحدها، أطلقت مدارس مقاطعة ميامي-ديد العامة، ثالث أكبر نظام تعليمي في الولايات المتحدة، برنامج الدردشة الآلي «جيميناي» من «غوغل» لأكثر من مائة ألف طالب في المرحلة الثانوية. كما قدمت مدارس مقاطعة بروارد العامة، سادس أكبر منطقة تعليمية في البلاد، برنامج الدردشة الآلي «كوبايلوت» من «مايكروسوفت» لآلاف المعلمين والموظفين.

تجارب عالمية

خارج الولايات المتحدة، أعلنت «مايكروسوفت» في يونيو (حزيران) عن شراكة مع وزارة التعليم في تايلاند لتوفير دروس مجانية عبر الإنترنت في مهارات الذكاء الاصطناعي لمئات الآلاف من الطلاب. وبعد أشهر عدة، أعلنت «مايكروسوفت» أنها ستوفر أيضاً تدريباً في مجال الذكاء الاصطناعي لـ150 ألف معلم في تايلاند. وتعهدت منظمة «أوبن إيه آي» بإتاحة برنامج «تشات جي بي تي» للمعلمين في المدارس الحكومية في جميع أنحاء الهند.

مبادرة استونيا- نهج مختلف

وتتبنى استونيا (إحدى دول البلطيق) نهجاً مختلفاً، من خلال مبادرة وطنية جديدة واسعة النطاق في مجال تعليم الذكاء الاصطناعي، تُسمى «قفزة الذكاء الاصطناعي». وجاء إطلاق البرنامج جزئياً استجابة لاستطلاع رأي أُجري حديثاً، أظهر أن أكثر من 90 في المائة من طلاب المدارس الثانوية في استونيا يستخدمون بالفعل برامج الدردشة الآلية الشائعة مثل «تشات جي بي تي» لأداء واجباتهم المدرسية، ما أثار مخاوف من أن بعض الطلاب بدؤوا في تفويض مهامهم الدراسية إلى الذكاء الاصطناعي.

- الإجابة عن الاستفسارات بدلاً من الإجابات المباشرة: ضغطت استونيا على عمالقة التكنولوجيا الأميركية لتكييف تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم مع الاحتياجات والأولويات التعليمية المحلية. وقد تعاون باحثون من جامعة «تارتو» مع شركة «أوبن إيه آي» لتعديل خدمة الشركة باللغة الاستونية المخصصة للمدارس، بحيث تجيب على استفسارات الطلاب بأسئلة بدلاً من تقديم إجابات مباشرة.

- التثقيف بالمزايا والمخاطر: يهدف برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» الذي طُبِّق هذا العام الدراسي إلى تثقيف المعلمين والطلاب حول استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي، وحدودها وتحيزاتها ومخاطرها. وفي مرحلته التجريبية، تلقى المعلمون في استونيا تدريباً على برنامجَي الدردشة الآليين «تشات جي بي تي» و«جيميناي».

تطوير الذكاء الاصطناعي للتناغم مع النُّظم التعليمية

وقال إيفو فيساك، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «ليب»، وهي مؤسسة استونية غير ربحية تُساعد في إدارة برنامج التعليم الوطني: «إنها معرفة أساسية بالذكاء الاصطناعي... يكمن جوهر الأمر في الفهم الواضح أن هذه الأدوات قد تكون مفيدة، ولكنها في الوقت نفسه قد تُسبب كثيراً من الضرر».

كما نظَّمت استونيا أخيراً يوماً تدريبياً وطنياً لطلاب بعض المدارس الثانوية. وأوضح فيساك أن بعض هؤلاء الطلاب يستخدمون الآن برامج الدردشة الآلية في مهام مثل توليد الأسئلة لمساعدتهم في الاستعداد للاختبارات المدرسية. وأضاف: «لو ركَّزت هذه الشركات جهودها؛ ليس فقط على الترويج لمنتجات الذكاء الاصطناعي؛ بل أيضاً على تطوير هذه المنتجات بالتعاون مع الأنظمة التعليمية حول العالم، لأصبحت بعض هذه المنتجات مفيدة للغاية».

مشروع آيسلندا التجريبي

في هذا العام الدراسي، بدأت آيسلندا مشروعها التجريبي الوطني للذكاء الاصطناعي في المدارس. ويُجري الآن مئات المعلمين في أنحاء البلاد تجارب على برنامج الدردشة الآلي «جيميناي»، أو «كلود» من «أنثروبيك» في مهام مثل تخطيط الدروس، بهدف اكتشاف استخدامات مفيدة وتحديد أوجه القصور.

- باحثون جامعيون يدققون في تجارب الذكاء الاصطناعي: سيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. ولن يستخدم الطلاب برامج الدردشة الآلية في الوقت الحالي، جزئياً، بسبب مخاوفهم من أن الاعتماد عليها في الفصول الدراسية قد يُضعف عناصر مهمة من عملية التعليم والتعلم.

وسيقوم باحثون في جامعة آيسلندا بدراسة كيفية استخدام المعلمين لبرامج الدردشة الآلية. وقالت ثورديس سيغورداردوتير، مديرة مديرية التعليم والخدمات المدرسية في آيسلندا: «إذا قلَّ استخدامك لقدراتك العقلية أو تفكيرك النقدي -أو أي شيء يجعلنا أكثر إنسانية- فهذا بالتأكيد ليس ما نريده».

- تجارب المعلمين: تقول تينا أرناردوتير وفريدا جيلفادوتير (وهما معلمتان مشاركتان في البرنامج التجريبي بمدرسة ثانوية خارج ريكيافيك) إن أدوات الذكاء الاصطناعي ساعدتهما على إنشاء دروس تفاعلية بسرعة أكبر.

استخدمت السيدة أرناردوتير -وهي معلمة إدارة أعمال وريادة أعمال- برنامج «كلود» لإنشاء لعبة استكشاف مهني لمساعدة طلابها على تحديد ما إذا كانوا أكثر ملاءمة لوظائف المبيعات أو التسويق أو الإدارة.

من جهتها قالت جيلفادوتير -وهي معلمة لغة إنجليزية- إنها حمَّلت بعض قوائم المفردات، ثم استخدمت برنامج الدردشة الآلية للمساعدة في إنشاء تمارين لطلابها.

وأضافت جيلفادوتير: «لدي ألعاب كلمات تتضمن ملء الفراغات، وألعاب مطابقة الكلمات، وألعاب تحدي السرعة. لذلك أشعر أنهم أكثر استعداداً قبل خوضهم الامتحان».

- مشكلة الثقة العمياء بالذكاء الاصطناعي: أضافت جيلفادوتير أنها قلقة من أن تُنتج برامج الدردشة الآلية معلومات مضللة، لذا قامت بفحص الألعاب والدروس المُصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقتها، قبل أن تطلب من طلابها تجربتها.

وقالت جيلفادوتير وأرناردوتير إنهما قلقتان أيضاً من أن بعض الطلاب قد أصبحوا يعتمدون بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي خارج المدرسة، أو يثقون بها ثقة عمياء.

وأكدتا أن هذا الأمر زاد من تصميم المعلمات الآيسلنديات على مساعدة الطلاب في تعلم التقييم النقدي لبرامج الدردشة الآلية واستخدامها.

وقالت السيدة أرناردوتير: «إنهم يثقون بالذكاء الاصطناعي ثقة عمياء. ربما يفقدون الحافز لبذل الجهد في التعلم، ولكن علينا أن نعلمهم كيف يتعلمون باستخدام الذكاء الاصطناعي».

ولا يزال المعلمون يفتقرون إلى الدراسات الدقيقة التي تُوجه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقد بدأ الباحثون للتو في تتبع الآثار طويلة المدى لبرامج الدردشة الآلية على المراهقين وطلاب المدارس.

افتقار المعلمين الى الدراسات حول الذكاء الاصطناعي

يفتقر المعلمون حالياً إلى دراسات دقيقة كافية لتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس. وقال درو بنت، مسؤول التعليم في شركة «أنثروبيك»: «تجرب مؤسسات كثيرة الذكاء الاصطناعي. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة نحتاج فيها إلى التأكد من أن هذه الأمور مدعومة بنتائج ملموسة، وأن نحدد ما ينجح وما لا ينجح».

* ساهمت كيت كونغر في إعداد هذا التقرير، خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

تحليل إخباري شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من محرك البحث إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات الذكية.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)

زافين قيومجيان: قتلُ الفرادة أخطر ما تفعله الخوارزميات

حتى المناسبات الشخصية التي يفترض أن تحمل بصمةَ أصحابها، أصبحت وفق ملاحظة زافين تتشابه في الصياغة واللغة والمقاربة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
تكنولوجيا شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)

مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

وسط التسارع غير المسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف العالمية من تداعيات هذه الطفرة على مستقبل البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

النتائج وليست المُخرجات هي ميزتك التنافسية الحقيقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

«سبايس إكس» تقتحم «وول ستريت» بمراكز بيانات مدارية... والمضاربون يتوجسون من ماسك

أعلن الملياردير إيلون ماسك أن بناء مراكز بيانات مدارية تعمل بالذكاء الاصطناعي لا يشكل تحدياً هندسياً معقداً، في وقت تتأهل الأسواق لطرح الشركة التاريخي.


ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟
TT

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

ما أنواع المعرفة التي ستنقذك من الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد المقولة بأن تهديد «الذكاء الاصطناعي مقبل ليحل محل وظائفنا» مجرد تهديد غامض بشأن المستقبل، كما كتب فيصل حق (*). إليكم مثال تيموثي ماكيون، الذي أمضى سنوات في الترجمة من وإلى اللغة الآيرلندية لصالح الاتحاد الأوروبي، والذي يدرك هذا الأمر أكثر من غيره. فمع تطور الترجمة الآلية، أثرت القدرة على إنتاج نص «جيد بما فيه الكفاية» بشكل كبير على مصدر رزقه، فخسر ما يقارب 70 في المائة من دخله مع توقف عمله مع الاتحاد الأوروبي. وقد صرّح حديثاً لشبكة «سي إن إن»: «كلما تعلم الذكاء الاصطناعي أكثر، تصبح أقل أهمية».

انخفاض قيمة العمل المعرفي

وماكيون ليس حالة شاذة، فقد شهد 43 في المائة من المترجمين انخفاضاً في دخلهم نتيجة لازدياد وجود بدائل الذكاء الاصطناعي في السوق.

وما يحدث للمترجمين هو مؤشر مبكر على تطور جارٍ الآن في جميع أنحاء اقتصاد المعرفة، إذ ولعقود طويلة، استند جزء كبير من قيمة العمل المكتبي على مبدأ بسيط: معرفة المرء بأمور أو القدرة على إيجادها أو تجميعها، وهي أمور يعجز عنها معظم الناس. وكان الآخرون على استعداد للدفع مقابل الاستفادة من تلك المعرفة. لكن الذكاء الاصطناعي يُقوّض قيمة شريحة واسعة من هذه السوق. ففي عدد كبير من المجالات، بات بإمكان برامج الدردشة الآلية إنجاز عمل في ثوانٍ معدودة، يُقارب، بل ويتفوق في بعض الحالات، على عمل المحترف العادي. ولهذا فإنه يخفض قيمة الجزء الأكبر من اقتصاد المعرفة، أي القاعدة العريضة للعمل المعرفي الكفء، وإن كان عادياً، بانخفاض حادّ نحو الصفر.

الخبرتان المتوسطة والمعمقة مهددتان

قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن التهديد يتوقف عند مستوى المتوسط ​​- وأن الخبرة المتعمقة والمتخصصة في مأمن، على عكس الكفاءة العادية. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً. فالسؤال المهم لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل العمل المعرفي، بل هو: أي أنواع المعرفة تحتفظ بقيمتها في ظل قدرة الآلة على إنجاز كل هذا؟

أوضاع «أيام زمان»... راحت

خلال معظم العصر الحديث، كانت قيمة الموظف في سوق العمل تنبع من رصيده المعرفي: مثلا: معرفة موظف الضرائب لقانون الضرائب الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، أو السوابق القضائية التي كان يتقن محام معرفة تفاصيلها، والعامل في الأسواق الحاصل على بيانات السوق التي كانت متاحة له بسهولة، واللغة للمترجم التي أمضى عقداً من الزمن في تعلمها بطلاقة.

كان العمل، في معظمه، يتمحور حول معرفة أمور يجهلها الآخرون، والحصول على أجر مقابل استخلاصها وتطبيقها. وقد تعلم الذكاء الاصطناعي محاكاة هذا العمل بطريقة مقنعة بشكل كبير. فقد قرأ نموذج لغوي ضخم متطور كميات هائلة من قوانين الضرائب، والسوابق القضائية، وتقارير السوق، أكثر مما يستطيع أي فرد قراءته، وهو قادر على إعادة معظمها عند الطلب، بطلاقة وفورية.

انحسار هلوسة النماذج الذكية يهدد الأعمال

إن الفكرة التي كانت سائدة في السابق، والتي مفادها أن ميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الهلوسة سينقذ العاملين في مجال المعرفة، تتلاشى تدريجياً. فبعد أن كانت الهلوسة شائعة، أصبحت نادرة بشكل كبير، ويمكن الحد منها في كثير من السياقات من خلال التوجيه الفعال. صحيح أن الوصول الموثوق إلى نماذج اللغة الضخمة ليس مجانياً أو سلساً تماماً، لكن تكلفته، مقارنةً بالعمل البشري، أصبحت ضئيلة للغاية.

التوجه نحو المعرفة المتخصصة

في ظل هذه التطورات، يميل كثير من العاملين في مجال المعرفة إلى التوجه نحو التخصصات المتقدمة: التخلي للآلات عن الأعمال البسيطة، والتركيز على التخصص العميق. فالخبرة المتخصصة، كما يُقال، هي الخيار الأمثل. وهناك أدلة حقيقية تدعم هذا الرأي. فقد وجد المترجمون، على سبيل المثال، أن العمل المتبقي لهم يتجه نحو التخصصات المتقدمة: فالأعمال ذات الكميات الكبيرة أصبحت من نصيب الآلات، لكنّ المترجمين الأدبيين والمترجمين الفوريين القانونيين والدبلوماسيين ذوي المهام الحساسة - الذين تترتب على أخطائهم عواقب وخيمة - ما زالوا يتلقون طلبات عمل كثيرة.

يبدو المتخصصون في مأمن... في الوقت الراهن. لكن الوضع الذي يقفون عليه ليس بالصلابة التي يبدو عليها، والخط الفاصل بين العمل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به والعمل الذي لا يمكنه القيام به ليس كما يتصوره معظم الناس.

نوعان من المعرفة

تكمن المشكلة في أن هذا النوع من العمق ليس إلا ملاذاً مؤقتاً. فبالنسبة للآلة، لا تُعدّ المعرفة النادرة أمراً مميزاً، ولا يوجد ما يمنعها من الوصول إليها ما دام أنها مُتاحة في شكل مُسجّل. أما بالنسبة لحامل شهادة الماجستير في القانون، فإنّ الزاوية الغامضة من قانون الضرائب تُعدّ مجرد زاوية أخرى. ولضمان أن تحمل معرفتك قيمةً أكثر ديمومة، لا يمكنك الاعتماد على العمق أو الندرة. أنت بحاجة إلى أنواع مختلفة تماماً من المعرفة. ويبرز نوعان منها.

الحكم أثناء السياق

* الأول -الحكم السياقي. لم تكن قيمة المستشار المُحنّك يوماً مُقتصرة على تفاصيل قطاع العمل في ذهنه فحسب، بل كانت تكمن في معرفة أيّ التفاصيل مهمة لهذا العميل أو لذاك المجلس، وأيّ معلومة أساسية تُوجّه كيفية قراءة الميزانية العمومية الإشكالية، وكيفية فهم المخاوف غير المُعلنة التي ذكرها الرئيس التنفيذي عرضاً. فالخبرة العميقة، مهما كانت نادرة، تنطوي على التفكير المنطقي في المواد الموجودة في السجلات (فالزاوية الغامضة من قانون الضرائب مُدوّنة في مكان ما)، وهذا ما تُجيده هذه النماذج الآن.

أما الحكم السياقي فهو مختلف؛ إذ إن الدليل الحاسم يطرح نفسه «بشرياً» مثل: ما الذي يعنيه هذا الصمت من العميل؟ ولماذا يتردد هذا المجلس؟ وهذه أشياء ليست مدونة لأو مسجلة. وتحديداً لأنّ هذا الموقف أو ذاك لم يسبق له أن ظهر بهذا الشكل من قبل.

يعتمد هذا النوع من الأحكام على شيء حقيقي ولكنه عابر، شيء يستنتجه الفرد من أجواء الغرفة في تلك اللحظة بالذات. لا يمكن الرجوع إلى هذا الدليل في الأدوات الذكية، والنماذج الحالية أقل موثوقية بكثير في هذا النوع من الاستدلال مقارنةً بالاستدلال القائم على المعرفة المُسجلة التي أتقنت بالفعل. قد لا يبقى هذا الأمر بعيد المنال إلى الأبد، ولكنه ليس التهديد الذي يواجهه العاملون في مجال المعرفة اليوم.

معرفة تنفيذ الإجراءات

* الثاني- المعرفة الإجرائية. يُفرّق بعض الفلاسفة تمييزاً مفيداً بين «معرفة ذلك» و«معرفة كيف». يمكنك معرفة كل فرضية في كل كتاب فيزياء، ومع ذلك فإنك لا تستطيع الحفاظ على توازنك على دراجة. يمكنك استيعاب كل ما كُتب عن نظرية الموسيقى، ومع ذلك لا تستطيع العزف على الكمان.

وينطبق الأمر نفسه على مجال الأعمال. إنّ امتلاك مخزون شامل من الحقائق والآراء حول القيادة لا يكفي لجعل شخص ما قائداً عظيماً. كما أن قراءة كل كتاب عن التفاوض لا تُكسبك القدرة على ضبط النفس، وتوقيت التنازلات، والحفاظ على ثباتك عندما يضغط الطرف الآخر.

هذا النوع من المعرفة ينبع من الممارسة: لا يُكتسب إلا بالتجربة والممارسة، وفي أعلى المستويات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمورٍ مثل الثقة، والسلطة، والقدرة على فهم الآخرين والتواصل معهم، وهي أمورٌ لا وجود لها إلا بين البشر. هذه ليست مجموعة من الحقائق يُمكن لأحد أن يُقدمها لك، وليست مهمة يُمكنك تفويضها دون أن تُصبح أنت العائق الذي كنت تسعى إلى إزالته.

لا يُمكن تحميل أيٍّ من هذين النوعين من المعرفة. لكن يُمكن بناء كليهما بوعيٍ وتخطيط. وهنا يكمن الجهد الجاد في تطوير المسار المهني.

بناء معرفةٍ تُعزز فرص النجاح

إليك ثلاث خطوات تُساعدك على مواكبة هذا التغيير التاريخي في مفهوم عامل المعرفة.

* امتلك النتائج لا المخرجات. يُنتج نموذج الذكاء الاصطناعي مخرجات عبارة عن: مسودة، وتحليل، وإجابة. لذا، توقف عن بناء مسارك المهني على أساس التنافس في هذا المجال. راجع ودقق في العمل الذي يدفع المال لك مقابله فعلياً - وهو العرض الأساسي لقيمة ما تقدمه - وتخلص من كل جانب يمكن لنموذج ذكي جيد فعله في دقائق.

النتائج وليست المُخرجات هي ميزتك التنافسية الحقيقية*

ما يتبقى هو النتائج التي لا يمكن تحقيقها إلا بوجودك : حل المشكلة المعقدة بدءاً من التشخيص الأولي وصولاً إلى نتيجة يمكنك الوثوق بها، أو فهم احتياجات العميل الحقيقية التي تتجاوز مجرد أقواله. أعد تنظيم دورك أو عرضك بناءً على هذه النتائج.

حكم واقعي وممارسة من دون روتين

* ابنِ حكمك في الواقع لا على الورق

لا يمكن اكتساب الحكم المناسب للموقف إلا من خلال وجودك أثناء اتخاذ القرارات المصيرية ومتابعة نتائجها. ويصعب استبدال ذلك الجانب آلياً، لأن ما كان مهماً في تلك الجلسات لا يمكن تلخيصه بالكامل ونقله إلى سجل يمكن لخبير قانوني قراءته.

الأشخاص الذين يتقدمون أسرع لن يكونوا من يستطيعون تخزين أكبر قدر من المعلومات، بل من يجدون طرقاً لتحسين حكمهم القائم على السياق.

* فوّض المهام الروتينية واحفظ الممارسة

تكمن الخبرة الإجرائية في الممارسة، لذا فإن العمل الذي تُسنده بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي هو عمل يتوقف عن تطوير مهاراتك فيه. أسند المهام الروتينية إلى النموذج، لكن استمر في القيام بالمهام التي تتطلب مهارات عالية بنفسك - مثل التفاوض، والنقاش الذي تُحلله بدقة - حتى لو كان بإمكان النموذج إنتاج نسخة مقبولة بشكل أسرع.

الخلاصة

خلاصة القول: ينطبق حكم تيموثي ماكيون بشأن الذكاء الاصطناعي – «كلما ازداد تعلمه، تقادمت أنت» - على أنواع معينة من المعرفة، وهي الأنواع التي بنى عليها معظم المحترفين مسيرتهم المهنية لعقود. لكن توجد أنواع أخرى من المعرفة أقل عُرضة للتأثر. بل قد يكون بعضها محصناً ضد الذكاء الاصطناعي، على الأقل في أشكاله المتاحة اليوم.

و هذا النوع من المعرفة لا يمكن تحميله. إنها معرفة تجسدها لا تمتلكها - مكتسبة بالممارسة، متأصلة في الشخص، وملكية خاصة بك بطريقة لم تكن عليها أبداً مجموعة من الحقائق.

* مجلة «فاست كومباني»


طفلة أميركية في العاشرة من عمرها ترفع 82 كيلوغراماً من الأثقال

لوسي ميلغريم تمارس التمارين الثقيلة
لوسي ميلغريم تمارس التمارين الثقيلة
TT

طفلة أميركية في العاشرة من عمرها ترفع 82 كيلوغراماً من الأثقال

لوسي ميلغريم تمارس التمارين الثقيلة
لوسي ميلغريم تمارس التمارين الثقيلة

فركت لوسي ميلغريم الطباشير على راحتيها، ووضعت حذاءها الرياضي ذا الرقبة العالية باللونين الوردي والأزرق على أرضية الصالة الرياضية. وثنت ركبتيها، ودفعت وركيها للخلف، وأخذت أنفاساً عميقة... ثم عندما أعطى والدها إشارة البدء، استعدَّت ورفعت ثقلاً وزنه 145 رطلاً (65.77 كيلوغرام) في تمرين «الرفعة الميتة» (Deadlift)، كما كتب دانييل فريدمان *. («الرفعة الميتة» تمرين للتدريب على رفع الأثقال، يُرفع فيه قضيب مُحمَّل عن الأرض إلى مستوى الوركين، بحيث يكون الجذع عمودياً على الأرض، قبل إعادته إلى الأرض، كما جاء في «الويكيبيديا»).

لوسي ميلغريم البطلة الرياضية الصغيرة

بطلة في رفع الأثقال والمصارعة

تبلغ لوسي من العمر 10 سنوات، ووزنها 58 رطلاً. (26.3 كيلوغرام). قالت وهي تُحكم قبضتها على الثقل: «أخيراً أستطيع أن ألمس (قضيب الثقل) بأصابعي!».

وقد انضممتُ إلى لوسي ووالديها، ميشيل وبريت ميلغريم، في صالة الألعاب الرياضية المنزلية في لونغ آيلاند بنيويورك، لمشاهدة أحد تمارين لوسي لتقوية العضلات.

أكملت لوسي، التي تدرس في الصف الرابع، تمارين رفع الأثقال بتمارين السحب لأعلى، وتمارين الغطس على الحلقات.

بدأت لوسي تدريبات القوة في سن الثامنة، وهي تحمل 3 أرقام قياسية أميركية في رفع الأثقال. كما أنها بطلة في المصارعة.

وهي أيضاً نجمة حسابات «إنستغرام» و«تيك توك» التي يديرها والداها، والتي يبلغ عدد متابعيها معاً 232 ألف متابع. وقد حصد مقطع فيديو على «إنستغرام»، ظهرت فيه وهي ترفع نحو 82 كيلوغراماً في بطولة لرفع الأثقال -وهو رقم قياسي شخصي- أكثر من 67 مليون مشاهدة، و3.7 مليون إعجاب.

وقالت إنها أصبحت مهتمة برفع الأثقال بعد مشاهدة والديها يتدربان. وطلبت من والدها -وهو محامٍ ومدرب مصارعة- أن يدربها. وأكد والدها أنه لم يضطر أبداً إلى حثِّها على التدريب أو محاولة رفع أوزان أثقل. وقال: «لوسي بطبيعتها من النوع الذي إذا قالت إنها ستفعل شيئاً، فمن الأفضل أن نتنحى جانباً».

مؤثرون ومؤثرات في اللياقة البدنية

ولوسي واحدة من مجموعة صغيرة -ولكنها متنامية- من الأطفال المؤثرين في مجال اللياقة البدنية، الذين يجذبون عدداً كبيراً من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. ينشر آباء هؤلاء الأطفال في المرحلة الابتدائية -وحتى الصغار منهم- مقاطع فيديو لأطفالهم وهم يرفعون الأثقال، ويدفعون الزلاجات الثقيلة، ويؤدون تمارين التعلق، ويستعرضون عضلاتهم.

وقالت هيذر فاس، المديرة التنفيذية لاتحاد رفع الأثقال الأميركي، إن حقيقة جذب هذه الحسابات لعدد كبير من المتابعين تعكس كلاً من الارتفاع الأخير في ممارسة تمارين القوة بين الشباب، وحقيقة أنها لا تزال غير شائعة.

وأضافت: «عندما يرى الناس طفلاً يرفع الأثقال، وبتقنية وأداء جيدين، فإن ذلك يُثير إعجابهم حقاً».

موقف العِلم السابق

وحتى قبل نحو 20 عاماً، كانت السلطات الطبية تنصح الأطفال بعدم رفع الأوزان الثقيلة. ويعود ذلك الاعتقاد في معظمه إلى سوء فهم مفاده أن تمارين القوة قد تعيق نمو الأطفال من خلال إتلاف صفائح النمو، وهي أضعف جزء في العظام، كما أوضح الدكتور أندرو بيترسون، أستاذ طب الأطفال وجراحة العظام في جامعة أيوا.

وأضاف بيترسون: «لقد اتخذوا موقفاً متشدداً للغاية ضدها». وقد انعكس هذا الموقف على مدربي الشباب والصالات الرياضية.

و«صفيحة النمو» (growth plate)، هي صفيحة من غضروف زجاجي تقع في كل كردوس في نهاية طرفَي العظام الطويلة، وهي توجد لدى الأطفال والمراهقين، كما جاء في «الويكيبيديا».

لوسي ميلغريم تمارس التمارين الثقيلة

تمارين القوة «آمنة للأطفال»

لكن البحوث أظهرت أن تمارين القوة يمكن أن تكون آمنة ومفيدة للأطفال، ما داموا في سن تسمح لهم باتباع التعليمات، ويخضعون لإشراف دقيق من مدرب أو اختصاصي يرشدهم إلى الوضعية والتقنية الصحيحة، والتدرج في التمارين.

وأوصى تقرير صادر عن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال عام 2020 بتمارين المقاومة للأطفال والمراهقين، لا لتحسين صحتهم ولياقتهم البدنية فحسب؛ بل أيضاً للوقاية من الإصابات والتعافي منها.

وأضاف بيترسون، الذي شارك في تأليف تقرير 2020: «نعلم أنها آمنة منذ فترة طويلة، ولكن لا يزال هناك بعض المدربين التقليديين الذين كانوا يترددون في إدخال الأطفال الصغار إلى صالة الأثقال».

وأضاف: «أعتقد أن الناس بدأوا يدركون جدوى هذه الطريقة»، ما يجعل الرياضيين الشباب أقوى وأكثر قدرة على التحمل.

الرياضية الصغيرة وينتر دوبوك

ازدياد شعبية رياضة الأطفال

واليوم، يزداد عدد الأطفال الذين يمارسون تمارين القوة. وقد أطلق «هايروكس» (Hyrox) -وهو سباق لياقة بدنية شهير يجمع بين الجري وتمارين القوة- أخيراً، قسماً خاصاً بالشباب. وعندما أطلق الاتحاد الأميركي لرفع الأثقال فعالية للأطفال من سن 8 إلى 13 عاماً في عام 2015، لم يشارك سوى 10 أطفال في المسابقة الوطنية. هذا العام سيشارك 65 طفلاً، وفي العام المقبل يخطط الاتحاد لفتح 120 مقعداً لتلبية الطلب، كما قالت فاس.

وأوضحت فاس أن الأطفال الذين يشاركون إنجازاتهم في القوة على وسائل التواصل الاجتماعي يساعدون في «كسر الصورة النمطية» وإظهار أن هذه الرياضة يمكن أن تكون آمنة وممتعة، «ما دام البالغون المسؤولون يوفرون بيئة آمنة».

ومثال آخر على ممارسة الأطفال للرياضة؛ تمارس الشقيقتان وينتر وسكاي دوبوك، البالغان من العمر 7 و4 سنوات على التوالي، تمارين «كروس فيت» (CrossFit) المعدلة، منذ أن كانا قادرَين على المشي. ويملك والداهما، فرانكو وميشيل دوبوك، صالة رياضية لتدريبات «كروس فيت» في ميامي، ويديران حساباً على «إنستغرام» يتابعه أكثر من 120 ألف شخص.

* خدمة «نيويورك تايمز».


الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
TT

الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

ماذا لو استطاع الطبيب يوماً ما أن يقيّم صحة عظامك من خلال قصاصة صغيرة من ظفرك؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى مشهد من روايات الخيال العلمي، لكن هذا بالضبط ما يعمل عليه عدد متزايد من العلماء والباحثين حول العالم. فبدلاً من انتظار ظهور الألم أو حدوث الكسر الأول، يسعى هؤلاء إلى اكتشاف إشارات مبكرة جداً قد تكشف عن هشاشة العظام قبل سنوات من ظهور أعراضها السريرية.

من قصاصة ظفر إلى خوارزمية ذكية

البحث عن دلائل مبكرة

وعلى مدى عقود طويلة، اعتمد الأطباء على صور الأشعة وقياسات كثافة العظام لتشخيص هذا المرض الصامت. غير أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من المرضى لا يكتشفون إصابتهم إلا بعد وقوع أول كسر، عندما تكون العظام قد فقدت بالفعل جزءاً مهماً من قوتها ومتانتها. ولذلك؛ بدأ الباحثون رحلة بحث مختلفة: هل يمكن أن تحمل أجزاء أخرى من الجسم دلائل مبكرة على صحة العظام؟ وهل يمكن أن تختبئ هذه الدلائل في مكان غير متوقع مثل الأظافر؟

هذه الأسئلة قادت إلى ظهور جيل جديد من الأبحاث التي تحاول تحويل قصاصة ظفر بسيطة إلى نافذة تطل على صحة الهيكل العظمي بأكمله، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في مستقبل الطب الوقائي والتشخيص المبكر.

العلاقة الخفية بين الظفر والعظم

للوهلة الأولى لا تبدو هناك أي علاقة بين ظفر الإصبع وعظام الهيكل العظمي. فالأول جزء صغير من الجلد ووظيفته حماية أطراف الأصابع، في حين تشكل العظام الإطار الذي يحمل الجسم بأكمله. لكن العلم كثيراً ما يكشف عن روابط غير متوقعة بين أعضاء تبدو متباعدة ظاهرياً.

ويشير الباحثون إلى أن الأظافر والعظام يتأثران بالكثير من العمليات البيولوجية نفسها المرتبطة بالتقدم في العمر والهرمونات والتغذية والتمثيل الحيوي للبروتينات. فمع مرور السنوات لا تتغير كثافة العظام وحدها، بل تحدث أيضاً تغيرات دقيقة في البنية الجزيئية لبعض البروتينات المنتشرة في أنسجة الجسم المختلفة.

تغيرات مجهرية في تركيب الكيراتين بالأظافر والشعر

ومن بين هذه البروتينات يبرز الكيراتين، وهو المادة البروتينية الطبيعية التي تُكوّن معظم الأظافر والشعر وتمنحهما صلابتهما المعروفة. ويعتقد العلماء أن التغيرات المجهرية التي تطرأ على تركيب الكيراتين قد تعكس بصورة غير مباشرة تغيرات مماثلة تحدث في جودة العظام وقوتها الميكانيكية. وبعبارة أخرى، قد تحمل الأظافر بصمات بيولوجية مبكرة لما يجري داخل الهيكل العظمي قبل سنوات من ظهور الهشاشة بشكل واضح في الفحوص التقليدية.

وقد دفعت هذه الملاحظة الباحثين إلى التساؤل: إذا كانت العظام تترك آثاراً جزيئية على الأظافر، فهل يمكن استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للكشف عن الأشخاص الأكثر عرضة للكسور مستقبلاً؟ ومن هنا، ظهرت فكرة تحويل الأظافر من مجرد جزء تجميلي في الجسم إلى مؤشر حيوي جديد قد يساعد الأطباء في تقييم خطر هشاشة العظام والتدخل الوقائي قبل وقوع الكسر الأول.

فحص من المنزل قبل أن يحدث الكسر

فحص منزلي

من أبرز التطبيقات الحديثة التي تجسّد هذا التوجه تقنية بريطانية تُعرف باسم «أوسنتيا» (Osentia)، تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها متقدمة علمياً في جوهرها: استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للبحث عن مؤشرات قد ترتبط بصحة العظام.

ويعتمد الاختبار على تقنية ليزرية متطورة تُعرف باسم التحليل الطيفي رامان (Raman Spectroscopy)، وهي تقنية تسمح للعلماء بدراسة التركيب الجزيئي للمواد من خلال تحليل الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع البروتينات الموجودة فيها. ومن خلال هذه العملية يمكن الكشف عن تغيرات دقيقة في بنية الكيراتين، وهو البروتين الطبيعي الذي يمنح الأظافر صلابتها.

ويقوم الشخص بقص جزء صغير من ظفره وإرساله إلى المختبر، حيث تُحلل العينة وتُدمج نتائجها مع عوامل الخطر المعروفة، مثل العمر، والجنس، والتاريخ المرضي وبعض المؤشرات السريرية الأخرى. وبعد ذلك يُصدر النظام تقريراً يقدّر مستوى خطر الإصابة بالكسور المرتبطة بهشاشة العظام في المستقبل.

وما يثير اهتمام الباحثين أن بعض الدراسات أشارت إلى أن التغيرات الجزيئية المكتشفة في الأظافر قد ترتبط بقابلية العظام للكسر قبل سنوات من حدوث الكسر الأول فعلياً. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد تصبح قصاصة الظفر أداة إضافية تساعد الأطباء على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر مبكراً؛ ما يتيح فرصة للتدخل الوقائي قبل أن يتحول المرض الصامت مشكلةً سريرية حقيقية.

وربما تكمن أهمية هذه التقنيات في أنها تنقل فحص صحة العظام من غرفة الأشعة إلى المنزل، ومن مرحلة تشخيص المرض بعد حدوثه إلى مرحلة البحث عن إشاراته الأولى قبل ظهوره.

دراسة أميركية حديثة

ولعل ما يضفي مزيداً من الزخم على هذا المجال، أن الاهتمام العلمي لم يعد يقتصر على قصاصات الأظافر وحدها، بل امتد إلى تطوير جيل جديد من التقنيات غير الجراحية التي تسعى إلى قراءة الإشارات الكيميائية المرتبطة بصحة العظام دون الحاجة إلى الأشعة التقليدية.

وفي مارس (آذار) 2026، نشر الباحث محمد حسيني (Mohammad Hosseini) وزملاؤه بقيادة البروفسور أندرو بيرغر (Andrew J. Berger) من معهد البصريات (The Institute of Optics) وقسم الهندسة الطبية الحيوية في جامعة روتشستر (University of Rochester) الأميركية، دراسة استخدمت تقنية متقدمة من التحليل الطيفي رامان مدعومة بخوارزميات التعلم الآلي للكشف عن التغيرات الكيميائية المرتبطة بهشاشة العظام من خلال قياسات غير جراحية أُخذت من أصابع اليد.

وأظهرت النتائج قدرة النظام على التمييز بين العظام الطبيعية والعظام المصابة بالهشاشة، مع وجود ارتباط واضح بنتائج فحوص كثافة العظام التقليدية. ويرى الباحثون أن هذه المقاربة قد تمهد الطريق نحو اختبارات سريعة وآمنة يمكن استخدامها خارج غرف الأشعة وفي مراحل مبكرة من المرض.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة؛ لأنها تعتمد على الفكرة العلمية نفسها التي تقوم عليها اختبارات الأظافر الحديثة: البحث عن بصمات جزيئية دقيقة تعكس حالة العظام من خلال أنسجة يسهل الوصول إليها. فبدلاً من انتظار ظهور التغيرات الكبيرة في الأشعة، يحاول العلماء التقاط الإشارات البيولوجية الأولى التي قد تسبق المرض بسنوات.

ويعتقد بعض الباحثين أن المستقبل قد يشهد دمج هذه التقنيات مع الذكاء الاصطناعي لإنشاء أنظمة قادرة على تقدير خطر هشاشة العظام والكسور بصورة شخصية لكل مريض، اعتماداً على مؤشرات حيوية بسيطة يمكن جمعها بسهولة من المنزل أو العيادة، وهو ما قد يغير الطريقة التي نتعامل بها مع هذا المرض الصامت خلال العقود المقبلة.

وباء صامت يهدّد العظام

وباء صامت

تكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة؛ لأن هشاشة العظام لا تُعدّ مجرد مشكلة مرتبطة بالتقدم في العمر، بل واحدة من أكثر الحالات المرضية المزمنة انتشاراً وتأثيراً في جودة الحياة لدى كبار السن. وغالباً ما يصفها الأطباء بأنها «المرض الصامت»؛ لأنها تتطور ببطء على مدى سنوات طويلة من دون أعراض واضحة أو إشارات تنذر بالخطر.

وفي كثير من الحالات لا يكتشف المريض إصابته إلا بعد حدوث أول كسر، والذي قد ينجم أحياناً عن سقوط بسيط أو حتى عن حركة يومية عادية. وعندها يصبح الكسر نفسه أول رسالة يبعثها المرض بعد سنوات من الصمت.

200 مليون شخص مصابون بهشاشة العظام عالمياً

وتشير تقديرات المؤسسة الدولية لهشاشة العظام إلى أن امرأة من كل اثنتين، ورجلاً من كل خمسة رجال فوق سن الخمسين معرضون للإصابة بكسور مرتبطة بهشاشة العظام خلال حياتهم. كما تُقدَّر أعداد المصابين بهشاشة العظام عالمياً بنحو 200 مليون شخص، مع حدوث كسر مرتبط بالمرض كل بضع ثوانٍ حول العالم.

رُبع النساء وخُمس الرجال في السعودية مصابون بها

أما في المملكة العربية السعودية، فتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن هشاشة العظام تمثل تحدياً صحياً متنامياً؛ إذ تُقدَّر نسبة الإصابة بنحو 26 في المائة بين النساء السعوديات بعد سن اليأس، في حين تراوحت التقديرات بين 9 في المائة و21 في المائة بين الرجال السعوديين حسب الفئات العمرية والدراسات المختلفة. كما تشير تقارير أخرى إلى أن انتشار المرض بين السعوديين قد يصل إلى نحو ثُلث النساء وخُمس إلى ثُلث الرجال بعد سن الخمسين. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في منطقة الخليج العربي مع الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد السكان فوق سن الخمسين.

ولا تقتصر المشكلة على العظام وحدها؛ فكسور الورك والفقرات قد تؤدي إلى فقدان الاستقلالية وصعوبة الحركة وتراجع جودة الحياة، كما ترتبط بزيادة الحاجة إلى الرعاية طويلة الأمد والدخول المتكرر إلى المستشفيات. ومع الارتفاع المستمر في متوسط الأعمار في المملكة ودول الخليج، يتوقع الخبراء ازدياد العبء الصحي والاقتصادي المرتبط بالكسور الهشّة خلال العقود المقبلة.

ومن هنا، تنبع أهمية التقنيات الجديدة التي تحاول اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وقوع الكسر الأول. فكلما تمكن الأطباء من التعرف إلى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة في وقت مبكر، ازدادت فرص التدخل الوقائي والحفاظ على قوة العظام لسنوات أطول.

من علاج المرض إلى التنبؤ به

ما يميز هذه التقنيات ليس فقط اعتمادها على الأظافر أو الليزر أو الذكاء الاصطناعي، بل الفلسفة الطبية الجديدة التي تقف خلفها. فخلال معظم تاريخ الطب كان الأطباء ينتظرون ظهور الأعراض أولاً، ثم يبدأون رحلة التشخيص والعلاج. أما اليوم، فإن التوجه العالمي يسير نحو اكتشاف المرض قبل أن يشعر به المريض نفسه.

وفي حالة هشاشة العظام تحديداً، لا تكمن المشكلة في علاج الكسر فحسب، بل في منع حدوثه من الأساس. ولذلك؛ يسعى الباحثون إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر، عندما تكون التغييرات في نمط الحياة والتغذية والعلاج الوقائي أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأكثر قدرة على حماية جودة الحياة في السنوات اللاحقة.

وتعكس تقنيات تحليل الأظافر نموذجاً أوسع لما يُعرف بالطب الاستباقي أو الطب التنبؤي، حيث لا يقتصر دور الطبيب على تشخيص المرض بعد ظهوره، بل يمتد إلى توقعه ومنع حدوثه قبل أن يتحول مشكلةً صحيةً حقيقية. وفي هذا النموذج الجديد تصبح البيانات والمؤشرات الحيوية والذكاء الاصطناعي أدوات تساعد على رسم خريطة للمخاطر الصحية المستقبلية لكل فرد بصورة أكثر دقة وشخصية.

وربما تحمل الأظافر رسالة أعمق من مجرد كونها جزءاً جمالياً من أجسامنا؛ فهي تذكّرنا بأن الجسم يتحدث إلينا باستمرار، لكننا لا نحسن دائماً الإصغاء إلى إشاراته المبكرة. وما نراه اليوم في مجال هشاشة العظام قد يكون مجرد بداية لعصر جديد يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة تلك الإشارات الخفية قبل أن تتحول مرضاً أو إعاقة أو معاناة إنسانية.

وعندها قد يصبح السؤال الذي يطرحه الطبيب على مريضه مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن يسأله: «أين تشعر بالألم؟»، قد يسأله أولاً: «هل أحضرت قصاصة من ظفرك؟».