الببتيدات... هل هي علاج سحري حقاً؟

مؤثرو الإنترنت يعشقون الترويج لمنتجات تجريبية غير موثوقة

مؤثرو الإنترنت يعشقون الترويج لمنتجات تجريبية غير موثوقة
مؤثرو الإنترنت يعشقون الترويج لمنتجات تجريبية غير موثوقة
TT

الببتيدات... هل هي علاج سحري حقاً؟

مؤثرو الإنترنت يعشقون الترويج لمنتجات تجريبية غير موثوقة
مؤثرو الإنترنت يعشقون الترويج لمنتجات تجريبية غير موثوقة

يبدو وكأن المشاهير والمؤثرين يتحدثون عن الببتيدات في كل مكان... إذ يمكن للببتيدات أن تمنحك بشرة أكثر شباباً وإشراقاً، وتساعدك على بناء عضلات أكبر، وتجعلك تعيش حياة أطول وتتعافى بشكل أسرع، كما كتب ديفيد دودج(*).

رائع. لكن هناك سؤال واحد فقط: ما الببتيد تحديداً؟

ما الببتيدات؟

من الناحية الكيميائية فإن الببتيدات peptides سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية التي تلعب أدواراً مفيدة في خلايانا، مثل تنظيم الهرمونات أو تقليل الالتهاب. وتُنتج أجسامنا آلاف الببتيدات بشكل طبيعي؛ ويتم تصنيع آلاف أخرى في المختبرات.

والإندورفينات هي ببتيدات؛ وكذلك أدوية مثل «أوزيمبيك». والهرمونات مثل الإنسولين والأوكسيتوسين هي ببتيدات أيضاً.

منتجات تجريبية

ولكن عندما يتحدث المؤثرون على الإنترنت عن العلاج بالببتيدات، فإنهم يشيرون عموماً إلى مجموعة واسعة من المنتجات الناشئة أو التجريبية، غالباً في مجال العناية بالبشرة أو اللياقة البدنية أو الاختراق البيولوجي. يمكن ابتلاع هذه الببتيدات أو حقنها أو فركها على الجلد.

في حين أن بعض هذه العلاجات آمنة نسبياً وخضعت لدراسات من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، إلا أن بعضها الآخر قد يكون خطيراً.

على سبيل المثال، غالباً ما يُروّج المؤثرون والعيادات الإلكترونية لببتيد «باربي» Barbie كطريقة صحية للتسمير دون التعرض لأشعة الشمس - على الرغم من تحذير إدارة الغذاء والدواء الأميركية من «مخاطر سلامة جسيمة»، وتشير الأبحاث إلى ارتباطه بزيادة احتمال الإصابة بالسرطان.

في حين أنه من المستحيل سرد جميع الفوائد والمخاطر المحتملة لكل ببتيد، لكن هناك بعض الأمور التي يجب معرفتها حول الاستخدامات الأكثر شيوعاً.

ببتيدات العناية بالبشرة

على مدار العامين الماضيين، ازداد الاهتمام بببتيدات العناية بالبشرة بشكل كبير. وتقدم شركة «سيفورا»، عملاق مستحضرات التجميل، الآن مئات من منتجات الببتيد الموضعية التي تعد بضخ الكولاجين في البشرة، ونفخ الشفاه، وإزالة انتفاخ العينين.

ولكن هل هذه المنتجات فعالة؟ قال الدكتور آدم فريدمان، أستاذ ورئيس قسم الأمراض الجلدية في جامعة جورج واشنطن، إن من المؤكد أن هناك «بعض الفوائد» للعلاج بالببتيد للعناية بالبشرة... «إنها ليست عملية احتيال». لكنه أضاف أنه لا ينبغي أن تكون هذه المنتجات الحل الوحيد للعناية بالبشرة.

إذ إن أجسامنا تحتوي على العشرات من الببتيدات الطبيعية التي تعزز إنتاج الكولاجين وتجدد خلايا الجلد، ما يحافظ على صحة بشرتنا.

* ببتيدات مثل بالميتويل خماسي الببتيد palmitoyl pentapeptide (المُسجلة تجارياً باسم ماتريكسيل Matrixyl في العديد من الكريمات الشائعة) تُرسل إشارات إلى الجلد لإنتاج المزيد من الكولاجين والإيلاستين.

* ببتيدات أخرى مثل GHK-Cu، تُوصل النحاس إلى الجلد، ما يُساعد على تجديده.

* يوجد ببتيد يعمل كالبوتوكس، حيث يُساعد على استرخاء عضلات الوجه لتخفيف التجاعيد.

على الرغم من محدودية الأبحاث، فإن بعضها بشير إلى أن الأمصال والزيوت الموضعية التي تحتوي على هذه المواد الكيميائية يُمكن أن تُساعد في تحسين مظهر البشرة. تاريخياً، كانت الصعوبة تكمن في جعل هذه الببتيدات تخترق الجلد محافظة على تماسك مكوناتها.

مضافات لتسهيل اختراق جلد الإنسان

ويشرح فريدمان، واصفاً تركيب الجلد الكيميائي الدقيق: «إذا فكرت في الببتيد، فإنك ستدرك هشاشته». إذ تعمل الطبقة الخارجية من بشرتنا كحاجز فعال للغاية، حيث تحجب الجراثيم والسموم والببتيدات على حد سواء.

لكن الكريمات الموضعية الجديدة قادرة على نقل الببتيدات إلى الجسم، باستخدام أدوات كيميائية متطورة مثل المستحلبات النانوية والليبوزومات. (هناك خيار شائع آخر في هوليوود وهو الببتيدات القابلة للحقن، لكن فريدمان قال إنه لا يزال هناك نقص في الأدلة على أنها آمنة وفعالة للبشر).

وقال فريدمان إنه لا توجد طريقة موثوقة لمعرفة ما إذا كانت المنتجات تستخدم هذه الببتيدات، أو مدى فاعاليتها. وأضاف أنه إذا كنت مصمماً على تجربة كريم من الببتيدات، «فاختر العلامات التجارية المعروفة»، لأنها أكثر ميلاً إلى استثمار الموارد في التطوير والاختبار.

مع الحاجة إلى مزيد من البحث، يتفق أطباء الجلد عموماً على أن مخاطر تجربة المنتجات الموضعية قليلة، لكنهم ينصحون بالتوقف فوراً في حال الشعور بأي رد فعل تحسسي.

حتى مع أكثر المنتجات فاعلية، ينصح الخبراء بتقليل توقعاتك. قال فريدمان: «أعدّ الببتيدات مجرد مكونات ثانوية وليست مكونات رئيسية». وأضاف أن أفضل أدوات العناية بالبشرة لمكافحة الشيخوخة هي واقيات الشمس والمرطبات والريتينويدات (لمن يتحملونها).

بناء العضلات

تحفز مجموعة شائعة أخرى من الببتيدات الدماغ على زيادة مستوى هرمون النمو البشري (HGH).

يحظر القانون الفيدرالي الأميركي وصف هرمون النمو البشري الاصطناعي لأسباب غير تلك التي وافقت عليها إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وخاصةً لعلاج الأشخاص الذين يعانون من نقص في مستوياته، على الرغم من أنه يُستخدم على نطاق واسع بشكل غير قانوني كمُحسِّن للأداء.

نظراً للقيود القانونية المفروضة على هرمون النمو البشري، لجأت بعض العيادات إلى وصف ببتيدات مثل تيساموريلين tesamorelin، والأكثر شيوعاً، سيرموريلين sermorelin، كحقن أو أقراص تُساعد على تحفيز الجسم على إنتاج المزيد من هرمون النمو البشري.

وهذه الببتيدات قانونية يمكن وصفها لأنها كانت جزءاً من أدوية سابقة معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. علاوة على ذلك، بخلاف هرمون النمو البشري، لا يوجد قانون فيدرالي يحد من استخدامها على نطاق واسع. هذا يجعلها «إحدى الطرق الوحيدة لزيادة هرمون النمو بشكل قانوني» لدى البالغين الأصحاء، وفقاً لتنيل ديفيس، المتحدثة باسم تحالف تركيب الأدوية.

بغض النظر عن الطريقة المستخدمة لزيادة هرمون النمو البشري، ليس من الواضح مدى تأثير المستويات العالية على تحسين القوة وبناء العضلات لدى البالغين الأصحاء. ووجدت بعض التجارب الصغيرة زيادات طفيفة في كتلة الجسم النحيل لدى كبار السن الذين تناولوا هذه الأنواع من الببتيدات المُطلقة لهرمون النمو، لكن هذا لم يُترجم إلى تحسن في القوة أو التعافي.

قد تُصاحب المستويات العالية من الهرمون مخاطر جسيمة. إذ ربطت الأبحاث المستويات المرتفعة باستمرار من الهرمون بمرض السكري وبعض أنواع السرطان وتضخم الأطراف، وهي حالة تُسبب تضخم عظام اليدين والقدمين والوجه مع مرور الوقت.

على الرغم من الترويج لسيرموريلين غالباً كطريقة أكثر أماناً وطبيعية لزيادة هرمون النمو البشري، لكنه يحمل المخاطر نفسها مع مرور الوقت، وفقاً للدكتور شلومو ميلميد، اختصاصي الغدد الصماء وخبير اضطرابات الغدة النخامية في مركز سيدارز سيناي الطبي في لوس أنجليس. وأضاف أن سيرموريلين في جوهره «بديل لعلاج هرمون النمو». ويُحظر استخدام سيرموريلين وتيساموريلين وهرمون النمو البشري الاصطناعي من قِبل معظم المنظمات الرياضية الكبرى.

من جانبها، تُصرّح العيادات التي تصف هذا الدواء بأنها تتبع فحوصات ومراقبة صارمة لإدارة الآثار الجانبية، وتُطبّق «دورة» العلاج للتخفيف من مخاطر الاستخدام طويل الأمد.

بيبتيدات غير مجازة

في حلقة حديثة من بودكاست له، أخبر جو روغان ملايين متابعيه أن ببتيداً يُطلق عليه اسم حقنة «وولفرين» Wolverine قد شفى التهاب أوتار الكوع المزمن لديه بعد أسبوعين فقط. وأخبر ريان هيومستون، المؤثر في مجال اللياقة البدنية، الذي قال إنه يختبر «كل ببتيد يقع بين يدي»، ملايين المتابعين أن ببتيد «باينالون» pinealon حسّن من انقطاع النفس النومي لديه.

يشير المتخصصون في علم الأحياء - وهم مجتمع متنامٍ من مُجرّبي التجارب الذاتية الذين يبحثون عن طرق لتحسين صحتهم وإطالة أعمارهم - إلى دراسات أولية للغاية تشير إلى أن حقن ببتيدات مثل إبيتالون epitalon قد يُطيل العمر، وأن ميلانوتان 2 melanotan II قد يُعزز الرغبة الجنسية، وأن سيماكس semax وسيلانك selank قد يُحسّنان الإدراك.

لكن الكثير من هذه الأبحاث لا يزال يُجرى على مزارع الخلايا ولم يتقدم حتى إلى التجارب على الحيوانات. ولم يستوفِ أيٌّ من هذه الببتيدات معايير إدارة الغذاء والدواء الأميركية للموافقة عليه للاستخدام البشري (أو حتى البيطري).

يمكن أن يُسبب ببتيد حقنة ولفيرين، المسمى BPC-157، الألم والتورم، لكن الببتيدات التجريبية الأخرى مرتبطة بمشاكل أكثر خطورة. لم يخضع TB-500، وهو نسخة اصطناعية من ببتيد آخر يُسوّق كأداة لالتئام الجروح والتعافي، لتجارب على البشر، وقد رُبطت مستويات عالية من الببتيد بنمو الأورام.

وحذّرت ميلميد أي شخص يفكر في القيام بذلك من «الحذر من أي وعود» بأن ببتيداً معيناً سيساعد الشخص على «العيش لفترة أطول أو التمتع بعمر أكثر صحة».

وأخيراََ...

للباحثين عن الببتيدات، يقترح فريدمان أن يضعوا هدفهم النهائي في الاعتبار سواء كان بشرة مشدودة، أو عضلات أقوى، أو عمراً أطول. «ثم يمكنك أن تسأل: هل هناك طرق علاجية مثبتة ومنظمة لذلك؟ غالباً ما تكون الإجابة نعم، وقد تتضمن تلك العلاجات الببتيدات أو لا تتضمنها على الإطلاق».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

يوميات الشرق المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)

1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

أظهرت دراسة دولية أن المشي بانتظام قد يساعد الأشخاص المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن على تقليل نوبات تفاقم الأعراض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك خدر اليدين هو شعور غير طبيعي قد يكون عَرَضاً لكثير من الحالات الصحية المختلفة (بيكساباي)

هل تشعر بتنميل في يدك؟... 6 أسباب محتملة يجب أن تعرفها

قد يشير الشعور بالخدر في اليدين إلى أمور عدة؛ لذا عليك الانتباه إلى وتيرة حدوثه وتوقيته، ومدة استمراره، والأعراض الأخرى المصاحبة له.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ينبغي على الرجال تجنّب الإفراط في شرب السوائل قبل النوم (بيكسلز)

4 عادات بسيطة قبل النوم تحمي البروستاتا على المدى الطويل

قد تبدو بعض العادات التي نمارسها في الساعات الأخيرة من اليوم بسيطة، لكنها قد تساعد في دعم صحة البروستاتا والمسالك البولية على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

التغيّر البسيط في طريقة الحديث قد ينذر بالإصابة بالخرف

كشفت دراسة حديثة أن التغير البسيط في الصوت وطريقة الحديث مثل اختلاف طبقة الصوت أو شدته أو وضوحه قد يدل على احتمالية أكبر للإصابة بالخرف بالمستقبل

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك قد تتسبب الأطعمة المقلية في زيادة الشعور بالانتفاخ (بيكسباي)

6 أطعمة تناولها يومياً يسبب الانتفاخ

الانتفاخ هو شعور بالضيق أو الامتلاء أو التمدد في البطن وقد يكون غير ضار أو مرتبطاً بمشاكل هضمية أو طبية

«الشرق الأوسط» (لندن)

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.


هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟


من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي
TT

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة حديثة عن نموذج جديد يعتمد على التعلم الآلي قد يرفع دقة الفحوصات الجينية في أثناء الحمل، ويقلل حالة عدم اليقين التي تواجه الأسر عند اكتشاف تغيرات وراثية غير واضحة المعنى.

وطوّر باحثون في مستشفى الأطفال المرضى في كندا نموذجاً قادراً على تحويل علامات جينية محددة مستخرجة من عينات الدم إلى مؤشرات يمكن التعرف إليها في أنواع مختلفة من الأنسجة، بما فيها العينات المستخدمة في فحوصات ما قبل الولادة.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تشخيص مبكر وأكثر دقة للأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية العصبية لدى الأجنة، وتوفير معلومات أوضح للأطباء والأسر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل. ونُشرت الدراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 6 أغسطس (آب) 2026.

«بصمات فوق جينية»

• عندما لا يعرف الأطباء معنى التغير الجيني. أتاحت التطورات الكبيرة في تقنيات قراءة الجينوم لعدد متزايد من الأسر إجراء فحوصات جينية في أثناء الحمل، والحصول على معلومات حول صحة الجنين، واحتمال ارتباط بعض التغيرات في الحمض النووي باضطرابات وراثية أو نمائية.

لكن هذه الفحوصات قد تكشف أحياناً عن تغيرات جينية لا يملك الأطباء أدلة كافية لتحديد طبيعتها. وتعرف هذه التغيرات باسم «متغيرات ذات أهمية غير مؤكدة» variants of uncertain significance (VUS)؛ إذ لا يمكن الجزم بسهولة بأنها ضارة أو حميدة.

وتشير الباحثة في علم الوراثة السريري الدكتورة روزانا ويكسبرغ، من علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو، إلى أن نحو ثلث الحالات التي يظهر فيها تغير جيني جديد قد تترك الأطباء أمام سؤال صعب: هل يمثل هذا التغير خللاً مرضياً أم أنه مجرد اختلاف طبيعي في التطور؟ وتزداد المشكلة مع العدد الهائل من المتغيرات الجينية التي يصعب على المختصين تحليلها جميعاً بالطرق التقليدية.

• «بصمات» تكشف الأمراض. واستند الباحثون إلى مفهوم يعرف باسم «البصمات فوق الجينية» Episignatures وهي أنماط كيميائية مميزة تظهر على الحمض النووي، ويمكن أن تكشف عن وجود بعض الاضطرابات الوراثية. وفي عام 2020 طور مختبر الدكتورة روزانا ويكسبرغ منصة «EpigenCentral» التي تستخدم هذه البصمات المستخرجة من الدم لمساعدة الأطباء في تحديد ما إذا كان تغير جيني معين مرتبطاً بمرض أم لا.

وساعد الفريق حتى الآن في تحديد أكثر من 60 بصمة فوق جينية ثبتت فائدة معظمها في التشخيص السريري. لكن كانت هناك مشكلة رئيسية هي أن هذه البصمات كانت مرتبطة بنوع النسيج الذي أخذت منه العينة. فما يمكن التعرف إليه في الدم قد لا يعمل بالضرورة عند استخدام عينة من السائل الأمنيوسي أو المشيمة.

دور الذكاء الاصطناعي

• الذكاء الاصطناعي يتجاوز حاجز الأنسجة. وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يحول البصمات المستخرجة من الدم إلى بصمات مستقلة عن النسيج؛ أي يمكن التعرف إليها بغض النظر عن مصدر العينة.

ولاختبار النموذج أنشأ الفريق بصمة مرتبطة بمتلازمة داون Down syndrome باستخدام عينات من 266 شخصاً مصاباً بالمتلازمة، ثم درّب النموذج على بيانات متاحة لأكثر من 850 شخصاً من المصابين وغير المصابين، شملت ستة أنواع مختلفة من الأنسجة قبل الولادة وبعدها.

وأظهرت النتائج أن النموذج تمكن من التعرف بدقة على البصمة المرتبطة بمتلازمة داون في جميع أنواع الأنسجة التي جرى اختبارها. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثبت إمكانية تحويل بصمة جينية مأخوذة من الدم إلى أداة يمكن استخدامها في عينات مختلفة، ما قد يجعلها مفيدة في مجال التشخيص أثناء الحمل.

• نحو فحوصات أقل تدخلاً. ولا تقتصر أهمية التقنية على عينات الحمل؛ إذ يأمل الباحثون في استخدامها مستقبلاً مع عينات يسهل الحصول عليها مثل اللعاب ومسحات الفم، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الدم أو الحصول على عينات أكثر تعقيداً.

وتقول الدكتورة سناء شوفاني، من نفس معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في كندا، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن الهدف هو تزويد الأسر التي تواجه احتمال وجود اضطراب نمائي عصبي بأكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة، وتقليل ما يعرف بـ«رحلة التشخيص» الطويلة التي يعيشها كثير من مرضى الأمراض النادرة.

ولا تزال التقنية بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة السريرية، لكن الباحثين يرون أنها قد تمثل خطوة نحو تشخيص وراثي أكثر دقة وفي وقت أبكر بما يمنح الأسر والأطباء معلومات أوضح لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل.