أصداء الكمّ… حين يتذكّر الحاسوب المستقبل

خوارزمية تُعيد الزمن إلى الوراء وتفتح آفاقاً جديدة للتشخيص الطبي والطب الشخصي

أبحاث الكم تبشر بآفاق طبية واعدة في التشخيص والعلاج
أبحاث الكم تبشر بآفاق طبية واعدة في التشخيص والعلاج
TT

أصداء الكمّ… حين يتذكّر الحاسوب المستقبل

أبحاث الكم تبشر بآفاق طبية واعدة في التشخيص والعلاج
أبحاث الكم تبشر بآفاق طبية واعدة في التشخيص والعلاج

في عالم تُختبر فيه حدود الزمن، لم تعد الساعة تقيس فقط ما مضى... بل ما يُمكن أن يعود... تخيّل حاسوباً لا يكتفي بحساب الماضي، بل «يعيد الزمن إلى الوراء» للحظة وجيزة، كي يتحقّق مما إذا كان قراره السابق صائباً. قد يبدو المشهد مقتطعاً من رواية خيال علمي، لكنه اليوم حقيقة علمية نُشرت في مجلة «نتشر» (Nature) المرموقة في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ضمن دراسة أجراها فريق «Google Quantum AI» في كاليفورنيا تحت عنوان لافت: «أصداء الكم» (Quantum Echoes).

أصداء الكمّ

والعبارة ليست مجازاً شعرياً بقدر ما هي وصفٌ لتجربة فيزيائية دقيقة، نجح فيها الباحثون بجعل نظام كمّي يستمع إلى «صدى أفعاله» كما يستمع الوادي إلى صدى الصوت، ليقيس مدى ترابطه أو تشابكه مع نفسه عبر الزمن. إنها محاولة جريئة لجعل الحاسوب الكمّي يختبر ما إذا كان يسير في مسارٍ يمكن التنبؤ به، أم أنه بدأ ينجرف نحو الفوضى التي تسكن أعماق ميكانيكا الكم.

خوارزمية الأصداء الكمية: ثورة في عالم الذكاء الاصطناعي

حين يتقاطع الزمن مع الذكاء

الفكرة التي بنى عليها الفريق بحثه تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها مذهلة في عمقها. تخيَّل خوارزمية قادرة على تشغيل عملية كمّية، ثم «إرجاع الزمن» خطوةً إلى الوراء لتسأل نفسها: هل كانت النتيجة صحيحة؟

لقد طوّر العلماء ما سمّوه «خوارزمية الأصداء الكمّية» (Quantum Echo Algorithm)، وهي تقنية تُمكّن النظام الكمّي من تنفيذ عملية حسابية ثم عكسها، ليرى ما إذا كان سيعود إلى حالته الأصلية. فإذا عاد تماماً كما بدأ، فهذا يعني أن المعلومات بقيت سليمة ولم تُفقد؛ أما إذا لم يتمكّن من العودة، فذلك يعني أن الفوضى الكمّية (Quantum Chaos) قد بدأت تبتلع البيانات في أعماق الاحتمالات.

بهذه الطريقة الذكية، تمكّن الفريق من قياس ما يُعرف في الفيزياء باسم «المعاملات الخارجة عن ترتيب الزمن» (Out-of-Time-Order Correlators – OTOCs)، وهي أدوات رياضية معقدة يستخدمها الفيزيائيون لقياس مدى انتشار المعلومات أو تشتّتها داخل الأنظمة الكمّية.

وللمرة الأولى في التاريخ، أُجري هذا القياس على شريحة كمّية حقيقية تضم 65 وحدة كمّية (كيوبِت qubits) تُسمّى «Willow»، صمّمها فريق «غوغل» بشكل خاص للحوسبة الكمّية المتقدمة. وكانت النتيجة مذهلة: فقد أثبتت التجربة أن الخوارزمية الكمّية أدّت الحسابات بسرعةٍ تفوق البرامج الكلاسيكية التقليدية بنحو 13 ألف مرة؛ وهي قفزة تُذكّرنا بأن الحواسيب الكمّية لا تتطوّر فحسب، بل تغيّر مفهوم الزمن نفسه داخل المعادلات.

خطوة نحو «الميزة الكمّية القابلة للتحقق»

منذ عقد على الأقل، ظلّ العلماء يعدون بأن الحواسيب الكمّية (Quantum Computers) ستتفوّق يوماً ما على نظيراتها الكلاسيكية في سرعة الحساب وحجم المعالجة، لكنّ معظم تجارب ما سُمّي «التفوّق الكمّي» (Quantum Supremacy) كانت تصطدم بعقبة أساسية: إذ لا يمكن التحقق من نتائجها بسهولة، لأن الحواسيب التقليدية نفسها تعجز عن مراجعتها أو إعادة إنتاجها.

أما تجربة «أصداء الكم»، فقد كسرت هذا الحاجز، إذ قدَّم الفريق ما يمكن تسميته «الميزة الكمية القابلة للتحقق» (Verifiable Quantum Advantage)، أي أن التفوّق الكمّي لم يعد مجرّد إنجاز رياضي في مختبر مغلق، بل تجربة يمكن لأي مختبر آخر أن يُعيد تنفيذها ليختبر صدقها. بهذا المعنى، لم تعد الحواسيب الكمّية «ألغازاً سريعة»، بل أدوات علمية تتقدّم بثقة نحو مرحلةٍ يمكن فيها التحقق من أدائها ونتائجها، تماماً كما نتحقق من أي تجربة مختبرية أخرى. إنها خطوة حقيقية نحو اللحظة التي ستتحول فيها الحوسبة الكمّية من فضاء المعادلات المجردة إلى تطبيقات محسوسة تمسّ حياتنا اليومية... من الطب إلى الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي.

تطبيقات تتجاوز المختبر

قد يبدو هذا الاكتشاف للوهلة الأولى حديثاً فيزيائياً مجرّداً، لكنه في الحقيقة يطرق باب حياتنا اليومية، فالفريق يُشير إلى أن «خوارزمية الأصداء الكمّية» لا تقتصر على اختبار حدود الزمن، بل يمكن أن تُحدِث ثورة في مجالاتٍ طبية وصناعية متعددة.

من أبرز تطبيقاتها المحتملة في الرنين المغناطيسي النووي (Nuclear Magnetic Resonance – NMR)، وهي التقنية التي تُستخدم اليوم في الطب لتصوير الأنسجة بوضوح مذهل، وفي الكيمياء لتحليل البنية الذرية للجزيئات، فإذا تمكنت الخوارزمية من محاكاة سلوك الجزيئات بدقةٍ غير مسبوقة، فإنها قد تفتح الباب أمام عصر جديد من تصميم الأدوية، وفهم تفاعلات البروتينات المعقّدة داخل الخلايا، بل حتى تطوير بطاريات المستقبل التي تعتمد على مواد ذكية ذات خصائص كمية دقيقة.

إنّها ليست مجرد قفزة في علم الحوسبة، بل في فهمنا للطبيعة ذاتها: كيف تنتشر المعلومات داخل المادة، وكيف «يتذكّر» الكون ما جرى فيه؟ وربما، في يوم ما، سنتمكّن من سماع صدى الذرات كما نسمع صدى أصواتنا بين الجبال — لحظةٍ شعريةٍ وعلميةٍ في آنٍ، تمحو الحدود بين المعادلة والمجاز، وبين المختبر والحياة.

من مختبر الفيزياء إلى غرفة التشخيص

الأهمية الحقيقية في «خوارزمية الأصداء الكمّية» لا تكمن في تفوّقها الرياضي فحسب، بل في آفاقها الطبية والعلاجية الهائلة، فالفريق العلمي يُشير إلى أن هذه التقنية قد تُحدث ثورة في التصوير بالرنين المغناطيسي، وهو المبدأ الفيزيائي الذي تقوم عليه أجهزة الرنين المغناطيسي الطبي (MRI) المستخدمة اليوم في تصوير الدماغ والقلب والأعضاء الداخلية.

إذا تمكّنت هذه الخوارزمية من محاكاة الذرات والمجالات المغناطيسية بدقة غير مسبوقة، فقد نحصل على صورٍ طبيةٍ أوضح وأسرع، وبجرعاتٍ أقل من الإشعاع، وربما نصل إلى القدرة على كشف التغيرات المجهرية في الأنسجة قبل ظهور المرض نفسه؛ أي إلى الطب الذي يتنبأ بالمرض قبل أن يولد.

لكن الثورة لا تتوقف عند التصوير؛ بل تمتد إلى عالم تصميم الأدوية، فمحاكاة الجزيئات عبر خوارزميات كمية مستقرة مثل «أصداء الكم» قد تتيح للعلماء اختبار مئات التركيبات الدوائية في ثوانٍ، بدلاً من شهور طويلة في المختبر، واختيار الأنسب لكل مريض تبعاً لبصمته الجينية. إنها البداية الفعلية لعصر الطب الكمّي الشخصي (Quantum Personalized Medicine)، حيث يُصمَّم العلاج على مقاس الجينات كما يُفصَّل الثوب على الجسد.

إننا أمام بوابةٍ جديدةٍ يلتقي عندها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية في مشروعٍ مشترك لإعادة تعريف معنى التشخيص والعلاج، فهنا لا يكون الطبيب مجرّد مستخدمٍ للأجهزة، بل شريك في إعادة بناء المنطق نفسه الذي تفكّر به الآلة؛ من الفيزياء إلى الوعي، ومن الذرّة إلى الإنسان.

تطبيقات الكمبيوتر الكمي تتجاوز المختبر من «سدايا» إلى العالم العربي

العرب والكمّ... متى نشارك في الصدى؟

بينما تتسابق الشركات العالمية مثل «غوغل» و«آي بي إم» و«مايكروسوفت» لتطوير شرائح كمّية أكثر استقراراً، ما زال العالم العربي يخطو بحذر في هذا الميدان الذي قد يُغيّر وجه العلم كما غيّر اختراع الكهرباء مسار التاريخ. ومع ذلك، فإن الفرصة ما زالت مفتوحة على مصراعيها؛ فثورة الكمّ لا تحتاج بالضرورة إلى أجهزة عملاقة بقدر ما تحتاج إلى عقول مبدعة تتقن التعامل مع الخوارزميات، وتفهم لغة الرياضيات والفيزياء النظرية، وتؤمن بأن المستقبل يُكتب بالمعادلة لا بالصدفة.

في السعودية، بدأ هذا المستقبل يتشكّل بالفعل، ففي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)، تعمل فرقٌ بحثية متخصّصة على تطوير المواد الفائقة (Superconducting Materials)، وبناء نماذج أوليّة للذكاء الكمّي (Quantum Intelligence) القادر على معالجة البيانات الطبية والجينية بسرعة غير مسبوقة. كما تُعدّ الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) اليوم إحدى الجهات القليلة في المنطقة التي تستشرف دمج الحوسبة الكمّية في منظومات الذكاء الاصطناعي الوطني، تمهيداً لولادة جيلٍ سعوديٍّ جديد من العلماء والمهندسين الذين يمكن أن يُعيدوا صياغة العلاقة بين العقل والمعادلة. وربما يأتي اليوم الذي يجتمع فيه باحثٌ سعودي في «نيوم» مع زميلٍ في «وادي السيليكون» ليصمّما معاً خوارزميةً تُحاكي صدى الذرات، أو تستمع إلى «نبض الكون» في زمنٍ لم نعرفه بعد. فكما كان الخوارزمي قبل ألف عام يضع الأساس للمنطق الحسابي، قد يكون للعرب اليوم دورٌ جديد في كتابة لغة الكم، لا بوصفهم مستمعين فقط... بل صانعو الصدى ذاته.

الخاتمة: حين يتذكّر الحاسوب المستقبل

ما فعله باحثو فريق «غوغل» لم يكن مجرّد تجربةٍ علمية، بل نافذة على فلسفة الزمن والمعرفة. فقد كشفت تجربة «أصداء الكمّ» أن الزمن ليس خطاً مستقيماً كما نتصوّر، بل نسيجٌ يمكن أن يلتفّ على نفسه، وأن المعرفة لا تمضي دائماً إلى الأمام... أحياناً تعود إلى الوراء لتفهم نفسها. في قلب كل خوارزمية كمّية، هناك صدى يُحاول أن يُعيد النظام إلى توازنه، وأن يذكّرنا بأن الذكاء -سواء كان بشرياً أو كمّياً- لا يُقاس بالسرعة، بل بالقدرة على الفهم والتأمل، وكما قال أحد أعضاء الفريق البحثي: «حين تُعيد النظام إلى ماضيه، فأنت في الحقيقة تتأمل مستقبله».

ربما هذا هو الدرس الأجمل من «أصداء الكم»: أن الحوسبة ليست سباقاً بين الآلات، بل بحثٌ إنساني عن معنى الزمن نفسه؛ وكيف يمكن للعقل، حين يلامس حدود الكمّ، أن يكتشف أنه لم يكن يوماً يبحث عن الأرقام فقط... بل عن صدى وجوده في الكون.


مقالات ذات صلة

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

خاص تكشف المخاوف المرتبطة بنموذج «أنثروبيك» عن تحول أوسع في المخاطر السيبرانية (رويترز)

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف «أنثروبيك» تعكس تحولاً أوسع بالمخاطر السيبرانية

تكشف مخاوف «أنثروبيك» تحولاً أوسع حول إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل المخاطر السيبرانية على البنوك ما يوسع الهجوم والدفاع معاً بسرعة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تصميم أنيق بأداء متقدم وبطارية لا تنتهي

هاتف «أونر 600»: تكامل الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الأداء المتقدم

يحول الصور إلى أفلام سينمائية بسهولة بالغة وعروض فيديو إبداعية عبر أوامر نصية بسيطة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
خاص توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

خاص الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»: مراكز بياناتنا «مقاوِمَة للأزمات» ولا ترتبط بحدود

بينما تفرض التوترات الإقليمية تحديات على البنية التحتية، تعيد «غوغل» صياغة مفهوم استمرارية الأعمال عبر دمج الحصانة الرقمية بالذكاء الاصطناعي المؤسسي.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
TT

العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم

في الطب القديم، لم يكن السؤال هو البداية بل النظرة الأولى. كان المطبّبون يتأملون العين قبل أن يستمعوا إلى الشكوى، لا بوصفها أداة للإبصار فقط، بل نافذة دقيقة تعكس ما يجري في أعماق الجسد. لم تكن تلك الملاحظة ضرباً من الحدس وحده، بل ممارسة تشخيصية قائمة على خبرة تراكمت عبر قرون.

اليوم، وبعد مسار طويل من التقدم العلمي، يعود هذا المفهوم بصيغة جديدة أدق وأكثر تعقيداً. لكن هذه المرة، لا يقوم به حدس الطبيب وحده، بل خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل صور العين واستخراج أنماط خفية تتجاوز قدرة النظر البشري.

بين حدس الطبيب وعيون الخوارزمية

لم تعد الإشارات مقتصرة على ملامح الوجه أو نبرة الصوت، بل تمتد إلى أعماق العين نفسها.

فهل يمكن حقاً أن تكشف العين عن أمراض لم تظهر أعراضها بعد؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرى في شبكية العين ما لا نستطيع نحن إدراكه؟

مرآة الدماغ الصامتة

تُعد شبكية العين امتداداً مباشراً للجهاز العصبي المركزي، وهي الجزء الوحيد من الدماغ الذي يمكن رؤيته بشكل غير جراحي. لهذا السبب، فإن أي تغيير دقيق في الأوعية الدموية داخل العين قد يعكس اضطرابات أعمق في الدماغ، أو القلب، أو التمثيل الغذائي.

خلال السنوات الأخيرة، أظهرت دراسات متقدمة أن تحليل صور قاع العين يمكن أن يكشف مؤشرات مبكرة لأمراض مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب. ومن أبرز هذه الجهود، أبحاث طورتها شركة «ديب مايند» بالتعاون مع مستشفى «مورفيلدز للعيون» في لندن، حيث أُنتج نموذج قادر على تحليل صور الشبكية بدقة تضاهي كفاءة كبار أطباء العيون، بل وتتجاوزها في حالات معينة.

وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، قاد الباحث جوزيف لِدسام (Joseph Ledsam) من شركة ديب هيلث (Deep Health) – لندن، المملكة المتحدة – فريقاً طوّر نموذجاً ذكياً لتحليل صور الشبكية بهدف التنبؤ بالمخاطر القلبية الوعائية. ولم تقتصر النتائج على تحسين الدقة التشخيصية، بل أظهرت قدرة النظام على تقدير العمر البيولوجي، ومستويات ضغط الدم، وحتى خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، اعتماداً على تفاصيل دقيقة في شكل الأوعية الدموية يعجز الإنسان عن تفسيرها بسهولة.

كما أظهرت أبحاث أخرى من جامعة ستانفورد الأميركية أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح الباب أمام تشخيص الأمراض المزمنة قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، وإنما بلغة الأنماط الخفية، أنماط لا نبحث عنها عادة، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

العين التي تقرأ الجسد قبل أن ينطق المرض

من العيادة إلى الهاتف

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات أو المراكز المتخصصة. فقد بدأت أدوات تحليل صور العين تنتقل إلى أجهزة أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. في هذا النموذج الجديد، قد يتحول فحص العين من إجراء يُجرى خلال زيارة طبية إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، ترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير مفهوم التشخيص ذاته. لم يعد حدثاً مرتبطاً بموعد، بل عملية ديناميكية تراقب الإشارات الصامتة للجسد بصورة متواصلة.

في العالم العربي، حيث ترتفع معدلات السكري وأمراض القلب بشكل ملحوظ، قد تمثل هذه التقنيات فرصة حقيقية لإعادة تعريف الوقاية قبل أن تتحول إلى علاج.

ورغم هذا التقدم، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن الوثوق بما «تراه» الخوارزميات؟ فالذكاء الاصطناعي لا يرى الإنسان بوصفه كائناً متكاملاً، بل يرى بيانات. وهذه البيانات قد تكون ناقصة، أو متحيزة، أو غير ممثلة لجميع الفئات. كما أن كثيراً من هذه الأنظمة، رغم دقتها العالية، تفتقر إلى القدرة على تفسير قراراتها، فتخبرنا بما قد يحدث، دون أن تشرح لماذا.

هنا تظهر فجوة جديدة في الطب الحديث: فجوة بين الرؤية والفهم، بين الدقة والمعنى.

ربما لم يكن الأطباء القدماء مخطئين حين جعلوا العين مدخلاً أساسياً للتشخيص، لكنهم كانوا يعتمدون على الخبرة والحدس والارتباط المباشر بالمريض. أما اليوم، فيقدم الذكاء الاصطناعي دقة أعلى، لكنه يظل محدود الفهم خارج إطار البيانات.

وفي هذا التوازن الدقيق، لا يصبح دور الطبيب قراءة الصورة فحسب، بل تفسير ما وراء الصورة، وربط النتائج بسياق إنساني لا تستطيع الخوارزميات إدراكه. فالخطر ليس أن ترى الآلة أكثر منا، بل أن نثق بما تراه دون أن نفهمه.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد العين مجرد وسيلة للرؤية، بل أصبحت مصدراً غنياً بالبيانات قد يكشف المستقبل الصحي للإنسان.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يمكن رؤيته، بل في ما قد لا ننتبه إليه؛ في الإشارات التي تلتقطها الأنظمة دون أن نفهم معناها الكامل.

ولهذا، لم يعد السؤال: هل نرى المرض؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فينا... ولم نتعلم بعد كيف نراه نحن؟


العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي
TT

العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

في ظروف الوضع العام المحيط بالذكاء الاصطناعي، الأشبه بحمى البحث عن الذهب أو فقاعة، صدر حديثاً، مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 من The 2026 AI Index «معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان»، التابع لجامعة ستانفورد. وهو التقرير السنوي للذكاء الاصطناعي، الذي جاء ليقضي على بعض من هذا الضجيج المحيط بتطويراته وآفاقه.

تحسن مطرد

رغم توقعات البعض بأن تطور الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى طريق مسدود، يُشير التقرير إلى أن أفضل النماذج مستمرة في التحسن. فاليوم يتبنى الناس الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من تبنيهم للحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتجني شركات الذكاء الاصطناعي إيرادات أسرع من الشركات في أي طفرة تكنولوجية سابقة. غير أنها في الوقت ذاته تُنفق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.

وفي المقابل، تكافح المعايير المصممة لقياس الذكاء الاصطناعي، والسياسات المنظمة له، وسوق العمل لمواكبة هذا التطور. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق بسرعة فائقة، ونحن نحاول جاهدين التكيف معه. وبطبيعة الحال، لكل هذه السرعة ثمن، ففي الوقت الحاضر، تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم 29.6 غيغاواط من الطاقة، أي قدرة تكفي لتزويد ولاية نيويورك بأكملها بالكهرباء في أوقات الذروة. وقد يتجاوز استهلاك المياه السنوي لتشغيل نموذج GPT-40 من «أوبن إيه آي» وحده، احتياجات 12 مليون شخص من مياه الشرب. في الوقت نفسه، تتسم سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية بهشاشة مثيرة للقلق.

وبينما تستضيف الولايات المتحدة معظم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، تصنع شركة «تي إس إم سي» التايوانية جميع رقائق الذكاء الاصطناعي الرائدة تقريباً.

تنافس أميركي ـــ صينيوتكشف البيانات عن تكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرتنا على مواكبتها. وإليكم نظرة على بعض النقاط الرئيسة الواردة بالتقرير الصادر هذا العام.

في خضم سباق طويل ومحتدم يحمل بطياته رهانات جيوسياسية هائلة، تتنافس الولايات المتحدة والصين بشدة على صعيد أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب منصة «أرينا»، منصة تصنيف مجتمعية تتيح للمستخدمين مقارنة مخرجات نماذج اللغة الكبيرة، بناءً على نصوص متطابقة.

* أداء النماذج. أوائل عام 2023، كانت «أوبن إيه آي» متقدمةً بفضل «تشات جي بي تي»، لكن هذه الفجوة تقلصت عام 2024 مع إطلاق «غوغل» و«أنثروبيك» نماذجهما الخاصة.

وفي فبراير (شباط) 2025، قدم «آر وان»، نموذج ذكاء اصطناعي طوره مختبر «ديب سيك» الصيني، لفترة وجيزة، أداءً مماثلاً لأفضل نموذج أميركي، وهو «تشات جي بي تي». وبحلول مارس (آذار) 2026، تصدرت «أنثروبيك» القائمة، تليها «إكس إيه آي» و«غوغل» و«أوبن إيه آي» بفارق ضئيل. أما النماذج الصينية، مثل «ديب سيك» و«علي بابا»، فكانت متأخرة بعض الشيء.

* التكلفة ورؤوس الأموال والأبحاث. ومع تقارب أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في التصنيفات، أصبح التنافس متركزاً الآن حول التكلفة والموثوقية والجدوى العملية.

وكشف المؤشر أن الولايات المتحدة والصين تتمتعان بمزايا مختلفة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ ففي الوقت الذي تمتلك الولايات المتحدة نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، ورأس مال أكبر، وما يُقدّر بنحو 5427 مركز بيانات (أكثر من عشرة أضعاف ما لدى أي دولة أخرى)، تتصدر الصين بمجال منشورات أبحاث الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، والروبوتات.

ومع اشتداد المنافسة، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» بالامتناع عن الإفصاح عن شفرة التدريب، أو عدد المعاملات في نماذجها، أو أحجام مجموعات البيانات. في هذا الصدد، نقلت مجلة «تكنولوجي ريفيو» عن يولاندا جيل، عالمة الحاسوب في جامعة جنوب كاليفورنيا، التي شاركت في تأليف التقرير: «لا نعرف الكثير عن التنبؤ بسلوكيات النماذج»، مضيفة أن هذا النقص في الشفافية يُصعّب على الباحثين المستقلين دراسة كيفية جعل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً.

خريطة عالمية تظهر توزيع مراكز البيانات لعام 2025

تطور فائق السرعة

* أداء عال و«ذكاء متذبذب». ورغم التوقعات بأن تطور الذكاء الاصطناعي سيتوقف عند حد معين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي ماضية في التحسن. وبحسب بعض المقاييس، فإنها الآن تُضاهي أو تتجاوز أداء الخبراء البشريين في الاختبارات الهادفة إلى قياس مستوى فهم العلوم والرياضيات رواللغة عند مستوى الدكتوراه. شهد اختبار SWE-bench Verified، معيار هندسي لهندسة البرمجيات خاص بنماذج الذكاء الاصطناعي، قفزة نوعية في أعلى الدرجات، من نحو 60 في المائة عام 2024 إلى ما يقارب 100 في المائة عام 2025، أنتج نظام ذكاء اصطناعي توقعات جوية بشكل مستقل

وعبرت جيل عن اندهاشها من «استمرار تطور هذه التكنولوجيا، فهي لا تتوقف عند حد معين» بيد أن هذا لا يعني بأي حال أن الذكاء الاصطناعي، لم يعد يواجه صعوبات على كثير من الأصعدة الأخرى. ونظراً لأن النماذج تتعلم من خلال معالجة كميات هائلة من النصوص والصور، بدلاً من تجربة العالم المادي، فإن الذكاء الاصطناعي يُظهر «ذكاءً غير منتظم» (متذبذب).

* نجاح الروبوتات. اليوم، لا تزال الروبوتات في مراحلها الأولى، ولا تنجح إلا في 12 في المائة فقط من المهام المنزلية. أما السيارات ذاتية القيادة، فقد قطعت شوطاً أطول: تجوب سيارات «وايمو» الآن خمس مدن أميركية، وتنقل مركبات «أبولو غو»، التابعة لشركة «بايدو»، الركاب في أنحاء الصين. كما يتوسع الذكاء الاصطناعي ليضم مجالات مهنية مثل القانون والتمويل، لكن لا يوجد نموذج يهيمن بهذه المجالات حتى الآن.

اختبارات الذكاء الاصطناعي وتأثيراته* طرق اختبار الذكاء الاصطناعي. ينبغي التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن إحراز تقدم بمجال الذكاء الاصطناعي؛ فالمعايير المصممة لتتبع مستوى تقدم الذكاء الاصطناعي، تكافح لمواكبة تطور النماذج، التي تتجاوز حدودها بسرعة، حسبما ورد بتقرير جامعة ستانفورد.

والملاحظ أن بعضاً من نماذج الاختبار هذه مصمم بشكل رديء، فقد ظهر أحد المعايير الشائعة التي تختبر القدرات الرياضية للنموذج لديه معدل خطأ يبلغ 42 في المائة. كما يمكن التلاعب ببعضها الآخر: فعندما يجري تدريب النماذج على بيانات اختبار معيارية، على سبيل المثال، يمكنها أن تتعلم تحقيق نتائج جيدة، دون أن تصبح أكثر ذكاءً.

ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي نادراً ما يُستخدم بنفس طريقة اختباره، فإن الأداء المتميز في الاختبارات المعيارية لا يُترجم دوماً إلى أداء فعلي في العالم الحقيقي. وفيما يخص التقنيات التفاعلية المعقدة، مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإن المعايير المرجعية تكاد تكون معدومة.

علاوة على ذلك، تشارك شركات الذكاء الاصطناعي معلومات أقل حول كيفية تدريب نماذجها، وفي بعض الأحيان تكشف الاختبارات المستقلة نتائج مختلفة عما تُعلنه. وعن ذلك، قالت جيل: «لا تُفصح الكثير من الشركات عن أداء نماذجها فيما يخص معايير مرجعية معينة، خاصة معايير الذكاء الاصطناعي المسؤول».

* تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف. في غضون ثلاث سنوات من انتشاره على نطاق واسع، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم الآن من جانب أكثر من نصف سكان العالم، بمعدل انتشار أسرع من الحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتشير التقديرات إلى أن 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بالوقت الراهن، ويستخدمه أربعة من كل خمسة طلاب جامعيين.

لا يزال تطبيق الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى، ويصعب قياس تأثيره على الوظائف. ومع ذلك، تُشير بعض الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُؤثر بالفعل على العاملين الشباب في بعض المهن. وبحسب دراسة أجراها اقتصاديون من جامعة ستانفورد عام 2025، انحسرت فرص العمل لمطوري البرمجيات، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، بنسبة تقارب 20 في المائة منذ عام 2022. غير أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذا التراجع قد لا يعزى إلى الذكاء الاصطناعي وحده، إذ قد تكون الظروف الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقاً السبب الرئيس، لكن يبدو أن للذكاء الاصطناعي دوراً في ذلك.من جهتهم، يرى أصحاب العمل إن التوظيف قد يستمر في الانكماش. وبحسب استطلاع أجرته شركة «ماكينزي» عام 2025، يتوقع ثلث المؤسسات أن يُقلّص الذكاء الاصطناعي عدد موظفيها العام المقبل، خاصة في عمليات الخدمات وسلاسل التوريد وهندسة البرمجيات.

* تعزيز الإنتاجية. يُعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بنسبة 14 في المائة في خدمة العملاء، و26 في المائة في تطوير البرمجيات، تبعاً لبحث استشهد به المؤشر. غير أن هذه المكاسب لا تُلاحظ في المهام التي تتطلب قدراً أكبر من التقييم وبوجه عام، لا يزال من المبكر للغاية فهم حقيقة التأثير الاقتصادي الأوسع للذكاء الاصطناعي.

مشاعر متضاربة... وأمية الإشراف التنظيمي* الذكاء الاصطناعي يثير مشاعر متضاربة. في مختلف أرجاء العالم، ينتاب الناس مزيج من مشاعر التفاؤل والقلق في آنٍ واحد حيال الذكاء الاصطناعي: إذ يعتقد 59 في المائة منهم أن فوائده ستفوق أضراره، بينما اعترف 52 في المائة إنه يثير قلقهم، طبقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «إيبسوس» ورد ذكره في المؤشر.

ومن اللافت للنظر أن ثمة اختلافاً كبيراً بين نظرة الخبراء وعامة الناس تجاه مستقبل الذكاء الاصطناعي، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو». وتكمن الفجوة الأكبر في مستقبل العمل: في الوقت الذي يعتقد 73 في المائة من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير إيجابي على كيفية أداء الناس لوظائفهم، بينما لا يشاركهم هذا الاعتقاد سوى 23 في المائة من عامة الشعب الأميركي.

كما يبدي الخبراء تفاؤلاً أكبر من الجمهور الناس بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم والرعاية الصحية، لكنهم يتفقون على أن الذكاء الاصطناعي سيضر بعملية الانتخابات والعلاقات الشخصية.

ومن بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع، يثق الأميركيون بحكومتهم أقل من غيرها في تنظيم الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب، وذلك وفقاً لاستطلاع آخر أجرته مؤسسة «إيبسوس». ويساور القلق عدد أكبر من الأميركيين، من أن التنظيم الفيدرالي للذكاء الاصطناعي لن يكون كافياً، مقارنةً بمن يشعرون بالقلق من أنه سيكون تنظيماً مفرطاً.

* صعوبة تنظيم الحكومات الذكاء الاصطناعي. تجابه الحكومات حول العالم صعوبة في تنظيم الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، شهد العام الماضي بعض النجاحات الطفيفة؛ فقد دخلت حيز التنفيذ أولى بنود قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، التي تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال الشرطة التنبؤية، والتعرف على المشاعر. كما أصدرت اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا قوانين وطنية خاصة بالذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، اتجهت الحكومة الفيدرالية الأميركية نحو تخفيف القيود، مع إصدار الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يهدف إلى تقييد صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذا الإجراء الفيدرالي، أقرت المجالس التشريعية للولايات في الولايات المتحدة رقماً قياسياً بلغ 150 مشروع قانون على صلة بالذكاء الاصطناعي. من ناحيتها، سنّت كاليفورنيا تشريعات تاريخية، بينها مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 53، الذي يُلزم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن معلومات السلامة، وتوفير الحماية للمبلغين عن المخالفات. كما أقرَّت نيويورك قانون RAISE، الذي يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بنشر بروتوكولات السلامة، والإبلاغ عن حوادث السلامة الحرجة.

رغم كل هذا النشاط التشريعي، قالت جيل إن التنظيم لا يزال متأخراً عن التكنولوجيا، لأننا لا نفهم حقاً كيفية عملها. وأوضحت أنه: «تتوخى الحكومات الحذر في تنظيم الذكاء الاصطناعي، لأننا لا نفهم الكثير من الأمور على نحو كامل»، مضيفة: «ليس لدينا سيطرة جيدة على هذه الأنظمة».


أداة رقمية تنقذ حياة عائلات مرضى السرطان

أداة رقمية تنقذ حياة عائلات مرضى السرطان
TT

أداة رقمية تنقذ حياة عائلات مرضى السرطان

أداة رقمية تنقذ حياة عائلات مرضى السرطان

تُسهم أداة صحية رقمية جديدة في سد فجوة حرجة في رعاية مرضى السرطان من خلال ضمان وصول معلومات وراثية مهمة قد تنقذ الأرواح، إلى أفراد العائلة الذين قد يكونون بحاجة إليها.

عندما يخضع مريض السرطان لاختبار جيني لا تقتصر أهمية النتائج على توجيه علاجه فقط بل قد تكشف عن طفرات جينية موروثة تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالسرطان. ويمكن أن تكون هذه المعلومات حاسمة لأقارب المريض. لكنها في كثير من الأحيان لا تصل إليهم.

يقول الباحث ستيفن جيه كاتز من قسم إدارة السياسات الصحية في كلية الصحة العامة وقسم الطب الباطني بمركز روجيل للسرطان بجامعة ميشيغان بالولايات المتحدة: «قليل من الفحوصات الطبية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من المريض نفسه، لكن الاختبارات الجينية قد تحمل تداعيات خطيرة على أفراد العائلة».

حلول رقمية

* منصة «جينية» عائلية. لا شك أن مشاركة المخاطر الجينية داخل العائلة ليست مهمة سهلة، فقد يشعر المرضى بالتردد في بدء هذا النوع من الحديث أو يخشون إثارة القلق أو يفتقرون إلى الإرشادات الواضحة من مقدمي الرعاية الصحية.

ولمواجهة هذا التحدي طوّر كاتز وفريقه منصة إلكترونية تُعرف باسم «معلومات جينية واختبار العائلة» (GIFT) Genetic Information and Family Testing تهدف هذه الأداة إلى مساعدة المرضى على فهم تأثير نتائجهم الجينية على أقاربهم وتسهيل عملية مشاركة هذه المعلومات.

وتوفر المنصة مواد تعليمية وأدوات لاتخاذ القرار، كما تتيح للمرضى دعوة أفراد العائلة من إخوة وأبناء وحتى الأقارب من الدرجة الثانية للاطلاع على معلومات حول مخاطرهم المحتملة. وبمجرد انضمامهم إليها يحصل أفراد العائلة على معلومات مخصصة حول مخاطر السرطان الوراثية مع إمكانية اتخاذ قرار بشأن إجراء الاختبارات الجينية إضافة إلى الوصول المباشر لخدمات الفحص.

* نتائج واعدة من تجربة سريرية. تم اختبار فعالية هذه الأداة في تجربة سريرية شملت 414 ناجياً من السرطان يحملون طفرات جينية مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالمرض. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة علم الأورام السريري «Journal of Clinical Oncology» في 24 مارس (آذار) 2026.

وأظهرت النتائج أن نحو 20 في المائة من المرضى قاموا بدعوة أفراد من عائلاتهم ونحو ثلث الأقارب المدعوين انضموا إلى المنصة و90 في المائة من المشاركين من أفراد العائلة قرروا إجراء الفحص الجيني. ومن اللافت أن إضافة مرشد بشري لم تُحدث فرقاً كبيراً في معدلات المشاركة، ما يشير إلى أن الأداة الرقمية وحدها قد تكون كافية في كثير من الحالات. ومع ذلك ظل العامل المالي عائقاً، إذ كان الأقارب الذين أُتيح لهم الفحص مجاناً أكثر ميلاً لإجرائه مرتين مقارنة بمن طُلب منهم دفع رسوم رغم أن الأرقام الإجمالية ظلت محدودة.

رعاية عائلية بالذكاء الاصطناعي* نهج عائلي في الرعاية. تأتي هذه الدراسة في وقت يشهد فيه استخدام الاختبارات الجينية توسعاً كبيراً في رعاية السرطان. فمن المتوقع أن يخضع أكثر من 250 ألف مريض لهذا النوع من الفحوصات هذا العام مع اكتشاف أكثر من 40 جيناً مرتبطاً بخطر الإصابة بالسرطان.

ورغم ذلك لا تزال عملية نقل النتائج إلى أفراد العائلة المعروفة باسم «الاختبار المتسلسل» cascade testing تواجه تحديات كبيرة.

وأظهرت دراسة أخرى لمجموعة الباحثين نفسها نُشرت في مجلة علم الأورام السريري «Journal of Clinical Oncology» في 13 يناير (كانون الثاني) 2026 أن معظم المرضى يدركون أهمية مشاركة نتائجهم مع عائلاتهم لكنهم يفتقرون إلى الدعم الكافي للقيام بذلك بشكل فعّال.

وفي استطلاع شمل نحو 1800 امرأة مصابة بسرطان الثدي أو المبيض أو الرحم تبين أن 80 في المائة منهن استشرن مستشاراً وراثياً. ورغم أن 71 في المائة منهن شُجِّعن على إبلاغ أفراد أسرهن بالنتائج لم تتلقَّ سوى 57 في المائة إرشادات واضحة حول كيفية القيام بذلك في حين أفادت 38 في المائة فقط بأن المستشار الوراثي تواصل مباشرة مع أحد الأقارب.

وتقول الباحثة أليسون كوريان من قسم علم الأوبئة وصحة السكان في كلية الطب بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا: «هذه فجوة كبيرة في الرعاية. فرغم أن المرضى يحصلون على الدعم أثناء الفحص فإنهم لا يتلقون التوجيه الكافي لمشاركة النتائج مع عائلاتهم».

* توظيف الذكاء الاصطناعي. يعمل الباحثون حالياً على تطوير نسخة جديدة من منصة معلومات جينية واختبار العائلة GIFT تتضمن تقنيات الذكاء الاصطناعي لتخصيص المعلومات وتحسين التواصل بين المرضى وأفراد عائلاتهم. وأظهرت آراء المشاركين أن المنصة سهلة الاستخدام، وأن كثيرين تمكنوا من الاستفادة منها دون الحاجة إلى دعم إضافي.

وقال أحد الباحثين المشاركين: «هذه الأداة تُظهر كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تسد فجوات مهمة في الرعاية الصحية من خلال تبسيط المعلومات المعقدة ومساعدة العائلات على اتخاذ قرارات واعية». وفي نهاية المطاف يمكن لمثل هذه الأدوات أن تُسهم في تحويل رعاية السرطان من مجرد علاج إلى وقاية.

فمن خلال تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر يمكن للعائلات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن الفحوصات الدورية أو التدخلات الوقائية. وتؤكد هذه النتائج حقيقة مهمة هي أن المعلومات الجينية لا تخص المريض وحده بل هي شأن عائلي، ومشاركتها قد تنقذ حياة الآخرين.