10 سمات مميَّزة تؤهلك للقيادة

الخبرة تضمن شرعيتها... والتعلُّم السريع وحب الاطلاع والنزاهة أبرز أسسها

10 سمات مميَّزة تؤهلك للقيادة
TT

10 سمات مميَّزة تؤهلك للقيادة

10 سمات مميَّزة تؤهلك للقيادة

إننا نعيش في عصر ذي ثقافة تُمجِّد القيادة؛ إذ لا تُعامَل ألقاب مثل المدير أو المدير التنفيذي أو الرئيس التنفيذي كوظائف فقط؛ بل كوجهات مهنية جذابة، حتى لو كانت الوظيفة الفعلية عكس ذلك تماماً. وفي عالم الشركات، غالباً ما يُحدَّد الطموح والموهبة بعدد الموظفين التابعين لك، ويُقاس سلم النجاح بعدد الموظفين الذين يعملون تحت إشرافك، كما كتب توماس تشامورو- بريموزيك*.

الطامحون للقيادة أكثر من القادرين عليها

والحقيقة هي أن عدد الأشخاص الطامحين للقيادة يفوق بكثير عدد الأشخاص القادرين على القيادة فعلاً؛ خصوصاً إذا علمنا أن موهبة القيادة لا تقاس بالقدرة على الحصول على الوظيفة؛ بل بالتأثير الإيجابي الفعلي على فريقك ومنظمتك بعد ذلك. نعم، هذا ينطبق على السياسة أيضاً.

نصف القادة «غير فعَّالين»

وتبدو بيانات علم النفس التنظيمي صادمة: فمعظم الناس ليسوا قادة أكفاء. تشير الدراسات إلى أن 50 في المائة إلى 60 في المائة من القادة يُنظر إليهم على أنهم غير فعالين من قبل موظفيهم، وتُظهر استطلاعات المشاركة بانتظام أن «المدير» هو العامل الأكبر المؤدي إلى عدم الرضا في العمل. بمعنى آخر، فإن الطلب على المناصب القيادية أكبر بكثير من المعروض من الكفاءات القيادية.

المشكلة الحقيقية ليست في الحماس للقيادة؛ بل في سوء تقييم الناس لإمكاناتهم القيادية؛ إذ يخلط كثيرون بين الطموح والكفاءة، والثقة والكفاءة، أو بين الشعبية والفاعلية.

مؤشرات موثوقة

لحسن الحظ، زوَّدَنا العلم ببعض المؤشرات الموثوقة. القيادة ليست غامضة. يمكن تقييمها. وبينما لا توجد وصفة مثالية، هناك 10 أسئلة يجب أن تطرحها على نفسك إذا كنت تفكر في الانتقال من مساهم فردي إلى قائد للآخرين. فكِّر في هذا كقائمة للتحقق من القدرات، وليس ضماناً للنجاح؛ بل نقطة بداية ضرورية.

خبرة تقنية وتعلّم سريع

1- هل لديك خبرة تقنية؟

في الماضي، كان القادة يُضفون الشرعية على أنفسهم نتيجة معرفتهم الأكثر من الأشخاص الذين يشرفون عليهم، لذا أصبح الحرفي الماهر رئيساً للورشة، وأدار الجراح الأعلى قسم الجراحة، وقاد أفضل جندي الوحدة.

اليوم، يؤدي الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى تآكل قيمة الخبرة. يمكن للآلة في كثير من الأحيان الإجابة عن الأسئلة الواقعية بشكل أسرع وأفضل من رئيسك. ومع ذلك، فإن الخبرة مهمة، ليس فقط فيما يخص ما تعرفه، ولكن ما إذا كان الآخرون يرونك موثوقاً.

القائد من دون خبرة يشبه القبطان الذي لا يستطيع الإبحار: لن يتبعه الطاقم. المفتاح ليس أن تكون الأذكى في الحلبة، ولكن أن تثبت كفاءتك في مجال يكسبك احترام أولئك الذين تقودهم. هذه الشرعية ضرورية. من دونها، ستكون سلطتك موضع تساؤل في كل منعطف.

2- هل أنت سريع التعلُّم؟

غالباً ما يُساء فهم الذكاء. فهو لا يتعلق بمعرفة المعلومات العامة أو درجات النجاح المدرسي؛ بل بالقدرة على تعلُّم أشياء جديدة بسرعة. ويعد ذلك أمراً بالغ الأهمية في القيادة. يتطلب منك كل مشروع أو أزمة أو استراتيجية جديدة استيعاب المعلومات، ومعالجتها والتكيف معها. والقادة الأكثر ذكاءً هم أكثر قدرة على حل المشكلات المعقدة، وتجنب تكرار الأخطاء ومواكبة التغيير.

لذا، فإن المقياس الحقيقي ليس معدل الذكاء الخام؛ بل قدرتك على إظهار مرونة التعلم. وأفضل القادة ليسوا أولئك الذين لا يرتكبون الأخطاء مطلقاً؛ بل أولئك الذين نادراً ما يرتكبون الخطأ نفسه مرتين.

حب الاطلاع والتحلِّي بالنزاهة

3- هل أنت محبٌّ للاطلاع؟

إذا كان معدل الذكاء هو القدرة على التعلم، فإن الفضول (حب الاطلاع) هو الرغبة في القيام بذلك. إنه يغذي الاستكشاف والأسئلة والتواضع بقول: «لا أعرف». كما يعزز حب الاطلاع الذكاء؛ لأنه يدفعك إلى اكتساب معرفة لم تكن لديك.

وتُظهر الدراسات التحليلية أن الفضول المميز يتنبأ بفاعلية القيادة. المفارقة هي أن الفضول يميل إلى الانخفاض مع التقدم في السن والخبرة. كلما كبرنا ازدادت رغبتنا في الاعتماد على ما نعرفه بدلاً من التشكيك فيه. أفضل القادة يقاومون هذا الإغراء، ويواصلون طرح الأسئلة حتى مع وجود إجابات لديهم.

4- هل تتحلى بالنزاهة؟

هذا بديهي، ولكنه نادراً ما يكون كذلك. فالقيادة من دون نزاهة ليست فقط غير فعَّالة؛ بل خطيرة أيضاً. والنزاهة لا تعني عدم ارتكاب الأخطاء؛ بل تعني امتلاك بوصلة أخلاقية. إنها تتطلب قيماً إيثارية، والأهم من ذلك، ضبط النفس، أي القدرة على مقاومة الإغراءات، وتجنب إساءة استخدام السلطة، واتخاذ قرارات تصب في مصلحة المجموعة لا الفرد.

التاريخ مليء بقادة فشلوا في هذا المجال، من فضائح الشركات مثل «إنرون» إلى القادة السياسيين الذين أثْروا أنفسهم بينما دمَّروا شعوبهم. قد لا يمنع غياب النزاهة الناس دائماً من الوصول إلى القمة، ولكنه دائماً ما يُحدد كيفية تذكُّرهم.

التواضع والطموح ومهارات التعامل

5- هل تتحلى بالتواضع؟ التواضع هو سر القيادة الذي يُستهان به عادة. إنه يعني النقد الذاتي، والاعتراف بالخطأ عند ثبوته. ويعني أيضاً القدرة على إحاطة نفسك بأشخاص أذكى منك في مجالات معينة، دون الشعور بالتهديد من ذلك. نحن نتوق إلى التواضع في القادة تحديداً؛ لأنه نادر جداً. الرؤساء التنفيذيون الذين يُنسبون الفضل إلى فرقهم بدلاً من أنفسهم يبرزون. التواضع ليس ضعفاً؛ بل قوة، ومن دونه يُصاب القادة بالوهم.

6- هل أنت طموح؟ للطموح سمعة سيئة، ولكنه ضروري. يحتاج القادة إلى الدافع والطاقة والمثابرة. الفرق الحاسم هو الدافع: لماذا تريد القيادة؟ إذا كان طموحك مدفوعاً بالرغبة في السلطة أو الغرور أو النرجسية، فمن المرجح أن تُلحق الضرر بالآخرين في هذه العملية.

الطموح الصحيح هو الطموح الاجتماعي. يتعلق الأمر بالرغبة في تحسين أداء الآخرين، وخلق تأثير يتجاوز ذاتك، وترك إرث مهم.

7- هل لديك مهارات التعامل مع الناس؟ القيادة هي القدرة على بناء فريق عالي الأداء والحفاظ عليه. وهذا يتطلب ذكاءً عاطفياً: التعاطف، والاستماع، والتأثير، وحل النزاعات. سيكون من الصعب جداً عليك القيادة إذا لم تتمكن من إدارة نفسك وإدارة الآخرين. يمكنك أن تكون لامعاً، فضولياً، وطموحاً، ولكن إن لم تستطع التواصل مع الناس، فلن تحافظ أبداً على ثقتهم أو ولائهم.

ترويض الجانب المظلم وإلهام الآخرين

8- هل يمكنك ترويض جانبك المظلم؟ كل شخص لديه جانب مظلم. بالنسبة للبعض هو الغطرسة. وبالنسبة للآخرين هو الاندفاع، أو جنون العظمة، أو العدوانية. هذه السمات «المظلمة» ليست سيئة بطبيعتها؛ لأنها غالباً ما تُغذي الطموح والمرونة، ولكن عندما تُترك دون رادع فإنها تُعيق المسيرة المهنية. الفرق بين القادة العظماء والفاشلين ليس وجود العيوب؛ بل القدرة على السيطرة عليها. يعرف القادة الجيدون كيفية تعديل أنفسهم، حتى عندما لا يُجبرهم أحد على ذلك.

9- هل يمكنك إلهام الآخرين؟ الكاريزما عامل مُضاعِف. عندما تكون كفؤاً وأخلاقياً، تُضخِّم الكاريزما تأثيرك. فالقادة الذين يستطيعون إيصال رؤيتهم بثقة وشغف ووضوح يكونون أكثر فعالية في حشد الفرق. ولكن الكاريزما دون جوهر خطرة. يمكن أن تجعل القادة السيئين أكثر تدميراً بإقناع الناس باتباعهم نحو الهاوية.

10- هل لديك قابلية للتدريب؟ القيادة ليست منتَجاً نهائياً. حتى لو استوفيت جميع الشروط المذكورة أعلاه، فسيستمر العالم في التغير، وستصبح مهاراتك في النهاية قديمة الطراز. الطريقة الوحيدة للبقاء على صلة هي أن تكون قابلاً للتدريب: أن تطلب الملاحظات، وأن تستمع، وأن تتكيف. كان بعض أنجح القادة في التاريخ متعلمين، لا يتوانون عن التعلم.

هل ينبغي أن تكون قائداً؟

إذن، هل ينبغي أن تكون قائداً؟ إذا أجبت بنعم على معظم هذه الأسئلة، فأنت أكثر استعداداً من غالبية الطامحين للقيادة. وإن لم يكن الأمر كذلك، فالأمر يستحق إعادة النظر. لا عيب في البقاء خبيراً، أو مساهما فردياً، أو متعاوناً دون لقب إداري. في الواقع، تُدرك المؤسسات بشكل متزايد قيمة المتخصصين التقنيين الذين لا يرغبون في إدارة الأفراد، أو لا ينبغي لهم إدارتهم.

وبالطبع، سيكون من الخداع تجاهل المشكلة الكبيرة: كثير من الناس يصعدون إلى القيادة؛ ليس لأنهم موهوبون بشكل خاص، ولكن لأن الحظ حالفهم في الانضمام إلى العائلة المناسبة، أو الشبكة المناسبة، أو الرابطة الدراسية المناسبة. لا تزال المحسوبية، والامتيازات، وعضوية النخبة تُسهِّل كثيراً من مسارات القيادة. ولقد تركت هذه الأمور خارج قائمة المراجعة.

في النهاية، القيادة لا تتعلق بك؛ بل بما تفعله للآخرين. وهذا هو السؤال الذي يستحق الطرح قبل السعي وراء اللقب: هل تُريد القيادة من أجلهم أم من أجلك؟

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

هل المكملات الغذائية مفيدة لصحة البروستاتا؟

صحتك مكملات غذائية (رويترز)

هل المكملات الغذائية مفيدة لصحة البروستاتا؟

يعد تناول المكملات الغذائية أمراً شائعاً خاصة بين كبار السن لأنها يمكن أن تساعد في علاج نقص بعض الفيتامينات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك المكسرات غنية بالمغنيسيوم، والكالسيوم، وفيتامين «هـ» ما يجعلها مفيدة لصحة العظام (بيكساباي)

اكتشف دور المكسرات في تقوية العظام

المكسرات غنية بالمغنيسيوم، والكالسيوم، وفيتامين «هـ»، ما يجعلها مفيدة لصحة العظام. تناول المكسرات يعزز كثافة العظام، ويقويها، ويقلل خطر الإصابة بهشاشتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك حالة الأسنان قد تتنبأ باحتمالية الوفاة المبكرة (رويترز)

صحة أسنانك قد تحميك من الموت المبكر

لفتت دراسة جديدة إلى أن حالة الأسنان قد تتنبأ باحتمالية الوفاة المبكرة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك سيدة تقف أمام خضراوات في ميكسيكو سيتي (رويترز)

تغييرات بسيطة في النظام الغذائي والتمارين الرياضية والنوم تطيل العمر

أظهرت دراسة حديثة أن تغييرات بسيطة في النظام الغذائي، والتمارين الرياضية، والنوم قد تُطيل العمر عند تطبيقها معاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».