«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية: ذكاء جماعي بلا خرق للخصوصية

حين تتعاون المستشفيات دون أن تكشف أسرارها

«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)
«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)
TT

«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية: ذكاء جماعي بلا خرق للخصوصية

«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)
«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)

في زمنٍ تتسارع فيه الخوارزميات كما لو كانت في سباقٍ لا يعرف خط النهاية، يبرز التعلّم المتحد (Federated Learning) باعتباره أحد أكثر الابتكارات ثورية في الذكاء الاصطناعي الطبي. تخيّل أن مئات المستشفيات والجامعات حول العالم تتعاون لتدريب «عقل رقمي واحد»، من دون أن تترك بيانات المرضى خزائنها، أو تُعرَّض خصوصيتهم للخطر... إنها ثورة صامتة تجعل الذكاء الاصطناعي لا مجرد «خادمٍ للبيانات»، بل يكون جسراً يربط العقول الطبية عبر القارات، محوّلاً التشخيص والعلاج إلى تجربة جماعية آمنة تتخطى حدود الجغرافيا، وتعقيدات البيروقراطية.

«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)

التعليم المتَّحد

* من أين بدأت الفكرة؟ في النماذج التقليدية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي تُجمَع البيانات من المستشفيات والمختبرات المختلفة وتُصبّ في مركزٍ واحد ضخم، ليُبنى النموذج ويتعلم. غير أن هذه المقاربة، رغم قوتها الحسابية، اصطدمت بجدارٍ صلب من العقبات: قوانين صارمة لحماية البيانات الطبية، مثل اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR)، أو التشريعات الأميركية HIPAA، إلى جانب المخاوف الأخلاقية والعملية من نقل بيانات حساسة عبر الحدود وكأنها «حقائب» قابلة للتداول.

عام 2017، قدّم باحثون في شركة «غوغل» حلاً بدا حينها أقرب إلى الخيال: لماذا لا نُعلّم النموذج مباشرة في موقع البيانات بدلاً من نقل البيانات إلى مكان النموذج؟ هكذا وُلد إطار التعلّم المتّحد. فكل مستشفى أو مركز صحي يحتفظ ببياناته محلياً، لكنه يرسل فقط «خلاصة» التدريب، أي الأوزان (Weights)، إلى خادمٍ مركزي. وهذا الخادم يقوم بدمج الخلاصات، وتحديث النموذج، ثم يعيد توزيعه على جميع المشاركين. والنتيجة: عقلٌ جماعي مشترك، يتطور باستمرار، من دون أن يرى أي ملف طبي خام.

* كيف يخدم الصحة؟ يُعدّ القطاع الصحي من أكبر المستفيدين من التعلّم المتّحد، إذ يجمع بين حاجته إلى بيانات ضخمة ودقّة تنبئية عالية من جهة، وحساسية المعلومات الطبية من جهة أخرى. ففي مستشفى لندن الملكي التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية NHS، استُخدم هذا النموذج عام 2020 لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي تتنبأ بمضاعفات مرضى كوفيد-19، اعتماداً على بيانات موزّعة بين مستشفيات متعددة، من دون أن تُنقل إلى قاعدة مركزية واحدة. النتيجة كانت نموذجاً يتميز بدقة أعلى، وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، مع الحفاظ التام على خصوصية المرضى.

وفي الولايات المتحدة، دخلت مؤسسات كبرى، مثل مايو كلينيك (Mayo Clinic) وستانفورد (Stanford)، في شراكات بحثية لتطوير نماذج متحدة قادرة على التنبؤ بسرطان الثدي، وأمراض القلب. وهذه التجارب لم تُقدّم فقط حلولاً مبتكرة، بل أظهرت أن التعلّم المتّحد يفتح الباب أمام الاستفادة من البيانات النادرة والموزعة التي يصعب جمعها في مكان واحد، ليُحوِّلها إلى معرفة عملية تُنقذ الأرواح.

فوائد جوهرية

تكمن قوة التعلّم المتّحد في أنه لا يقدّم حلاً تقنياً فحسب، بل يعيد رسم معادلة الثقة بين المرضى والمؤسسات الصحية. وأبرز فوائده:

-حماية الخصوصية: تبقى البيانات الطبية داخل المستشفى أو العيادة، فلا تُعرَّض لخطر التسريب، أو الاختراق أثناء النقل، وهو ما يعزز ثقة المريض، ويزيل عقبة قانونية كبرى.

-تسريع البحث العلمي: بدلاً من انتظار سنوات لجمع بيانات ضخمة في قاعدة واحدة، يمكن للمؤسسات البدء فوراً في تدريب نماذجها، كلٌّ على بياناته، ثم مشاركة النتائج في شبكة أوسع.

-التعامل مع البيانات النادرة: بعض الأمراض نادرة، أو محصورة في مناطق جغرافية محدودة. ويتيح التعلّم المتّحد دمج هذه الخبرات المتفرقة في نموذج عالمي قادر على اكتشاف الأنماط بسرعة.

-تقليل التحيّز: النماذج التي تُدرَّب على بيانات محلية محدودة قد تُظهر تحيّزاً لجنس، أو عرق، أو بيئة معينة. أما حين تتعلم الخوارزميات من بيانات موزعة ومتنوعة، فإنها تقترب أكثر من العدالة الطبية في التشخيص والعلاج.

-الكفاءة الاقتصادية: نقل البيانات الضخمة وحمايتها مكلف مادياً، وتقنياً، بينما مشاركة الأوزان الحسابية فقط تجعل العملية أقل تكلفة، وأكثر استدامة.

التحديات الكامنة

غير أن الطريق إلى تبنّي التعلّم المتّحد في الطب ليس مفروشاً بالورود؛ فهذه التقنية، رغم وعودها الكبيرة، ما زالت تصطدم بجملة من التحديات المعقّدة:

-تباين البيانات (Non-IID): تختلف أنماط البيانات بين مستشفى وآخر؛ فمرضى لندن لا يشبهون مرضى الرياض، أو مومباي، ما قد يقلل من دقة النماذج إذا لم تُعالج هذه الفوارق بذكاء.

-الأمان السيبراني: صحيح أن الملفات الطبية لا تُغادر أماكنها، لكن تبادل الأوزان الحسابية بين المراكز قد يصبح هدفاً لهجمات سيبرانية متطورة تكشف أو تضلل النموذج.

-تكلفة البنية التحتية: يحتاج هذا النهج إلى شبكات اتصال عالية الكفاءة، وخوادم آمنة، وهو ما قد يشكّل عبئاً على بعض المستشفيات، خاصة في الدول النامية.

-حوكمة البيانات والملكية الفكرية: من يملك النموذج النهائي؟ وهل تُوزّع منافعه بالتساوي بين المشاركين؟ هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة، وتحتاج إلى أطر قانونية وأخلاقية واضحة.

«التعلّم المتَّحد» في الرعاية الصحية (الشرق الأوسط)

دروس للعالم العربي

ما يجري في بريطانيا وأميركا ليس بعيداً عن طموحات منطقتنا. ففي المملكة العربية السعودية، حيث تسابق رؤية 2030 الزمن لبناء قطاع صحي رقمي متكامل، يبرز التعلّم المتّحد باعتباره فرصة استراتيجية. تخيّل أن المستشفيات من جدة إلى الرياض، ومن الدمام إلى نيوم، تعمل معاً لتدريب نموذج موحد يتنبأ بأمراض السكّري، أو القلب، من دون أن يغادر أي ملف طبي حدود مؤسسته.

مثل هذه المنظومة لا تمنح السعودية فقط لقب الريادة في مجال «الذكاء الاصطناعي الآمن»، بل ترسم مساراً جديداً حيث الخصوصية لا يُضحّى بها من أجل التقدم، بل تصبح جزءاً من بنيته. والأبعد من ذلك، يمكن أن تتحوّل التجربة السعودية إلى منصة عربية مشتركة، عبر إطلاق «منصة عربية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية»، تتيح للدول تبادل الخبرات وبناء نماذج فيدرالية إقليمية تعكس تنوّع المرضى العرب، وتسد فجوات البحث العلمي المستقبلي: حين يصبح الطب شخصياً وجماعياً.

مع استمرار تطور الخوارزميات، قد نشهد قريباً دمج التعلّم المتّحد مع تقنيات أخرى، مثل التشفير المتجانس (Homomorphic Encryption) أو سلاسل الكتل (Blockchain)، ما يرفع مستوى الأمان إلى أقصى درجاته. والنتيجة؟ نماذج أكثر ذكاءً، قادرة على تقديم توصيات علاجية فردية (Personalized Medicine) لكل مريض، اعتماداً على معرفة عالمية تم صقلها من آلاف المستشفيات، من دون أن يغادر ملفه الطبي غرفة الطبيب.

من الاحتكار إلى التعاون

التعلّم المتّحد ليس مجرد خوارزمية جديدة، بل هو رؤية مختلفة في معنى الذكاء الاصطناعي. فهو يدعونا إلى استبدال ثقافة التعاون بمنطق الاحتكار، وإلى مشاركة الثمار دون التفريط بالأسرار، وإلى بناء معرفة تتشكّل من الجميع، ولأجل الجميع.

إنه يذكّرنا بأن المستقبل لا يُكتب بالسرعة وحدها، بل بالتوازن بين التقدم وحماية الإنسان. فإذا كانت الخوارزميات هي لغة الغد، فإن التعلّم المتّحد هو القواعد النحوية التي تضمن لهذه اللغة أن تظل مفهومة، وعادلة.

طبٌّ أذكى، خصوصية مصونة، وإنسانٌ يبقى في قلب المعادلة... لعلها الجملة التي نحتاج أن نخطّها ونحن نفتح صفحة جديدة من تاريخ الرعاية الصحية.


مقالات ذات صلة

روبوت الدردشة «جروك» يواصل إنتاج محتوى فاضح رغم القيود الجديدة

تكنولوجيا روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» المدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» (أ.ف.ب)

روبوت الدردشة «جروك» يواصل إنتاج محتوى فاضح رغم القيود الجديدة

خلصت وكالة «رويترز» إلى أن روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» والمدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» يواصل توليد صور فاضحة للأشخاص.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا شعار روبوت الدردشة «غروك» الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي يظهر إلى جانب شعار شركة «إكس ​إيه آي» (رويترز)

بسبب المحتوى الفاضح... بريطانيا تفتح تحقيقاً بشأن «غروك»

أطلقت هيئة مراقبة الخصوصية البريطانية، الثلاثاء، تحقيقاً رسمياً ​بشأن روبوت الدردشة «غروك» التابع لإيلون ماسك، والذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)

بعد قفزة إلى 4.9 تريليون دولار... توقعات باستمرار زخم صفقات الاندماج والاستحواذ في 2026

أفاد تقرير صادر عن «باين آند كومباني» الاستشارية، بأن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ عالمياً مرشح للحفاظ على زخمه خلال عام 2026، بعد أن سجل انتعاشاً قوياً في 20

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم حين تختار الخوارزمية الصمت

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

ليس كل تنبؤ… يستحق أن يتحول إنذاراً

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
أوروبا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يمين) يفحص غواصة مسيرة خلال زيارته مركزاً للابتكار تابعاً للجيش الألماني في منطقة إردينغ بالقرب من مدينة ميونيخ جنوبي ألمانيا (أ.ف.ب)

وزير الدفاع الألماني: الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً حاسماً في أي حرب

شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على ضرورة توفر المرونة التقنية والاستعداد للابتكار لدى الجيش الألماني.

«الشرق الأوسط» (إردينغ)

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت
TT

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت

في الطب التقليدي، كان الصمت قراراً بشرياً يتخذه الطبيب حين يرى أن الإفراط في التفسير قد يربك المريض أكثر مما ينفعه.

أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الطبي، فقد أصبح السؤال أعمق: هل يمكن أن يكون الصمت جزءاً من هندسة الخوارزمية نفسها؟ وهل ينبغي أن نُعلّم الآلة أن تمتنع عن الكلام حين يكون كلامها مؤذياً؟

بين الشكّ البشري والثقة الرقمية

بحث 2026: الاعتراف بعدم اليقين

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر الباحث محمد رشاد الإسلام (Md Rashadul Islam) من قسم هندسة علوم الحاسوب في جامعة دافوديل الدولية (Daffodil International University) في دكا، بنغلاديش، دراسة على منصة «أركايف» (arXiv) بعنوان: «إطار الامتناع الانتقائي للذكاء الاصطناعي الواعي بعدم اليقين في تصوير السكتة الدماغية الحادة».

تناولت الدراسة تحدياً معروفاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، وهو أن النماذج - حتى الأكثر دقة - تُجبر على إصدار حكم تشخيصي في جميع الحالات، حتى عندما تكون درجة الثقة منخفضة.

لذا؛ اقترح الباحث إطاراً يدمج تقدير «عدم اليقين الاحتمالي» داخل نموذج تحليل صور السكتة الدماغية الحادة. وعندما تنخفض درجة الثقة عن حد معين، يمتنع النظام صراحةً عن إصدار توصية، ويُحيل القرار إلى الطبيب.

وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في الأخطاء بالحالات الحدّية وارتفاعاً في أمان القرار السريري مقارنة بالنماذج التقليدية. ورغم أن الدراسة لا تزال منشورة بحثاً أولياً لم يخضع بعد للتحكيم النهائي، فإنها تعكس اتجاهاً بحثياً واضحاً نحو «ذكاء واعٍ بحدوده».

بين القدرة على التنبؤ وأخلاقيات الإفصاح

الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على التنبؤ بمخاطر أمراض قبل سنوات من ظهورها، وقراءة الصور الشعاعية بدقة تتجاوز أحياناً العين البشرية. لكن السؤال لم يعد: هل يستطيع أن يتنبأ؟ بل: هل ينبغي أن يُعلن كل ما يتنبأ به؟

تخيّل نظاماً يخبر مريضاً باحتمال متوسط للإصابة بمرض خطير خلال عشر سنوات. الاحتمال غير حاسم، والتدخل غير مؤكد، لكن كلمة «خطر» وحدها قد تغيّر نظرته إلى ذاته ومستقبله. هنا تتحول المعلومة من رقم إحصائي إلى عبء نفسي.

ليس كل تنبؤ يستحق أن يتحول إنذاراً.

خطر الضجيج العلاجي

الأنظمة الذكية مصممة بطبيعتها لإنتاج نتائج. والنموذج الذي لا يُخرج توصية يُعدّ ناقصاً تقنياً. لكن الطب ليس سباقاً في عدد التنبيهات، بل مسؤولية في وزن العواقب.

وقد يقود الإفراط في الإنذار إلى فحوص غير ضرورية، وتشخيص زائد، وقلق مزمن. ومع إدماج الخوارزميات في السجلات الطبية الإلكترونية، تتحول التوصية إلى «خيار موصى به» تلقائياً، ويصبح الخروج عنه في حاجة إلى تبرير. هنا يحدث ما يمكن تسميته بالانزياح الصامت للمسؤولية؛ لا تُلغى حرية الطبيب، لكنها تُثقل تحت ضغط الثقة الرقمية.

مبدأ الصمت الخوارزمي

من هنا يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه فضيلة طبية ناشئة. وهو لا يعني إخفاء الحقيقة، بل ترشيحها عبر ميزان التناسب. فإذا كان التنبؤ عالي الدقة، والتدخل المبكر ينقذ حياة، فالإفصاح واجب. أما إذا كان الاحتمال متوسطاً، والفائدة غير محسومة، والضرر النفسي متوقعاً، فقد تكون المراقبة أكثر أخلاقية من الإنذار.

الفرق هنا بين القدرة على التنبؤ والحق في التدخل.

ضجيج الإنذارات

الشكّ المهني في عصر الخوارزميات

أحد أعمدة الطب هو الشكّ البنّاء، فالطبيب المتمرّس يعرف متى يتدخل ومتى ينتظر. لكن الخوارزمية، إن لم تُصمَّم بعناية، قد تُضعف هذا الشك؛ لأنها تعرض توصياتها بثقة رقمية تبدو عقلانية ومحايدة.

ومع الاعتياد، يتحول النظام مرجعيةً غير مُساءلة، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأننا نعتاد عليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

نحو ذكاء أكثر تواضعاً

الطب لا يحتاج إلى ذكاء أعلى فحسب، بل إلى ذكاء أكثر تواضعاً؛ ذكاء يعترف بدرجة عدم يقينه، ويُظهر حدوده بوضوح، ويمتنع عن الكلام حين يكون الكلام ضرراً.

فالخوارزمية لا ترى القلق في عيني المريض، ولا تتحمل تبعات القرار، ولا تعيش أثر الكلمة. الطبيب وحده من يزن الاحتمال في ضوء الإنسان الجالس أمامه.

ليست المشكلة أن تتكلم الخوارزمية، بل أن تتكلم حين لا ينبغي لها أن تفعل. فالذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يقول، بل بقدر ما يعرف أن يمتنع.

ومستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس بعدد ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على معرفة متى تتراجع خطوة، وتترك للإنسان الكلمة الأخيرة.


الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا
TT

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

كشفت دراسة علمية حديثة أن الاختلاف الكبير في استجابة الناس للأمراض المعدية يعود إلى تفاعل معقّد بين الجينات التي نرثها، وتجارب الحياة التي ممرنا أو نمرّ بها، مثل العدوى السابقة، واللقاحات، والعوامل البيئية. وأظهرت الدراسة أن هذه العوامل تترك بصمات جزيئية دائمة على خلايا الجهاز المناعي تتحكم في كيفية عمل الجينات، واستجابة الجسم للأمراض.

فهرس «غير جيني» لخلايا المناعة البشرية

ُشرت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد سالك للأبحاث في كاليفورنيا الولايات المتحدة في مجلة «Nature Genetics» في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 حيث قدّم العلماء أول فهرس غير جيني مفصّل لخلايا المناعة البشرية، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة، وتخصيصاً لكل فرد.

وتبرز أهمية هذه النتائج بوضوح بعد أن أظهرت جائحة كوفيد-19 حقيقة لافتة هي أن الأشخاص المصابين بالفيروس نفسه قد يمرّون بتجارب صحية مختلفة تماماً. فبينما يعاني بعضهم أعراضاً خفيفة، يصاب آخرون بمضاعفات خطيرة. وهذا ما أعاد طرح سؤال جوهري ألا وهو لماذا تؤثر العدوى نفسها على الناس بطرق متباينة؟

الطبقة الخفية وراء الحمض النووي

رغم أن جميع خلايا الجسم تحمل الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه، فإنها لا تؤدي الوظائف نفسها. فالخلية الجلدية تختلف تماماً عن الخلية المناعية. ويعود هذا الاختلاف إلى ما يُعرف بـاللاجينوم Epigenome.

واللاجينوم عبارة عن علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتعمل بوصفها مفاتيح تشغيل أو إيقاف للجينات. وهي لا تغيّر الشيفرة الوراثية نفسها، لكنها تتحكم في طريقة عمل الخلايا.

وعلى عكس الجينات يتميز اللاجينوم بالمرونة، إذ تُورَّث بعض علاماته، بينما تتشكل أخرى نتيجة التعرض للعدوى، واللقاحات، والعوامل البيئية عبر مراحل الحياة.

الطبيعة والتجربة داخل خلايا المناعة

ولفهم تأثير الجينات، وتجارب الحياة على الجهاز المناعي، حلّل فريق البحث بقيادة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي معهد سالك للدراسات البيولوجية في الولايات المتحدة الأميركية عينات دم من 110 أشخاص ذوي خلفيات متنوعة. وشملت هذه العينات أشخاصاً تعرضوا لعدوى مختلفة، مثل الإنفلونزا، وكوفيد-19، وفيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى تلقي بعضهم لقاحات، والتعرض لمواد كيميائية بيئية.

وركّز الباحثون على أربعة أنواع رئيسة من خلايا المناعة هي: الخلايا التائية T cells، والخلايا البائية B cells التي تحتفظ بذاكرة طويلة الأمد للعدوى السابقة، ثم الخلايا الوحيدة Monocytes، والخلايا القاتلة الطبيعية natural killer cells التي تستجيب بسرعة، وبصورة أوسع.

ثم قاموا برسم خريطة للتغيرات اللاجينية، خاصة أنماط مثيلة الحمض النووي داخل كل نوع من هذه الخلايا.

نوعان من البصمات اللاجينية

وكشفت الدراسة عن وجود نوعين واضحين من التغيرات اللاجينية هي تغيرات مرتبطة بالوراثة الجينية، وتغيرات ناتجة عن تجارب الحياة، والتعرض البيئي.

وتبيّن أن هذين النوعين يظهران في مناطق مختلفة من الجينوم. إذ تترك التأثيرات الوراثية بصمتها في مناطق مستقرة، خاصة في الخلايا المناعية طويلة العمر، مثل الخلايا التائية، والبائية. في المقابل تظهر تأثيرات التجارب الحياتية في مناطق تنظيمية أكثر مرونة تساعد الخلايا على الاستجابة السريعة للتهديدات.

وتشير هذه النتائج إلى أن الجينات تضع الأساس طويل الأمد لعمل الجهاز المناعي، بينما تعدّل التجارب الحياتية الاستجابة المناعية بحسب الظروف.

ربط خطر الأمراض بخلايا مناعية محددة

وأوضحت الدراسة أن بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالأمراض لا تُسبب المرض بشكل مباشر، بل تعمل من خلال التأثير على «مفاتيح» كيميائية دقيقة تتحكم في نشاط الجينات داخل أنواع معيّنة من خلايا الجهاز المناعي. ويساعد هذا الفهم العلماء على معرفة أيّ الخلايا تبدأ منها الأمراض، وكيف تتطور على المستوى الجزيئي، ما يمهّد الطريق لتشخيص أدقّ، وعلاجات أكثر استهدافاً بدل التأثير في الجهاز المناعي بأكمله.

نحو طب مناعي شخصي

من أبرز آفاق هذا البحث إمكانية استخدام الخرائط اللاجينية للتنبؤ بكيفية استجابة الأشخاص للعدوى. فمع توفر عدد أكبر من البيانات قد يصبح بالإمكان تحليل بصمة الشخص المناعية، وتوقع شدة المرض لديه، وربما حتى قبل التعرض للعدوى.

وفي المستقبل قد يستخدم الأطباء هذه التواقيع اللاجينية لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، وتصميم استراتيجيات وقائية أو علاجية مخصصة لهم.

خريطة طريق للمستقبل

يوفّر هذا الأطلس اللاجيني الجديد لخلايا المناعة مورداً علمياً بالغ الأهمية لدراسة الأمراض المعدية والوراثية على حد سواء. ومن خلال كشف كيفية تفاعل الجينات، وتجارب الحياة داخل خلايا المناعة، تقرّب هذه الدراسة الطب من مفهوم العلاج الشخصي الحقيقي.

ومع توسّع هذا الفهرس في السنوات المقبلة قد يساعد الأطباء ليس فقط على فهم أسباب المرض، بل أيضاً على حماية المرضى بطرق أكثر فاعلية، ودقة.


الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
TT

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة. ورغم هذا التقدم لا يزال أحد أبرز التحديات يتمثّل في ضبط قوة القبضة بما يتناسب مع طبيعة الشيء الذي يمسكه المستخدم؛ فالإمساك ببيضة يتطلّب لمسة بالغة الرقة، في حين يحتاج فتح زجاجة ماء إلى قوة أكبر وتحكم أدق.

ووفقاً لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، تُسجَّل نحو 50 ألف حالة بتر سنوياً، مما يجعل فقدان اليد عاملاً مؤثراً بشكل كبير في قدرة الأفراد على أداء مهامهم اليومية بصورة طبيعية.

تطوير طرف اصطناعي بقدرات ذكية تحاكي التفكير البشري (جامعة يوتا الأميركية)

نظم ذكية أكثر استجابة

وتركّز أحدث الابتكارات في هذا المجال على تطوير أطراف اصطناعية أكثر ذكاءً واستجابة، قادرة على محاكاة الإحساس الطبيعي لليد البشرية. وتمنح هذه التقنيات المستخدمين قدراً أكبر من الاستقلالية، وتساعدهم على إنجاز أنشطتهم اليومية بسهولة وثقة، مع تعزيز مستويات الراحة والسلامة في أثناء الاستخدام.

وفي السياق، طوّر باحثون في جامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية في الصين نظاماً مبتكراً للأطراف الاصطناعية يعتمد على تعلّم الآلة، والرؤية الحاسوبية، وأجهزة استشعار متقدمة، بهدف تحديد قوة القبضة المناسبة لكل جسم في الوقت الفعلي. ونُشرت النتائج في عدد 20 يناير (كانون الثاني) 2026 من دورية «Nanotechnology and Precision Engineering».

وركزت الدراسة على قياس قوة القبضة اللازمة للتعامل مع أكثر من 90 في المائة من الأشياء اليومية الشائعة، مثل الأقلام، والزجاجات، والأكواب، والكرات، والمفاتيح، بالإضافة إلى الأشياء الهشة مثل البيض، وذلك لتمكين المستخدم من التفاعل الطبيعي مع محيطه دون الحاجة إلى ضبط قوة القبضة يدوياً في كل مرة.

ويعمل النظام عبر كاميرا صغيرة مثبتة بالقرب من راحة اليد، إلى جانب أجهزة استشعار للضغط في أطراف الأصابع، بالإضافة إلى جهاز لقياس النشاط الكهربائي للعضلات في ساعد المستخدم، مما يسمح بتحديد نية الإمساك بالشيء وضبط قوة القبضة تلقائياً.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية، الدكتور هوا لي، إن هذا النظام يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في حياة مستخدمي الأطراف الاصطناعية، من خلال الجمع بين الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات الكهربائية، بما يتيح التعرف الذكي على الأشياء والتحكم التكيفي بقوة القبضة في أثناء الإمساك بها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يحلل تلقائياً الهدف باستخدام خوارزمية متقدمة تحدد نوع الشيء وملمسه وحجمه، ثم تختار قوة القبضة المناسبة له، مثل القوة الخفيفة عند التعامل مع البيض، أو القوة المعتدلة عند الإمساك بأكواب مملوءة بالماء، مما يقلل من احتمالات تلف الأشياء أو انزلاقها من اليد.

وبالاعتماد على إشارات جهاز قياس النشاط الكهربائي للعضلات للكشف عن نية المستخدم، يُكمل النظام تلقائياً عملية «التعرف البصري، ومطابقة القوة، وتنفيذ الحركة» بأسلوب يحاكي ذاكرة العضلات البشرية. ويُسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى التعديل اليدوي المستمر، ويتيح أداء المهام اليومية بطريقة أكثر طبيعية، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المستخدمين.

وعن تأثير هذه التكنولوجيا في تصميم الأطراف الاصطناعية مستقبلاً، أوضح الدكتور لي أن النظام يفتح آفاقاً جديدة لتطوير أيدٍ اصطناعية أكثر تقدماً، إذ يوفّر نمط التحكم المزدوج القائم على الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات منطقاً ذكياً يعتمد على «الكشف النشط والتنفيذ التلقائي». ويجعل هذا التحول اليد الاصطناعية أقرب إلى السلوك البشري الطبيعي في الإمساك بالأشياء، بدلاً من كونها مجرد أداة استجابة خاملة.

أما بشأن إمكانية تكييف هذا النظام لاستخدامه مع أطراف اصطناعية أو روبوتات أخرى، فأكد أن التكنولوجيا الأساسية لا تعتمد على بنية الطرف ذاته. ومع إجراء تعديلات بسيطة على نماذج التعرف البصري وضبط عتبات القوة المناسبة، يمكن تطبيق النظام على الأرجل أو الأذرع الاصطناعية، وحتى على أذرع الروبوتات، مما يوفّر حلولاً فعالة ومنخفضة التكلفة لأجهزة التأهيل والتقنيات الروبوتية، ويفتح المجال أمام تطبيقات واسعة في مجالات متعددة.

تصميم يد اصطناعية مبتكرة تحاكي حركة اليد الطبيعية (معهد التكنولوجيا الإيطالي)

محاولات بحثية موازية

وتتزامن هذه التطورات مع جهود بحثية عالمية أخرى تهدف إلى محاكاة الحركة الطبيعية بشكل أدق. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، نجح فريق من جامعة يوتا الأميركية في تطوير يد اصطناعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومزودة بمجسات ضغط وأخرى بصرية دقيقة تمكّنها من «التفكير الذاتي». ودُرّبت اليد باستخدام شبكة عصبية على أوضاع قبض مختلفة، مما سمح لكل أصبع بالتحرك بشكل مستقل ومتزامن مع المستخدم، وتقليل الجهد العقلي المطلوب لأداء المهام اليومية.

كما يعمل باحثون في معهد التكنولوجيا الإيطالي وجامعة إمبريال كوليدج لندن على تطوير أطراف اصطناعية تعتمد على التناغم العصبي العضلي وتكنولوجيا الروبوتات اللينة. وفي يونيو (حزيران) 2025، صمم الفريق يداً اصطناعية لينة ذات درجتَيْن من الحركة، أظهرت نتائج واعدة في التحكم الدقيق والمتعدد الأصابع، بما في ذلك المهام المعقدة التي لم تكن ممكنة بالطرق التقليدية.

وفي يوليو (تموز) 2024، ابتكر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واجهة عصبية متقدمة للساق الاصطناعية، تتيح للطرف الإلكتروني التفاعل المباشر مع الجهاز العصبي البشري. وتعتمد هذه الواجهة على عضلات متصلة جراحياً وأقطاب لاستشعار الإشارات العصبية، مما مكّن المستخدمين من استعادة التحكم الحركي والحسي وتحقيق تحسينات ملحوظة في سرعة المشي وقوة العضلات والتكيف مع بيئات مختلفة.

ووفق الباحثين، تشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الأطراف الاصطناعية يتجه نحو أنظمة ذكية، ومتكيفة، ومتصلة عصبياً، تقترب بشكل متزايد من الأداء الطبيعي للأطراف البيولوجية، وتعيد للمستخدمين بساطة الحركة وثقتهم بأداء مهامهم اليومية.