الذكاء الاصطناعي يتنبأ بمستقبلك الصحي… قبل أن تمرض بـ20 عاماً

نموذج «دلفي-2 إم» يرسم خريطة الأمراض قبل وقوعها... ويعيد تعريف الطب الوقائي عالمياً

نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتمتع بقدرة استثنائية على التنبؤ بأكثر من ألف مرض
نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتمتع بقدرة استثنائية على التنبؤ بأكثر من ألف مرض
TT

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بمستقبلك الصحي… قبل أن تمرض بـ20 عاماً

نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتمتع بقدرة استثنائية على التنبؤ بأكثر من ألف مرض
نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتمتع بقدرة استثنائية على التنبؤ بأكثر من ألف مرض

في خطوة غير مسبوقة تقرِّب الطب خطوة حقيقية من «قراءة المستقبل»، أعلن فريق بحثي من «مدرسة وُروِك للأعمال (Warwick Business School)» بجامعة وُروِك في المملكة المتحدة، بالتعاون مع جامعة نيويورك، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتمتع بقدرة استثنائية على التنبؤ بأكثر من ألف مرض يمكن أن يُصاب بها الإنسان خلال العقود المقبلة، مع تحديد المرض التالي المحتمل، وموعد ظهوره على مدى زمني قد يمتد إلى 20 عاماً.

هذا النموذج، الذي يحمل اسم «دلفي-2 إم (Delphi-2M)»، لا يقتصر على رصد المخاطر الصحية التقليدية كما تفعل الأدوات الإحصائية المعتادة، بل يستخدم بنيةً خوارزميةً متقدمةً قادرةً على تحليل المسار الصحي الكامل للإنسان عبر الزمن، لتقديم ما يشبه «الخريطة المستقبلية» لصحة الفرد.

وقد نُشرت نتائج هذا الابتكار في مجلة «نيتشر ميديسن (Nature Medicine)» بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، في دراسة وُصفت من قبل خبراء بأنها نقطة تحول مفصلية في مسار الطب التنبؤي (Predictive Medicine)، إذ تنقل الرعاية الصحية من مرحلة التدخل العلاجي المتأخر إلى مرحلة الوقاية الاستباقية، حيث يمكن للأطباء والأنظمة الصحية التدخل قبل ظهور المرض بسنوات، وربما إنقاذ حياة ملايين البشر.

الفريق البحثي

شارك في إعداد هذه الدراسة 3 من أبرز الباحثين في مجالَي الذكاء الاصطناعي، والابتكار الطبي.

الأولى هي الباحثة ناتاليا ليفينا، أستاذة في مدرسة وُروِك للأعمال، وباحثة زائرة في جامعة نيويورك، وتُعرف بأعمالها الريادية في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة وتطبيقاتها في البيئات التنظيمية المعقدة، بما في ذلك القطاع الصحي.

أما البروفسورة هيلا ليفشيتز-أساف، فهي من الأسماء البارزة في دراسة تفاعل الإنسان مع الخوارزميات في السياقات الطبية والعلمية، وقد أسهمت أبحاثها في تطوير أطر أخلاقية وتنظيمية لدمج الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار السريري.

ويأتي البروفسور جواو سيدوك، أستاذ علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في جامعة نيويورك، كأحد المتخصصين في بنية الشبكات العميقة (Deep Learning Architectures)، خصوصاً نماذج المحولات (Transformer Models)، وهو صاحب مساهمات مهمة في تطوير خوارزميات قادرة على تحليل بيانات طبية معقدة زمنياً وبُعدياً، وهو الجانب المحوري في بناء نموذج «دلفي-2 إم (Delphi-2M)».

يمثّل هذا الثلاثي البحثي مزيجاً فريداً يجمع بين العمق التقني في الذكاء الاصطناعي، والفهم المؤسسي والتنظيمي للرعاية الصحية، والرؤية المستقبلية لكيفية إعادة تشكيل الطب بواسطة الخوارزميات الذكية.

كيف يعمل نموذج «دلفي-2 إم»

اعتمد الفريق البحثي على بيانات 403000 شخص من «المصرف الحيوي البريطاني (UK Biobank)»، وهي واحدة من أكبر قواعد البيانات الطبية في العالم، لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالمرض التالي المتوقع وموعد ظهوره على مدى زمني طويل.

استند النموذج إلى مجموعة من العوامل الأساسية، من بينها الجنس عند الولادة (Sex at Birth)، ومؤشر كتلة الجسم (BMI)، وعادات التدخين وتناول الكحول، بالإضافة إلى التاريخ المرضي الزمني لكل فرد.

بعد التدريب، حقَّق النموذج دقة نظرية بلغت 0.7 من منحنى المساحة تحت المنحنى (AUC – Area Under the Curve)، أي ما يعادل دقة بنحو 70 في المائة عبر مختلف فئات الأمراض.

الذكاء الاصطناعي يقتحم مجال التنبؤ بالأمراض (رويترز)

وللتأكد من قوة النموذج، تم اختباره لاحقاً على بيانات «المصرف الحيوي الدنماركي (Danish Biobank)»، وأظهر أداءً مماثلاً، مما يعزِّز قدرته على التنبؤ الصحي عبر بيئات طبية مختلفة.

الابتكار التقني

يكمن سر قوة نموذج «دلفي-2 إم (Delphi-2M)» في بنيته الخوارزمية المتطورة، إذ يعتمد على ما تُعرف بشبكة المحوّل (Transformer Network)، وهي التقنية نفسها التي تقوم عليها النماذج اللغوية العملاقة مثل «تشات جي بي تي (ChatGPT)».

لكن بدلاً من تحليل الكلمات والجُمل، تم تعديل هذه البنية لتتعامل مع «الخط الزمني الصحي» لكل إنسان، فتقرأ تسلسل الأمراض والظروف الصحية على مرِّ السنين، وتحاول استنتاج ما يمكن أن يحدث مستقبلاً، ومتى.

تُشبه هذه العملية إلى حد كبير قراءة قصة حياة طبية مكتوبة على صفحات سجلات المريض، لكن ليس بعين طبيب واحد، بل بعقل خوارزمية تتعلم من ملايين القصص الأخرى في آنٍ واحد. هذا ما يتيح للنموذج اكتشاف أنماط معقدة قد لا يلاحظها الأطباء بسهولة، مثل الترابط بين أمراض بعيدة ظاهرياً عن بعضها، أو تسلسل أحداث مرضية نادرة.

وقد تفوّق «دلفي-2 إم» على أدوات أخرى مثل نموذج «ميلتون (Milton)»، الذي يعتمد على تقنيات تعلم الآلة التقليدية (Traditional Machine Learning). فبينما يحتاج «ميلتون» إلى كميات أكبر من البيانات ليحقق دقة أقل، استطاع «دلفي-2 إم» تحقيق نتائج أفضل باستخدام بيانات أقل، بفضل قدرته على التركيز الذكي، والتعلم من العلاقات الزمنية المعقدة بين الأمراض.

بمعنى آخر، لم يعد الأمر مجرد جمع بيانات طبية متفرقة، بل أصبح أشبه ببناء «ذاكرة اصطناعية» واسعة النطاق، قادرة على ربط الماضي بالحاضر لاستشراف المستقبل الصحي للفرد بدقة غير مسبوقة. هذه الذاكرة لا تكتفي بتخزين المعلومات، بل تتعلم منها باستمرار، لتتعرف على أنماط دقيقة قد تفوت حتى على أكثر الأطباء خبرة.

نموذج مفتوح المصدر يحمي الخصوصية

من أبرز ما يميز نموذج «دلفي-2 إم (Delphi-2M)» أنه لا يُعدّ مجرد أداة تنبؤية متقدمة، بل يمثل أيضاً نقلةً نوعيةً في كيفية إتاحة المعرفة الطبية بشكل آمن ومفتوح. فقد صممه الباحثون بحيث يمكن نشره بوصفه مصدراً مفتوحاً (Open Source)، أي أن المؤسسات البحثية أو الطبية حول العالم يمكنها استخدامه وتطويره بحرية، من دون الاضطرار للوصول إلى البيانات الأصلية الحساسة للمشاركين.

صورة مركبة عن الذكاء الاصطناعي (رويترز)

ولتحقيق ذلك، لجأ الفريق إلى تقنية البيانات التركيبية (Synthetic Data)، وهي بيانات يتم توليدها بواسطة خوارزميات ذكية لتُشبه في خصائصها البيانات الحقيقية من حيث التوزيعات والأبعاد والأنماط، لكنها لا تحتوي على أي معلومات شخصية فعلية. وبهذه الطريقة، يمكن للباحثين في أي مكان أن يدربوا النموذج أو يختبروا أداءه دون تعريض خصوصية المرضى للخطر، مع الحفاظ على مستوى الدقة التنبؤية نفسه تقريباً.

إضافة إلى ذلك، يتميز «دلفي-2 إم» بأنه خفيف في استهلاك موارد الحاسب الإلكترونية مقارنة بالنماذج التقليدية، إذ لا يتطلب حواسيب فائقة أو مراكز بيانات ضخمة لتدريبه وتشغيله. وهذا يفتح الباب أمام استخدامه حتى في البيئات البحثية أو الصحية التي لا تمتلك بنية تحتية متقدمة، مثل الجامعات والمستشفيات في الدول النامية، مما يعزِّز مبدأ عدالة الوصول إلى التقنيات الصحية المتقدمة.

وعود كبيرة... وأسئلة صعبة

رغم القوة التنبؤية المذهلة لنموذج «دلفي-2 إم (Delphi-2M)»، فإن استخدامه في العيادات والمستشفيات لا يزال في مراحله المبكرة، ولا يمكن اعتباره بديلاً للقرار الطبي الإكلينيكي بعد. فالنموذج صُمِّم أساساً لإظهار الإمكانات الهائلة للبنية الخوارزمية، وليس ليُستخدَم فوراً مع المرضى.

إحدى القضايا الجوهرية التي يثيرها هذا الابتكار، هي مدى تمثيل البيانات للسكان غير الأوروبيين، إذ إن النموذج دُرّب بالأساس على بيانات من المملكة المتحدة والدنمارك، ما يعني أن خصائصه قد لا تنطبق بدقة على مجتمعات ذات خلفيات وراثية أو أنماط حياة مختلفة، مثل المجتمعات العربية أو الآسيوية أو الأفريقية. كما أن تكييف النموذج مع أنظمة صحية متعددة - بعضها يعتمد على سجلات مركزية، وأخرى على شبكات خاصة متفرقة - يُعدّ تحدياً تقنياً وإدارياً في آنٍ واحد.

ولتبسيط الفكرة، يمكن تخيّل المثال الآتي:

لو أن امرأة في الأربعين من عمرها، تعيش في الرياض، ولديها تاريخ عائلي للإصابة بأمراض القلب، أدخلت بياناتها الصحية في نسخة مطورة من هذا النموذج بعد 10 سنوات من الآن، فقد يتنبأ النموذج باحتمال مرتفع لإصابتها بجلطة قلبية خلال 12 إلى 15 عاماً. عندها يستطيع الطبيب التدخل مبكراً بخطة غذائية وعلاج وقائي، وربما تغيير جذري في نمط الحياة. هذه القدرة على «التحذير المبكر» هي ما يجعل هذه التقنية واعدة إلى حد كبير، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام أسئلة حساسة:

مَن يحق له الاطلاع على هذه التنبؤات؟

وكيف نضمن ألا تُستخدَم ضد المريض في مجالات مثل التأمين أو التوظيف؟

وهل سيصبح كل إنسان مطالباً بمعرفة مستقبله الصحي، حتى لو لم يكن مستعداً نفسياً لذلك؟

كما أن إدخال البيانات الشخصية مستقبلاً سيُحسّن دقة التنبؤات دون شك، لكنه يثير في المقابل تحديات أمنية وأخلاقية معقدة تتعلق بحماية الخصوصية، وضمان ألا تتحول هذه التقنية من أداة إنقاذ إلى أداة مراقبة أو تمييز.

وفي الختام:

قد لا يكون «دلفي-2 إم (Delphi-2M)» جاهزاً بعد ليصبح طبيب المستقبل الذي يهمس في أذن الإنسان بما سيصيبه قبل أن يمرض، لكنه دون شك يمهّد الطريق لعصر جديد من الطب التنبؤي، حيث تصبح المعرفة الصحية المستقبلية جزءاً من قرار الإنسان اليوم. لقد اعتاد الطب عبر التاريخ أن يلاحق المرض بعد ظهوره، أما اليوم فنحن أمام تحول جذري: من مداواة الماضي إلى استبصار المستقبل.

هذا التحول يثير أسئلة تتجاوز التقنية والطب، لتدخل في صميم الفلسفة والاختيار الإنساني. فهل نحن مستعدون نفسياً وأخلاقياً لمعرفة ما ينتظرنا؟ وهل يمكن أن تتحول هذه المعرفة إلى عبء بدل أن تكون فرصة؟ إن امتلاك «مرآة للمستقبل» لا يعني بالضرورة أننا سنحسن استخدامها. فالمعرفة التي لا يرافقها وعي يمكن أن تصبح مصدر قلق أو تمييز أو سوء استخدام.

في جوهر الأمر، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الابتكار في الخوارزمية ذاتها، بل في الإنسان الذي يقرر كيف يتعامل مع هذه الرؤية المستقبلية. فالذكاء الاصطناعي لا يفرض مصيراً، بل يرسم احتمالات. وبين الاحتمال والقدر مساحة واسعة من الإرادة الإنسانية، يمكن فيها للطبيب والمريض والمجتمع أن يعيدوا صياغة علاقتهم بالمرض والوقاية والحياة نفسها.

وكما قال الفيلسوف سقراط: «اعرف نفسك، تعرفْ مستقبلك». واليوم، بفضل هذه النماذج التنبؤية، أصبح بإمكاننا أن نعرف أنفسنا على مستوى أعمق مما تصوّر القدماء. إنها ليست مجرد معرفة طبية، بل معرفة وجودية تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالزمن، بالجسد، وبالاختيار الحر.

فالخوارزميات قد تفتح لنا نافذة على المستقبل، لكنها لا تغلق باب القرار. هذا الباب سيبقى دوماً في يد الإنسان.


مقالات ذات صلة

روبوت الدردشة «جروك» يواصل إنتاج محتوى فاضح رغم القيود الجديدة

تكنولوجيا روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» المدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» (أ.ف.ب)

روبوت الدردشة «جروك» يواصل إنتاج محتوى فاضح رغم القيود الجديدة

خلصت وكالة «رويترز» إلى أن روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» والمدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» يواصل توليد صور فاضحة للأشخاص.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا شعار روبوت الدردشة «غروك» الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي يظهر إلى جانب شعار شركة «إكس ​إيه آي» (رويترز)

بسبب المحتوى الفاضح... بريطانيا تفتح تحقيقاً بشأن «غروك»

أطلقت هيئة مراقبة الخصوصية البريطانية، الثلاثاء، تحقيقاً رسمياً ​بشأن روبوت الدردشة «غروك» التابع لإيلون ماسك، والذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)

بعد قفزة إلى 4.9 تريليون دولار... توقعات باستمرار زخم صفقات الاندماج والاستحواذ في 2026

أفاد تقرير صادر عن «باين آند كومباني» الاستشارية، بأن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ عالمياً مرشح للحفاظ على زخمه خلال عام 2026، بعد أن سجل انتعاشاً قوياً في 20

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم حين تختار الخوارزمية الصمت

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

ليس كل تنبؤ… يستحق أن يتحول إنذاراً

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
أوروبا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (يمين) يفحص غواصة مسيرة خلال زيارته مركزاً للابتكار تابعاً للجيش الألماني في منطقة إردينغ بالقرب من مدينة ميونيخ جنوبي ألمانيا (أ.ف.ب)

وزير الدفاع الألماني: الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً حاسماً في أي حرب

شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على ضرورة توفر المرونة التقنية والاستعداد للابتكار لدى الجيش الألماني.

«الشرق الأوسط» (إردينغ)

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت
TT

الصمت… بوصفه فضيلة طبية للخوارزميات

حين تختار الخوارزمية الصمت
حين تختار الخوارزمية الصمت

في الطب التقليدي، كان الصمت قراراً بشرياً يتخذه الطبيب حين يرى أن الإفراط في التفسير قد يربك المريض أكثر مما ينفعه.

أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الطبي، فقد أصبح السؤال أعمق: هل يمكن أن يكون الصمت جزءاً من هندسة الخوارزمية نفسها؟ وهل ينبغي أن نُعلّم الآلة أن تمتنع عن الكلام حين يكون كلامها مؤذياً؟

بين الشكّ البشري والثقة الرقمية

بحث 2026: الاعتراف بعدم اليقين

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر الباحث محمد رشاد الإسلام (Md Rashadul Islam) من قسم هندسة علوم الحاسوب في جامعة دافوديل الدولية (Daffodil International University) في دكا، بنغلاديش، دراسة على منصة «أركايف» (arXiv) بعنوان: «إطار الامتناع الانتقائي للذكاء الاصطناعي الواعي بعدم اليقين في تصوير السكتة الدماغية الحادة».

تناولت الدراسة تحدياً معروفاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، وهو أن النماذج - حتى الأكثر دقة - تُجبر على إصدار حكم تشخيصي في جميع الحالات، حتى عندما تكون درجة الثقة منخفضة.

لذا؛ اقترح الباحث إطاراً يدمج تقدير «عدم اليقين الاحتمالي» داخل نموذج تحليل صور السكتة الدماغية الحادة. وعندما تنخفض درجة الثقة عن حد معين، يمتنع النظام صراحةً عن إصدار توصية، ويُحيل القرار إلى الطبيب.

وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في الأخطاء بالحالات الحدّية وارتفاعاً في أمان القرار السريري مقارنة بالنماذج التقليدية. ورغم أن الدراسة لا تزال منشورة بحثاً أولياً لم يخضع بعد للتحكيم النهائي، فإنها تعكس اتجاهاً بحثياً واضحاً نحو «ذكاء واعٍ بحدوده».

بين القدرة على التنبؤ وأخلاقيات الإفصاح

الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على التنبؤ بمخاطر أمراض قبل سنوات من ظهورها، وقراءة الصور الشعاعية بدقة تتجاوز أحياناً العين البشرية. لكن السؤال لم يعد: هل يستطيع أن يتنبأ؟ بل: هل ينبغي أن يُعلن كل ما يتنبأ به؟

تخيّل نظاماً يخبر مريضاً باحتمال متوسط للإصابة بمرض خطير خلال عشر سنوات. الاحتمال غير حاسم، والتدخل غير مؤكد، لكن كلمة «خطر» وحدها قد تغيّر نظرته إلى ذاته ومستقبله. هنا تتحول المعلومة من رقم إحصائي إلى عبء نفسي.

ليس كل تنبؤ يستحق أن يتحول إنذاراً.

خطر الضجيج العلاجي

الأنظمة الذكية مصممة بطبيعتها لإنتاج نتائج. والنموذج الذي لا يُخرج توصية يُعدّ ناقصاً تقنياً. لكن الطب ليس سباقاً في عدد التنبيهات، بل مسؤولية في وزن العواقب.

وقد يقود الإفراط في الإنذار إلى فحوص غير ضرورية، وتشخيص زائد، وقلق مزمن. ومع إدماج الخوارزميات في السجلات الطبية الإلكترونية، تتحول التوصية إلى «خيار موصى به» تلقائياً، ويصبح الخروج عنه في حاجة إلى تبرير. هنا يحدث ما يمكن تسميته بالانزياح الصامت للمسؤولية؛ لا تُلغى حرية الطبيب، لكنها تُثقل تحت ضغط الثقة الرقمية.

مبدأ الصمت الخوارزمي

من هنا يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه فضيلة طبية ناشئة. وهو لا يعني إخفاء الحقيقة، بل ترشيحها عبر ميزان التناسب. فإذا كان التنبؤ عالي الدقة، والتدخل المبكر ينقذ حياة، فالإفصاح واجب. أما إذا كان الاحتمال متوسطاً، والفائدة غير محسومة، والضرر النفسي متوقعاً، فقد تكون المراقبة أكثر أخلاقية من الإنذار.

الفرق هنا بين القدرة على التنبؤ والحق في التدخل.

ضجيج الإنذارات

الشكّ المهني في عصر الخوارزميات

أحد أعمدة الطب هو الشكّ البنّاء، فالطبيب المتمرّس يعرف متى يتدخل ومتى ينتظر. لكن الخوارزمية، إن لم تُصمَّم بعناية، قد تُضعف هذا الشك؛ لأنها تعرض توصياتها بثقة رقمية تبدو عقلانية ومحايدة.

ومع الاعتياد، يتحول النظام مرجعيةً غير مُساءلة، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأننا نعتاد عليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

نحو ذكاء أكثر تواضعاً

الطب لا يحتاج إلى ذكاء أعلى فحسب، بل إلى ذكاء أكثر تواضعاً؛ ذكاء يعترف بدرجة عدم يقينه، ويُظهر حدوده بوضوح، ويمتنع عن الكلام حين يكون الكلام ضرراً.

فالخوارزمية لا ترى القلق في عيني المريض، ولا تتحمل تبعات القرار، ولا تعيش أثر الكلمة. الطبيب وحده من يزن الاحتمال في ضوء الإنسان الجالس أمامه.

ليست المشكلة أن تتكلم الخوارزمية، بل أن تتكلم حين لا ينبغي لها أن تفعل. فالذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يقول، بل بقدر ما يعرف أن يمتنع.

ومستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس بعدد ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على معرفة متى تتراجع خطوة، وتترك للإنسان الكلمة الأخيرة.


الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا
TT

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

كشفت دراسة علمية حديثة أن الاختلاف الكبير في استجابة الناس للأمراض المعدية يعود إلى تفاعل معقّد بين الجينات التي نرثها، وتجارب الحياة التي ممرنا أو نمرّ بها، مثل العدوى السابقة، واللقاحات، والعوامل البيئية. وأظهرت الدراسة أن هذه العوامل تترك بصمات جزيئية دائمة على خلايا الجهاز المناعي تتحكم في كيفية عمل الجينات، واستجابة الجسم للأمراض.

فهرس «غير جيني» لخلايا المناعة البشرية

ُشرت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد سالك للأبحاث في كاليفورنيا الولايات المتحدة في مجلة «Nature Genetics» في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 حيث قدّم العلماء أول فهرس غير جيني مفصّل لخلايا المناعة البشرية، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة، وتخصيصاً لكل فرد.

وتبرز أهمية هذه النتائج بوضوح بعد أن أظهرت جائحة كوفيد-19 حقيقة لافتة هي أن الأشخاص المصابين بالفيروس نفسه قد يمرّون بتجارب صحية مختلفة تماماً. فبينما يعاني بعضهم أعراضاً خفيفة، يصاب آخرون بمضاعفات خطيرة. وهذا ما أعاد طرح سؤال جوهري ألا وهو لماذا تؤثر العدوى نفسها على الناس بطرق متباينة؟

الطبقة الخفية وراء الحمض النووي

رغم أن جميع خلايا الجسم تحمل الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه، فإنها لا تؤدي الوظائف نفسها. فالخلية الجلدية تختلف تماماً عن الخلية المناعية. ويعود هذا الاختلاف إلى ما يُعرف بـاللاجينوم Epigenome.

واللاجينوم عبارة عن علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتعمل بوصفها مفاتيح تشغيل أو إيقاف للجينات. وهي لا تغيّر الشيفرة الوراثية نفسها، لكنها تتحكم في طريقة عمل الخلايا.

وعلى عكس الجينات يتميز اللاجينوم بالمرونة، إذ تُورَّث بعض علاماته، بينما تتشكل أخرى نتيجة التعرض للعدوى، واللقاحات، والعوامل البيئية عبر مراحل الحياة.

الطبيعة والتجربة داخل خلايا المناعة

ولفهم تأثير الجينات، وتجارب الحياة على الجهاز المناعي، حلّل فريق البحث بقيادة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي معهد سالك للدراسات البيولوجية في الولايات المتحدة الأميركية عينات دم من 110 أشخاص ذوي خلفيات متنوعة. وشملت هذه العينات أشخاصاً تعرضوا لعدوى مختلفة، مثل الإنفلونزا، وكوفيد-19، وفيروس نقص المناعة البشرية، إضافة إلى تلقي بعضهم لقاحات، والتعرض لمواد كيميائية بيئية.

وركّز الباحثون على أربعة أنواع رئيسة من خلايا المناعة هي: الخلايا التائية T cells، والخلايا البائية B cells التي تحتفظ بذاكرة طويلة الأمد للعدوى السابقة، ثم الخلايا الوحيدة Monocytes، والخلايا القاتلة الطبيعية natural killer cells التي تستجيب بسرعة، وبصورة أوسع.

ثم قاموا برسم خريطة للتغيرات اللاجينية، خاصة أنماط مثيلة الحمض النووي داخل كل نوع من هذه الخلايا.

نوعان من البصمات اللاجينية

وكشفت الدراسة عن وجود نوعين واضحين من التغيرات اللاجينية هي تغيرات مرتبطة بالوراثة الجينية، وتغيرات ناتجة عن تجارب الحياة، والتعرض البيئي.

وتبيّن أن هذين النوعين يظهران في مناطق مختلفة من الجينوم. إذ تترك التأثيرات الوراثية بصمتها في مناطق مستقرة، خاصة في الخلايا المناعية طويلة العمر، مثل الخلايا التائية، والبائية. في المقابل تظهر تأثيرات التجارب الحياتية في مناطق تنظيمية أكثر مرونة تساعد الخلايا على الاستجابة السريعة للتهديدات.

وتشير هذه النتائج إلى أن الجينات تضع الأساس طويل الأمد لعمل الجهاز المناعي، بينما تعدّل التجارب الحياتية الاستجابة المناعية بحسب الظروف.

ربط خطر الأمراض بخلايا مناعية محددة

وأوضحت الدراسة أن بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالأمراض لا تُسبب المرض بشكل مباشر، بل تعمل من خلال التأثير على «مفاتيح» كيميائية دقيقة تتحكم في نشاط الجينات داخل أنواع معيّنة من خلايا الجهاز المناعي. ويساعد هذا الفهم العلماء على معرفة أيّ الخلايا تبدأ منها الأمراض، وكيف تتطور على المستوى الجزيئي، ما يمهّد الطريق لتشخيص أدقّ، وعلاجات أكثر استهدافاً بدل التأثير في الجهاز المناعي بأكمله.

نحو طب مناعي شخصي

من أبرز آفاق هذا البحث إمكانية استخدام الخرائط اللاجينية للتنبؤ بكيفية استجابة الأشخاص للعدوى. فمع توفر عدد أكبر من البيانات قد يصبح بالإمكان تحليل بصمة الشخص المناعية، وتوقع شدة المرض لديه، وربما حتى قبل التعرض للعدوى.

وفي المستقبل قد يستخدم الأطباء هذه التواقيع اللاجينية لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، وتصميم استراتيجيات وقائية أو علاجية مخصصة لهم.

خريطة طريق للمستقبل

يوفّر هذا الأطلس اللاجيني الجديد لخلايا المناعة مورداً علمياً بالغ الأهمية لدراسة الأمراض المعدية والوراثية على حد سواء. ومن خلال كشف كيفية تفاعل الجينات، وتجارب الحياة داخل خلايا المناعة، تقرّب هذه الدراسة الطب من مفهوم العلاج الشخصي الحقيقي.

ومع توسّع هذا الفهرس في السنوات المقبلة قد يساعد الأطباء ليس فقط على فهم أسباب المرض، بل أيضاً على حماية المرضى بطرق أكثر فاعلية، ودقة.


الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
TT

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)
شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة. ورغم هذا التقدم لا يزال أحد أبرز التحديات يتمثّل في ضبط قوة القبضة بما يتناسب مع طبيعة الشيء الذي يمسكه المستخدم؛ فالإمساك ببيضة يتطلّب لمسة بالغة الرقة، في حين يحتاج فتح زجاجة ماء إلى قوة أكبر وتحكم أدق.

ووفقاً لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، تُسجَّل نحو 50 ألف حالة بتر سنوياً، مما يجعل فقدان اليد عاملاً مؤثراً بشكل كبير في قدرة الأفراد على أداء مهامهم اليومية بصورة طبيعية.

تطوير طرف اصطناعي بقدرات ذكية تحاكي التفكير البشري (جامعة يوتا الأميركية)

نظم ذكية أكثر استجابة

وتركّز أحدث الابتكارات في هذا المجال على تطوير أطراف اصطناعية أكثر ذكاءً واستجابة، قادرة على محاكاة الإحساس الطبيعي لليد البشرية. وتمنح هذه التقنيات المستخدمين قدراً أكبر من الاستقلالية، وتساعدهم على إنجاز أنشطتهم اليومية بسهولة وثقة، مع تعزيز مستويات الراحة والسلامة في أثناء الاستخدام.

وفي السياق، طوّر باحثون في جامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية في الصين نظاماً مبتكراً للأطراف الاصطناعية يعتمد على تعلّم الآلة، والرؤية الحاسوبية، وأجهزة استشعار متقدمة، بهدف تحديد قوة القبضة المناسبة لكل جسم في الوقت الفعلي. ونُشرت النتائج في عدد 20 يناير (كانون الثاني) 2026 من دورية «Nanotechnology and Precision Engineering».

وركزت الدراسة على قياس قوة القبضة اللازمة للتعامل مع أكثر من 90 في المائة من الأشياء اليومية الشائعة، مثل الأقلام، والزجاجات، والأكواب، والكرات، والمفاتيح، بالإضافة إلى الأشياء الهشة مثل البيض، وذلك لتمكين المستخدم من التفاعل الطبيعي مع محيطه دون الحاجة إلى ضبط قوة القبضة يدوياً في كل مرة.

ويعمل النظام عبر كاميرا صغيرة مثبتة بالقرب من راحة اليد، إلى جانب أجهزة استشعار للضغط في أطراف الأصابع، بالإضافة إلى جهاز لقياس النشاط الكهربائي للعضلات في ساعد المستخدم، مما يسمح بتحديد نية الإمساك بالشيء وضبط قوة القبضة تلقائياً.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة قويلين للتكنولوجيا الإلكترونية، الدكتور هوا لي، إن هذا النظام يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في حياة مستخدمي الأطراف الاصطناعية، من خلال الجمع بين الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات الكهربائية، بما يتيح التعرف الذكي على الأشياء والتحكم التكيفي بقوة القبضة في أثناء الإمساك بها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن النظام يحلل تلقائياً الهدف باستخدام خوارزمية متقدمة تحدد نوع الشيء وملمسه وحجمه، ثم تختار قوة القبضة المناسبة له، مثل القوة الخفيفة عند التعامل مع البيض، أو القوة المعتدلة عند الإمساك بأكواب مملوءة بالماء، مما يقلل من احتمالات تلف الأشياء أو انزلاقها من اليد.

وبالاعتماد على إشارات جهاز قياس النشاط الكهربائي للعضلات للكشف عن نية المستخدم، يُكمل النظام تلقائياً عملية «التعرف البصري، ومطابقة القوة، وتنفيذ الحركة» بأسلوب يحاكي ذاكرة العضلات البشرية. ويُسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى التعديل اليدوي المستمر، ويتيح أداء المهام اليومية بطريقة أكثر طبيعية، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المستخدمين.

وعن تأثير هذه التكنولوجيا في تصميم الأطراف الاصطناعية مستقبلاً، أوضح الدكتور لي أن النظام يفتح آفاقاً جديدة لتطوير أيدٍ اصطناعية أكثر تقدماً، إذ يوفّر نمط التحكم المزدوج القائم على الرؤية الحاسوبية وإشارات العضلات منطقاً ذكياً يعتمد على «الكشف النشط والتنفيذ التلقائي». ويجعل هذا التحول اليد الاصطناعية أقرب إلى السلوك البشري الطبيعي في الإمساك بالأشياء، بدلاً من كونها مجرد أداة استجابة خاملة.

أما بشأن إمكانية تكييف هذا النظام لاستخدامه مع أطراف اصطناعية أو روبوتات أخرى، فأكد أن التكنولوجيا الأساسية لا تعتمد على بنية الطرف ذاته. ومع إجراء تعديلات بسيطة على نماذج التعرف البصري وضبط عتبات القوة المناسبة، يمكن تطبيق النظام على الأرجل أو الأذرع الاصطناعية، وحتى على أذرع الروبوتات، مما يوفّر حلولاً فعالة ومنخفضة التكلفة لأجهزة التأهيل والتقنيات الروبوتية، ويفتح المجال أمام تطبيقات واسعة في مجالات متعددة.

تصميم يد اصطناعية مبتكرة تحاكي حركة اليد الطبيعية (معهد التكنولوجيا الإيطالي)

محاولات بحثية موازية

وتتزامن هذه التطورات مع جهود بحثية عالمية أخرى تهدف إلى محاكاة الحركة الطبيعية بشكل أدق. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، نجح فريق من جامعة يوتا الأميركية في تطوير يد اصطناعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومزودة بمجسات ضغط وأخرى بصرية دقيقة تمكّنها من «التفكير الذاتي». ودُرّبت اليد باستخدام شبكة عصبية على أوضاع قبض مختلفة، مما سمح لكل أصبع بالتحرك بشكل مستقل ومتزامن مع المستخدم، وتقليل الجهد العقلي المطلوب لأداء المهام اليومية.

كما يعمل باحثون في معهد التكنولوجيا الإيطالي وجامعة إمبريال كوليدج لندن على تطوير أطراف اصطناعية تعتمد على التناغم العصبي العضلي وتكنولوجيا الروبوتات اللينة. وفي يونيو (حزيران) 2025، صمم الفريق يداً اصطناعية لينة ذات درجتَيْن من الحركة، أظهرت نتائج واعدة في التحكم الدقيق والمتعدد الأصابع، بما في ذلك المهام المعقدة التي لم تكن ممكنة بالطرق التقليدية.

وفي يوليو (تموز) 2024، ابتكر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واجهة عصبية متقدمة للساق الاصطناعية، تتيح للطرف الإلكتروني التفاعل المباشر مع الجهاز العصبي البشري. وتعتمد هذه الواجهة على عضلات متصلة جراحياً وأقطاب لاستشعار الإشارات العصبية، مما مكّن المستخدمين من استعادة التحكم الحركي والحسي وتحقيق تحسينات ملحوظة في سرعة المشي وقوة العضلات والتكيف مع بيئات مختلفة.

ووفق الباحثين، تشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الأطراف الاصطناعية يتجه نحو أنظمة ذكية، ومتكيفة، ومتصلة عصبياً، تقترب بشكل متزايد من الأداء الطبيعي للأطراف البيولوجية، وتعيد للمستخدمين بساطة الحركة وثقتهم بأداء مهامهم اليومية.