العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

الهندسة الوراثية تتيح توظيفها لتطوير أدوية علاجية

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
TT

العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر

في صميم كل أشكال الحياة توجد شفرةٌ. وتستخدم خلايانا هذه الشفرة لتحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي إلى بروتينات. وكذلك تفعل أشجار القيقب، وأسماك قرش المطرقة، فطر الشيتاكي. وباستثناء بعض الاختلافات الطفيفة، فإن الشفرة الوراثية عالمية.

كما أنها متكررة. إذ يمكن للحمض النووي أن يُشفّر نفس مكونات البروتينات بأكثر من طريقة. ولطالما ناقش الباحثون الغرض من هذا التكرار - أو ما إذا كان مجرد صدفة تاريخية.

وحدات بنوية جزيئية لشفرة الحياة

بفضل التقدم في الهندسة الوراثية، صار بإمكانهم الآن تجاوز مجرد الجدل. على مدار العقد الماضي، صنع العلماء ميكروبات ذات شفرات أصغر تفتقر إلى بعض هذا التكرار. وتصف دراسة جديدة - نُشرت حديثا في مجلة «ساينس» - ميكروباً يحتوي على أكثر الشفرات الوراثية سلاسةً حتى الآن.

ومن اللافت للنظر أن البكتيريا المعدلة وراثياً يمكنها العمل بشفرة مختصرة، ما يوضح أن الشفرة الوراثية الكاملة ليست ضرورية للحياة.

يقول الدكتور ويسلي روبرتسون، عالم الأحياء الاصطناعية في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية في كمبردج، إنجلترا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة: «الحياة لا تزال قيد العمل».

يتكون الحمض النووي لدينا من أربع وحدات بنيوية جزيئية مختلفة، تسمى القواعد: الأدينين، والثايمين، والغوانين، والسيتوزين. والسلسلة المتكونة من مئات أو آلاف هذه القواعد - المعروفة باختصار باسم A، وT، وG، وC - تشكل جيناً. وتُترجم خلايانا تسلسل القواعد في الجينات لإنتاج البروتينات.

ولإتمام عملية الترجمة، تقرأ خلايانا القواعد ثلاثاً في كل مرة، في وحدات تسمى «الكودونات». يتطابق كل «كودون» (codon) مع واحد من 20 حمضاً أمينياً مختلفاً متوفراً في الخلية. وهذه الأحماض الأمينية هي التي تربطها الخلية معاً لتكوين البروتينات.

من السمات الرئيسية للشفرة الوراثية إمكانية ترميز أكثر من كودون واحد لنفس الحمض الأميني. على سبيل المثال، تؤدي القواعد الثلاثية «TCT» إلى الحمض الأميني «سيرين». ولكن هناك خمسة كودونات أخرى تفعل الشيء نفسه، وهي: «TCC» و«TCA» و«TCG» و«AGT» و«AGC». وإجمالاً، هناك 61 كودوناً مختلفاً تنتج 20 حمضاً أمينياً. وهناك ثلاثة كودونات أخرى تخبر خلايانا عندما تصل إلى نهاية الجين. وبإجمالي 64 كودوناً، فإن الشفرة الوراثية زائدة عن الحاجة بصورة كبيرة.

شفرة متضخمة تحيّر العلماء

لقد حيّر العلماء الشفرة المتضخمة للحياة منذ أن ظهرت إلى النور في ستينات القرن الماضي. مع استثناءات قليلة، تعتمد كل الأنواع على الأرض على الكودونات الـ64 نفسها. ونظراً لأن الشفرة عالمية، فقد تكهن العلماء بوجود أمر أساسي في سر هذ العدد الكبير من الطرق لبناء البروتين.

وقبل نحو عقد من الزمان، بدأ العلماء في اختبار هذه الفكرة من خلال بناء شفرات وراثية جديدة مضغوطة. وسمحت لهم التطورات في مجال تخليق الحمض النووي ببناء جينومات من الصفر، والقضاء على بعض الكودونات الزائدة عن الحاجة للوقوف على ما إذا كانت الخلايا يمكنها البقاء على قيد الحياة بشفرة أصغر.

يقول الدكتور أكوس نيرجيس، عالم الأحياء الاصطناعية في كلية الطب بجامعة هارفارد، الذي يعمل على تقليص حجم الشفرة الوراثية: «يمكنك البدء في استكشاف ما يمكن أن تتحمله الحياة. يمكننا أخيراً اختبار هذه الشفرات الوراثية البديلة».

يعمل روبرتسون وزملاؤه في مجلس البحوث الطبية على تحقيق الهدف نفسه. يُجري كلا الفريقين تجارب على البكتيريا الإشريكية القولونية، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان، وقد خضعت لدراسات مكثفة لأكثر من قرن. وقد اختاروا الكودونات الزائدة للتخلص منها، على أمل ألا تضر بالميكروب في هذه العملية. على سبيل المثال، شرع روبرتسون وزملاؤه في تقليل الكودونات الستة للسيرين إلى اثنين فقط.

تتطلب هذه الخطط قدراً هائلاً من الهندسة. إذ يبلغ طول جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية نحو 4 ملايين قاعدة، ويظهر كل نوع من الكودونات في آلاف الأماكن المختلفة على طوله. ولإجراء هذا العدد الكبير من التغييرات، يتعين على الباحثين بناء جينومات كاملة من الصفر.

إنجازات ناجحة

كشف فريق مجلس البحوث الطبية عن أول إنجاز ناجح له في عام 2019: نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 61 كودوناً فقط، وأطلقوا عليها اسم «سين 61 - Syn61». وقد شجعتهم قدرتها على البقاء على قيد الحياة من دون ثلاثة كودونات على تقليص شفرتها الوراثية بصورة أكبر.

وقال الدكتور روبرتسون: «كنا متحمسين لمعرفة إلى أي مدى يمكننا تبسيط الشفرة الوراثية».

ثم شرع هو وزملاؤه في إنشاء «Syn 57»، وهي نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 57 كودوناً فقط. ودخلوا في سباق مع الدكتور نيرجيس وزملائه في جامعة هارفارد، الذين كانوا يحاولون بالفعل بلوغ الهدف نفسه.

بالنسبة إلى «Syn 61»، عدّل الباحثون أكثر من 18 ألف كودون في جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية. ولكي يتمكنوا من إنشاء «Syn 57»، كان عليهم تغيير أكثر من 100 ألف كودون. اختبروا هذه التغييرات عن طريق صنع أجزاء صغيرة من ال‍حمض النووي ومراقبة مدى قدرة الميكروبات على قراءتها.

ولم تسبب بعض التغييرات أي مشاكل، لكن تغييرات أخرى سببت ضرراً مدمراً. على سبيل المثال، تمتلك البكتيريا جينات معينة تتداخل، وقد يؤدي تغيير الكودون في أحدها إلى تحطيم تسلسل الآخر عن طريق الخطأ.

وبلمحة خاطفة، اكتشف الباحثون كيفية إصلاح الحمض النووي المُعدّل. وأخيراً، أعلن الباحثون أنهم نجحوا في ذلك، حيث أنشأوا «Syn 57».

يقول الدكتور يوناتان شيملا، عالم الأحياء الاصطناعية في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الذي لم يُشارك في الدراسة: «إنه لأمر مذهل أن يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف. إنها رحلة تتطلب جهداً تقنياً كبيراً».

لا شك أن «Syn 57» لا يزال على قيد الحياة، لكن بالكاد. عادة ما تستغرق البكتيريا الإشريكية القولونية ساعة واحدة لمضاعفة أعدادها؛ في حين يحتاج «Syn 57» إلى أربع ساعات كاملة. وقال الدكتور شيملا: «إنه ضعيف للغاية».

يباشر الدكتور روبرتسون وزملاؤه الآن العمل على تحسين «Syn 57» لمعرفة ما إذا كان بوسعهم الإسراع من نموه. وإذا نجحوا في ذلك، فربما يتمكن علماء آخرون من هندسته للقيام بأعمال مفيدة لا تستطيع الميكروبات العادية القيام بها.

شفرات مبرمجة لصنع الأدوية

جنباً إلى جنب مع الأحماض الأمينية العشرين التي تستخدمها خلايانا لإنتاج البروتينات، يمكن للكيميائيين خلق مئات الأحماض الأمينية الأخرى. قد يكون من الممكن إعادة برمجة «Syn 57»، بحيث تُشفّر الكودونات السبعة المفقودة أحماضاً أمينية غير طبيعية، ما من شأنه أن يُمكّن البكتيريا من صنع أنواع جديدة من الأدوية أو غير ذلك من الجزيئات المفيدة.

قد يساعد «Syn 57» العلماء أيضاً على معالجة المخاطر المحتملة التي قد تنشأ في حالة إطلاق الميكروبات المُعدّلة في البيئة. وقد حقق علماء الأحياء المجهرية منذ فترة طويلة في كيفية تناول الميكروبات للبلاستيك أو اكتشاف الملوثات في الأرض.

كما تسمح كائنات حية مثل «Syn 57» للعلماء بحل لغز الشفرة الوراثية. ففي عام 1968، رسم الدكتور فرانسيس كريك، عالم الأحياء الحائز على جائزة نوبل، فرضيتين متعارضتين لتفسير سبب كونها زائدة عن الحاجة وعالمية في آن واحد.

كان أحد الاحتمالات المطروحة أن الشفرة الوراثية التي تتألف من 64 كودوناً تحظى ببعض المزايا الخفية على أي ترتيب آخر. وعندما تطورت على الأرض في بداياتها المبكرة، فضّلها الانتقاء الطبيعي حتى تفوقت على جميع الترتيبات الأخرى.

لكن الدكتور كريك كان يميل إلى تفسير ثانٍ: الشفرة الوراثية كانت نتيجة للصدفة إلى حد كبير. وقد تكهن بأن الطفرات تسببت في تشفير بعض الكودونات لأحماض أمينية معينة. ومع توسع أشكال الحياة المبكرة في الشفرة الوراثية، فإنها كانت قادرة على بناء بروتينات أكثر تعقيداً. غير أن التطور ربط الكودونات بالأحماض الأمينية بصفة عشوائية.

بمجرد أن تصبح البروتينات كبيرة ومعقدة، لا يمكن للشفرة الوراثية أن تتطور أكثر من ذلك؛ وأي طفرة قد تتغير سوف تنتج الكثير من البروتينات المعيبة. وقد وصف الدكتور كريك هذا السيناريو بأنه «حادث مُجمّد».

وقال الدكتور روبرتسون إن قدرة «Syn 57» على البقاء على قيد الحياة من دون سبعة كودونات قادته إلى تفضيل نظرية كريك عن الحوادث المجمدة.

• خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

علوم الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
صحتك جرثومة المعدة... ما الجديد في أساليب معالجتها؟

جرثومة المعدة... ما الجديد في أساليب معالجتها؟

أفادت دراسة تشيلية حديثة بأن التعامل العلاجي مع حالات جرثومة المعدة (بكتيريا الملوية البوابية) بهدف استئصالها، قد يتطلب اتباع الأطباء نهج بروتوكول «العلاج الربا

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك أطفال الريف يتمتعون بدفاعات مناعية أقوى لتجنّب الحساسية الغذائية

أطفال الريف يتمتعون بدفاعات مناعية أقوى لتجنّب الحساسية الغذائية

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت في النصف الأول من شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي في مجلة العلوم الطبية Science Translational Medicine،

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».