العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

الهندسة الوراثية تتيح توظيفها لتطوير أدوية علاجية

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
TT

العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر

في صميم كل أشكال الحياة توجد شفرةٌ. وتستخدم خلايانا هذه الشفرة لتحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي إلى بروتينات. وكذلك تفعل أشجار القيقب، وأسماك قرش المطرقة، فطر الشيتاكي. وباستثناء بعض الاختلافات الطفيفة، فإن الشفرة الوراثية عالمية.

كما أنها متكررة. إذ يمكن للحمض النووي أن يُشفّر نفس مكونات البروتينات بأكثر من طريقة. ولطالما ناقش الباحثون الغرض من هذا التكرار - أو ما إذا كان مجرد صدفة تاريخية.

وحدات بنوية جزيئية لشفرة الحياة

بفضل التقدم في الهندسة الوراثية، صار بإمكانهم الآن تجاوز مجرد الجدل. على مدار العقد الماضي، صنع العلماء ميكروبات ذات شفرات أصغر تفتقر إلى بعض هذا التكرار. وتصف دراسة جديدة - نُشرت حديثا في مجلة «ساينس» - ميكروباً يحتوي على أكثر الشفرات الوراثية سلاسةً حتى الآن.

ومن اللافت للنظر أن البكتيريا المعدلة وراثياً يمكنها العمل بشفرة مختصرة، ما يوضح أن الشفرة الوراثية الكاملة ليست ضرورية للحياة.

يقول الدكتور ويسلي روبرتسون، عالم الأحياء الاصطناعية في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية في كمبردج، إنجلترا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة: «الحياة لا تزال قيد العمل».

يتكون الحمض النووي لدينا من أربع وحدات بنيوية جزيئية مختلفة، تسمى القواعد: الأدينين، والثايمين، والغوانين، والسيتوزين. والسلسلة المتكونة من مئات أو آلاف هذه القواعد - المعروفة باختصار باسم A، وT، وG، وC - تشكل جيناً. وتُترجم خلايانا تسلسل القواعد في الجينات لإنتاج البروتينات.

ولإتمام عملية الترجمة، تقرأ خلايانا القواعد ثلاثاً في كل مرة، في وحدات تسمى «الكودونات». يتطابق كل «كودون» (codon) مع واحد من 20 حمضاً أمينياً مختلفاً متوفراً في الخلية. وهذه الأحماض الأمينية هي التي تربطها الخلية معاً لتكوين البروتينات.

من السمات الرئيسية للشفرة الوراثية إمكانية ترميز أكثر من كودون واحد لنفس الحمض الأميني. على سبيل المثال، تؤدي القواعد الثلاثية «TCT» إلى الحمض الأميني «سيرين». ولكن هناك خمسة كودونات أخرى تفعل الشيء نفسه، وهي: «TCC» و«TCA» و«TCG» و«AGT» و«AGC». وإجمالاً، هناك 61 كودوناً مختلفاً تنتج 20 حمضاً أمينياً. وهناك ثلاثة كودونات أخرى تخبر خلايانا عندما تصل إلى نهاية الجين. وبإجمالي 64 كودوناً، فإن الشفرة الوراثية زائدة عن الحاجة بصورة كبيرة.

شفرة متضخمة تحيّر العلماء

لقد حيّر العلماء الشفرة المتضخمة للحياة منذ أن ظهرت إلى النور في ستينات القرن الماضي. مع استثناءات قليلة، تعتمد كل الأنواع على الأرض على الكودونات الـ64 نفسها. ونظراً لأن الشفرة عالمية، فقد تكهن العلماء بوجود أمر أساسي في سر هذ العدد الكبير من الطرق لبناء البروتين.

وقبل نحو عقد من الزمان، بدأ العلماء في اختبار هذه الفكرة من خلال بناء شفرات وراثية جديدة مضغوطة. وسمحت لهم التطورات في مجال تخليق الحمض النووي ببناء جينومات من الصفر، والقضاء على بعض الكودونات الزائدة عن الحاجة للوقوف على ما إذا كانت الخلايا يمكنها البقاء على قيد الحياة بشفرة أصغر.

يقول الدكتور أكوس نيرجيس، عالم الأحياء الاصطناعية في كلية الطب بجامعة هارفارد، الذي يعمل على تقليص حجم الشفرة الوراثية: «يمكنك البدء في استكشاف ما يمكن أن تتحمله الحياة. يمكننا أخيراً اختبار هذه الشفرات الوراثية البديلة».

يعمل روبرتسون وزملاؤه في مجلس البحوث الطبية على تحقيق الهدف نفسه. يُجري كلا الفريقين تجارب على البكتيريا الإشريكية القولونية، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان، وقد خضعت لدراسات مكثفة لأكثر من قرن. وقد اختاروا الكودونات الزائدة للتخلص منها، على أمل ألا تضر بالميكروب في هذه العملية. على سبيل المثال، شرع روبرتسون وزملاؤه في تقليل الكودونات الستة للسيرين إلى اثنين فقط.

تتطلب هذه الخطط قدراً هائلاً من الهندسة. إذ يبلغ طول جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية نحو 4 ملايين قاعدة، ويظهر كل نوع من الكودونات في آلاف الأماكن المختلفة على طوله. ولإجراء هذا العدد الكبير من التغييرات، يتعين على الباحثين بناء جينومات كاملة من الصفر.

إنجازات ناجحة

كشف فريق مجلس البحوث الطبية عن أول إنجاز ناجح له في عام 2019: نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 61 كودوناً فقط، وأطلقوا عليها اسم «سين 61 - Syn61». وقد شجعتهم قدرتها على البقاء على قيد الحياة من دون ثلاثة كودونات على تقليص شفرتها الوراثية بصورة أكبر.

وقال الدكتور روبرتسون: «كنا متحمسين لمعرفة إلى أي مدى يمكننا تبسيط الشفرة الوراثية».

ثم شرع هو وزملاؤه في إنشاء «Syn 57»، وهي نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 57 كودوناً فقط. ودخلوا في سباق مع الدكتور نيرجيس وزملائه في جامعة هارفارد، الذين كانوا يحاولون بالفعل بلوغ الهدف نفسه.

بالنسبة إلى «Syn 61»، عدّل الباحثون أكثر من 18 ألف كودون في جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية. ولكي يتمكنوا من إنشاء «Syn 57»، كان عليهم تغيير أكثر من 100 ألف كودون. اختبروا هذه التغييرات عن طريق صنع أجزاء صغيرة من ال‍حمض النووي ومراقبة مدى قدرة الميكروبات على قراءتها.

ولم تسبب بعض التغييرات أي مشاكل، لكن تغييرات أخرى سببت ضرراً مدمراً. على سبيل المثال، تمتلك البكتيريا جينات معينة تتداخل، وقد يؤدي تغيير الكودون في أحدها إلى تحطيم تسلسل الآخر عن طريق الخطأ.

وبلمحة خاطفة، اكتشف الباحثون كيفية إصلاح الحمض النووي المُعدّل. وأخيراً، أعلن الباحثون أنهم نجحوا في ذلك، حيث أنشأوا «Syn 57».

يقول الدكتور يوناتان شيملا، عالم الأحياء الاصطناعية في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الذي لم يُشارك في الدراسة: «إنه لأمر مذهل أن يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف. إنها رحلة تتطلب جهداً تقنياً كبيراً».

لا شك أن «Syn 57» لا يزال على قيد الحياة، لكن بالكاد. عادة ما تستغرق البكتيريا الإشريكية القولونية ساعة واحدة لمضاعفة أعدادها؛ في حين يحتاج «Syn 57» إلى أربع ساعات كاملة. وقال الدكتور شيملا: «إنه ضعيف للغاية».

يباشر الدكتور روبرتسون وزملاؤه الآن العمل على تحسين «Syn 57» لمعرفة ما إذا كان بوسعهم الإسراع من نموه. وإذا نجحوا في ذلك، فربما يتمكن علماء آخرون من هندسته للقيام بأعمال مفيدة لا تستطيع الميكروبات العادية القيام بها.

شفرات مبرمجة لصنع الأدوية

جنباً إلى جنب مع الأحماض الأمينية العشرين التي تستخدمها خلايانا لإنتاج البروتينات، يمكن للكيميائيين خلق مئات الأحماض الأمينية الأخرى. قد يكون من الممكن إعادة برمجة «Syn 57»، بحيث تُشفّر الكودونات السبعة المفقودة أحماضاً أمينية غير طبيعية، ما من شأنه أن يُمكّن البكتيريا من صنع أنواع جديدة من الأدوية أو غير ذلك من الجزيئات المفيدة.

قد يساعد «Syn 57» العلماء أيضاً على معالجة المخاطر المحتملة التي قد تنشأ في حالة إطلاق الميكروبات المُعدّلة في البيئة. وقد حقق علماء الأحياء المجهرية منذ فترة طويلة في كيفية تناول الميكروبات للبلاستيك أو اكتشاف الملوثات في الأرض.

كما تسمح كائنات حية مثل «Syn 57» للعلماء بحل لغز الشفرة الوراثية. ففي عام 1968، رسم الدكتور فرانسيس كريك، عالم الأحياء الحائز على جائزة نوبل، فرضيتين متعارضتين لتفسير سبب كونها زائدة عن الحاجة وعالمية في آن واحد.

كان أحد الاحتمالات المطروحة أن الشفرة الوراثية التي تتألف من 64 كودوناً تحظى ببعض المزايا الخفية على أي ترتيب آخر. وعندما تطورت على الأرض في بداياتها المبكرة، فضّلها الانتقاء الطبيعي حتى تفوقت على جميع الترتيبات الأخرى.

لكن الدكتور كريك كان يميل إلى تفسير ثانٍ: الشفرة الوراثية كانت نتيجة للصدفة إلى حد كبير. وقد تكهن بأن الطفرات تسببت في تشفير بعض الكودونات لأحماض أمينية معينة. ومع توسع أشكال الحياة المبكرة في الشفرة الوراثية، فإنها كانت قادرة على بناء بروتينات أكثر تعقيداً. غير أن التطور ربط الكودونات بالأحماض الأمينية بصفة عشوائية.

بمجرد أن تصبح البروتينات كبيرة ومعقدة، لا يمكن للشفرة الوراثية أن تتطور أكثر من ذلك؛ وأي طفرة قد تتغير سوف تنتج الكثير من البروتينات المعيبة. وقد وصف الدكتور كريك هذا السيناريو بأنه «حادث مُجمّد».

وقال الدكتور روبرتسون إن قدرة «Syn 57» على البقاء على قيد الحياة من دون سبعة كودونات قادته إلى تفضيل نظرية كريك عن الحوادث المجمدة.

• خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

علوم توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

نتيجة الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم من اداة صامتة الى زميل ذكي

حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

في الماضي، كان الجراح يدخل غرفة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه القرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مجرد أدوات صامتة تنفّذ ما تمليه خبرته البشري

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

فيروس قاتل يوقف نمو سرطان البنكرياس

الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
TT

فيروس قاتل يوقف نمو سرطان البنكرياس

الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره

نجح فيروس في إيقاف سرطان البنكرياس لدى ثلاثة أشخاص، في تجربة سريرية بالولايات المتحدة. وتبدو نتائج التجربة الأولية مُشجعة، لا سيما أن جرعات صغيرة فقط من الفيروس استُخدمت في اختبارات السلامة الأولية، إلا أنه لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من التقييم في تجارب أوسع نطاقًا، كما كتبت أليس كلاين(*).

ويقول ماساتو ياماموتو من جامعة مينيسوتا، الذي قاد تطوير العلاج الفيروسي: «لقد حقنّا عُشر الجرعة التي نستهدفها في نهاية المطاف، لذا فإن الفعالية أفضل مما توقعت».

سرطان البنكرياس

يُعرف سرطان البنكرياس بأنه أشد أنواع السرطان فتكًا. وأحد أسباب ذلك أن الأعراض غالباً ما تظهر متأخرة، عندما يكون السرطان قد انتشر ولا يمكن استئصاله جراحياً. ولذا، وبعد التشخيص، لا يعيش المرضى عادةً إلا من ثلاثة إلى ستة أشهر.

السبب الآخر أن أورام البنكرياس تتميز ببنية داخلية ليفية صلبة تمنع وصول أدوية العلاج الكيميائي. كما أن العلاجات المناعية التي تعزز نشاط الجهاز المناعي ضد السرطان غير فعالة، لأن أورام البنكرياس قادرة على التخفي من الجهاز المناعي.

تجربة لعلاج فيروسي

تلقى المريض الأول في التجربة، وكان يعاني من ورم في البنكرياس قطره 7 سنتيمترات، العلاج قبل عام، بينما يتلقى المريضان الآخران العلاج منذ ذلك الحين. في ذلك الوقت، لم تكن أورامهم قد انتشرت خارج البنكرياس. ومنذ بدء العلاج، لم تزد أورامهم حجماً.

ويقول ياماموتو، الذي عرض النتائج في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية للعلاج الجيني والخلوي في بوسطن، بماساتشوستس، الشهر الماضي: «جميعهم ما زالوا على قيد الحياة، وحالتهم مستقرة سريرياً». سيتم الآن إعطاء 15 مريضًا آخر جرعات أعلى لتحديد المستوى الأمثل.

إلا أن غاي براون من مستشفى رويال نورث شور في سيدني يقول: «أعتقد أن هذه إشارة مبكرة واعدة، ولكن بصفتي جراح بنكرياس، أرى أنه من المهم الحفاظ على منظور متوازن». ويشير إلى أن التجربة لم تتضمن حتى الآن مجموعة ضابطة، لذا يصعب تحديد ما إذا كان الفيروس أكثر فعالية من العلاجات الأخرى أو عدم وجود علاج على الإطلاق.

فيروس معدل وراثياً يتكاثر داخل الورم

الفيروس هو فيروس غدي مُعدّل وراثيًا ليتكاثر داخل الأورام فقط. ويتم تنشيط تكاثره بواسطة إنزيم يُسمى «سيكلوأكسيجيناز-2» (COX-2)، الذي يوجد بمستويات أعلى بكثير في الخلايا السرطانية مقارنةً بالخلايا الطبيعية. وبعد إصابة الخلايا السرطانية بالفيروس، تنفجر وتموت، مُطلقةً المزيد من الفيروس الذي يُمكنه إصابة الخلايا السرطانية المجاورة.

تقلص الأورام

في التجربة، تم حقن الفيروس مباشرةً في أورام المرضى عبر أنبوب رفيع تم إدخاله عبر الحلق إلى البنكرياس. كان الأنبوب مزوداً بمسبار للموجات فوق الصوتية في نهايته للتمكين من رؤية الأورام.

يقول ياماموتو إن سبب توقف نمو الأورام دون أن تتقلص قد يعود إلى انخفاض جرعة العلاج. ويعتقد أنها قد تبدأ بالانكماش مع إتاحة المزيد من الوقت للفيروس للتكاثر.

دفع الجهاز المناعي لكشف السرطان

ويضيف ياماموتو أنه مع بدء تحلل خلايا الورم وتسريب محتوياتها، قد يتمكن الجهاز المناعي من التعرف على السرطان ومكافحته.

في محاولة لتعزيز هذه الاستجابة المناعية الطبيعية، يخطط ياماموتو وزملاؤه لدمج العلاج الفيروسي مع العلاجات المناعية، مثل مثبطات نقاط التفتيش المناعية - وهي أدوية تحجب البروتينات التي تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا السرطانية - في تجارب مستقبلية.

* مجلة «نيوساينتست»


هجوم إسرائيلي على منشآت النفط في إيران... يُحدث أثراً بركانياً

شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
TT

هجوم إسرائيلي على منشآت النفط في إيران... يُحدث أثراً بركانياً

شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة

أدت الغارات الجوية الإسرائيلية على منشآت نفطية في طهران، في 7 مارس (آذار)، إلى انبعاثات لثاني أكسيد الكبريت تعادل ثوراناً بركانياً صغيراً، ما قد يُعرِّض سكاناً في مناطق بعيدة كالصين للأمطار الحمضية وتلوث الهواء السام، كما كتب أليك لون في العدد الأخير من مجلة «نيوساينتست» العلمية البريطانية.

قصف المنشآت النفطية

وكانت طائرات حربية قصفت، في إطار الحملة الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، مستودعات نفطية عدة، ومصفاة نفط في تلك الليلة؛ ما أشعل حرائق هائلة تصاعد منها الدخان لأيام. وهطلت أمطار سوداء مُحمَّلة بالسخام والهيدروكربونات على العاصمة الإيرانية، وأبلغ السكان عن حالات تهيُّج في العين والجلد، وصعوبة في التنفس.

سحابة ملوثة غطت تركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والصين

والآن، أظهرت بيانات من جيل جديد من الأقمار الاصطناعية الصينية أنَّ سحابة ثاني أكسيد الكبريت المنبعثة من هذه الانفجارات والحرائق غطَّت مساحة 300 ألف كيلومتر مربع، مروراً بتركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والصين، كما أوردت دورية «Advancesin Atmospheric Sciences, doi.org/q8r9».

تلوث يعادل انفجار بركان

أدى الهجوم الوجيز إلى ارتفاع حاد في الانبعاثات استمرَّ لأيام، حيث أُطلق ما مجموعه 29800 طن من ثاني أكسيد الكبريت في الهواء، وفقاً لتشنبينغ يين وفريقه من جامعة ووهان في الصين. وكان بركان «إيافيالايوكول» في آيسلندا يُطلق نحو 20 ألف طن من ثاني أكسيد الكبريت يومياً عندما تسببت سحابة الرماد البركاني في توقف حركة الطيران في أوروبا عام 2010.

مضاعفات صحية

ويقول يين إنَّ تركيزات ثاني أكسيد الكبريت التي رصدتها الأقمار الاصطناعية وصلت إلى مستويات قد تُضعف وظائف الرئة، وتُهيِّج العينين والحلق، وتُفاقم الربو أو التهاب الشعب الهوائية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.

تأثيرات على المياه والزراعة والغذاء

ويضيف: «على الرغم من أنَّ حدث الانبعاث الكبير استمرَّ ليوم أو يومين فقط، فإنَّ البحث يُشير إلى أنه لا ينبغي إغفال التأثير المحتمل على الغلاف الجوي الإقليمي». ويُضيف أن الملوثات ربما تكون قد تساقطت على مصادر المياه والأراضي الزراعية، ما قد يُلوث مياه الشرب والغذاء.

ضباب دخاني... وأمطار حمضية

يتفاعل ثاني أكسيد الكبريت مع مركبات مختلفة من الهيدروجين والأكسجين في الهواء لتكوين حمض الكبريتيك، الذي قد يؤدي إلى الضباب الدخاني والأمطار الحمضية.

إلى جانب ثاني أكسيد الكبريت، انبعث من منشآت النفط المحترقة السخام والمعادن الثقيلة. ووفقاً للوسي كاربنتر من جامعة يورك بالمملكة المتحدة، فإنَّ الكمية الهائلة من ثاني أكسيد الكبريت المنبعثة تشير إلى أنَّ عمود الدخان كان يحمل كميات ضارة من ملوثات أكثر خطورة.

ملوثات إضافية أكثر خطورة

قد تشمل هذه الملوثات أكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، بالإضافة إلى الهيدروكربونات غير المحترقة مثل البنزين، وكلها مرتبطة بالسرطان.

تقول كاربنتر: «لهذه الكمية في حريق واحد آثار بالغة على صحة الناس... على امتداد آلاف الكيلومترات».

استمر عمود الدخان لمدة 3 أيام فقط، وهي مدة غير كافية على الأرجح للتسبب بالسرطان. كما أن الأقمار الاصطناعية تقيس تركيزات ثاني أكسيد الكبريت في جميع أنحاء الغلاف الجوي، لذا فإنَّ تركيز السموم على مستوى سطح الأرض غير واضح. لكن التلوث قد يكون قد تسبب في نوبات الربو أو السكتات الدماغية أو حتى النوبات القلبية لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وفقاً لكاربنتر.


علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟
TT

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

يلاحظ معظم الرجال أن كثافة شعرهم تتراجع تدريجياً مع التقدم في العمر. إلا أن ترقق الشعر يكون أكثر وضوحاً في منطقة الصدغين، (انحسار خط الشعر) أو عند قمة الرأس (ظهور بقعة الصلع). وتُعد هذه الحالة شائعة جداً، حتى بين الرجال في سن مبكرة.

وقد يظهر هذا الاضطراب، المعروف باسم الصلع الوراثي لدى الذكور (Male-Pattern Baldness)، لأول مرة في مرحلة مبكرة من العمر، قد تبدأ منذ أواخر فترة المراهقة.

الصلع يظهر لدى نصف الرجال قبل منتصف العمر

تقول الدكتورة ماريان ماكريديس سينا، مديرة مركز «لاهي» للتميز في علاج تساقط الشعر والأستاذة المساعدة في طب الأمراض الجلدية بكلية الطب جامعة هارفارد: «إن نحو 20 في المائة من الرجال يبدأون الصلع بحلول سن العشرين، ونحو 30 في المائة يواجهون ذلك بحلول سن الثلاثين». ويستمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى سن الخمسين؛ حيث يفقد نحو نصف الرجال كميات ملحوظة من الشعر، وتواصل نسبة الانتشار الارتفاع مع التقدم في السن.

ما أسباب الصلع الذكوري؟

يُعد نمط الصلع الذكوري، المعروف أيضاً باسم «الثعلبة الأندروجينية» (androgenetic alopecia)، النوع الأكثر شيوعاً لتساقط الشعر. وإلى جانب التقدم في العمر، تلعب الجينات والهرمونات الجنسية المعروفة باسم «الأندروجينات» أدواراً رئيسية في ذلك. إذ يُشتق الهرمون الرئيسي المسؤول عن ذلك، وهو «ثنائي هيدرو التستوستيرون» (dihydroxytestosterone) (DHT)، من هرمون التستوستيرون. وتؤدي المستويات الزائدة من هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» إلى انكماش بصيلات الشعر، مع تقصير دورة النمو الطبيعية لكل شعرة، ما يُعجل من تساقط الشعر.

أدوية للوقاية من تساقط الشعر وعلاجه

هناك دواءان معتمدان من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية لعلاج تساقط الشعر الناتِج عن الصلع الذكوري: «مينوكسيديل» الموضعي المتاح دون وصفة طبية، و«فيناسترايد» (بروبيشيا)، وهو دواء لا يُصرف إلا بوصفة طبية. ومع كلا الدواءين، تحتاج إلى استعمالهما بانتظام لمدة تتراوح بين 4 و6 أشهر قبل حصول أي تحسن ملحوظ، ثم يتعين عليك الاستمرار في استخدامهما إلى أجل غير مسمى للحفاظ على أي فوائد مكتسبة.

* «مينوكسيديل» الموضعي topical minoxidil % 5) -«5) (روغين Rogaine). طُوّر «مينوكسيديل» في الأصل بوصفه دواءً لعلاج ارتفاع ضغط الدم. وأُعيد توظيفه علاجاً لتساقط الشعر بعد أن لاحظ الأطباء أن الأشخاص الذين يتناولونه ينمو لديهم شعر زائد. وبالنسبة لتساقط الشعر، يأتي الدواء على شكل رغوة أو سائل يُوضع على فروة الرأس مرتين في اليوم.

ويعتقد الخبراء أن المنتجات الموضعية للدواء تعمل عن طريق توسيع الأوعية الدموية في فروة الرأس، ما يُساعد على زيادة تدفق الدم وتوصيل العناصر الغذائية اللازمة لتحفيز نمو الشعر.

تقول الدكتورة سينا: «يجد أغلب الناس أن السائل أسهل في الاستخدام؛ لأنه لا يلتصق بالشعر المجاور بقدر ما تفعل الرغوة». ولكن على عكس الرغوة، يحتوي السائل على مادة «بروبيلين غليكول»، وهي مادة حافظة يمكن أن تهيج الجلد، ما يسبب الحكة والاحمرار لدى بعض الأشخاص.

* «فيناسترايد» (finasteride) (بروبيشيا Propecia). يعمل هذا الدواء، الذي يُؤخذ منه قرص يومي، عن طريق التدخل في عملية تحويل التستوستيرون إلى هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون».

آثار جانبية

وتشمل الآثار الجانبية له انخفاض الرغبة الجنسية، وضعف الانتصاب، ومشكلات في القذف؛ ووردت بعض التقارير التي تُفيد باستمرار هذه الآثار الجانبية حتى بعد التوقف عن تناول الدواء.

ويمكن أن يحدث أيضاً تضخم في الثدي، وضعف مؤقت في الخصوبة، وتغيرات في المزاج. ووفقاً لمراجعة علمية نُشرت عام 2025 في «مجلة طب الأمراض الجلدية التجميلية»، فإن «فيناسترايد» الفموي يُعد أكثر فاعلية بقليل من «مينوكسيديل» الموضعي، بناءً على متوسط التغير في كثافة الشعر بعد 6 أشهر من الاستخدام.

تحذيرات من المنتجات المركبة والمكملات الغذائية

أما المنتجات الأخرى المروَّجة لإنبات الشعر، والتي تُباع عادة عبر الإنترنت، فلا تفتقر فقط إلى الأدلة العلمية التي تثبت فاعليتها، بل قد تنطوي أيضاً على مخاطر صحية. ففي أبريل (نيسان) 2025، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية تحذيراً للمستهلكين بشأن المخاطر المحتملة المرتبطة بالمنتجات المركبة المحتوية على «فيناسترايد» الموضعي.

وتقول الدكتورة سينا إن الدراسات تُشير إلى أن هذه المنتجات يمكن أن تخفض مستويات هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» في الدم بمعدل يقترب من فاعلية «فيناسترايد» الفموي؛ إذ أبلغ مستخدموها عن آثار جانبية مماثلة لتلك التي تسببها أقراص «فيناسترايد»، بما في ذلك ضعف الانتصاب، والقلق، والاكتئاب.

وتحتوي منتجات أخرى على خلائط غير مختبرة من الفيتامينات والمعادن والمكملات الغذائية، مثل الكركمين، والأشواغاندا، ومستخلص الشاي الأخضر. وتشير الدكتورة سينا إلى أنه على الرغم من ندرة حدوث ذلك، فإن هناك تقارير تُفيد بإصابة شباب أصحاء بأضرار في الكبد ناجمة عن استخدام هذه المكملات.

آفاق المستقبل

قد تُشكل أيضاً أقراص «مينوكسيديل» بجرعات منخفضة ممتدة المفعول خياراً فعالاً وأكثر ملاءمة لإعادة إنمـاء الشعر. وإذا ما أكدت دراسات أطول وأوسع نطاقاً فوائد هذه التركيبة الجديدة وسلامتها (وأدت إلى نيل اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأميركية)، فستكون أول أقراص غير هرمونية لعلاج الصلع الذكوري. (يُذكر أن الدكتورة سينا تشغل منصب مستشار علمي للشركة التي تعمل على تطوير هذا الدواء).

وتخضع عدة علاجات جديدة محتملة أخرى للتطوير في الوقت الراهن، بما في ذلك مادة «كلاسكوتيرون» (clascoterone) (بريزولا Breezula)، المعتمدة بالفعل لعلاج حب الشباب (تحت الاسم التجاري «وينليفي Winlevi»).

وتقول الدكتورة سينا إن هذا الدواء الموضعي يُثبط أيضاً هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون»، ولكن بصورة انتقائية للغاية؛ أي عند بصيلة الشعر فحسب بدلاً من تثبيطه في جميع أنحاء الجسم. ولا تزال التجارب الإكلينيكية جارية، غير أن النتائج الأولية تُشير إلى أنه يتمتع بفاعلية تقارب فاعلية الأدوية المتاحة حالياً، ولا يصاحبه سوى آثار جانبية طفيفة تشمل الاحمرار والحكة.

وتضم قائمة العلاجات الواعدة الأخرى مادة «بيريلوتاميد (pyrilutamide)»، التي تُثبط هي الأخرى هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» انتقائياً، ومادة «بي بي 405- PP405»، التي تهدف إلى تحفيز الخلايا الجذعية في بصيلات الشعر الخاملة.

• رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»، خدمات «تريبيون ميديا».