وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

وقائع توضِّح أنه ليس معصوماً من الخطأ

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب
TT

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

وهم الثقة... حين يكشف الذكاء الاصطناعي حدوده في الطب

في زمن تُسارع فيه دول العالم لتسخير الذكاء الاصطناعي في كل شؤون الحياة، من خطوط الإنتاج في المصانع إلى منصات التداول في الأسواق، يبقى الطب الميدان الأكثر حساسية وامتحاناً حقيقياً لحدود هذه التقنية. وهنا لا تُقاس النتائج بالأرباح أو الخسائر؛ بل بحياة إنسان قد تُنقَذ أو تُفقَد بخطأ واحد في التنبؤ.

ومن بين التحديات الكبرى التي تواجه هذه الثورة الطبية الرقمية، تبرز إشكاليتان جوهريتان: «الإفراط في التعلُّم» حين تُبالغ الخوارزمية في الثقة بنفسها فتتيه في التفاصيل، و«التقصير في التعلُّم» حين تعجز عن إدراك الأنماط فتقدِّم أداءً ناقصاً. وما بين ثقة مفرطة قد تُضلِّل الطبيب، وضعف في الأداء قد يحجب الحقيقة، يكمن الخطر الذي لا بد من وعيه.

إن إدراك هذه المزالق ليس ترفاً نظرياً ولا جدلاً أكاديمياً مغلقاً؛ بل ضرورة سريرية يومية. فالمريض الذي يجلس على كرسي الطبيب لا يعنيه مصطلح «الإفراط» أو «التقصير»، ولكنه ينتظر تشخيصاً صحيحاً وعلاجاً يُعيد له عافيته. وهنا يُصبح فهم هذه التحديات شرطاً أساسياً لجعل الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا عبئاً إضافياً.

مرجع عالمي في الذكاء الاصطناعي الطبي

تأتي هذه القضية في قلب النقاشات التي احتواها كتاب «التعلُّم الآلي والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية» (Machine Learning and AI in Healthcare)، الصادر عن دار «Springer» عام 2023، بتحرير الباحثين: كونستانتين أليفريس (Constantin Aliferis) وغيورغي سيمون (Gyorgy Simon). ويُعدُّ هذا الكتاب واحداً من المراجع الأكاديمية والتطبيقية البارزة في مجاله؛ إذ جمع تحت غلافه خبرات نخبة من العلماء العالميين الذين كرَّسوا بحوثهم لفهم التحديات والفرص التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي.

تكمن قيمة هذا المرجع في أنه لا يكتفي بعرض النجاحات أو النماذج الواعدة؛ بل يذهب أبعد من ذلك ليكشف المزالق والأخطاء المحتملة، من الإفراط في التعلُّم إلى الثقة المفرطة بالنماذج. وهنا يقدِّم الكتاب رؤية متوازنة تجمع بين الأمل الكبير الذي يحمله الذكاء الاصطناعي للطب، وبين الحذر الواجب عند التعامل مع خوارزميات قد تتحوّل –إن أسيء استخدامها– من أداة إنقاذ إلى مصدر خطر.

من الحفظ الأعمى إلى الفهم الحقيقي

يشبِّه العلماء ظاهرة «الإفراط في التعلُّم» (Overfitting) بالطالب الذي يحفظ الأسئلة المتوقعة للامتحان عن ظهر قلب، فينجح ببراعة إذا طُرحت كما هي، ولكنه يتعثر عند مواجهة سؤال جديد. والأمر نفسه يحدث مع بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فهي تتقن التعامل مع بيانات محدودة بدقة مذهلة، ولكنها تنهار عندما تُختبر في ظروف مختلفة عن تلك التي تدربت عليها.

ولعل المثال الأشهر قصة نظام طوَّرته جامعة أميركية لاكتشاف سرطان الرئة من صور الأشعة. ففي التجارب الأولى، سجَّل نتائج مبهرة بدقة قاربت 97 في المائة. ولكن المفاجأة جاءت عند تطبيقه على صور من مستشفى آخر؛ إذ تراجعت الدقة إلى أقل من 60 في المائة. والسبب لم يكن في ضعف الخوارزمية بقدر ما كان في «ذكائها المفرط»؛ فقد تعلَّمت على نحو غير مقصود التعرُّف إلى شعارات الأجهزة الطبية التي ظهرت في الصور، لا ملامح المرض ذاته. وهكذا، التبس على النظام الفرق بين العلامة التجارية والورم السرطاني!

هذا المثال يوضح أن النجاح في بيئة ضيقة لا يعني بالضرورة الكفاءة في الواقع الأوسع، وأن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تتجاوز الخوارزميات حدود «الحفظ الأعمى» إلى استيعاب الأنماط الجوهرية للمرض.

الوجه الآخر: السذاجة القاتلة

في الجهة المقابلة من الإفراط، تقف مشكلة «التقصير في التعلُّم» (Underfitting)؛ حيث تكون النماذج أبسط من أن تلتقط الأنماط الجوهرية في البيانات. النتيجة أشبه بتخمين أعمى: أداء ضعيف لا يختلف كثيراً عن الحظ.

تخيَّل طبيباً افتراضياً يُعرَض عليه تخطيط قلب لمريض يعاني ذبحة صدرية (Acute Myocardial Infarction)؛ أي انسداد مفاجئ في أحد شرايين القلب يؤدي إلى توقف تدفق الدم إلى جزء من عضلة القلب، وهو ما يُعرف بالنوبة القلبية. ومع ذلك، لا يرى هذا «الطبيب» الفارق بين التخطيط للمريض والتخطيط الطبيعي... ببساطة لأن نظامه لم يتعلَّم بما يكفي.

هذا ليس سيناريو افتراضياً فحسب؛ بل واقع تكرر في بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التي طُوِّرت للكشف عن أمراض القلب عبر إشارات التخطيط الكهربائي. وحين جرى اختبارها في بيئة مختلفة عن بيانات التدريب، لم تتجاوز دقتها 50 في المائة؛ أي أنها عملياً لم تكن أفضل من رمي قطعة نقدية في الهواء.

والمشهد ذاته يتكرر في طب الأسنان؛ فقد أظهرت بعض الخوارزميات ضعفاً في التمييز بين التسوُّس المبكر وبين بقع التصبغات والتلونات الطبيعية على سطح السن. والنتيجة أن بعض المرضى تلقُّوا إنذارات خاطئة، أو أُهملوا في مراحل حرجة كان يمكن فيها التدخل المبكر.

هذه الإخفاقات تذكِّرنا بأن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا لامعاً، يمكن أن يتحوَّل إلى أداة عديمة الجدوى إن لم يُبْنَ على بيانات كافية ومتنوعة، تُعلِّمه كيف يفرِّق بين الخطأ والحقيقة.

حين تتحول الثقة إلى وهم

لا تكمن المشكلة في الإفراط أو التقصير في التعلُّم فحسب؛ بل في ظاهرة أخطر تُعرف بـ«الثقة المفرطة»، (Overconfidence) وهي أن يقدِّم النموذج تنبؤاته بلهجة قاطعة، توحي باليقين، بينما تكون الحقيقة أبعد ما تكون عن الصحة. هنا يصبح الخطر مضاعفاً: ليس فقط نتيجة خاطئة؛ بل نتيجة مغلَّفة بطمأنينة زائفة قد تُضلِّل الأطباء، وتؤثر مباشرة في حياة المرضى.

في عام 2020، نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة بارزة كشفت إخفاق نموذج طوَّرته إحدى الشركات التقنية الكبرى، وكان يُسوَّق له كأداة رائدة لتشخيص سرطان الثدي. في التجارب الأولية، أظهر النموذج أداءً واعداً، ولكن عند اختباره في بيئات مختلفة عن بيانات تدريبه، تراجعت دقته بشكل صادم. الأخطر أنه واصل إصدار تنبؤات ممهورة بدرجة ثقة عالية، الأمر الذي جعل الأطباء يظنون أن النتيجة حاسمة، بينما كانت في الواقع مضللة.

ولم يكن هذا المثال وحيداً. ففي مجال علم الأمراض الباثولوجي، طُوِّرت أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل شرائح الأنسجة المجهرية، بهدف التعرُّف على الأورام. ورغم دقتها العالية في بيئة التدريب، فإنها أظهرت ثقة مفرطة عند مواجهة عينات جديدة ذات اختلافات طفيفة في الصبغات أو جودة الشرائح. في بعض الحالات، أعطت هذه الأنظمة تشخيصاً جازماً بوجود ورم خبيث، بينما كانت العينة سليمة تماماً. هذا التضليل كاد أن يقود إلى قرارات علاجية جراحية غير ضرورية، لولا تدخُّل الخبرة البشرية التي أعادت التقييم.

هذه النماذج تكشف عن حقيقة صادمة: الخوارزمية قد تخطئ، ولكن الكارثة تبدأ حين تُخفي خطأها تحت قناع الثقة المطلقة.

دروس من أرض الواقع

وإليكم بعض الدروس حول أخطاء الذكاء الاصطناعي:

1. سرطان الجلد: أظهرت أنظمة الذكاء الاصطناعي للكشف عن الميلانوما نتائج مبهرة في مختبرات البحث، ولكنها أخفقت عند اختبارها على مرضى من أعراق مختلفة؛ لأن معظم بيانات التدريب جاءت من ذوي البشرة البيضاء. النتيجة: أداء ضعيف عند مواجهة البشرة السمراء أو الداكنة، وهو ما كشف تحيزاً خطيراً في بناء البيانات.

2. «كورونا»: خلال جائحة «كوفيد-19»، تسابقت مراكز البحوث لتطوير نماذج للتشخيص السريع من صور الأشعة الصدرية. ولكن مراجعة شاملة نُشرت عام 2021 في مجلة «BMJ» أكدت أن غالبية هذه النماذج لم تكن صالحة للتطبيق السريري، إما بسبب ضعف التعميم وإما بسبب تحيزات في بيانات التدريب، ما جعلها غير موثوقة في إنقاذ الأرواح في لحظة الأزمة.

3. قسم الطوارئ: في الولايات المتحدة، اعتمد أحد المستشفيات على نظام آلي لفرز المرضى (Triage) وتحديد أولوياتهم في قسم الطوارئ. ولكن التجربة انتهت بكارثة أخلاقية: النظام كان يقلل من خطورة بعض حالات النساء والأقليات مقارنة بالرجال البيض! والسبب هو تحيُّز خفي في البيانات التاريخية التي بُني عليها، عكس تمييزاً متوارثاً في النظام الصحي نفسه.

هذه الأمثلة الثلاثة تكشف بوضوح أن الذكاء الاصطناعي ليس «معصوماً». خطورته لا تكمن فقط في وقوعه في الخطأ؛ بل في إقناعنا -بدرجة ثقة عالية- بأنه على صواب. وهنا تكمن الحاجة إلى عين بشرية ناقدة تضع حدوداً لثقة الخوارزميات، قبل أن تتحول هذه الثقة إلى وهم يهدد حياة الإنسان.

الطريق إلى أفضل الممارسات

يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نتفادى هذه المزالق، ونحوِّل الذكاء الاصطناعي إلى شريك موثوق فعلاً في الطب؟ الحل ليس في هدم التقنية أو الخوف منها؛ بل في تبنِّي الممارسات الفضلى التي تجعل الخوارزميات أكثر عدلاً وموثوقية:

- تنويع مصادر البيانات: بحيث تشمل مرضى من أعراق وخلفيات بيئية مختلفة، فلا تبقى النماذج حبيسة فئة واحدة.

- التقييم الصارم: عبر أساليب مثل التحقق المتقاطع أو المتبادل (Cross- Validation)، للتأكد من أن النموذج لا ينجح فقط في بيئة ضيقة؛ بل يثبت نفسه أمام بيانات جديدة.

- الشفافية: وذلك بنشر النتائج كاملة، مع توضيح نقاط القوة والقصور، بدل الاكتفاء بالأرقام اللامعة.

- عادة الاختبار المستقل: على يد فرق بحثية مختلفة، وقبل أي تطبيق سريري واسع، لتجنُّب تكرار أخطاء الماضي.

بهذه الخطوات، يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق إلى أداة أكثر أماناً، تفتح الطريق أمام ثقة مدروسة وليست عمياء.

لماذا تهمنا هذه الدروس في العالم العربي؟

الأمر بالسبة لنا لا يقتصر على متابعة سباق عالمي؛ بل يرتبط مباشرة بصحة مجتمعاتنا ومستقبل أنظمتنا الطبية. فنحن نسعى اليوم لبناء مستشفيات ذكية في الرياض ودبي والقاهرة ونيوم، تحمل وعوداً بتغيير جذري في الرعاية الصحية. ولكن هذه الوعود قد تتحول إلى سراب إذا استوردنا أنظمة لامعة في المؤتمرات، ثم اكتشفنا أنها عاجزة في أقسام الطوارئ عند مواجهة مرضانا ببيئتهم وخصائصهم المختلفة.

لقد أثبتت التجارب أن النظام الذي يحقق نتائج مذهلة في بوسطن أو لندن قد يفشل في جدة أو الرباط، إذا لم تُؤخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجينية والبيئية والغذائية لشعوبنا. فأنماط الأمراض، والبصمات الجينية، وحتى العادات الغذائية في منطقتنا تختلف جذرياً عن الغرب، ما يجعل نقل الخوارزميات كما هي مخاطرة لا يمكن تجاهلها.

وهنا يكمن دور الباحثين والأطباء العرب: ليس فقط في تطوير نماذج محلية تستند إلى بياناتنا؛ بل أيضاً في تدقيق النماذج المستوردة، والتأكد من صلاحيتها عبر تجارب مستقلة داخل بيئتنا السريرية. إن الاستثمار في قواعد بيانات عربية موسّعة -تشمل أطفالنا وشبابنا وكبار السن- لن يكون رفاهية؛ بل سيكون شرطاً أساسياً لضمان أن تكون «المستشفيات الذكية» ذكية فعلاً، معنا ولأجلنا.

بكلمة أخرى: نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية العربية لن يُقاس بعدد الأجهزة المستوردة؛ بل بقدرتنا على تحويله إلى أداة تُعالج مريضاً في مكة كما تعالج مريضاً في مانشستر، دون تحيُّز أو قصور. وهنا تتجسد الأهمية الحقيقية لهذه الدروس: أن نكون صانعين للتقنية؛ لا مجرد مستخدمين لها.

إن الذكاء الاصطناعي في الطب أداة عظيمة تحمل وعوداً واسعة، ولكنها ليست بديلاً عن العقل النقدي ولا عن الطبيب البشري. فالإفراط في الثقة قد يكون خطراً بقدر ضعف الأداء، وبين هذين الحدَّين يكمن الطريق الآمن: علم رصين، وبيانات كافية، وتصميم صارم يجعل الخوارزميات جديرة بثقة المريض العربي تماماً، كما هي جديرة بثقة المريض الغربي.

إنَّ السؤال الحقيقي ليس: هل الذكاء الاصطناعي قادر على إنقاذ الأرواح؟ بل: هل نحن قادرون على استخدامه بوعي وحذر، لنضمن أن يبقى في خدمة الإنسان لا على حسابه؟

ولعل ما قاله ويليام شكسبير يصلح أن يكون مرآة لمرحلتنا: «الثقة المفرطة تُقرِّبنا من الخطر، كما يقرِّبنا الخوف المفرط منه». وبين هذين النقيضين، علينا أن نصوغ معادلة متوازنة تجعل الذكاء الاصطناعي سنداً للطب؛ لا عبئاً عليه.


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

علوم تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة،

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك أجهزة سمعية مطورة وملحقاتها في معرض المؤتمر

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل السمع... والسعودية تواكب أحدث تقنيات زراعة القوقعة

دراسة حديثة تكشف تحسناً في فهم الكلام باستخدام الخوارزميات الذكية

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
أوروبا صور كارل دايسروث وبيتر هيغمان ويورغ ناغل تُعرض على شاشة تزامناً مع إعلان منحهم جائزة نوبل في الطب (أ.ب)

«نوبل الطب» لأميركي وألمانيَّين لأبحاثهم في البصريات الوراثية

مُنحت جائزة نوبل في الطب لعام 2026 للأميركي كارل دايسروث والألمانيين بيتر هيغيمان ويورغ ناغل، وفق ما أعلنت لجنة نوبل في استوكهولم، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
علوم من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

تشير دراسة جديدة إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
TT

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

ماذا لو وصلت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى القرى والمناطق النائية دون الحاجة لتبريد شديد؟ قد يعني ذلك تسهيل حملات التطعيم في أماكن تعوقها الحرارة أو انقطاع الكهرباء. هذا ما تُبشر به دراسة جديدة تمنح هذا الاحتمال أساساً تجريبياً، بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

رسم يوضّح دور الجسيمات الدهنية في حماية الحمض النووي الريبي المرسال وإيصاله للخلايا

تركيبات مطورة

طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تركيبات تساعد على حماية هذه اللقاحات من الحرارة، في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Biotechnology» في 28 سبتمبر (أيلول) 2026.

وبعد تجفيفها وتخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو لمدة عام في درجة حرارة الغرفة، احتفظت التركيبات المختبَرة بقدرتها على تحفيز جهاز المناعة لدى الفئران بمستوى مماثل للقاحات المستخدَمة للمقارنة.

إنها خطوة واعدة لتخفيف أعباء نقل اللقاحات وتخزينها، لكن الانتقال من نجاح التجارب الحيوانية إلى استخدامها لدى البشر ما زال يحتاج إلى إثبات السلامة والفاعلية.

المشكلة ليست في اللقاح وحده

أظهرت جائحة «كوفيد-19» إمكانات تقنية تطوير الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA»، وكشفت تحدياً عملياً: كيف نحافظ على فاعلية اللقاح أثناء تخزينه ونقله؟ فالحمض النووي الريبي المرسال جزيء سريع التحلل، تُحيط به جسيمات نانوية دهنية (LNPs) تحميه وتساعده على دخول الخلايا. ومع ذلك تحتاج بعض هذه المستحضرات إلى التخزين في درجات حرارة شديدة الانخفاض.

رسم توضيحي لآلية عمل لصقات الإبر المجهرية التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد ثم تذوب لتُطلق اللقاح المطور

وهنا تصبح متطلبات الحفظ عاملاً مؤثراً في وصول اللقاحات إلى الناس، فسلسلة التبريد تحتاج إلى تجهيزات متخصصة وكهرباء مستقرة ومراقبة للحرارة طوال النقل والتخزين؛ وهي شروط يصعب ضمانها في بعض المناطق النائية.

عندما تدخل الخوارزمية المختبر

طوّر الفريق العلمي نظاماً للذكاء الاصطناعي باسم «AGENT» يساعد الباحثين على اختيار التركيبات التي تستحق الاختبار. ويتعلّم النظام من نتائج التجارب السابقة، ويقترح خلطات يُرجَّح أن تحمي اللقاح من الحرارة، بدلاً من اختبار الاحتمالات واحداً تلو الآخر.

بدأ الباحثون بفحص نحو 50 مادة مساعِدة معتمَدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واختاروا خمساً واعدة، ثم اقترح النظام نسب مَزجها، واختبر العلماء مدى قدرتها على حماية اللقاح. ومع كل جولة، أعادوا النتائج إليه ليحسّن اقتراحاته التالية. وخلال ست جولات استغرقت نحو شهر، توصّل الفريق إلى تركيبات محسَّنة، بعد محاولات يدوية امتدت أشهراً.

شهران عند 37 درجة مئوية

حوّل الباحثون اللقاحات إلى تركيبات صلبة بإزالة الماء تحت ضغط منخفض، واختبروا تخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو عامٍ في درجة حرارة الغرفة.

وأظهرت الاختبارات على حيوانات التجارب أن التركيبات المطوَّرة حفّزت جهاز المناعة بمستوى لا يقل عن اللقاحات الطازجة المستخدمة للمقارنة. ونجحت الطريقة مع جسيمات دهنية شبيهة بتلك المستخدمة في لقاحَي «موديرنا» و«فايزر»، باستعمال المواد المساعدة نفسها بنسب مختلفة.

لصقة بدلاً من الحقنة

قد يفتح تحمّل الحرارة الباب أمام طريقة أخرى لإعطاء اللقاح: لصقات تحمل مئات الإبر المجهرية المحمّلة به. وعند وضعها على الجلد، تذوب هذه الإبر وتُطلق محتواها، لتوصيل اللقاح دون استخدام الحقنة التقليدية.

واستخدم الباحثون التركيبة المطوّرة لصنع لصقات لقاح ضد الفيروس المسبّب لـ«كوفيد-19». وفي التجارب الحيوانية حفّزت جهاز المناعة بمستوى مماثل للقاحات RNA المحقونة، ما يدعم إمكان الجمع بين سهولة التخزين وطريقة مختلفة لإعطاء اللقاح.

ويظل من تحديات هذه اللصقات ضمان إيصال الجرعة المطلوبة بصورة موثوقة، وإنتاجها بجودة ثابتة.

لوحات إرشادية توضّح مراحل تلقي لقاح «كوفيد-19» في مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

قد تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تتداخل الحرارة والمسافات الطويلة وتفاوت الخدمات الصحية لتجعل إيصال اللقاحات إلى بعض المناطق أكثر صعوبة. فالتحدي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى مستودع مركزي؛ بل يستمر حتى نقل الجرعة إلى مركز صحي بعيد أو فريق تطعيم متنقّل.

وقد تمنح اللقاحات الأكثر تحمّلاً للحرارة هذه الفرق مرونة أكبر، وتخفّف اعتمادها على تجهيزات التبريد، خصوصاً حين تتكرر انقطاعات الكهرباء. وإذا ثبت نجاحها عملياً، فقد تساعد على تقليل تلف الجرعات وتوسيع نطاق الحملات.

لكن التخزين عند 37 درجة مئوية في ظروف مضبوطة لا يحاكي بالضرورة رحلة نقل تتقلب فيها الحرارة تحت شمس الصحراء. لذلك، يلزم اختبار التركيبات في ظروف التوزيع الفعلية وتحديد شروط حفظها بدقة. وتظل «لقاحات بلا ثلاجات» أفقاً واعداً، لا إعلاناً عن انتهاء سلسلة التبريد.

بين الخوارزمية والتحقق السريري

سرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى تركيبات واعدة، لكن التجارب المخبرية والحيوانية هي التي اختبرت أداءها، فالخلطة التي يقترحها النظام تظل احتمالاً يحتاج إلى دليل: هل تحمي اللقاح أثناء التخزين؟ وهل يحتفظ بقدرته على تحفيز المناعة؟

وقبل استخدامها لدى البشر، يلزم تقييم السلامة والفاعلية في دراسات سريرية، والتحقق من إمكان تصنيعها بكميات كبيرة وبجودة ثابتة. فنجاح عيّنة في المختبر لا يضمن وحده نجاح إنتاج آلاف الجرعات ونقلها وحفظها، كما لا يعني اعتماد المواد المساعِدة منفردةً اعتمادَ التركيبة الجديدة تلقائياً.

وتزداد أهمية أن تتمكن فِرق مستقلة من تكرار النتائج، وأن تتضح البيانات التي استندت إليها الخوارزمية وحدود توقعاتها. فقيمة تسريع البحث تتحقق حين يقود إلى لقاحات آمنة وفعّالة يمكن الوثوق بها خارج المختبر.

من تحليل البيانات إلى تصميم اللقاحات

تُظهر الدراسة كيف يمتد دور الذكاء الاصطناعي من تحليل الأشعة والسجلات إلى تطوير اللقاح نفسه، بما يشمل إمكان حفظه ونقله وإعطائه بعيداً عن ظروف المختبر المضبوطة.

قد لا تختفي ثلاجات اللقاحات غداً، لكن قيمة هذا التقدّم ستتضح حين تصل جرعة فعّالة إلى مركز صحي بعيد، أو تصبح حملة تطعيم أقل عرضة للتعطّل بسبب انقطاع الكهرباء. عندها، يتحوّل اختصار وقت البحث إلى تقليص المسافة بين الاكتشاف والمريض.


مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».