توربينات الرياح الطائرة تسحب الطاقة من أعالي السماء

شركة صينية ناشئة تنشرها في الغلاف الجوي العلوي للأرض

توربينات الرياح الطائرة تسحب الطاقة من أعالي السماء
TT

توربينات الرياح الطائرة تسحب الطاقة من أعالي السماء

توربينات الرياح الطائرة تسحب الطاقة من أعالي السماء

عادةً ما تبرز توربينات الرياح من سطح الأرض مثل طواحين هوائية عملاقة. واليوم، تستكشف شركة صينية شكلاً جديداً: توربينات الرياح الطائرة. وتحلق هذه الطائرات الشبيهة بالمنطاد عالياً في السماء، ولا يربطها بالأرض سوى عدد من الكابلات، حيث تُولّد تياراً مستمراً من الطاقة، بفضل الرياح القوية الموجودة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.

وبدلاً من البقاء تحت رحمة تقلبات الرياح على سطح الأرض -أحد التحديات الرئيسة التي تواجه التوربينات الثابتة اليوم- لن يتذبذب إنتاج الطاقة لدى توربينات الرياح الطائرة، بفضل ثبات تدفق الرياح بالطبقات العليا. ويمكن لهذا التصميم أن يحل بعضاً من كبرى مشكلات توليد طاقة الرياح، دون الحاجة إلى الاستثمار في بنية تحتية واسعة، ما يقلص البصمة البيئية لعملية توليد طاقة الرياح.

من «ناسا» إلى الصين

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم طرح للمرة الأولى من قِبل مهندس صيني، كان من بين رواد «مختبر الدفع النفاث»، التابع لوكالة «ناسا»، في منتصف أربعينات القرن الماضي. ومع أن هذه الفكرة لم تصادف نجاحاً داخل الولايات المتحدة، تزعم اليوم شركة الطاقة الصينية الناشئة «ساويس» أنها جاهزة لنشر آلاف التوربينات الطائرة التي يمكنها إنتاج 100 كيلوواط، ما يكافئ إنتاج طواحين الهواء الأرضية التي تُغذي الآن كل شيء، من المنشآت التجارية الصغيرة ومتوسطة الحجم، والعمليات الزراعية، إلى المنشآت الصناعية، وحتى المشروعات البلدية الصغيرة.

علاوة على ذلك، تعكف «ساويس» على بناء نموذج جديد يُضاهي قدرات طواحين الهواء الأرضية التقليدية، مع توربين يمكنه توليد أكثر من واحد ميغاواط.

وتعود جذور فكرة طاقة الرياح الجوالة جواً إلى مهندس الفضاء والطيران تشيان شيويسن المولود في شنغهاي، والذي هرب من الصين في ثلاثينات القرن الماضي للدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، قبل الانضمام إلى «الفرقة الانتحارية» الشهيرة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، المعروف اختصاراً باسم «كالتيك» ـ وهي مجموعة من المهندسين المهووسين بالصواريخ، وضعوا أسس رحلات الفضاء الأميركية الحديثة.

كان شيويسن مهاجراً ذكياً، ساهم في إحدى أهم الثورات التكنولوجية الأميركية على مر العصور. إلا أن مسيرته المهنية في الولايات المتحدة انتهت تحت وطأة شكوك تعود إلى العهد المكارثي (عهد مكافحة الشيوعية). وبعد سنوات من الإقامة الجبرية، جرى ترحيله إلى الصين عام 1955، حيث أصبح الأب المؤسس لبرنامج الصواريخ والفضاء الصيني. وشكّلت أبحاثه الأساس الذي قامت عليه سلسلة صواريخ «لونغ مارش» التي جعلت من بكين قوة فضائية عظمى.

وكذلك كان ذلك الوقت الذي شهد طرح النظريات التي جعلت من الممكن تطوير توربينات الرياح الطائرة الحالية. عام 1957، اقترح شيويسن ما سماه «قناة ناشر القاذف ejector diffuser duct»، وهي نظرية مفادها بأنه يمكن تسريع تدفق الهواء عبر التوربين بشكل كبير من خلال إضافة غلاف دائري مُصمّم بعناية حوله.

يُحدث الأنبوب المصمم على شكل حلقة فرق ضغط (ضغط منخفض خلف التوربين، وضغط أعلى أمامه)، يسحب هواءً إضافياً نحو الشفرات. هذا التأثير الذي يُشبه خلق «حلق» أو «حلقوم» صناعي للرياح بمقدوره أن يعزز الكفاءة بقوة، دون الحاجة إلى شفرات أكبر، أو أبراج أطول. وفي حين تعتمد التوربينات الأرضية التقليدية، بشكل كامل، على مساحة الشفرات، فإن نموذج «ناشر القاذف» الذي ابتكره شيويسن يُضاعف بفعالية الرياح الصالحة للاستخدام، من دون زيادة وزن الهيكل.

آنذاك، بدت فكرة شيويسن غريبة. جدير بالذكر أنه في ذلك الوقت كانت التوربينات لا تزال مشروعات هندسية متخصصة، ولم يكن لدى مُخططي الطاقة حماس كبير تجاه التصميمات التجريبية. وعليه، لم تبدأ هذه التصميمات في التبلور إلا بعد ذلك بكثير.

أحلام مُحطمة

في مجمله، لم يكن الأمر سهلاً، فرغم روعة الأفكار، فإن هندستها وتصنيعها غالباً ما يكونان في غاية الصعوبة، ما أدى إلى وقوع حوادث كثيرة. على مر العقود، حاول الكثيرون تحويل توربينات الرياح الطائرة إلى آلات عاملة.

من جهتها، عكفت شركة «ألتاروس»، شركة فرعية تتبع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على بناء منطاد مملوء بالهيليوم، ومزود في قلبه بتوربين رياح، على أمل أن يحلق على ارتفاع 2000 قدم لالتقاط رياح أسرع.

وعلى صعيد ثانٍ، نجحت شركة «كايت جين» الإيطالية في بناء نظام يشبه الطائرة الورقية يحلق على شكل رقم ثمانية، ويسحب المولدات على الأرض. حتى هذه اللحظة، لم يتجاوز النظام مرحلة النموذج الأولي.

أما شركة «ماكاني تكنولوجيز»، التي تأسست في منطقة خليج سان فرنسيسكو، واستحوذت عليها «غوغل» عام 2013، فقد جربت طائرة شراعية مربوطة ومزودة بدوارات، لكن الشركة تعرضت للإغلاق من جانب شركة «ألفابت» عام 2020. وحتى وكالة «ناسا» خاضت تجارب على هذه الأفكار. إلا أنه لم يكتب لأي منها النجاح على نطاق واسع، رغم أننا قد نرى طائرة ورقية تولد الكهرباء على المريخ، أو أي كوكب آخر يوماً ما.

اللافت أن كل تلك المحاولات جابهت المشكلات ذاتها: التعقيد الهندسي، واستقرار الطيران في ظل الرياح العاتية، والتصاريح الحكومية، وانخفاض تكاليف طاقة الرياح بسبب الغاز الطبيعي. إضافةً إلى ذلك، تُعدّ توربينات الرياح الثابتة مثالية للمنشآت الكبيرة، رغم تكلفتها، والوقت الذي تستغرقه، وتأثيرها البيئي.

* تيارات الهواء العليا أسرع بـ 3 مرات ويمكنها توليد طاقة أكبر بمقدار 27 مرة *

لماذا التوربينات الطائرة؟

تكمن جاذبية التوربينات الطائرة في قدرتها على التعامل مع رياح أقوى، وأكثر ثباتاً. جدير بالذكر أنه لا يمكن للأبراج التقليدية الوصول إلا إلى نحو 650 قدماً فوق سطح الأرض، حيث تتسم الرياح بالتقلب. على النقيض نجد أنه على ارتفاع 5000 قدم تتحرك تيارات الهواء أسرع بثلاث مرات، ويمكنها توليد طاقة أكبر بما يصل إلى 27 ضعفاً.

ولا تقتصر ميزة هذه التوربينات على إنتاجها النظري الثابت للطاقة فحسب، بل تتضمن كذلك ميزة قلة تكلفتها. إذ إن توربينات الرياح الثابتة تتسم بثمنها الباهظ، وتتطلب موارد هائلة في البناء والتركيب، بما يتجاوز بكثير تكلفة تصنيع الدوار والبرج وحدهما.

ويتطلب كل توربين أرضي مئات الأطنان من الفولاذ والخرسانة والمكونات الصناعية، بالإضافة إلى مواقع بناء ضخمة، وغالباً يحتاج إلى طرق جديدة، أو تفجير قمم الجبال لنقل المعدات، ووضعها في أماكنها. كما تتطلب التصميمات البحرية أبراجاً شبكية فولاذية تزن آلاف الأطنان، ومرافق بحرية متخصصة، وخدمات لوجستية معقدة.

وتترتب على هذه الاحتياجات من البنية التحتية آثار بيئية جسيمة: مساحات أرضية شاسعة تصل إلى 80 فداناً لكل توربين، واضطراب في الموائل، وتقييد الوصول إلى الأراضي، وشهور أو سنوات من التخطيط، وإصدار التصاريح، والبناء. وفي ظل الاستخدام المحدود حول التوربينات بسبب الضوضاء ومخاطر السلامة، تصبح أجزاء كبيرة من الأرض غير قابلة للاستفادة منها -حتى لأصحابها.

في المقابل، تزن التوربينات الطائرة، كتلك التي طورتها شركة «ساويس»، أقل من طن، ولا تتطلب أساساً دائماً، أو تنظيفاً للأرض، علاوة على أنه يمكن نشرها بسرعة، حيث لا يمكن للطاقة التقليدية الوصول إليها بأقل قدر من الاضطراب والتكلفة: حقول النفط النائية، والجزر الصغيرة، أو مناطق الكوارث، حيث تزداد أهمية السرعة والتنقل.

وشرعت شركة «ساويس» في أبحاثها على مولداتها الجوالة جواً، بالاعتماد على أفكار شيويسن، عام 2017. ودرست الشركة استخدام وسادة هوائية رئيسة من الهيليوم، مُدمجة مع جناح حلقي يُسرّع تدفق الهواء ويوجهه مباشرةً عبر المولدات المُدمجة، ما يُعزز الكفاءة نظرياً بأكثر من 20 في المائة.

وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أفادت التقارير بأن النموذج الأولي لطائرة S500 التابعة للشركة وصل إلى ارتفاع 1640 قدماً، وولّد 50 كيلوواط، مُحطماً بذلك الأرقام القياسية العالمية في الارتفاع والإنتاج، والتي كانت حتى ذلك الحين حكراً على فريق بحثي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وفي يناير (كانون الثاني) 2025، ضاعفت طائرة S1000 هذا الارتفاع، وتجاوزت عتبة 100 كيلوواط.

وتبقى هناك تحديات، فالسلامة، على سبيل المثال، لا تزال تطرح سؤالاً ملحاً. على تلك الارتفاعات، يُمكن أن تتخذ الرياح منحى عنيفاً بسرعة. في هذا الصدد، أوضح وينغ هانكي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «ساويس»، لصحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، الصادرة في هونغ كونغ، أن تكنولوجيا النظام المزدوج للشركة -الرادار على الأرض وأجهزة الاستشعار في الوسادة الهوائية- تضمن الاستقرار. وفي ظل الظروف القاسية «يمكن للنظام أن يهبط بسرعة في غضون خمس دقائق»، حسبما قال.

هناك كذلك مشكلة الهيليوم. في الواقع، تعمل هذه الأشياء بطريقة مشابهة لبالونات الطقس، ودائماً ما يكون هناك تسريب، ما يُثير الشكوك حول متانتها. من جهته، صرّح دان تيانروي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ساويس» بأن تسرب الغاز في منطاد الشركة قد انخفض إلى درجة أنه يُمكنه البقاء في الهواء لأكثر من 25 عاماً.

وبحسب «ساويس»، بدأ الإنتاج بكميات كبيرة بالفعل في يويانغ التي تقع على بُعد قرابة 700 ميل جنوب شرقي بكين، بعقود تتجاوز قيمتها 70 مليون دولار. في الوقت نفسه، يتخطى طموح الشركة هذه الحدود.

المحطة التالية: طبقة الستراتوسفير

اليوم، تستعد «ساويس» لرحلة تجريبية لطرازها الجديد S1500. من جهته، زعم وينغ أن «نظام S1500 المُطوَّر حديثاً يتميز بقدرة توليد تبلغ نحو واحد ميغاواط، أي ما يعادل قدرة برج توربينات الرياح التقليدي بارتفاع 100 متر، ومن المقرر إطلاق رحلته التجريبية قريباً».

وأضاف: «تشكل الرياح على ارتفاعات عالية مصدر طاقة قوياً، وغير مستغل في الغالب... وبمجرد بناء هذه الأنظمة بأعداد كبيرة، يُمكن أن تكون الطاقة التي تُنتجها رخيصة، مثل توربينات الرياح العادية».

ويتميز التصميم بنفس هيكل الطائرة المُصمَّم على شكل حلقات مجرى هواء يُسرِّع تدفق الهواء. وفي الداخل، يعمل 12 مولداً صغيراً، وكلها مصنوعة من ألياف الكربون بالتوازي، وستُولِّد طاقة على نطاق واسع من وحدة يقل وزنها بنسبة 90 في المائة عن توربينات أبراج الفولاذ.

من ناحيتها، لدى شركة «تيانروي» تصور يدور حول أساطيل من مناطيد الرياح، مصممة من فئة ميغاواط واحد للإنتاج، تعمل في طبقة الستراتوسفير، على ارتفاع يزيد عن 32000 قدم، حيث يُقال إن طاقة الرياح أقوى 200 مرة من طاقة الرياح على الأرض. وعن ذلك، قال وينغ: «في ذلك الوقت، ستكون تكلفة الكهرباء عُشر ما هي عليه اليوم».

بوجه عام، تُبرز هذه الأحلام كلاً من الوعود والتحديات التي تنطوي عليها طاقة الرياح الجوالة جواً. لقد شهد العالم صعود شركات ناشئة في مجال طاقة الرياح الجوالة جواً، وكذلك سقوط البعض. ويعتمد نجاح شركة «ساويس»، حيث فشلت «غوغل» والشركات الناشئة التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمهندسون الأوروبيون، على عوامل الحجم، والاقتصاد، والقدرة على الاستمرار. وفي الوقت الحالي، تحمل الشركة الرقم القياسي لأعلى وأقوى توربين طائر على الإطلاق –وهو حلمٌ جرى رسم ملامحه لأول مرة قبل ما يقرب من 70 عاماً، وقد يكون جاهزاً أخيراً للتحليق.

• مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

بين البيانات والحوكمة وسير العمل... لماذا تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؟

خاص الانتقال من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج يتطلب إثبات القيمة بمؤشرات أداء واضحة لا الاكتفاء بإثبات المفهوم تقنياً (شاترستوك)

بين البيانات والحوكمة وسير العمل... لماذا تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؟

تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي المؤسسي بين البيانات والحوكمة وسير العمل بينما يتطلب الانتقال إلى الإنتاج إثبات قيمة وانضباطاً تنفيذياً.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا ميزان التغذية الذكي «نوتري لينز»

المطبخ الذكي: ميزان تغذية ومقلاة هوائية مطوران

لمتابعة العناصر الغذائية وتقديم وجبات لذيذة

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)

الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني جزءاً أساسياً من جاهزية الحج الرقمية لحماية التطبيقات، والأنظمة الذكية، والبنية التحتية واستمرارية الخدمات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مايكل دِل رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز» (الشرق الأوسط)

خاص «دِل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي في السعودية يدخل اختبار الإنتاج لا التجربة

تدخل السعودية اختبار تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة تشغيلية داخل المؤسسات عبر البيانات الجاهزة والبنية الآمنة والكلفة المنضبطة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا وحدة تخزين محمولة لعشاق كرة القدم بمناسبة اقتراب موعد بطولة كأس العالم 2026

وحدات تخزين محمولة من «سانديسك»... لعشاق كرة القدم والرحَّالة الرقميين

تجمع بين الهوية الرياضية والفاعلية المتناهية عند التنقُّل

خلدون غسان سعيد (جدة)

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة
TT

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

تكلفة خفية عالية للذكاء الاصطناعي... للمؤسسات التي تتبناه بسرعة مفرطة

السرعة هي المعيار في مجالس الإدارة اليوم... حيث تتقلص دورات تطوير المنتجات، وتُجهز خطط الاستراتيجية في ساعات، لا أسابيع. كما أصبح التنسيق بين مختلف الأقسام - الذي كان يمثل عائقاً أمام التنفيذ - أكثر سلاسة... ويبدو ذلك كله بفضل الذكاء الاصطناعي، كما كتب خوليو ماريو أوتينو (*).

انحسار صعوبة التنسيق... وإضعاف حدة التفكير

يبدو هذا تقدماً. لكن ثمة تحولاً أقل وضوحاً يجري الآن، وله تبعات مباشرة على الابتكار والميزة التنافسية. ففي حين يُزيل الذكاء الاصطناعي صعوبة التنسيق، فإنه يُضعف أيضاً حدة التفكير: أي ذلك التوتر المُثمر الذي تنبثق من خلاله الأفكار الأصلية.

تقليد للأمس... وليس إبداعاً للمستقبل

والمؤسسات التي تُبالغ في تحسين السرعة والتنسيق تُخاطر بأن تُصبح مُقلدة سريعة لمنطق الأمس بدلاً من أن تكون مُبدعة للمستقبل.

لماذا يهمها هذا الأمر الآن؟ على مدى عقود، استثمرت الشركات بكثافة في إزالة الصعوبات - تبسيط العمليات، وتحسين التواصل، وتسريع عملية اتخاذ القرار. كان المنطق سليماً لأن عدم الكفاءة مُكلف.

الذكاء الاصطناعي يسهّل الأعمال

ويُكمل الذكاء الاصطناعي هذا المسار - بدمج عمليات التفسير، والتركيب، واتخاذ القرار في خطوة واحدة. عندما يظهر خلافٌ ما - حول توجه المنتج، أو دخول السوق، أو تخصيص الموارد - يمكن للذكاء الاصطناعي فوراً:

* تلخيص وجهات النظر المتضاربة

* دمج البيانات

* توليد توصية «متوازنة»

انحسار الأصالة

وما كان يستغرق أياماً أصبح يُنجز في دقائق. والنتيجة ليست مجرد تنفيذ أسرع، بل هي نمط تفكير مختلف. ويظهر هذا الاختلاف (بين الذكاء الاصطناعي وفكر الإنسان) جلياً في أهم جوانبه: في أصالة ما تُنتجه المؤسسات.

شحذ الأفكار أكثر قيمة للقرارات الحكيمة

نادراً ما تنبع الأفكار القيّمة من عمليات سلسة، بل إنها تنبع من التوتر – للإحاطة بالتفسيرات المتضاربة، والخلافات العالقة، والأطر غير المتوافقة.

هذا النوع من الاحتكاك يبدو غير فعال، فهو يُبطئ الاجتماعات، ويُعقّد القرارات، ويُعيق الوصول إلى نتيجة. لكنه يؤدي وظيفة بالغة الأهمية: فهو يُجبرنا على كشف الافتراضات ويمنع القرار المتسرع.

* الفِرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية *

فرق صغيرة وكبيرة

تُظهر دراسات واسعة النطاق للأعمال العلمية والتقنية - تشمل عشرات الملايين من الأوراق البحثية، وبراءات الاختراع، ومشاريع البرمجيات - باستمرار أن الفرق الصغيرة الأقل انسجاماً هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار ثورية. بينما تميل المجموعات الأكبر حجماً والأكثر تنسيقاً إلى تحسين المسارات القائمة.

يكمن الفرق فيما إذا كان الخلاف يستمر لفترة كافية لتوليد شيء جديد. يُغيّر الذكاء الاصطناعي هذا التوازن.

التحوّل من الاستكشاف إلى التحسين

تتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي بقدرة فائقة على التركيب. فهي تجمع المدخلات، وتحدد الأنماط، وتُنتج مخرجات متماسكة تُوفّق بين الاختلافات. لكن التماسك لا يُساوي الأصالة.

عندما تعتمد الفرق على الذكاء الاصطناعي لحل الخلافات مبكراً جداً، فإنها تتحوّل - غالباً دون قصد - من الاستكشاف إلى التحسين. فبدلاً من تطوير الأفكار المتنافسة بشكل كامل، تتقارب على حلول هجينة معقولة وقابلة للدفاع عنها وتدريجية.

اختبار افتراضي لتطوير المنتجات

لنفترض أن فريقاً لتطوير منتج ما، يناقش جوانب الإصدار المقبل لهذا المنتج.

يُجادل فريقٌ ما بضرورة تعميق المنتج الأساسي - تحسين الموثوقية وتعزيز الميزات الحالية في حين يدفع فريقٌ آخر نحو التوسع في جوانب أخرى للمنافسة في سوق جديدة.

وفي السابق، ربما استمر هذا التوتر لأيام: بيانات متضاربة، روايات متنافسة، احتكاكات لم تُحل. أما الآن فيطلب الفريق الآن من الذكاء الاصطناعي تحليل ملاحظات المستخدمين، واتجاهات السوق، والمؤشرات الداخلية. وفي غضون دقائق، يُنتج خريطة طريق متوازنة تجمع بين عناصر كلا النهجين.

الخطة سليمة، لكنها آمنة. فالتوتر (شحذ الأفكار) الكامن لا يتطور بشكل كامل، والنتيجة تُحسّن الوضع الراهن بدلاً من تحديه.

عندما تصبح الاستراتيجية مثالية أكثر من اللازم

تظهر هذه الديناميكية نفسها على أعلى المستويات. في نقاش تنفيذي حديث حول تحول استراتيجي، استخدم فريق القيادة الذكاء الاصطناعي لتحليل ظروف السوق، وتحركات المنافسين، وبيانات الأداء الداخلي في الوقت الفعلي. وقد وفّر النظام خيارات مُرتبة حسب احتمالية النجاح.

وتحوّل النقاش فوراً إلى تحسينها، وتم التوصل سريعاً إلى قرار. بعد ذلك، لاحظ أحد المشاركين: «لم يكن على أي منا الدفاع عن موقفه بشكل كامل».

كانت الاستراتيجية متماسكة، لكنها لم تُختَبر في ظل صراع فكري حقيقي.

المناقشات مهمة لتطوير الأفكار القوية

في البيئات المعقدة، يُمثل هذا الاختبار الآلية التي تفشل من خلالها الأفكار الضعيفة وتتطور الأفكار القوية. أما إذا توصل الفريق إلى اتفاق فوري، فإما أن المشكلة بسيطة للغاية، أو أن التفكير غير مكتمل. وهذا، فإن الذكاء الاصطناعي يسهل الخلط بين السرعة والدقة. فعندما تصل الإجابات بسرعة وتُحل الخلافات بسهولة، يُوحي ذلك بأن العمل الشاق قد أُنجز.

* على القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل *

علينا العمل بشكل مختلف

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل التمييز بين العقبات التي تُبطئ التنفيذ وتلك التي تُتيح الاكتشاف. وعلى القادة أن يُحدّدوا بدقة المجالات التي يُسرّع فيها الذكاء الاصطناعي العمل، والمجالات التي لا ينبغي له ذلك.

* حماية الخلافات الجوهرية: عندما ينقسم الفريق حول سؤال أساسي، غالباً ما يكون هذا الانقسام مؤشراً على وجود فرصة. يجب عليك عدم إيكال حله إلى جهة خارجية مُبكراً.

* الفصل بين التباين والتقارب: شجّع على تطوير الأفكار بشكل مستقل قبل دمجها لان التكامل المُبكر يُعيق الإبداع.

* تصميم بيئة تُحفز على التفكير النقدي البنّاء: اجمع وجهات النظر التي لا تتوافق بشكل طبيعي، وأعطها الوقت الكافي للتطور.

* تقييم سلاسة الحوار: إذا بدت المناقشات سهلة بشكل غير معتاد، فاسأل عن الافتراضات التي لم تُناقش.

* استخدام الذكاء الاصطناعي كناقد، لا كأداة حاسمة: اطلب منه اختبار القرارات وكشف نقاط الضعف، لا أن يُقدم إجابة نهائية.

خطر الانزلاق في أمور خاطئة

سيجعل الذكاء الاصطناعي المؤسسات أكثر كفاءة. لكن الخطر يكمن في اتجاه واحد: أن تُصبح المؤسسات فعّالة في الأمور الخاطئة. فالسرعة والتوافق والانسجام عناصر قيّمة، لكنها قد تُعيق التوتر الذي يُحفّز الابتكار.

لطالما تعاملت الشركات مع الاحتكاكات كتكلفة يجب التخلص منها. في الواقع، تُعدّ بعض أشكال الاحتكاكات مورداً يجب إدارته. يُتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية إزالة هذا المورد بشكل شبه كامل. سيحظى القادة الذين يُدركون ما يجب الحفاظ عليه بالأفضلية.

* مجلة «فاست كومباني»


الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه
TT

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

الأركان الثلاثة للحبّ... محاولات علمية لحلّ لغزه

بينما كنتُ أتجه مباشرةً نحو قاعة مؤتمرات مضاءة بإضاءة خافتة تعجّ بأجواء اللقاء الأول، شاهدت زوجين مغرمين يتعانقان في ردهة فندق. كنت أحضر اجتماعات مؤتمر حول الحب، كما كتبت كاريسا وونغ في مجلة«نيوساينست».

مؤتمر «علوم الحب»

«الحب بين الواقع والنظرية: من أجل علم راسخ حول الحب» (Love, actually and in theory: Towards a robust science of love) كان عنوان المؤتمر الذي أقامته الجمعية الملكية في أدنبره باسكوتلندا، هذا الشهر. وبصفتي إنسانة رومانسية، آملت أن أجد إجابةً لأحد أكبر ألغاز الحياة: ما الحب؟

على مدار اليومين التاليين، استمعتُ إلى عشرات الباحثين - من علماء الأحياء التطورية وعلماء الأعصاب إلى علماء النفس - وهم يشاركون وجهات نظرهم حول ذلك الشيء الغريزي المراوغ المسمى الحب، مع تركيز كبير على الحب الرومانسي.

«حدث علمي «جلَل»

شكّل هذا الاجتماع المرة الأولى التي يجتمع فيها العديد من أبرز الباحثين في مجال الحب في مكان واحد. قال لي آدم بودي من جامعة ملبورن، أستراليا، في منتصف المؤتمر وعيناه تدمعان: «هذا حدثٌ جللٌ لعلم الحب. إنه يدفعني للبكاء».

يقول بودي إن أبحاث الحب عانت دوماً من نقص التمويل نظراً لاعتبارها علماً «غير دقيق». ويضيف: «كان هناك انطباع منذ البداية بأن علم الحب ليس علماً جاداً».

الجمعية الملكية تموّل الأبحاث

إن حقيقة أن أقدم مؤسسة علمية في العالم، وربما الأكثر احتراماً، تموّل باحثين من جميع أنحاء العالم ليأتوا ويتحدثوا عن الحب، تمنحه قدراً من المصداقية التي أعتقد أنها كانت مفقودة حتى الآن».

لا اتفاق على تعريف الحب

لدراسة الحب، نحتاج أولاً إلى تعريفه، وهو أمر معقد. وقالت مارتا كوال من جامعة فروتسواف في بولندا للمؤتمر: «نحن، كباحثين، لم نصل بعد إلى مرحلة الاتفاق على تعريف الحب».

يرى البعض الحب ببساطة على أنه عاطفة. ففي النهاية، نشعر به بشكل شخصي، تماماً كما يختلف الشعور بالفرح أو الحزن من شخص لآخر، كما أنه ليس منطقياً دائماً. من جهته يقول بودي: «لقد اهتممت بالحب لأنني وقعت في حب شخص لم أكن أرغب فيه، وأردتُ أن أفهم ذلك».

الحب الرومانسي أكثر من عاطفة

لكن معظم الباحثين الذين تحدثت إليهم اتفقوا على أن الحب الرومانسي أعمق بكثير من مجرد عاطفة. ويُطرح منظور بديل مفاده أنه حالة تحفيزية تُعرَّف بأنها تدفعنا إلى البقاء قريبين من شركائنا، وفي بعض الحالات، إلى التكاثر؛ ما يُطيل أمد بقاء جنسنا البشري.

جزء من نظام البقاء... مثل الجوع والعطش

وقد دعمت دراسات تصوير الدماغ هذا الرأي؛ إذ وجدت أن الحب يُنشِّط مسارات المكافأة في عمق جذع الدماغ، وهي المسارات التي تتحكم في الدوافع الأساسية. وقالت لوسي براون، من كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، في المؤتمر: «إنه جزء من نظام بقائنا، كالجوع والعطش».

*الألفة والشغف والالتزام الأركان الثلاثة للحب*

ثلاثة أركان

مع ذلك، يُفضِّل علماء آخرون النظر إلى الحب من منظور فكرة نفسية راسخة طرحها روبرت ستيرنبرغ في جامعة كورنيل بولاية نيويورك. وتفترض هذه الفكرة أن للحب ثلاثة أركان أساسية: الألفة، والشغف، والالتزام. وبينما تشير الألفة إلى الرغبة في التقارب العاطفي مع الآخر؛ فإن الشغف يتعلق بإيجاد شخص جذاب جسدياً؛ بينما يُجسِّد الالتزام الرغبة في الحفاظ على العلاقة.

مراحل الحب الرومانسي

يتفق الباحثون على أن الحب الرومانسي يمر بمراحل متميزة؛ فهناك مرحلة شهر العسل الأولية المليئة بالرغبة الجامحة، التي تدوم عادةً لمدة عام أو عامين، تليها مرحلة الحب القائم على الرفقة. يقول كوال: «إنها (الرفقة) أكثر واقعية من كونها شاعرية - فهي أقل حدة. لكنها ليست مرحلة فاصلة واضحة، بل هي أشبه بسلسلة متصلة، ويمكن للشخص أن ينتقل من جانب إلى آخر».

الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً قد يقضون نصف ساعات يقظتهم في التفكير بمن يحبون

ويقول بودي إن الشعور بالهوس الذي غالباً ما يصاحب الحب العاطفي يمكن إدراجه أيضاً في تعريفه. وأخبر المؤتمر أن الأشخاص الذين وقعوا في الحب حديثاً يقضون ما يقرب من نصف ساعات يقظتهم يفكرون فيمن يحبون، مما يجعلهم عرضة للتشتت بسهولة. لا أعتقد أنه ينبغي السماح لمن وقعوا في الحب حديثاً بقيادة السيارات، وأنا أعمل على منحة بحثية في هذا الشأن.

خطط مستقبلية لتعريف للحب

في نقاش أخير، استمعتُ إلى باحثين يضعون خططاً لتقديم تعريفات متعددة للحب في ورقة علمية خلال الأشهر المقبلة. أنا متأكد من أنها لن تحل لغز الحب، لكنني ما زلت أعتقد أنها محاولة جديرة بالاهتمام؛ فالحب هو ما أعيش من أجله، بل ومن أجل الكثيرين غيري.


كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟
TT

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

قد ينتج مجال المنافسة المقبل حول استكشاف القمر تقديم خدمات لوجستية خارج كوكب الأرض، مثل الشحن القمري، وأنظمة النقل على سطحه، واستخدام الروبوتات، وتطوير أنظمة الطاقة. كما يُمهّد برنامج «أرتميس» الأميركي الطريق لاقتصاد قمري تجاري، كما كتبت لوسيا أورباخ(*).

كشوفات جديدة

في الشهر الماضي، انطلق 4 رواد فضاء إلى أبعد نقطة وصل إليها أي إنسان من قبل، إذ صعد كل من ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوتش، وجيريمي هانسن على متن مركبة «أرتميس 2» التابعة لـ«ناسا»، مُسجّلين بذلك أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وقد شاهد الطاقم أجزاء من القمر لأول مرة، بما في ذلك تباينات الألوان، والتضاريس المتعرجة الفريدة، والفوهات الصغيرة الساطعة التي بدت كأنها «أغطية مصابيح بها ثقوب صغيرة جداً ينفذ منها الضوء»، كما قالت كوتش.

موقع مأهول على القمر

بعد نجاح هبوطها على الأرض، تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق مزيد من المهمات القمرية، بما في ذلك مهمة مُقررة في عام 2028، بهدف تهيئة البشرية لتحويل القمر بشكل دائم إلى موقع مأهول بالسكان.

قبل إطلاق مهمة «أرتميس 2»، صرّح جاريد إسحاقمان مدير «ناسا»، في بيان صحافي بأنهم «ملتزمون بتحقيق ما يُعتبر شبه مستحيل مرة أخرى، وهو العودة إلى القمر قبل نهاية ولاية الرئيس ترمب، وبناء قاعدة قمرية، وترسيخ وجود دائم، والقيام بكل ما يلزم لضمان الريادة الأميركية في الفضاء».

مركز علمي وأسطول من المركبات

وإذا تمكنت «ناسا» من الالتزام بتنفيذ خططها فقد سيصبح القمر موقعاً لما هو أقرب إلى ما لدينا على الأرض، مركزاً للصناعة والعلوم، تتخلله أسطول من المركبات القمرية، تعمل بالطاقة النووية، ونقطة انطلاق لمغامرات كونية أبعد في المستقبل.

بناء قاعدة على سطح القمر

ويخطط الأميركيون لبدء بناء قاعدة على القطب الجنوبي للقمر عام 2028.

يُشبه القطب الجنوبي للقمر صحراء بركانية، فهو موطن لتقلبات حرارية هائلة تصل إلى مئات الدرجات، بالإضافة إلى الغبار القمري والإشعاع الكوني. ولكنه يحتوي أيضاً على احتياطيات كبيرة من المياه المتجمدة، وهو المورد الذي يجعل القمر جذاباً للغاية للمستثمرين. ووفقاً لما صرح به جورج ساورز، مهندس ميكانيكي في كلية كولورادو للمناجم، لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك» فإن: «الماء هو نفط الفضاء».

ستكون هناك عدة مهمات أخرى ضمن برنامج «أرتميس» قبل إطلاق المهمة الأولى لإجراء تجارب عملية. ستختبر مهمة «أرتميس 5» العناصر التكنولوجية الأساسية للتأكد من سلامة عملية البناء حتى في مراحلها الأولى.

* إنشاء قاعدة مأهولة دائمة على القمر تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية*

روبوتات ورواد فضاء لبناء منشآت قمرية

ستشمل المرحلة الثانية زيارات منتظمة من الروبوتات ورواد الفضاء للمساعدة في وضع الأساسات الأولية. وتصف «ناسا» هذه المرحلة بأنها بناء «بنية تحتية شبه صالحة للسكن»، لكنها لم تُقدم تعريفاً أكثر تفصيلاً.

ستشمل المرحلة الثالثة عمليات نقل شحنات ثقيلة وإسهامات من وكالات الفضاء الشريكة لإنشاء قاعدة مأهولة دائمة تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية.

وسائل نقل قمرية

يقول تيم كرين، وهو أحد مؤسسي شركة «إنتويتيف ماشينز»، وهي شركة لاستكشاف الفضاء مقرها هيوستن، في معرض حديثه عن نجاح مهمة «أرتميس»: «لقد كانت فرصة ذهبية». وتركز شركته حالياً على تطوير تقنيات القمر، بما في ذلك وسائل النقل على سطح القمر ومركبات الهبوط الخاصة بالشحنات.

ويؤكد كرين أن شكل القمر بعد تطويره لن يكون شبيهاً بالبنية التحتية للمدن التي نعرفها، وبدلاً من ذلك، ستكون هناك مراكز نائية تعمل محطات علمية متخصصة في دراسة الرواسب الغنية بالمياه في الفوهات أو محطات توليد الطاقة.

مركبات استكشاف التضاريس

وقد اختارت وكالة «ناسا» شركة «إنتويتيف ماشينز» لبناء مركبات استكشاف التضاريس القمرية (LTVs)، بالإضافة إلى مشروع «لونار آوتبوست» ومختبر «فينتوري أسترولاب». تُعتبر المركبات القمرية الخفيفة (LTVs) بمثابة «عربة القمر» الحديثة التي رافقت مهمات أبولو في سبعينات القرن الماضي. وستكون هذه المركبات الحديثة ذاتية التشغيل إلى حد كبير؛ حيث ستتجول وتعمل بشكل مستقل بينما يقوم رواد الفضاء بالمهام الحيوية.

بداية اقتصاد قمري

وتقول لوري غليز، مديرة برنامج «من القمر إلى المريخ» التابع لـ«ناسا»، إنه بمجرد إنشاء الأنظمة على سطح القمر، ستتاح الفرصة لبدء «اقتصاد قمري تجاري». ومن المتوقع أن يكون استخراج الموارد القمرية هو الصادرات الرئيسية.

وسيُتيح وجود الماء تقليل اعتماد العمليات القمرية على إمدادات الأرض. الهيليوم-3 نظير نادر وغير مشع للهيليوم، ويوجد بوفرة على سطح القمر، في حين يندر وجوده على الأرض.

نظير الهيليوم لتبريد مراكز البيانات

يتمتع الهيليوم-3 بخصائص تبريد معينة قد توفر بدائل لتبريد مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة وأجهزة الكمبيوتر الكمومية العملاقة، فضلاً عن كونه مصدراً جديداً للوقود في الاندماج النووي.

* نمو الاقتصاد الفضائي سيضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً*

ازدهار الفضاء

ويقول فيليب ميتزجر، خبير هندسة رحلات الفضاء في معهد فلوريدا للفضاء: «قد ينمو الاقتصاد الفضائي ليُضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً».

ويعتمد نجاح هذا الاقتصاد الجديد على قدرة رواد الفضاء ومركبات النقل القمرية على إيجاد كميات كافية من المياه. ومن دون ذلك، ستكون أي تطورات بلا جدوى. لكن في حال العثور على الماء، سيحتاجون أيضاً إلى وضع آلية لحماية القاعدة من اصطدامات النيازك. ومع تجاوز هذين العائقين الرئيسيين، قد يصبح تشغيل الأنظمة ممكناً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».