العلماء يكتشفون أفضل أوقات اليوم في قوة الذكاء والتركيز

نحو منتصف النهار التوازن الأمثل بين التوافق الزمني والاستنزاف الذهني

العلماء يكتشفون أفضل أوقات اليوم في قوة الذكاء والتركيز
TT

العلماء يكتشفون أفضل أوقات اليوم في قوة الذكاء والتركيز

العلماء يكتشفون أفضل أوقات اليوم في قوة الذكاء والتركيز

وفقاً لدراسة نُشرت أخيراً في مجلة «Frontiers in Psychology»، المتخصصة بأبحاث النفس، قام الباحثون بتحليل نتائج أكثر من 100000 اختبار شفهي أُجري في جامعة إيطالية ووجدوا منحنى واضحاً في معدلات النجاح التي بلغت ذروتها عند الظهر، بغض النظر عن النمط الزمني للممتحن، كما كتب جيف هادن(*).

قُبيل الظهر وبُعيده

وكانت النقطة المثالية هي بين الساعة 11 صباحاً و1 ظهراً؛ أي أن وقت أبكر أو متأخر عن ذلك يقود إلى انخفاض فرص النجاح بشكل كبير. في الواقع، وكلما أجرى الطلاب الاختبار في وقت أبكر أو متأخر من اليوم، قل احتمال نجاحهم.

تحسن الإدراك صباحاً

لماذا؟ يرجع ذلك جزئياً إلى أن أداءك الإدراكي يتحسن على مدار الصباح، ثم ينخفض ​​في فترة ما بعد الظهر. كما أن انخفاض مستويات الطاقة هو أيضاً المسؤول. وإذا كان لديك «اختبار» مجدول في وقت متأخر بعد الظهر، فمن المحتمل أنك تشعر بالتوتر بشأنه خلال اليوم... والتوتر يؤدي حتماً إلى ضعف الأداء.

ثم هناك الشخص الذي يقيّمك. كما كتب الباحثون: «فقد يُعزى الانخفاض التدريجي في معدلات النجاح الملحوظة بعد الظهر إلى استنزاف الذات، حيث تُنهك الموارد المعرفية للطلاب والأساتذة المقيّمين بسبب ضغوط الامتحان، وهو أمر معروف بأنه يُضعف ضبط النفس، ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض معدلات النجاح».

التوازن الزمني والذهني لدى المدرسين والقضاة

وتتوافق هذه النتائج مع النتائج التي تُشير إلى أن القضاة الذين يعانون من استنزاف الذات كانوا أكثر عرضة لاتخاذ قرارات أقل ملاءمة للمُدّعى عليهم.

وقد تعكس ذروة معدلات النجاح نحو منتصف النهار التوازن الأمثل بين التوافق الزمني والاستنزاف الذهني، وفقاً للتفسيرات المُقدمة أعلاه.

تُضيف الجملة الأخيرة -خصوصاً جزء «التوافق الزمني»- لمسةً مثيرة للاهتمام، لأن الأداء المعرفي ومستوى التعب لدى الشخص الذي «يُصحح» اختبارك مهمان أيضاً.

وكانت دراسة نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم وجدت أن السجناء الذين مثلوا أمام لجنة الإفراج المشروط صباح كل يوم حصلوا على الإفراج المشروط في نحو 70 في المائة من الحالات... ولكن مع مرور اليوم، ورغم ارتفاعه المفاجئ في أول حالة أو حالتين بعد الغداء، انخفض معدل القرارات الإيجابية إلى ما يقارب الصفر.

تهيأ لتحديد موعد الاختبار

وهذا سبب آخر يجعل ساعات منتصف النهار هي الأفضل لإجراء «الاختبارات». ستكون في قمة أدائك، وكذلك الشخص الذي يُقيّمك.

وهذا يعني أن تحديد موعد إجراء الاختبار، كلما أمكن، سواءً كان اختباراً فعلياً، أو اجتماعاً مهماً، أو مقابلة مع مرشح لوظيفة، أو عرضاً تقديمياً للمبيعات أو الاستثمار، وما إلى ذلك، قد يكون هو الفرق بين النجاح والرسوب.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».



كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل
TT

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

كَشْف غش الطلاب في عصر الذكاء الاصطناعي... أصبح شبه مستحيل

تنتشر مقاطع الفيديو التي تُقدِّم للطلاب عروضاً مغرية عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي: دعوا الذكاء الاصطناعي يقوم بواجباتكم المنزلية... مع أحدث التقنيات... لن يتم كشفكم... إذا كنتم تكرهون الكتابة فيمكنكم تجنبها. وحتى شركات تكنولوجيا التعليم العريقة تُسوِّق لنفسها بطريقة غير مباشرة.

أدوات «مُحسِّنات اللغة» و«الكتابة التلقائية»

أصبحت هذه الأنواع من الدروس التعليمية منتشرة بكثرة على منصتَي «تيك توك» و«يوتيوب». تُظهر هذه الدروس للطلاب كيفية استخدام أدوات تُعرَف باسم «مُحسِنات اللغة البشرية» و«الكتابة التلقائية»، مما يجعل الغش أسهل من أي وقت مضى. تستهدف مقاطع الفيديو - التي تُصنّف أحيانا كإعلانات، وأحيانا أخرى لا - طلاب الجامعات والمدارس الثانوية.

وتعيد «مُحسِّنات اللغة البشرية» صياغة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لجعلها تبدو أقل آلية ونمطية وابتذالاً. أما «الكتابة التلقائية» فتُضيف الكلمات والجمل تدريجياً إلى المستندات، ما يجعلها تبدو وكأنها كُتبت بسرعة بشرية، بينما هي في الواقع من إنتاج الذكاء الاصطناعي؛ بل إن الأدوات تختلق الأخطاء المطبعية والحذف والتعديلات.

التحايل على برامج الكشف

وتساعد كلتا الأداتين الطلاب على التحايل على البرامج المصممة لكشف الذكاء الاصطناعي.

وتسعى الجامعات والمدارس جاهدة لمواكبة هذا التطور؛ إذ بات كَشْف الذكاء الاصطناعي مكلفاً للغاية. ولكن التربويين الذين يحاولون تقييد تقنية الذكاء الاصطناعي، خوفاً من عدم اكتساب الطلاب المهارات الأساسية، غالباً ما يتخلفون عن الرَّكْب، فيما يسميه رواد صناعة التكنولوجيا «سباق تسلح في مجال الكشف».

الشركات تسوِّق البرامج

في بعض الحالات، تقوم الشركات نفسها التي تبيع أدوات الكشف بتطوير تطبيقات تُمكِّن الطلاب من الغش، بما في ذلك كتابة البحوث نيابة عنهم أو إعادة صياغة نصوص كتبها آخرون. وتَعِد هذه التطبيقات بمساعدتهم على تجنب اتهامات سوء السلوك من خلال فحص أعمالهم قبل تقديمها، ما يسمح لهم بإعادة كتابة المقاطع التي يُحددها الذكاء الاصطناعي. حتى الطلاب الملتزمون غالباً ما يكونون على استعداد لدفع ما بين 10 و20 دولاراً شهرياً مقابل الأدوات المتميزة؛ لأن كاشفات الذكاء الاصطناعي قد تُشير أحياناً إلى أعمال مشروعة.

ووصفت جيني ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «Superhuman»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «Grammarly» سباق الكشف والتحايل بأنه «طريق مسدود في نهاية المطاف». لذلك حثت المعلمين على التسليم بأن معظم الكتابة المستقبلية ستُنتَج بشراكة بين الذكاء الاصطناعي والتمييز البشري.

أخطاء مطبعية تبدو واقعية

حتى قبل ظهور روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كان الإنترنت قد سهَّل عمليات الغش، ويرجع ذلك جزئياً إلى الآلية البسيطة المتمثلة في النسخ واللصق (السرقة الأدبية).

أما الآن، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ تشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نحو ثلثي الطلاب الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام في إنجاز مهامهم الدراسية. ورغم أن نسبة ضئيلة فقط -نحو 9 في المائة- اعترفت بممارسة الغش الصريح في إحدى الدراسات الموسعة، فإن جانباً كبيراً من استخدام الذكاء الاصطناعي يقع في منطقة رمادية أخلاقية.

وقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة «كوليدج بورد» (College Board) وشمل أساتذة جامعيين، أن ثلاثة أرباعهم أفادوا بأن طلابهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الكتابة، كما أعرب أكثر من 90 في المائة من المشاركين عن قلقهم بشأن السرقة الأدبية وعدم النزاهة الأكاديمية. وقد شهدت مؤسسات تعليمية كثيرة ارتفاعاً حاداً في حالات التأديب المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي، التي يرتبط كثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

«تشات جي بي تي» و«جيميناي»

وتُعد أداتا: «تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«جيمنياي» من شركة «غوغل» الأكثر شيوعاً بين الطلاب.

لكن إضافةً إلى هذه الشركات العملاقة، يزخر السوق بمنافسة شرسة، تشمل مزودي تكنولوجيا التعليم التقليديين والشركات الناشئة الصغيرة؛ حيث تستخدم جميعها وسائل التواصل الاجتماعي لإقناع الشباب بأن حياتهم الدراسية قد تصبح أسهل -بل أسهل بكثير- إذا تبنوا تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شركات ناشئة تعلم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح

وتقوم بعض الشركات الناشئة بتعليم الطلاب كيفية الغش بشكل صريح. وفي المقابل، غالباً ما تحث الشركات الراسخة الطلاب على استخدام أدواتها بمسؤولية، بوصفها وسائل مساعدة في الدراسة والبحث والشحذ الذهني، وإعداد الخطوط العريضة والمراجعة. ومع ذلك، فإن كثيراً منها يُنتج في الوقت نفسه تقنيات يمكن استخدامها بسهولة لارتكاب السرقة الأدبية والغش؛ إذ تطرح إعلانات ذات طابع ساخر تلمح إلى قدرتها على مساعدة الطلاب في الإفلات من المساءلة أو تمرير أعمالهم دون كشف حقيقتها.

أما الشركات الأصغر حجماً، فتكون أحياناً أكثر مباشرة؛ ففي مقطع فيديو على منصة «تيك توك»، يستعرض كارتر سميث -وهو مؤثر شاب في مجال التكنولوجيا يُعرف باسم «CarterPCs»- بحماس أمام المشاهدين، كيف يمكن لتطبيق يُدعى «Grubby AI» (المتخصص في الكتابة الآلية ومحاكاة الأسلوب البشري) أن يجعل المقال -الذي أُنتج في الواقع بواسطة «تشات جي بي تي» يبدو وكأن شخصاً ما قد كتبه بأسلوب طبيعي وعفوي.

يتمتع سميث بقاعدة جماهيرية ضخمة تضم 6.5 مليون مستخدم على «تيك توك». ورغم أن الفيديو لم يُصنَّف كإعلان، فإن سميث كان قد عرَّف نفسه سابقاً بصفته شريكاً مدفوع الأجر لشركة «Grubby AI».

ولم يستجب كل من التطبيق، وسميث، ووكالة المواهب التي تمثله «Rakugo Media»، لطلبات إجراء مقابلات صحافية.

تطبيقات الكتابة التلقائية

وتُعد تطبيقات الكتابة الآلية (أو المحاكية للكتابة البشرية) استجابةً لواقع قيام كثير من المعلمين والأساتذة الجامعيين حالياً بفحص «سجل إصدارات» المستند، بحثاً عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. إذا ظهرت فجأة ألف كلمة في مستند «وورد» (Word) أو «غوغل» عند الساعة 11:59 ليلاً، فقد يعني ذلك أن الطالب قد نسخ نصاً أعدَّه «روبوت محادثة» (chatbot) وألصقه في المستند. وتعمل أداة «GrubbyAI» وكثير من منافساتها على إيجاد طرق للالتفاف على تلك الأنظمة.

يذكر موقع «Dripwriter» الإلكتروني أن التطبيق يوفر «تصحيحات واقعية للأخطاء الإملائية» بالإضافة إلى «الكتابة التلقائية في الخلفية، بحيث يستمر عملك في كتابة مقالتك حتى عند ابتعادك عنها».

أما تطبيق «Duey.ai»، الذي يصف نفسه بأنه «أفضل تطبيق للكتابة التلقائية لـ(Google Docs)»، فيخبر مستخدميه أنهم عندما يكونون متعبين أو مشغولين جداً بحيث لا يستطيعون التركيز، أو حتى عندما يكونون مع أصدقائهم: «ستبدو الوثيقة كما لو أنهم كتبوها بأنفسهم».

إنها سوق مزدحمة، تظهر فيها شركات ناشئة باستمرار. وقد أخبر مقطع فيديو على «تيك توك» الطلاب عن تطبيق آخر (Typeflo)، بإمكانهم الاسترخاء، ومشاهدة عروض «يوتيوب» وتناول شطيرة، بينما يكتب هذا التطبيق مقالاتهم نيابة عنهم.

أدوات «تفعل كل شيء»

يزداد قلق بعض الأساتذة بشأن تطبيق «غرامرلي» (Grammarly)، وهو تطبيق موجود منذ 17 عاماً كأداة تدقيق إملائي قوية. ويُقدم التطبيق الآن أداة «تحديد المؤلف» التي تُساعد الأساتذة على كشف أي تجاوزات ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحليل سجل إصدارات المستند.

في الوقت نفسه، يُتيح التطبيق للطلاب إنشاء نصوص من الصفر، وإضفاء طابع بشري عليها، ومسح واستبدال العبارات التي قد تُفعِّل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي.

كما يُوفر «غرامرلي» أداة لإعادة الصياغة تُعيد كتابة أي نص منشور ينسخه الطالب ويلصقه في علامة تبويب المتصفح، وهو ما يُمكن اعتباره نوعاً من أنواع الانتحال.

وينصح «غرامرلي» الطلاب باستخدام ميزات إنشاء النصوص «بمسؤولية»، من خلال توثيق كل استخدام للذكاء الاصطناعي في البحث. ولكن الشركة تنشر أيضاً إعلانات توحي بأن الطلاب يمكنهم استخدام التطبيق لنَسَب كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي إلى أنفسهم: «اكتشف نص الذكاء الاصطناعي؛ فنحن في عام 2026 بعد كل شيء»، كما جاء في أحد منشورات «تيك توك»: «حدد صياغة الذكاء الاصطناعي، واختر التعديلات التي تبدو لك صادقة».

ومثل غيرها من المديرين التنفيذيين في مجال الذكاء الاصطناعي، قالت ماكسويل، رئيسة قسم التعليم في شركة «سوبر هيومان»، الشركة المصنِّعة لبرنامج «غرامرلي»، إن الغش كان موجوداً دائماً، ولكنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة -قدَّرت أنها 10 في المائة- من استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.

الأدوات الذكية تعيق تفكير الطلاب

ومع ذلك، يقول التربويون المحبَطون، إن الذكاء الاصطناعي يعيق تفكير الطلاب. وقد أظهر كثير من الدراسات أن الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي قد يعانون من «التفريغ المعرفي»، وهي عملية يفشلون في اكتساب مهارات جديدة عَبرها، أو تتدهور مهاراتهم الحالية.

وأشار جورج كوساك، مدير مبادرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية في كلية كارلتون، إلى أن برنامج «غرامرلي» يُسوَّق للطلاب على أنه أداة مساعدة بسيطة، بينما هو في الواقع «مجموعة أدوات تقوم بكل شيء نيابة عنك». وأضاف: «أجد أن التطبيقات التي تُسوَّق صراحة على أنها أدوات غش أقل إشكالية من تلك التي تُسوَّق على أنها «مساعدة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


الغموض يلفّ اللغز الأكبر في تفشي «إيبولا»

شكل تصويري لـ«إيبولا»
شكل تصويري لـ«إيبولا»
TT

الغموض يلفّ اللغز الأكبر في تفشي «إيبولا»

شكل تصويري لـ«إيبولا»
شكل تصويري لـ«إيبولا»

تفاقم تفشي فيروس «إيبولا» في الكونغو منذ شهر أبريل (نيسان)، ليصل إلى أكثر من 1200 حالة مؤكدة و360 حالة وفاة، وليصبح بذلك ثالث أكبر وباء من نوعه منذ اكتشاف المرض قبل 50 عاماً.

غموض حول أصول المرض

ورغم حجمه المقلق، يكتنف هذا التفشي الغموض، لا سيما فيما يتعلق بأصوله.

يُعزى هذا التفشي إلى مسبب مرضي غير معروف كثيراً يُدعى «فيروس بوندي بوغيو» (Bundibugyo virus)، وهو واحد من ثلاثة أنواع فيروسية معروفة بأنها تسبب مرض «إيبولا». ويميل العلماء إلى الاعتقاد بأن الفيروس يستوطن عادةً في أجسام الحيوانات، ثم ينتقل عبر حاجز الأنواع بين الحين والآخر ليسبب تفشياً للمرض بين البشر.

لكن بعد سنوات من البحث، لم يتمكن الباحثون بعد من تحديد مكان اختباء الفيروس قبل أن يفتك بالبشر. وتقول ميكالا سوندارام، عالمة البيئة في جامعة جورجيا: «ليس لدينا أي معلومات على الإطلاق حول فيروس (بوندي بوغيو)».

جهل يعرّض البشرية للخطر

وهذا الجهل يترك البشرية عرضة للخطر؛ إذ من المحتمل جداً أن يتسبب فيروس «بوندي بوغيو» في المزيد من حالات التفشي مستقبلاً. وتعتمد الوقاية منه جزئياً على معرفة مكان اختباء هذا المسبب المرضي. وينطبق الأمر ذاته على الفيروسات الأخرى المسببة لمرض «إيبولا»، وكذلك على فيروسات أخرى ذات صلة لم تنتقل بعد إلى البشر.

ظهر مرض «إيبولا» لأول مرة عام 1976 من خلال تفشٍّ وبائي مميت في موقعين: الأول في المنطقة التي كانت تُعرف آنذاك باسم زائير (وتُعرف حالياً بجمهورية الكونغو الديمقراطية)، والآخر في المنطقة التي تُعرف الآن بجنوب السودان. وكانت الأعراض متشابهة إلى حد كبير في كلا الموقعين، وشملت الحمى والقيء والنزيف. وانتهت بوفاة معظم المصابين.

اكتشف العلماء فيروسات متشابهة ذات شكل يشبه الثعبان في دماء الضحايا في كلا التفشيين. وكانت هذه الفيروسات تنتمي إلى العائلة نفسها، وهي عائلة الفيروسات الخيطية. (filoviruses) وعند الفحص الدقيق، تبيّن أن الفيروسين ينتميان إلى نوعين منفصلين؛ وهما يُعرفان اليوم باسم «فيروس إيبولا Ebola virus» و«فيروس السودان Sudan virus».

فيروسات «إيبولا»

ومما يثير الارتباك أن العلماء يطلقون اسم «فيروس إيبولا» على النوع الذي ظهر لأول مرة في زائير، رغم أن الفيروسات القريبة منه - مثل فيروس السودان وفيروس بوندي بوغيو - تسبب أيضاً مرض «إيبولا».

واستنتج المحققون أنه إذا لم تكن حالات التفشي التي حدثت عام 1976 مرتبطة ببعضها بعضاً، فمن المرجح أن الفيروسات قد انتقلت من حيوان مجهول إلى أول ضحاياها من البشر. وبدأت فرق دولية عملية بحث عما يُعرف بـ«المستودعات» - أي أنواع الحيوانات التي تأوي الفيروسات عادةً.

العلماء لم يعثروا على الفيروس في أنواع عدّة من الحيوانات

وقد فحصت هذه الفرق خفافيش تتغذى على الحشرات كانت تتخذ من مصنع لأقمشة القطن مأوى لها، وهو المصنع الذي كان يعمل فيه أول ضحية مسجلة للإصابة بفيروس السودان. كما شمل البحث الجرذان وبق الفراش والبعوض ومجموعة أخرى من الأنواع الحيوانية. لكن في النهاية، لم يعثر العلماء على أي أثر للفيروسين لدى أي حيوان في محيط أي من بؤرتي التفشي.

وفي العقود التي تلت ذلك، عثر الباحثون على مؤشرات، لكنهم لم يجدوا ما يشير بشكل قاطع إلى وجود مستودع حيواني محدد.

احتمالات نقل الخفافيش للفيروس

وعلى سبيل المثال، قام علماء في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة عام 1996 بحقن فيروس «إيبولا» في 19 نوعاً من الكائنات، شملت العناكب والسلاحف. ورغم أن الفيروس لم ينجح في إصابة معظم تلك الحيوانات بالمرض، فإنه تكاثر بمستويات عالية لدى ثلاثة أنواع من الخفافيش دون أن يتسبب في إصابتها بأي أعراض مرضية.

كما رصد العلماء آثاراً لفيروس «إيبولا» لدى خفافيش في بيئتها الطبيعية؛ إذ تحمل نسبة ضئيلة من خفافيش الفاكهة في أنحاء أفريقيا أجساماً مضادة للفيروس، بل إن الباحثين اكتشفوا في حالات قليلة أجزاءً جينية من الفيروس في دمائها.

غير أن صادق واسوا بابيسيزا، عالم البيئة في جامعة ماكيريري بأوغندا، يرى أن «هذا لا يعادل إثبات وجود مستودع للفيروس».

اختباء الفيروس داخل العينين والسائل المنوي لسنوات

وتشير سوندارام إلى أن الطرق المعتادة لتحديد المستودع الحيواني قد لا تجدي نفعاً في حالة فيروس «إيبولا»؛ فقد اكتشف العلماء أن الفيروس قادر على البقاء كامناً داخل أجسام البشر لسنوات، مختبئاً في أماكن مثل العينين والسائل المنوي.

وقد يتسبب المصابون بعدوى مستمرة أحياناً في إشعال بؤر تفشٍ جديدة بعد مرور سنوات. ورغم عدم معرفة ما إذا كانت خفافيش الفاكهة تصاب أيضاً بعدوى مستمرة، فإنه في حال حدوث ذلك، فإن البحث عن الفيروس في دمائها سيكون بلا جدوى.

وتقول سوندارام: «ستعجز الاختبارات التقليدية عن رصد الفيروس المختبئ في تلك الجيوب الصغيرة». ورجّحت أن الخفافيش المصابة بشكل مزمن قد تنقل الفيروس إلى غيرها عندما تتجمع في أسراب ضخمة للتغذية. وقد تُفرز الخفافيش المصابة الفيروس في لعابها وبرازها، وقد تصبح أشجار الفاكهة بؤراً ساخنة ينتشر فيها الفيروس إلى أنواع أخرى، بما في ذلك البشر.

لا أدلة على وجود «مستودع فيروسات»

أُجريت معظم هذه الأبحاث على فيروس «إيبولا»، وهو النوع الذي ظهر لأول مرة في زائير والذي تسبب في أكبر عدد من الوفيات على مدى الخمسين عاماً الماضية. ويكاد ينعدم وجود أدلة قاطعة على وجود خزانات لفيروسات أخرى تُسبب مرض «إيبولا».

وقد فحص العلماء عشرات الآلاف من الحيوانات من مئات الأنواع دون العثور على أي علامات واضحة لفيروس السودان أو فيروس «بونديبوجيو». ويحذرون من افتراض أن خفافيش الفاكهة هي عوائل للفيروس.

أما فيروس «بومبالي»، وهو نوع ذو صلة تم اكتشافه عام 2018، فلم يُعثر عليه في خفافيش الفاكهة، بل في الخفافيش آكلة الحشرات. (ولا يوجد دليل حتى الآن على انتقال هذا الفيروس إلى البشر).

وحتى لو كانت خفافيش الفاكهة أو الخفافيش آكلة الحشرات خزانات لهذه الفيروسات، فإن العلماء يدرسون أيضاً احتمال كونها جزءاً من شبكة بيئية أوسع من الحيوانات التي تنقل مسببات الأمراض فيما بينها، وهي شبكة لا تزال مجهولة إلى حد كبير.

غموض علمي ونهج جديد للرصد

«للأسف، لا تزال كل هذه الأمور غامضة»، كما قال فابيان لينديرتز، مدير معهد هيلمهولتز للصحة الواحدة في غرايفسفالد، ألمانيا. وأضاف أن جزءاً من المشكلة يكمن في أن العلماء عادةً ما يبحثون عن خزانات الفيروسات بشكل متقطع، ويسارعون بعد كل تفشٍّ إلى فحص الحيوانات.

ويشرع هو وزملاؤه في استراتيجية مختلفة، حيث يُنشئون محطات مراقبة طويلة الأمد في أفريقيا؛ ليتمكنوا من جمع عينات من البشر والحيوانات بشكل منتظم. لماذا هذه المراقبة المستمرة؟ قال ليندرتز: «أعتقد أن هذه التداعيات (الناتجة من الفيروس) تحدث في كثير من الأحيان أكثر مما نعتقد».

* خدمة «نيويورك تايمز»


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي «نبضة الموت الخفية»

هل يرى الذكاء الاصطناعي ما لا يراه طبيب القلب؟
هل يرى الذكاء الاصطناعي ما لا يراه طبيب القلب؟
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي «نبضة الموت الخفية»

هل يرى الذكاء الاصطناعي ما لا يراه طبيب القلب؟
هل يرى الذكاء الاصطناعي ما لا يراه طبيب القلب؟

ماذا لو كان تخطيط القلب الذي أجريته قبل سنوات يخفي إشارة تنذر باحتمال تعرضك للموت القلبي المفاجئ، لكن الطب لم يكن يمتلك آنذاك الوسيلة لاكتشافها؟

قد يبدو هذا السؤال أقرب إلى الخيال العلمي، إلا أن دراسة عالمية نُشرت في 24 يونيو (حزيران) 2026 في مجلة «نيتشر» (Nature) تطرح إجابة قد تغيّر مستقبل طب القلب. فقد نجح فريق دولي من الباحثين في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مؤشر كهربائي جديد داخل تخطيط القلب التقليدي، يرتبط بزيادة خطر الموت القلبي المفاجئ، ولم يسبق وصفه في الأدبيات الطبية.

وقاد الدراسة الدكتور زياد أوبيرماير من كلية الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، بالتعاون مع الدكتور ألكسندر شوبرت، والدكتور جيمس روس من جامعة شيكاغو، والبروفسور سيندهيل موليناثان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والبروفسور ماركوس لينغمان من جامعة هالمستاد وجامعة غوتنبرغ في السويد، في تعاون علمي يجمع بين طب القلب، الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والاقتصاد.

عندما يفشل المعيار الذهبي

رغم التقدم الكبير في تشخيص أمراض القلب وعلاجها، لا يزال الموت القلبي المفاجئ يحصد مئات الآلاف من الأرواح كل عام، وكثيراً ما يصيب أشخاصاً لم يُصنّفوا ضمن الفئات الأكثر عرضة للخطر.

ويعتمد أطباء القلب منذ عقود على الكسر القذفي للبطين الأيسر، أي نسبة الدم التي يضخها البطين الأيسر مع كل نبضة، لتحديد المرضى الذين قد يستفيدون من زرع جهاز مزيل الرجفان القلبي، وهو جهاز صغير يُزرع تحت الجلد لإعادة نبض القلب إلى إيقاعه الطبيعي عند حدوث اضطراب كهربائي خطير. غير أن هذا المعيار، رغم اعتماده الواسع، لا يكتشف عدداً كبيراً من المرضى الذين سيتعرضون فعلاً للموت القلبي المفاجئ. وفي المقابل، قد يؤدي إلى زرع أجهزة لمرضى لن يحتاجوا إليها طوال حياتهم.

ومن هنا بدأ البحث عن وسيلة أكثر دقة، لكن المفاجأة أن الإجابة لم تأتِ من فحص جديد أو جهاز أكثر تعقيداً، بل من تخطيط القلب التقليدي الذي يستخدمه الأطباء منذ أكثر من قرن.

أكثر من 440 ألف تخطيط قلب

اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات ضخمة ضمت أكثر من 441 ألف تخطيط قلب جُمعت بين عامي 2010 و2016 في إقليم هالاند السويدي، وربطوها بشهادات الوفاة والسجلات الصحية الإلكترونية. ثم استخدموا التعلم العميق، وهو إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على اكتشاف الأنماط المعقدة داخل كميات هائلة من البيانات، لتدريب نموذج يتعرف إلى الإشارات المرتبطة بالموت القلبي المفاجئ. وبعد ذلك اختُبر النموذج على قواعد بيانات مستقلة في الولايات المتحدة وتايوان؛ للتأكد من دقته وقدرته على العمل في مجتمعات سكانية مختلفة.

وكانت النتائج لافتة؛ إذ تمكّن النموذج من تحديد مجموعة صغيرة لا تمثل سوى 2.2 في المائة من المرضى، لكنها سجلت خطراً سنوياً للإصابة بالموت القلبي المفاجئ بلغ 7 في المائة، وهو معدل أعلى من ذلك الذي يحدده المعيار التقليدي المعتمد على الكسر القذفي للبطين الأيسر. والأكثر أهمية أن 86.1 في المائة من المرضى الذين صنفهم الذكاء الاصطناعي ضمن الفئة عالية الخطورة لم يكونوا مصنفين كذلك وفق المعايير السريرية الحالية.

ولم يقتصر الإنجاز على تحسين دقة التنبؤ، بل كشف أيضاً عن مؤشر كهربائي جديد داخل تخطيط القلب؛ وهو ما منح هذه الدراسة أهميتها العلمية الاستثنائية.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي أسرار القلب

ليس مجرد تنبؤ... بل اكتشاف علمي

ربما تمثل هذه أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام. فالذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بالتنبؤ بخطر الموت القلبي المفاجئ، بل ساعد الباحثين على اكتشاف علامة كهربائية جديدة داخل تخطيط القلب لم تكن معروفة من قبل.

ولتحقيق ذلك؛ استخدم الفريق نموذجاً توليدياً، وهو نوع من الذكاء الاصطناعي يستطيع إعادة بناء صور أو إشارات جديدة انطلاقاً من البيانات الأصلية. وقد مكّن ذلك الباحثين من مقارنة تخطيطات القلب منخفضة الخطورة ومرتفعة الخطورة، وكشف عن اختلافات دقيقة في نهاية مركب QRS (مركب إزالة الاستقطاب البطيني)، وهو الجزء من تخطيط القلب الذي يمثل انتقال الإشارة الكهربائية داخل البطينين، ولا سيما في الاشتقاق aVL، وهو أحد المسارات الاثني عشر التي تسجل النشاط الكهربائي للقلب من زوايا مختلفة. وتشير هذه التغيرات إلى احتمال وجود مؤشر كهربائي جديد يرتبط بخطر الموت القلبي المفاجئ.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للدراسة؛ فالذكاء الاصطناعي لم يقتصر دوره على تحليل البيانات بسرعة أكبر، بل أصبح أداةً تساعد العلماء على اكتشاف معرفة طبية جديدة قد تغير فهمنا لأمراض القلب.

تغيرات خفية في تخطيط القلب قد تكشف عن المرضى الأكثر عرضة للخطر

من قراءة البيانات إلى فهم المرض

لا تقتصر أهمية الدراسة على اكتشاف مؤشر جديد في تخطيط القلب، بل تمتد إلى تقديم تفسير علمي محتمل لما قد يكمن وراءه.

ويعتقد الباحثون أن هذه التغيرات الكهربائية قد تعكس وجود تليف دقيق منتشر في عضلة القلب، وهو تراكم مجهري لأنسجة ليفية قد يعرقل انتقال الإشارات الكهربائية داخل القلب، ويزيد من احتمال حدوث اضطرابات خطيرة في نظم القلب قد تنتهي بالموت القلبي المفاجئ.

ورغم أن هذه الفرضية لا تزال في حاجة إلى دراسات إضافية لتأكيدها، فإنها تكشف عن تحول مهم في دور الذكاء الاصطناعي؛ فلم يعد يقتصر على تحليل البيانات أو تحسين دقة التنبؤ، بل أصبح يساعد العلماء على تفسير آليات المرض، وطرح فرضيات علمية جديدة قد تقود إلى وسائل أفضل للتشخيص والوقاية والعلاج.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب مثل هذه الدراسات أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في وفاة نحو 1.4 مليون شخص سنوياً، وتُعدّ السبب الأول للوفاة.

وتمتلك المملكة العربية السعودية ودول الخليج اليوم سجلات طبية إلكترونية متطورة وقواعد بيانات صحية واسعة، إلى جانب ملايين تخطيطات القلب المحفوظة في السجلات الإلكترونية. ولو أمكن تدريب نماذج مماثلة على بيانات المرضى العرب، فقد يصبح بالإمكان إعادة تحليل هذه التخطيطات لاكتشاف مرضى كانوا يُعدّون منخفضي الخطورة وفق المعايير التقليدية، بينما يحملون في الواقع مؤشرات تستدعي متابعة وقائية مبكرة.

وينسجم ذلك مع التحول الذي تشهده الرعاية الصحية في المملكة، حيث لم تعد السجلات الطبية الإلكترونية مجرد وسيلة لحفظ معلومات المرضى، بل أصبحت مصدراً لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تساعد على اكتشاف الأمراض والتنبؤ بها في وقت مبكر.

هل يقود الذكاء الاصطناعي ثورة جديدة في طب القلب العربي؟

عصر جديد في الطب

تكشف هذه الدراسة عن أن العلاقة بين الطبيب والذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها دور الخوارزميات يقتصر على تسريع التشخيص أو تقليل الأخطاء، بل امتد إلى المساهمة في اكتشاف مؤشرات طبية لم تكن معروفة من قبل. فنحن نقترب من عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكاً في البحث العلمي، قادراً على الكشف عن أنماط ظلت مختبئة داخل البيانات الطبية لعقود، رغم أنها كانت موجودة أمام أعيننا.

وربما يكون هذا هو التحول الأكبر في الطب خلال السنوات المقبلة؛ فالثورة الحقيقية لن تقوم على ابتكار أجهزة أكثر تطوراً فحسب، بل على إعادة قراءة ملايين الفحوص والسجلات الطبية بعيون جديدة، تكشف عما عجزت الأدوات التقليدية عن رؤيته.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في اكتشاف الأمراض

وقد يكون تخطيط القلب، ذلك الفحص البسيط الذي يستخدمه الأطباء منذ أكثر من مائة عام، أول دليل واضح على أن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر طريقة تشخيص المرض فقط، بل قد يغيّر أيضاً الطريقة التي يكتشف بها الطب أمراضه ويفهمها في المستقبل.