لا شيء «اصطناعياً» في هذا الذكاء

لماذا يجب أن نُغيِّر الاسم... قبل أن يُعيد هذا الذكاء تعريفنا نحن؟

لا شيء «اصطناعياً» في هذا الذكاء
TT

لا شيء «اصطناعياً» في هذا الذكاء

لا شيء «اصطناعياً» في هذا الذكاء

في قاعة عريقة بالعاصمة الأميركية وأمام حشد من الخبراء خلال قمة «كسب سباق الذكاء الاصطناعي - Winning the AI Race»، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأطلق عبارته بصراحته المعهودة:

«التهديد الحقيقي ليس الذكاء الاصطناعي... بل نحن حين نُسيء فهمه. لم يعد هناك شيء اصطناعي في الذكاء الاصطناعي... إنه يُصبح جزءاً منا».

كلمات بدت للوهلة الأولى مثيرة للجدل، لكنها سرعان ما تحوَّلت إلى صدمة فكرية أربكت القاعة، وأجبرت كثيرين على إعادة التفكير. لم تكن مجرد جملة عابرة، بل إشارة إلى سؤال أعمق يتجاوز التقنية والسياسة معاً:

هل حان الوقت أن نُعيد تسمية «الذكاء الاصطناعي»؟

منذ أن اقترح جون مكارثي عام 1956 في مؤتمر دارتموث مصطلح «Artificial Intelligence»، حمل الاسم بريقاً خاصّاً، يثير الخيال، ويستدعي السحر، لكنه في الوقت نفسه زرع بذرة التباس، فكلمة «اصطناعي» توحي غالباً بما هو مزيَّف أو مُصطنع، في حين نحن أمام منظومات تتعلَّم، وتُحلل، وتُبدع، بل تقترح حلولاً لمعضلات استعصى حلها على البشر أنفسهم.

فكيف يمكن أن نصف ذكاءً مثل هذا بأنه «غير حقيقي»... في الوقت الذي بدأ فيه يُغيّر حقيقية الإنسان ذاته؟

ابن سينا سبق تورنغ... حين عرّف الذكاء بلا دماغ

قبل ألف عام، كتب ابن سينا عبارة تكاد تُلخّص جوهر نقاشنا اليوم: «ليس العقل بمكانه... بل بفعله، ومن فعل العقل أن يُدرك، ويُحلل، ويستنبط، سواء كان في جسد أو لم يكن».

لم يكن يتحدّث عن دماغ بيولوجي أو آلة سيليكون، بل عن القدرة نفسها: الإدراك والتحليل والاستنباط.

ثم جاء ابن رشد ليضيف بُعداً آخر حين قال: «العقل الفعّال يُنير النفس كما تُنير الشمس البصر»، وكأنهما معاً سبقا بأشواط ذلك السؤال الذي شغل آلان تورنغ بعد قرون: هل يمكن للآلة أن تفكر؟

تأملوا... هؤلاء الفلاسفة لم يربطوا الذكاء بمكان محدد أو عضو بعينه، بل بالنتيجة والفعل، فهل يهم أين يسكن الذكاء -في دماغ، في آلة، أم في سحابة رقمية- ما دام قادراً على إنتاج الفهم والمعرفة؟

الذكاء الذي اكتشف ما عجز عنه العلماء نصف قرن

خذوا مثلاً ما حدث في عام 2020: لأكثر من نصف قرن، وقف علماء الأحياء عاجزين أمام واحدة من أعقد ألغاز الحياة: كيف يطوي البروتين نفسه داخل خلايانا ليأخذ شكله النهائي؟ هذه العملية، المعروفة بـ«طيّ البروتين» (Protein Folding)، بدت كأنها أحجية بلا مفتاح.

تخيّل أن أمامك خيطاً رفيعاً طوله متر، تُلقي به في الفراغ، ويُفترض أن تعرف -دون أن تراه- كيف سيلتف في لحظات ليكوِّن شكله ثلاثي الأبعاد الدقيق، وهذا هو اللغز الذي حيّر العلماء لعقود.

ثم جاء الحدث المفصلي؛ خوارزمية من شركة «DeepMind» البريطانية، حملت اسم «AlphaFold» (ألفا فولد)، قلبت الطاولة. ففي أيام معدودة، قدَّمت تنبؤات دقيقة بشكل مذهل عن البنية ثلاثية الأبعاد لآلاف البروتينات، وهو ما كان يستغرق من العلماء سنوات من التجارب المكلفة والمعقدة.

الأدهى أن الذكاء هنا لم يكتفِ بتقليد خطوات الباحثين، بل ابتكر أسلوبه الخاص في «الفهم»، مُنتجاً خرائط ثلاثية الأبعاد تُظهر البروتينات كما لو كانت مجسمات كريستال بلورية نابضة بالحياة.

وبهذه القفزة، فُتحت أبواب جديدة لعلاجات طال انتظارها؛ من الألزهايمر إلى السرطان، ومن مقاومة البكتيريا للمضادات إلى ابتكار أدوية شخصية لكل مريض. لقد تحوَّل «اللغز المستحيل» إلى «أطلس حياة» بفضل خوارزمية.

شهادة من مقاعد العلم

في مؤتمر سردينيا الدولي، كنت أُلقي محاضرتي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان، حين وقفت البروفسورة البريطانية إليزابيث وايتفورد، وألقت جملة بدت كأنها تُعيد تعريف النقاش كله:

«لا شيء اصطناعياً في ذكاء يتعلّم ويتطور. الاسم نفسه أصبح قديماً... فهذا ذكاء حقيقي بأصل مختلف».

ثم أضافت مقترحاً جريئاً: لماذا لا نكفّ عن وصفه بـ«الاصطناعي»، ونطلق عليه مثلاً اسم «ماكينة الذكاء» أو حتى «ماكينة سيبيان» (Sapien Machine)، في إشارة إلى إنسانيته الجديدة التي تُقارب ذكاء الإنسان العاقل (Homo sapiens) ولكن عبر آلة؟

لحظتها دوّى التصفيق في القاعة، لا للكلمات وحدها، بل للفكرة التي باتت تفرض نفسها عالمياً: أن ما نسميه «اصطناعياً» قد تجاوز الكثير مما نعدّه «طبيعياً».

أسماء جديدة لعصر جديد

لم يعد مصطلح «الذكاء الاصطناعي» قادراً على احتواء حجم التحول الذي نعيشه؛ ولهذا بات من الضروري أن نعيد التفكير في التسمية حتى لا نظل أسرى لفظ يختزل الفكرة أو يُضلل معناها.

في الأوساط العلمية العالمية اليوم، تُطرح مقترحات بديلة أكثر دقة وواقعية:

* الذكاء المعزَّز (Augmented Intelligence): لأنه لا يلغينا، بل يُعزز قدراتنا.

* الذكاء الآلي (Machine Intelligence): توصيف محايد يعكس حقيقة أنه من إنتاج الماكينات.

* الإدراك المركب (Synthetic Cognition): لأن الآلة باتت تُطوّر طريقة إدراكها الخاصة، لا مجرد حسابات.

* الذكاء الحاسبي (Computational Intelligence): مصطلح أكاديمي يستخدم في الجامعات والمختبرات.

* الذكاء التشاركي (Hybrid Intelligence): صورة عن شراكة الإنسان والآلة في إنتاج الفهم.

أما في السياق العربي فربما تكون خيارات، مثل: «الذكاء الآلي»، أو «الذكاء غير البيولوجي»، أو حتى «الذكاء القائم على الخوارزميات»، أكثر تعبيراً عن الواقع من كلمة «اصطناعي» التي تُوحي بالزيف أو التقليد.

السؤال الذي يفرض نفسه إذن: إذا تغيَّر الاسم، هل سيتغيّر فهمنا له... وبالتالي شكل علاقتنا به؟

وفي الختام قال شكسبير: «ما نُسميه وردة... تبقى برائحة الورد ولو غيّرنا اسمها».

لكن الذكاء ليس وردة، بل ثورة... ثورة تُعيد تشكيل الطب والتعليم والفنون... بل اللغة التي نصف بها أنفسنا والعالم.

وقد قال الجاحظ قبل أكثر من ألف عام: «المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي... وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ».

وكأن عبارته تصلح لنا اليوم: فالمعنى (الذكاء) حاضر بيننا، لكن الاسم هو الذي يصوغ فهمنا له ويمنحه وزنه.

لهذا، لم يعد السؤال: هل الذكاء الاصطناعي «اصطناعي» حقّاً؟

بل أصبح أعمق: هل نحن مستعدون لنمنحه اسماً يليق بحقيقته... قبل أن يفرض علينا هو اسمه وصورته؟


مقالات ذات صلة

«إنفيديا» وتقارير البرمجيات... اختبارات جديدة لسوق أسهم الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد شعار «إنفيديا» على مقرها في كاليفورنيا (رويتزر)

«إنفيديا» وتقارير البرمجيات... اختبارات جديدة لسوق أسهم الذكاء الاصطناعي

يتطلع المستثمرون إلى النتائج المالية لشركة «إنفيديا»، في محاولة لتهدئة سوق الأسهم الأميركية التي اهتزت بسبب المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد التوسع السريع في مراكز البيانات الكبيرة في إطار طفرة الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء (إكس)

ألمانيا تدعو إلى حلول طويلة الأجل لمواجهة استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة

أعرب وزير الرقمنة الألماني عن اعتقاده أن الطلب المتزايد على الكهرباء المدفوع بالذكاء الاصطناعي يمكن تلبيته في السنوات المقبلة عبر إمدادات الطاقة القائمة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)

واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق مبادرة «فيلق التكنولوجيا» (Tech Corps)، وهي نسخة مطورة من «فيلق السلام» التاريخي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تحدد 6 مارس أقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر

صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعربت الوكالة الأميركية للطيران والفضاء (ناسا) عن تفاؤل جديد، الجمعة، بعد أن كشف اختبار أرضي ثانٍ لمهمتها المتمثلة في إرسال طاقم حول القمر في أقرب وقت ممكن الشهر المقبل، تقدماً كبيراً بعد مشاكل تقنية سابقة.

وقال جاريد تايلور إسحاقمان مدير «ناسا» في منشور على منصة «إكس» إن البروفة الثانية لما تسمى الاختبار الرطب - وهي محاكاة كاملة للعد التنازلي للإطلاق دون الإقلاع - مثلت «خطوة كبيرة نحو عودة أميركا إلى البيئة القمرية».

وقالت لوري جليز، المديرة في «ناسا»، إن إصلاح المشكلات التي تمت مواجهتها في أثناء الاختبارات السابقة أثبتت فاعليتها.

وأضافت أن جميع الإجراءات اكتملت تقريباً كما هو مخطط وفي الإطار الزمني المتوقع، رغم أن بعض المشكلات لا تزال بحاجة إلى المعالجة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشارت «ناسا» إلى أن أقرب موعد إطلاق ممكن الآن هو 6 مارس (آذار) المقبل.

ومن المتوقع أن يخضع الطاقم للحجر الصحي، اليوم الجمعة.

ومن المقرر أن ترسل مهمة «أرتميس 2» رواد فضاء إلى محيط القمر لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن.


الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك
TT

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

الذكاء الاصطناعي: 5 طرق لاكتشاف «نقطة التوازن الأمثل» له... في فريقك

إن الضغط لتبنِّي الذكاء الاصطناعي لا هوادة فيه، فمجالس الإدارة والمستثمرون والسوق يخبروننا بأننا سنتخلف عن الركب إن لم نفعل. والنتيجة هي اندفاع محموم لتطبيق الذكاء الاصطناعي، لمجرد تطبيقه، مما يؤدي إلى تجارب مكلفة، وإحباط لدى فِرق العمل، وعائد استثمار مخيِّب للآمال، كما كتب مات كيسبي(*).

التطبيق الاستراتيجي المناسب

تكمن المشكلة في أننا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كعصا سحرية - حل واحد يناسب جميع المشاكل. لكن التحول الحقيقي ينبع من تطبيقه استراتيجياً، حيث يمكن أن يُحدث أكبر الأثر.

هذا هو «التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي»، حيث تكمن الميزة التنافسية الحقيقية له، إذ إن الأمر لا يتعلق بامتلاك أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بامتلاك الذكاء الاصطناعي المناسب، وتطبيقه على المشاكل المناسبة، مع الأشخاص المناسبين. إليك خمس طرق لاكتشافه.

ابدأ بأكبر عائق لديك... وليس بأكبر ميزانية

* يقع عدد من المؤسسات في فخ تخصيص ميزانية الذكاء الاصطناعي للقسم الأكثر إلحاحاً. إنها وصفة لهدر الموارد. وبدلاً من السؤال: «أين يمكننا إنفاق ميزانية الذكاء الاصطناعي؟»، اسأل: «أين تكمن أكبر عَقبة تنظيمية لدينا؟»

حدد العمليات الأكثر استهلاكاً للوقت وتكراراً في شركتك. هل هي الساعات التي يقضيها فريق التسويق في البحث قبل الاجتماعات؟ أم إدخال البيانات يدوياً الذي يُثقل كاهل قسم المالية؟ هذه هي نقاط الضعف التي يجب التركيز عليها.

على سبيل المثال، وجدت إحدى الشركات التي عملت معها أن فريق المبيعات كان يقضي أكثر من خمس ساعات في التحضير لاجتماع واحد مع عميل. من خلال تطبيق نظام ذكاء اصطناعي لإدارة البحث وجمع البيانات، تمكّن الفريق من تقليل وقت التحضير بنسبة 87 في المائة، مما وفّر ما يقارب 300000 دولار سنوياً من تكاليف الإنتاجية. لم يكن الذكاء الاصطناعي مبهراً، لكنه حلّ مشكلة حقيقية ومكلفة. هذه هي النقطة المثالية.

اسأل: «هل سيُحسّن هذا أم سيحل محلّه»؟

* إن أسرع طريقة لإجهاض مبادرة الذكاء الاصطناعي هي جعل موظفيك يشعرون بالتهديد منها. عندما يسمع الناس كلمة «ذكاء اصطناعي»، غالباً ما يفكرون في «استبدال الوظائف». هذا الخوف يُولّد مقاومة، ويُقوّض التبني. بصفتك قائداً، يكمن دورك في تحويل الحوار من استبدال إلى تعزيز.

قبل تطبيق أي أداة ذكاء اصطناعي، اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً: هل ستعزز هذه التقنية قدرات فريقنا، أم أنها ستحل محل وظيفة بشرية؟ غالباً ما يكون الخيار الأمثل هو: التعزيز.

فكّر في الذكاء الاصطناعي ليس على أنه موظف جديد، بل على أنه متدرب دؤوب أو زميل لامع لكل فرد في فريقك. بإمكانه القيام بالأعمال الروتينية، وتحليل مجموعات البيانات الضخمة، واستخلاص رؤى قيّمة، ما يتيح لفريقك التفرغ لما يُجيدونه: التفكير النقدي واتخاذ القرارات الاستراتيجية. عندما يرى فريقك الذكاء الاصطناعي شريكاً يُحسّن أداءهم، سيدعمون تبنّيه بكل حماس.

--

* إيجاد التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي لا يتعلق كثيراً بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلق بعلم النفس والاستراتيجية والثقافة*

--

ابنِ الثقة قبل بناء التقنية

* إننا لا نستخدم الأدوات التي لا نثق بها. وإذا لم يفهم فريقك كيفية عمل نظام الذكاء الاصطناعي أو سبب تقديمه توصيات معينة، فإن أعضاء الفريق سيبحثون عن حلول بديلة لتجنب استخدامه. الثقة ليست ميزة يمكن إضافتها لاحقاً؛ بل يجب أن تكون أساس استراتيجية التنفيذ.

يبدأ هذا بخلق بيئة آمنة نفسياً، حيث يشعر الموظفون بالأمان لطرح الأسئلة، وحتى مناقشة الذكاء الاصطناعي. كن شفافاً، اشرح ما يفعله الذكاء الاصطناعي، وما البيانات التي يستخدمها، وأين تكمن حدوده. عيِّن مشرفين بشريين على العمليات الحيوية، لضمان وجود شخص مطلع دائماً على القرارات المصيرية.

في عملي، أستخدم إطار عمل «13 سلوكاً للثقة»، وهو ينطبق على الذكاء الاصطناعي كما ينطبق على البشر. يكتسب نظام الذكاء الاصطناعي الثقة عندما يكون ذا كفاءة؛ أي أنه يحقق نتائج، ويتمتع بالنزاهة؛ أي يعمل بأمانة. ودون هذه الثقة، فإن حتى أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي مجرد شفرة برمجية مكلفة.

اربط كل مبادرة ذكاء اصطناعي بهدف تجاري

* إن «استكشاف إمكانيات الذكاء الاصطناعي» ليس استراتيجية عمل، فكثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي يعمل بمعزل عن أهداف الشركة الأساسية. إذا لم تتمكن من ربط مبادرة الذكاء الاصطناعي بهدف محدد - كزيادة ولاء العملاء أو خفض التكاليف التشغيلية - فلا داعي لها.

قبل الموافقة على أي مشروع ذكاء اصطناعي، اربطه مباشرةً بأهداف شركتك الرئيسية أو ركائزها الاستراتيجية. كيف ستساعدنا هذه الأداة في تحقيق رؤيتنا؟ وكيف تدعم رسالتنا؟ هذا يفرض مستوى من الانضباط يمنعك من الانشغال بأمور ثانوية، ويضمن أن تكون استراتيجية الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية عملك الشاملة، وليست وظيفة تقنية معلومات معزولة.

الذكاء الاصطناعي الذي لا يتوافق مع هدفك الأساسي سيظل دائماً مركز تكلفة. أما الذكاء الاصطناعي الذي يتوافق معه، فيصبح محركاً قوياً لخلق القيمة.

وفّر مساحة للتعلم لا للتنفيذ فقط

* غالباً ما يتوقع القادة عائداً فورياً وسلساً على استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. ولكن لا يوجد حل سحري. يتطلب التبني الناجح نقل فريقك من منطقة الراحة، مروراً بفترة عدم اليقين والخوف إلى مناطق التعلم والنمو، وهذا يتطلب وقتاً وصبراً.

لا تكتفِ بتخصيص ميزانية للتكنولوجيا، بل خصص ميزانية لمنحنى التعلم. أنشئ بيئات تجريبية حيث يمكن للفرق تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة دون خوف من الفشل. احتفل بالإنجازات الصغيرة والدروس المستفادة من الأخطاء.

إن المؤسسات التي تحقق نجاحاً حقيقياً في مجال الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي أتقنته من اليوم الأول، بل تلك التي رسّخت ثقافة التعلم المستمر، ومكّنت موظفيها من التكيف والنمو. وسيتجاوز العائد على الاستثمار طويل الأجل من قوة عاملة متمكنة ومُلمة بالذكاء الاصطناعي، بكثير أي مكاسب قصيرة الأجل من تطبيق متسرع.

إن إيجاد التوازن الأمثل للذكاء الاصطناعي لا يتعلق كثيراً بالتكنولوجيا بقدر ما يتعلق بعلم النفس والاستراتيجية والثقافة. يتعلق الأمر بتحويل تركيزك مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي إلى ما يجب أن يفعله لمؤسستك وموظفيك. توقفْ عن الانجراف وراء ضجة الذكاء الاصطناعي وابدأ حل مشكلات عملك الواقعية. هناك ستجد الميزة الدائمة.

* مؤسس شركتيْ «غو تيم» و«مالتبل تيك»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


بين المريخ والمشتري كويكبات غامضة... لماذا تؤرق علماء «ناسا»؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
TT

بين المريخ والمشتري كويكبات غامضة... لماذا تؤرق علماء «ناسا»؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)
الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي (بكسلز)

حذّرت المسؤولة في وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» كيلي فاست من أن أكثر ما يقلق العلماء هو الكويكبات التي لم يتم اكتشافها بعد، وذلك خلال مؤتمر «American Association for the Advancement of Science» في ولاية أريزونا.

وقالت فاست، وفق ما نقلته صحيفة «ذا صن»: «ما يُبقيني مستيقظة ليلاً هو الكويكبات التي لا نعرف بوجودها».

وأوضحت أن الكويكبات الصغيرة «تصطدم بالأرض طوال الوقت تقريباً، لذلك لسنا قلقين كثيراً بشأنها. كما أن العلماء أقل قلقاً حيال الكويكبات الضخمة التي نراها في الأفلام، لأن مواقعها معروفة ويتم تتبعها».

لكن مصدر القلق الحقيقي يتمثل في الكويكبات متوسطة الحجم، التي يبلغ قطرها نحو 140 متراً أو أكثر، والتي قد تُسبب دماراً إقليمياً واسعاً، وليس عالمياً، في حال اصطدامها بالأرض، في حين أن كثيراً منها لم يُكتشف بعد، وفق المسؤولة في «ناسا».

وأضافت أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 25 ألف كويكب من هذا النوع، ولم يتم حتى الآن رصد سوى حوالي 40 في المائة منها، مشيرة إلى أن اكتشافها يستغرق وقتاً حتى مع استخدام أفضل التلسكوبات المتاحة.

ما الكويكبات؟

الكويكبات هي أجسام صخرية صغيرة تعود إلى بقايا تشكل النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة. وتتركز بشكل رئيسي في حزام الكويكبات الواقع بين مداري كوكبي المريخ والمشتري.

أما ما يُعرف بـ«الأجسام القريبة من الأرض»، فهي كويكبات تدور في مدارات تجعلها تقترب من الشمس لمسافة تصل إلى نحو 120 مليون ميل، وتدخل ضمن «الحي المداري» لكوكب الأرض.

ماذا عن خطر الاصطدام؟

في فبراير (شباط) من العام الماضي، أظهرت بيانات صادرة عن مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض التابع لوكالة «ناسا»، المعروف باسم «Center for Near Earth Object Studies»، أن احتمال اصطدام كويكب يُعرف باسم «2024 YR4» بالأرض في عام 2032 بلغ 3.1 في المائة.

وكانت هذه النسبة في ذلك الوقت، الأعلى التي تُسجّلها «ناسا» لجسم فضائي بهذا الحجم أو أكبر.

لكن دراسات لاحقة أكدت أن هذا الجسم «لا يشكل خطراً كبيراً على الأرض في عام 2032 أو بعده».

وأوضحت «ناسا» أن معظم الأجسام القريبة من الأرض لا تقترب كثيراً من كوكبنا، وبالتالي لا تمثل أي خطر اصطدام فعلي.

الكويكبات الخطرة المحتملة

رغم ذلك، توجد فئة تُعرف باسم «الكويكبات الخطرة المحتملة»، وهي أجسام يزيد قطرها عن 460 قدماً، وتقترب مداراتها لمسافة تصل إلى نحو 4.6 مليون ميل من مدار الأرض حول الشمس.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن أياً من هذه الكويكبات لا يُتوقع أن يصطدم بالأرض في المستقبل القريب.

وأوضح بول تشوداس، مدير مركز دراسات الأجسام القريبة من الأرض، في هذا المجال، أن تصنيف «خطر محتمل» لا يعني وجود تهديد وشيك، بل يشير فقط إلى أن مدار الكويكب قد يتغير على مدى قرون أو آلاف السنين بطريقة قد تمنحه فرصة اصطدام بالأرض، من دون أن يتم حالياً تقييم هذه الاحتمالات البعيدة جداً زمنياً.