كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

تحولات تشغيلية وثقافية ستعقب التحولات التكنولوجية

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟
TT

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن للمديرين القيادة في عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي؟

قد نكون نحن الآن الجيل الأخير من الرؤساء التنفيذيين الذين يقودون قوى عاملة بشرية بالكامل. وليس هذا من قبيل التنبؤ المستقبلي؛ بل إنه واقع يتبلور بالفعل داخل الشركات اليوم، كما كتبت كاثرين كوستيريفا(*).

دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي

إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي، الأدوات التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها احتمالات بعيدة، تخطو بثقة إلى مؤسساتنا. وهذه الأنظمة قادرة على التعامل بشكل مستقل مع المهام عبر أقسام المؤسسات، واتخاذ القرارات، والتعلم بمرور الوقت.

«بحلول عام 2028، ستتضمن 33 في المائة من تطبيقات البرامج الكمبيوترية المستخدمة داخل المؤسسات (الذكاء الاصطناعي الوكيل)، ما يتيح اتخاذ 15 في المائة من قرارات العمل اليومية بشكل مستقل»، وفقاً لشركة «غارتنر». وبالنظر إلى وتيرة التبني الحالية، قد يكون هذا التقدير متحفظاً.

تحول تشغيلي وثقافي

هذا التحول ليس تكنولوجياً فحسب، بل تشغيلي، وثقافي. إذ لا يتعلق الأمر باستبدال البشر؛ بل يتعلق الأمر بتعزيز عملهم. وها نحن ندخل نموذج تشغيل جديداً، حيث يعمل المستخدمون البشريون ووكلاء الذكاء الاصطناعي معاً جنباً إلى جنب لتحقيق النتائج بسرعة، وذكاء، ونطاق واسع. وفي هذا النموذج، يصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي مشاركين نشطين في القوى العاملة، وليسوا أدوات سلبية.

توظيف «المواهب الرقمية»

بالفعل، تقوم المؤسسات ذات التفكير المستقبلي بتوظيف المواهب الرقمية. فهي تعيّن أنظمة وكلاء لسير العمل، وتدمجها في فرق، وتعتمد عليها لخلق قيمة إلى جانب نظرائها من البشر.

وستكون آثار ذلك على القيادة عميقة. إذ إن أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي ليست مجرد إضافات برمجية؛ إنها تُعيد تعريف كيفية تصميم عملياتنا التجارية، والتعاون في عملنا اليومي. إنها متعاونة بالمعنى الأوسع، ومثل أي أداة للتعاون، فإنها تستفيد من التكامل المدروس، والأطر الواضحة.

إعادة التفكير في القيادة في هذه البيئة الجديدة

مما لاحظناه، قد تستفيد المؤسسات من تغيير طريقة تفكيرها في القوى العاملة لديها. فالمواهب الرقمية، مثل المواهب البشرية، تحقق أفضل أداء عندما يكون لديها هيكل، ودعم، وهدف واضح. تدرس بعض الشركات بالفعل كيفية دمج أنظمة الوكلاء الرقمية، وتحديد أدوارها، وقياس أدائها، وإنشاء بيئات يتكامل فيها الذكاء البشري والاصطناعي.

نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية

* قابليتها التوسع. تتمثل إحدى نقاط القوة البارزة للمواهب الرقمية في قابليتها للتوسع. فبمجرد مواءمتها، يمكن نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي بسرعة عبر المناطق الجغرافية، ووظائف الأعمال. فهي أدوات تعمل باستمرار، وتتكيف مع البيانات الفورية، وتحافظ على اتساق الأعمال عند التنفيذ.

* دورها في إعادة توزيع القدرات البشرية. ومن التحولات الأخرى التي شهدناها إعادة توزيع القدرات البشرية. فمع نقل المهام اليدوية المتكررة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُتاح للموظفين التركيز على العمل ذي القيمة الأعلى: الاستراتيجية، والإبداع، وحل المشكلات المعقدة. وهذا لا يُطلق العنان للكفاءة فحسب، بل يُطلق العنان أيضاً للمشاركة. ففي عالم يُمثل فيه الابتكار عاملاً مميزاً، يُصبح تمكين الأفراد من القيام بما لا يستطيعه سوى الأفراد ميزة استراتيجية.

تصميم فرق للتعاون: البصيرة البشرية والنفوذ الرقمي

مع إعادة تصور قوى العمل لدينا، من المفيد إعادة النظر في كيفية هيكلة المؤسسات للفرق، ليس فقط من خلال القسم أو المسمى الوظيفي، ولكن أيضاً من خلال المسؤولية، ونموذج التعاون.

وتستكشف بعض فرق القيادة الآن كيفية تحديد المواضع التي تكون فيها الريادة للبصيرة البشرية، والأخرى التي يوفر فيها الذكاء الاصطناعي النفوذ. وتُعاد صياغة الأسئلة المتعلقة بحقوق اتخاذ القرار، والمساءلة، ومقاييس النجاح لتعكس الطبيعة المختلطة لفرق اليوم.

وبطبيعة الحال، مع القدرات الجديدة تأتي مسؤوليات جديدة. إذ لا يمكن اعتبار الأخلاقيات والشفافية والحوكمة مجرد أفكار ثانوية، بل هي جزء لا يتجزأ من البداية.

مسؤولية واعتبارات أخلاقية

وتستكشف العديد من المؤسسات كيفية تدريب الوكلاء الرقميين بمسؤولية، وتحديد التوقعات السلوكية، وضمان أن تعكس هذه الأنظمة قيمها.

إن تحديد النبرة هنا، من خلال سياسات واضحة وتصميم مدروس، يمكن أن يساعد في بناء الثقة التي نهدف إلى تعزيزها في أي فريق.

إعادة الابتكار تقضي على خطأ شائع هو «تسريع العمل»

مع ذلك، فاني أرى أن هناك خطأ شائعاً تقع فيه العديد من المؤسسات، إذ إنها تطبق وكلاء الذكاء الاصطناعي على عمليات قديمة، على أمل تسريعها. لكن الكفاءة لا تعني التحول... فإن أنت أتممت عملية معطلة، فلن تحصل إلا على نتائج معطلة، ولكنها أسرع.

الفرصة الحقيقية ليست في التسريع، بل في إعادة الابتكار. تتطلب هذه اللحظة عقلية تُركز على العملية أولاً. من المستحسن أن نتراجع قليلاً، ونسأل أنفسنا السؤال الجوهري: لو كنا نصمم سير العمل هذا اليوم، مع العلم أن لدينا وكلاء ذكاء اصطناعي في فريقنا منذ اليوم الأول، فكيف كنا سنبنيه؟

هذا النوع من التفكير يؤدي إلى نوع مختلف تماماً من المؤسسات.

مجالات المبيعات وخدمة العملاء والعمليات

* في مجال المبيعات، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الآن تحديد العملاء المحتملين في الوقت الفعلي، وتنظيم التواصل بناءً على الإشارات السلوكية، وتقديم رؤى شخصية لمندوبي المبيعات في اللحظة المناسبة تماماً. هذا يخلق إيقاعاً يركز فيه مندوبو المبيعات بشكل أقل على التسليمات، وأكثر على النتائج.

* في مجال خدمة العملاء، نشهد شركات تتجاوز الروبوتات إلى شبكات عملاء ذكية تحل المشكلات بشكل استباقي، وتفهم المشاعر، وتُصعّد المشكلات المعقدة في سياقها الكامل. التجربة أسرع، وأكثر تعاطفاً، وكفاءة.

*في العمليات، يتخذ عملاء الذكاء الاصطناعي قرارات استباقية من خلال إدارة متغيرات سلسلة التوريد، والتنبؤ بتحولات الطلب، وتحسين الموارد بطرق كانت تتطلب في السابق طبقات من التنسيق اليدوي. هذه ليست سيناريوهات افتراضية، بل حقيقية، وتُعيد تعريف كيفية تقديم الشركات للقيمة.

هنا ستحدث أكثر الاختراقات إثارة. ليس لأننا استخدمنا الذكاء الاصطناعي لإنجاز ما نقوم به بالفعل بشكل أسرع، ولكن لأننا منحنا أنفسنا الإذن لإعادة تصور كيفية إنجاز العمل بشكل أفضل.

الأمر يبدأ بـ«تهيئة العقلية»

*بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. وبصفة أننا رؤساء تنفيذيون، لسنا مسؤولين عن النمو فحسب، بل نحن مسؤولون عن بناء مؤسسات ذكية بتصميمها. هذا يعني أن نكون متعمدين كيفية دمج المواهب الرقمية. وهذا يعني قيادة التحول من العمليات القديمة إلى أنظمة حديثة ومرنة تعكس كيفية عمل الأفراد والآلات معاً على أفضل وجه.

* تبني التحول الثقافي. وهذا يعني أيضاً تبني التحول الثقافي. أفضل النتائج ستأتي من فرق عمل لديها حب الاطلاع، وتجريبية، ومتمكنة. ينبغي على القادة تشجيع فرقهم على التشكيك في الافتراضات، وإعادة النظر في سير العمل، واستكشاف إمكانيات جديدة. والمؤسسات التي تُحسن القيام بذلك هي التي ستبقى في الصدارة.

* مستقبل القوى العاملة. القوى العاملة المختلطة موجودة بالفعل. وتُغير برامج الذكاء الاصطناعي كيفية إنجاز العمل. إنها تُعيد تشكيل الأدوار، وتتحدى التسلسلات الهرمية، وتدعونا لإعادة النظر في مفهوم القيادة.

وهذا التحول لا يبدأ بالتكنولوجيا؛ بل يبدأ بالعقلية. يبدأ برئيس تنفيذي يُدرك أن مستقبل القوى العاملة تعاوني، وذكي، وإنساني بعمق في طموحه.

لن يكون المستقبل إنسانياً بالكامل، لكنه سيكون أكثر تركيزاً على الإنسان. وسيُحدده أولئك المستعدون للقيادة بعزيمة، وشجاعة، والتزام ببناء شيء أفضل لكل من البشر والآلات.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

أعلنت شركة «أرامكو الرقمية» السعودية توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع «كومولوسيتي» العالمية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي للأشياء في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد لافتة مقر بنك “جي بي مورغان تشيس آند كو” في نيويورك (رويترز)

أرباح «جي بي مورغان» تقفز 13 % في الربع الأول بدعم من التداول والصفقات

أعلن بنك «جي بي مورغان تشيس» يوم الثلاثاء، عن ارتفاع أرباحه في الربع الأول بنسبة 13 في المائة، مدعوماً بمكاسب قياسية في أنشطة التداول نتيجة تقلبات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص موظفو «مينزيز» في أحد المطارات (الشركة)

خاص رئيس «مينزيز» العالمية: قطاع خدمات الطيران يمتلك قدرة فائقة على التعافي من الصدمات

في خضم التوترات الجيوسياسية، يرى رئيس مجلس إدارة شركة «مينزيز» حسن الحوري، أن التداعيات الميدانية لحالات إغلاق المجال الجوي اختبار لقطاع يمتلك مرونة عالية.

زينب علي (الرياض)
علوم بين الشاشة والطبيب

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

النماذج التنبؤية تظل محدودة في قدرتها على تمثيل التعقيد الإنساني.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية.


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.