الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

سيعجّل انحسار المؤسسات غير ذات الكفاءة

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك
TT

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

يتجاهل الجدل الدائر حول قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة العمل الفكري للأطباء والمحامين وحاملي الدكتوراه قلقاً أعمق يلوح في الأفق: قد تُصبح شركات بأكملها -وليس مجرد وظائف فردية– مؤسسات عتيقة الطراز بسبب الوتيرة المتسارعة لتبني الذكاء الاصطناعي، كما كتب جورج كايلاس(*).

ذكاء اصطناعي بدرجة الدكتوراه

أثارت التقارير التي تشير إلى أن شركة «أوبن إيه آي» ستتقاضى 20 ألف دولار شهرياً للوكلاء (الأذكياء) المدربين المؤهلين على مستوى الدكتوراه، الجدل الدائر حول أي وظيفة ستكون في مأمن من الذكاء الاصطناعي، وأي وظيفة لن تكون في مأمن منه.

تشكيك خبراء التقنية

قال لي جيمس فيلاروبيا، رئيس قسم الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في مركز «ناسا» للعلوم الفضائية: «إنني حتى الآن لم أرَ الأمر (تطورات الذكاء الاصطناعي) مثيراً للإعجاب إلى هذا الحد بعد، ولكن ذلك (الإعجاب) ليس بعيداً، على الأرجح». من جهته أشار شون ماكغريغور، مؤسس شركة «Responsible AI Collaborative» والحاصل على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب، إلى أن العديد من الوظائف لا تقتصر على مجرد مجموعة من المهارات، وأضاف أن: «تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الحالية ليست قوية بما يكفي للسماح بالتحكم غير الخاضع للإشراف على معدات الكيمياء الخطرة، أو التجارب البشرية، أو غيرها من المجالات التي تتطلب حالياً شهادات دكتوراه بشرية».

لقد كان السبب الرئيس وراء إجرائي لاستطلاعات الرأي حول هذا الموضوع هو رغبتي في توسيع نطاق رؤيتي حول الوظائف التي سيتم إلغاؤها. وقد غيّر هذا الاستطلاع وجهة نظري.

الشركات ذات الكفاءة ستصمد أمام الذكاء الاصطناعي

أعطتني سوزان رابيكوف، مؤسسة مركز الأبحاث «ذا باي غروير»، بعض واجبات القراءة لبعض من أعمالها، بدلاً من منحي اقتباساً لتصريحاتها. وقد أظهر لي عملها أن هذه الأوقات غير مسبوقة.

وقد لمع شيء ما في ذهني عندما ذكرت في كتابتها أنها أعجبت بجانب صعود الشركات الأكثر كفاءة، مقابل الشركات التي تستبدل الوظائف بسبب معاناتها من ديون كبيرة في التكنولوجيا ورأس المال البشري. وتقول: «هذا بالضبط رهاني».

التفوق على النظام

أما شركات «فورتشن 500»، وخاصة تلك المثقلة بالعمليات القديمة، والعمالة الزائدة، فإنها معرضة دائماً للتراجع مع صعود أي جهة منافسة جديدة، وأكثر مرونة. ولن يحدث هذا بسبب استبدال أي وظيفة، ولكن لأن الاقتصاد الأساسي لنماذج أعمالها لم يعد قائماً.

لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى التفوق على جميع الموظفين لجعل المؤسسة قديمة. كل ما يحتاجه هو التفوق على النظام.

دراسة حالة: تراجع صناعة السيارات في أميركا

لنأخذ، على سبيل المثال، تراجع شركات تصنيع السيارات الأميركية في أواخر القرن العشرين.

في خمسينات القرن الماضي، كانت شركات تصنيع السيارات الأميركية مهيمنة على صناعة السيارات، تماماً مثل عمالقة التكنولوجيا المسيطرة اليوم. في عام 1950، أنتجت الولايات المتحدة نحو 75 في المائة من سيارات العالم.

لكن في سبعينات القرن الماضي، كانت شركات صناعة السيارات اليابانية رائدة في استخدام الروبوتات في تصنيع السيارات، إذ أنتجت هذه الشركات مركبات عالية الجودة بقيمة رائعة بفضل عملياتها الأكثر كفاءة ودقة.

وقد كافحت شركات مثل «جنرال موتورز» لمواكبة هذا التطور، مثقلة بالمصانع القديمة، وتكاليف رأس المال البشري الباهظة، بما في ذلك المعاشات التقاعدية المتضخمة.

وهكذا يرسم التحول الجذري في تلك العقود التالية صورة لما قد يخبئه المستقبل للشركات الكبيرة الآن.

في عام 1960، أنتجت الولايات المتحدة نحو 48 في المائة من سيارات العالم، بينما لم تستحوذ اليابان إلا على 5 في المائة. وبحلول عام 1980، استحوذت اليابان على نحو 29 في المائة من السوق، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة إلى 23 في المائة.

ثورة الذكاء الاصطناعي

قد تبدو ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم مشابهة. بعد عقود من الآن، قد ننظر إلى شركة «أبل» بنفس نظرتنا إلى شركة «فورد» الآن. فالشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي ذات الهياكل الأكثر مرونة على استعداد للاستحواذ على حصة سوقية. علاوة على ذلك، يمكن للشركات الناشئة التركيز على حل المشكلات المتخصصة، مما يعزز قدرتها التنافسية.

هل ستتقلص شركتك وتموت؟

بدأت التداعيات بالفعل. أجرت شركة «غارتنر» استطلاعاً للمؤسسات في أواخر عام 2023، ووجدت أن نحو نصفها كان يطور أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة به. وبحلول نهاية عام 2024، انخفضت هذه النسبة إلى 20 في المائة. ومع تراجع الضجة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، تشير «غارتنر» إلى أن العديد من مديري المعلومات يستعينون بموردين خارجيين، إما من كبار مزودي نماذج اللغة، أو بائعي البرامج التقليديين الذين يقدمون عروضاً مُحسّنة بالذكاء الاصطناعي.

في عام 2024، حصلت شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة على ما يقرب من نصف التمويل العالمي للمشاريع الاستثمارية البالغ 209 مليارات دولار. واليوم إذا كانت 20 في المائة فقط من المؤسسات العريقة تشعر حالياً بالثقة في منافسة هذه الشركات الناشئة، فكم منها سيشعر بهذه الثقة مع نضوج هذه الشركات الناشئة؟

وبينما تستمر العناوين الرئيسة في التركيز على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مضاهاة الخبرة بمستوى الدكتوراه، يبقى الخطر الأعمق غير معلن إلى حد كبير، وهو: ستذبل الشركات العملاقة، وقد يندثر بعضها. وعندما يحدث ذلك، فستكون وظيفتك في خطر، سواء كنت تستقبل العملاء في مكتب الاستقبال، أو تحمل شهادة دكتوراه في تخصص هندسي.

نصائح للعاملين

ولكن هناك طرق للبقاء واقفاً على قدميك. من أكثر النصائح تأثيراً التي تلقيتها على الإطلاق نصيحة من جوناثان روزنبرغ، نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات في «غوغل» والمستشار الحالي لشركة «ألفابت»، عندما زرتُ حرم الشركة في الجامعة.

قال روزنبرغ: «لا يمكنك أن تكون بارعاً فيما تفعله فحسب، بل عليك أن تلحق بركب التطور. يعتقد الناس الأوائل أن الأمر يتعلق بالشركة، ثم الوظيفة، ثم القطاع. في الواقع، الأمر يتعلق بالقطاع، ثم الشركة، ثم الوظيفة».

كيف تلحق بركب الذكاء الاصطناعي؟

ينصح أنكور باتيل، الرئيس التنفيذي لشركة «ملتيمودال»، الموظفين بتعلم كيفية أداء وظائفهم الحالية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُعزز الإنتاجية. كما يُشير إلى أن المهارات الشخصية -مثل تعبئة الأفراد، وبناء العلاقات، وقيادة الفرق- ستزداد قيمتها مع تولي الذكاء الاصطناعي مهام تقنية، أو روتينية أكثر.

وقال باتيل: «لا يُمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قائداً للمجموعة أو الفريق، أليس كذلك؟ لا أرى ذلك يحدث، حتى في الجيل القادم. لذا أعتقد أن هذه فرصة عظيمة... للنمو، والتعلم منها».

الخلاصة هي: حتى لو لم تُغيّرك موجة الذكاء الاصطناعي، فقد تُغيّر مكان عملك. والسؤال هو: هل ستتأثر بموجة الذكاء الاصطناعي أم ستلتحق بها؟

* الرئيس التنفيذي لشركة «Prospero.ai» مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

تستطيع روبوتات الدردشة التحدث معك... ولكن ماذا لو استطاعت التحدث فيما بينها، تتساءل إيف واشنطن(*)؟ شبكة تواصل اجتماعي لروبوتات الدردشة هذه هي الفكرة وراء …

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

اتفاقية بين «إم آي إس» و«هيوماين» لبناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» توقيع عقد مع «هيوماين» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بقيمة تتجاوز 155 في المائة من إجمالي إيراداتها لعام 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شرائح أشباه الموصلات على لوحة كمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شريان الرقائق» في خطر: الحرب في الشرق الأوسط تُهدد بشلل الصناعة العالمية

حذَّر نائب في الحزب الحاكم بكوريا الجنوبية يوم الخميس من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران قد تعرقل إمدادات المواد الأساسية اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (سيول )

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.