اللحوم الحمراء «أكثر صحية» في الدراسات العلمية المموَّلة من الشركات

خبراء أوروبيون وأميركيون يكشفون عن فضائح إغفال المقارنات مع فوائد الأطعمة الأخرى

اللحوم الحمراء «أكثر صحية» في الدراسات العلمية المموَّلة من الشركات
TT

اللحوم الحمراء «أكثر صحية» في الدراسات العلمية المموَّلة من الشركات

اللحوم الحمراء «أكثر صحية» في الدراسات العلمية المموَّلة من الشركات

في مراجعة نُشرت حديثاً في المجلة الأميركية للتغذية السريرية (American Journal of Clinical Nutrition)، توصّل العلماء إلى استنتاج مُقلق، إذ بدت اللحوم الحمراء أكثر صحية في الدراسات التي موّلتها شركات اللحوم الحمراء، كما كتبت كارولين هوبكنز ليغاسبي(*).

تضارُب المصالح

لا يبدو هذا مُستغرباً لأي شخص مُطّلع على أبحاث التغذية، التي غالباً ما تنطوي على تضارب في المصالح بسبب نقص التمويل الحكومي. ولكنه مثال آخر على كيف يُمكن للدراسات المُرتبطة بالشركات أن تُؤثر في طريقة فهم الناس، وربما سوء فهمهم، للعواقب الصحية لما يتناولونه.

أبحاث سابقة مريبة حول تقليل أضرار السكر

على سبيل المثال، قلّلت أبحاث سابقة موّلتها شركات صناعة السكر من أهمية العلاقة بين السكر والحالات الصحية مثل السمنة وأمراض القلب. كما أشارت دراسات موّلتها شركات صناعة الكحول إلى أن الشرب المُعتدل يُمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي.

أدلة متباينة حول اللحوم الحمراء

وقال ميغيل لوبيز مورينو، الباحث في جامعة «فرنسيسكو دي فيتوريا» في إسبانيا، الذي قاد التحليل الجديد، في رسالة بريد إلكتروني، إنه يريد معرفة ما إذا كانت هناك مشكلات مماثلة تواجه البحث المتعلق باللحوم الحمراء غير المصنَّعة. وأضاف أن اللحوم المصنَّعة، مثل اللحم المقدد والنقانق، ترتبط باستمرار بخطر الإصابة بأمراض القلب، لكن الأدلة المتعلقة باللحوم الحمراء غير المصنَّعة، مثل شرائح اللحم، كانت «أكثر تبايناً».

حملة أميركية لتقليل شأن أضرار الدهون المشبَّعة

يأتي هذا السؤال في وقته المناسب، حيث تحدثت شخصيات مؤثرة مثل وزير الصحة الأميركي، روبرت إف. كينيدي الابن، ومقدمو بودكاست مثل جو روغان وليكس فريدمان، بشكل إيجابي عن الأنظمة الغذائية الغنية باللحوم، وقللوا من المخاطر الصحية للدهون المشبعة، مما أثار قلق خبراء الصحة العامة.

لطالما عرفنا أن تناول الدهون المشبعة، الموجودة بكثرة في اللحوم الحمراء، يرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية. فبماذا تخبرنا هذه النتيجة الجديدة عن كيفية تأثير المصالح المالية في فهم الناس لما هو مفيد لهم؟

والآن، إليكم ما يقوله الخبراء.

ما توصلت إليه المراجعة الجديدة

حلل مورينو وفريقه من مؤسسات بحثية في إسبانيا، 44 تجربة سريرية نُشرت بين عامي 1980 و2023. وبحثت الدراسات في كيفية تأثير تناول اللحوم الحمراء غير المصنَّعة على خطر إصابة المشاركين بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك قياس مستويات الكوليسترول وضغط الدم والدهون الثلاثية لديهم.

شملت الدراسات الـ44، التي أُجري نصفها في الولايات المتحدة، بالغين تناولوا لحوماً حمراء غير مصنَّعة أو اتبعوا نظاماً غذائياً مُقارناً (لإنقاص الوزن) لعدة أسابيع أو أشهر. شملت بعض الدراسات بالغين أصحاء، بينما ركزت دراسات أخرى على من لديهم عوامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل ارتفاع الكوليسترول أو السمنة.

دراسات مموَّلة من شركات اللحوم

من بين الدراسات الـ44 التي حلَّلها العلماء، حصلت 29 دراسة على تمويل من مجموعات صناعية مرتبطة باللحوم الحمراء، مثل الرابطة الوطنية لمربي الماشية والمجلس الوطني للخنازير. أما التجارب الـ15 المتبقية، فقد مُوّلت من منح حكومية أو مؤسسات أكاديمية أو مؤسسات غير ربحية لا صلة لها بالصناعة.

نتائج إيجابية ومحايدة في دراسات الشركات

وجد مورينو وزملاؤه أن التجارب المموَّلة من صناعة اللحوم الحمراء كانت أكثر احتمالاً بأربع مرات تقريباً، للإبلاغ عن نتائج إيجابية أو محايدة في أمراض القلب والأوعية الدموية بعد تناول اللحوم الحمراء غير المصنَّعة، مقارنةً بالدراسات التي لا توجد بها مثل هذه التمويلات.

وفي حين أفادت جميع الدراسات المموَّلة بشكل مستقل بنتائج سلبية أو محايدة في أمراض القلب والأوعية الدموية، أفادت الدراسات المموَّلة من الصناعة بنتائج إيجابية أو محايدة.

ولم يُبلغ مؤلفو المراجعة الجديدة عن أي تضارب لديهم في المصالح أو عن روابط مع صناعة الأغذية.

صورة مُربكة للجمهور

قالت ديردري توبياس، الأستاذة المساعدة في الطب بكلية الطب بجامعة هارفارد، إنه عندما يرى الشخص العادي مجموعة من التجارب التي تدرس موضوعاً واحداً ولكنها تحصل على نتائج مختلفة، فقد يكون من الصعب معرفة ما يجب تصديقه. وأضافت أن هذا يمكن أن «يقوض علم التغذية». وكتبت توبياس، في افتتاحية في المجلة الأميركية للتغذية السريرية رافقت الدراسة الجديدة، أن هذه النتائج المختلفة ربما تكون نابعة من كيفية إعداد الدراسات في المقام الأول.

يمكن لدراسات التغذية الفردية أن تُبيّن كيفية مقارنة الآثار الصحية لبعض الأطعمة مع آثار أطعمة أخرى محددة. ولكن لإثبات ما إذا كان طعام معين، أو مجموعة غذائية كاللحوم الحمراء، مفيداً أم ضاراً بالصحة بشكل عام، فإنه يجب على العلماء النظر في نتائج عديد من الدراسات المختلفة التي تُقارنه بجميع المجموعات الغذائية والأنظمة الغذائية المُمكنة.

عدم مقارنة اللحوم مع الأطعمة الأخرى المفيدة

وأظهرت المراجعة الجديدة أن دراسات اللحوم الحمراء المُمولة من الصناعة، بشكل عام، أهملت مُقارنة اللحوم الحمراء بمجموعة كاملة من الأطعمة التي قد يتناولها الناس -بما في ذلك الأطعمة التي نعلم أنها مفيدة للقلب مثل الحبوب الكاملة أو مصادر البروتين النباتي مثل التوفو والمكسرات والبقوليات. بدلاً من ذلك، قارن كثير من الدراسات اللحوم الحمراء غير المُصنّعة بأنواع أخرى من البروتين الحيواني مثل الدجاج أو السمك، أو بالكربوهيدرات مثل الخبز أو المعكرونة أو الأرز.

من ناحية أخرى، قارنت الدراسات المُمولة بشكل مستقل اللحوم الحمراء بمجموعة كاملة من الأنظمة الغذائية المُختلفة -بما في ذلك أنواع أخرى من اللحوم والحبوب الكاملة والأطعمة النباتية الصحية للقلب مثل منتجات الصويا والمكسرات والفاصوليا - وفقاً لما ذكره توبياس. وأضافت أن هذه النظرة الأكثر شمولاً تُقدم صورةً أوضح لمخاطر أو فوائد اللحوم الحمراء.

إغفال متعمَّد؟

وبالطبع، لا يمكننا إثبات أن العلماء الذين صمموا الدراسات المموَّلة من الصناعة قد أغفلوا بعض المقارنات عمداً لجعل اللحوم الحمراء تبدو جيدة، كما قال الدكتور والتر سي. ويليت، أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كلية «تي إتش تشان» للصحة العامة بجامعة هارفارد. لكنه أضاف أن هذا الاتجاه مُدمر للغاية.

وقال متحدث باسم الجمعية الوطنية لمربي الماشية، في رسالة بريد إلكتروني، إن «مزارعي ومربّي لحوم البقر يدعمون البحث العلمي المعياري»، وإن كلاً من مصادر البروتين الحيوانية والنباتية يمكن أن تكون جزءاً من نظام غذائي صحي للقلب.

ويقول خبراء التغذية إنه من الصحيح أنه يمكن أن يكون هناك مجال لكلا المصدرين من البروتين في نظام غذائي صحي. وبينما يمكننا استخدام مزيد من الدراسات -وأكبر حجماً وأطول- التي تُقارن مصادر البروتين النباتي عالية الجودة مع اللحوم الحمراء غير المُصنعة، كما قال ويليت، فإن الأدلة حتى الآن تشير إلى أن البروتينات النباتية أفضل لصحة القلب من البروتينات الحيوانية الغنية بالدهون المشبعة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
TT

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

توجد أمام الباحثة إستر أولواغبينغا، بيضةٌ على حامل ثلاثي أزرق، وقد قُطعت نافذة مثلثة صغيرة في قشرتها. وعندما وضعت أولواغبينغا الفتحة تحت المجهر، كشفت عن جنين الدجاجة في الداخل.

أجنة الدجاج المختبرية

في يومه الثالث، تطوّر الجنين إلى سحابة ضبابية، بقلب نابض بحجم رأس الدبوس.

وتتدفق الخلايا عبر شرايين قرمزية اللون بشكل متقطع، كحركة المرور في ساعة الذروة.

إستر أولواغبينغا Esther Oluwagbenga، عالمة في شركة ناشئة للتكنولوجيا الحيوية تُدعى «نيون بايو» (Neion Bio)، وهي واحدة من العلماء القلائل في العالم الذين يمتلكون مهارة الحقن في شريان جنين الدجاجة. تقول أولواغبينغا: «عندما رأيت أحدهم يفعل ذلك لأول مرة، اندهشت. أردت حقاً أن أتعلم كيف أفعل ذلك. لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما كنت أتصور. أتدرب (على ذلك) مرتين على الأقل أسبوعياً».

حقنة في شريان الجنين

لإثبات هذه العملية الاستثنائية، تأخذ أنبوباً بلاستيكياً طويلاً من خطاف رف وتضع أحد طرفيه في فمها. أما الطرف الآخر، فيحتوي على إبرة محملة بصبغة زرقاء.

وبينما تنظر الباحثة إلى الجنين على شاشة الكمبيوتر، تُدخل الإبرة عبر نافذة قشرة البيضة، إلى داخل الجنين، ثم إلى شريان. وبنفخة خفيفة، تدفع الصبغة إلى الوعاء الدموي. وما أن ينبض لب الكتكوت، حتى يتحول جهازه الدوري لوحةً زرقاء.

الباحثة فستر أولواغبينغا

بيض الدجاج مصانع للأدوية

تُوظّف أولواغبينغا هذه المهارة الجديدة في مهمة شركة «نيون بايو»، وهي: تحويل بيض الدجاج مصانعَ للأدوية. فهي وزملاؤها يُجرون هندسة وراثية على الطيور لإنتاج مركبات طبية.

محاولات علمية دؤوبة

حاول العلماء على مدى ثلاثة عقود إنتاج الأدوية في البيض، ولكن النتائج كانت ضئيلة حتى الآن. ولم تُجز إدارة الغذاء والدواء الأميركية سوى دواء واحد مُنتَج من الدجاج للاستخدام في الولايات المتحدة، هو دواء «كانوما» Kanuma لعلاج اضطراب كبدي نادر، حصل على الموافقة في عام 2016، بتكلفة سنوية للمريض الواحد تبلغ 310000 دولار.

3 مركبات طبية

ولكن منذ ذلك الحين، سهّلت سلسلة من الاكتشافات عملية هندسة الدجاج. يقول كين-إيتشي نيشيجيما، عالم الأحياء بجامعة ناغويا في اليابان: «لقد تحسّن الوضع بشكل كبير».

وخرجت شركة «نيون بايو»، التي تأسست عام 2024، من مرحلة التأسيس السري يوم الخميس لتعلن عن اتفاقية لتطوير ثلاثة مركبات مع شركة أدوية كبرى. ولم تُحدّد الشركة في إعلانها الأدوية التي ستعمل عليها.

تكلفة علاج متدنية

وقال سام ليفين، أحد مؤسسي الشركة، إن استخدام البيض في صناعة الأدوية قد يُخفّض تكلفتها إلى عُشر أو حتى جزء من مائة من تكلفتها الحالية.

وأضاف: «إنها سلسلة إمداد طبي تعتمد على الحبوب الزراعية والماء».

حيوانات لإنتاج الأدوية

أما العديد من الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم، مثل دواء السرطان كيترودا ودواء التهاب المفاصل هيوميرا، فهي عبارة عن بروتينات كبيرة ومعقدة، ولا يستطيع العلماء تصنيعها بالتفاعلات الكيميائية؛ لذا يقومون بهندسة خلايا من مبيض الهامستر الصيني لإنتاج هذه الأدوية.

الهامستر الصيني

كان اختيار مبيض الهامستر الصيني محض صدفة تاريخية. ففي أوائل القرن العشرين، رغب علماء في جامعات بكين في الحصول على حيوانات للدراسة. ولعدم تمكنهم من الحصول على فئران المختبر من الغرب، قاموا باصطياد الهامستر من الحقول المحيطة بالمدينة.

وفي نهاية المطاف، أثبت الهامستر فائدته الكبيرة لدرجة أن العلماء الأميركيين تمكنوا من الحصول عليه. وفي خمسينات القرن الماضي، اكتشف عالم الوراثة ثيودور باك أن خلايا مبيضه تقوم بأمر نادر الحدوث بين خلايا الثدييات (اللبائن): سهولة إنمائها مختبرياً.

واستخدم العلماء خلايا المبيض لدراسة الحمض النووي، وفي ثمانينات القرن الماضي، اكتشفوا كيفية هندستها بإضافة جينات أخرى، ثم استخلاص البروتينات المُصنّعة من تلك الجينات.

واليوم، تُزرع خلايا الهامستر الصيني في خزانات فولاذية ضخمة، لإنتاج دواء كيترودا والعديد من الأدوية الأخرى. لكن إنتاج الأدوية من هذه الخلايا ليس بالأمر الهين.

للحفاظ على نمو الخلايا في خزاناتها؛ يتعين على الفنيين إضافة مزيج معقد من المكونات والتخلص من النفايات الناتجة. قد تصل تكلفة تصنيع غرام واحد من الدواء إلى مئات أو آلاف الدولارات. وحتى المرافق اللازمة لزراعة الخلايا باهظة الثمن. في العام الماضي، بدأت شركة «ميرك» في بناء مصنع في ولاية ديلاوير لإنتاج دواء «كيترودا»، وستنفق الشركة مليار دولار على بنائه.

تهيئة حقنة الشريان الجنيني

التوجه إلى بيض الدجاج

في تسعينات القرن الماضي، تساءل بعض العلماء عما إذا كان بيض الدجاج قد يوفر طريقة أفضل لإنتاج بعض هذه الأدوية. على عكس خلايا مبيض الهامستر الصيني، يُعدّ بيض الدجاج مصدراً غنياً بالبروتين؛ إذ يحتوي بياض البيضة الواحدة على 6 غرامات من البروتين. يقول جاي يونغ هان، عالم الأحياء في جامعة سيول الوطنية: «يمكن للبيض أن يعمل كمفاعلات حيوية مكتفية ذاتياً».

لكن تحويل البيض مصانعَ للأدوية لم يكن بالأمر السهل؛ إذ كانت التقنية معقدة للغاية.

وقال مايكل ماكغرو، عالم الأحياء في معهد روزلين بإدنبره، اسكوتلندا، والعضو في المجلس الاستشاري لشركة «نيون بايو»: «كانت التقنية بالغة الصعوبة». في معظم الأحيان، فشلت هذه التقنية في هندسة الحمض النووي للدجاج بشكل صحيح؛ ما أدى إلى سنوات من التجربة والخطأ لإنتاج طيور قادرة على إنتاج دواء بكفاءة.

وأسهم ماكغرو في تطوير أساليب أفضل. فقد استغل حقيقة أن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية والبويضات تدور في مجرى الدم في المراحل المبكرة من نمو جنين الطائر، ولا تهاجر إلى أعضائه التناسلية إلا لاحقاً. وقد ابتكر ماكغرو طرقاً لاستخلاص هذه الخلايا الجرثومية الأولية من أجنة الدجاج، ثم تنميتها بالملايين.

دجاج معدل وراثياً

سمح هذا التقدم للعلماء بإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي للخلايا الجرثومية الأولية. في السنوات الأخيرة، أسس عدد من العلماء شركات للاستفادة من هذه التقنيات الجديدة، من بينها شركة «أفينوجين»، التي أسسها هان، وشركة «نيون بايو».

أخيراً... فقست الكتاكيت الأولى

لإنتاج أول قطيع من الدجاج المعدل وراثياً، أدخل فريق «نيون بايو»، جينات في الخلايا الجرثومية الأولية لإنتاج دواء في بياض البيض. وحقنت أولواغبينغا وزملاؤها الخلايا المعدلة في مجرى دم أجنة الدجاج. ثم أغلقوا قشرة البيض بإحكام وانتظروا حتى تنقر الكتاكيت طريقها للخروج.

فقست الكتاكيت الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي. والآن، يمتلك فريق «نيون» قطيعاً من 50 ديكاً من سلالة ليغورن المعدلة وراثياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.