هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

العلماء يدرسون تأثيرات الإستروجين على الإصابة بالحالات العصبية

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»
TT

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

الإستروجين سلاحٌ مُتعدد الاستخدامات للهرمونات، ويُعرف بين العلماء بتنوع استخداماته، فإلى جانب دوره الرئيس في تعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، فإنه يقوّي العظام، ويحافظ على ليونة الجلد، وينظم مستويات السكر بالدم، ويزيد من تدفق الدم، ويقلل الالتهابات، ويدعم الجهاز العصبي المركزي.

في هذا السياق، أوضحت روبرتا برينتون، عالمة الأعصاب ومديرة «مركز الابتكار في علوم الدماغ»، التابع لجامعة أريزونا، أن «أي عضو تسميه، ستجد أن الإستروجين يعزز صحته».

تأثيرات الإستروجين على الدماغ

ومع ذلك، فإن تقدير الدور الأوسع للإستروجين تأخر كثيراً. وقد جرى التعرف على هذا المركب لأول مرة عام 1923، ومنذ ذلك الحين عُرف بهرمون الجنس الأنثوي – وهو وصف أحادي البعد ارتبط باسمه.

يأتي اسم «الإستروجين» estrogen من الكلمة اليونانية «أوستروس» (oestrus)، وتعني حرفياً «ذبابة مزعجة»، تشتهر بإثارة الماشية ودفعها نحو نوبة غضب جنونية. ولكن علمياً، أصبح مصطلح estrus «الشبق» يعني الفترة في دورات التكاثر لدى بعض الثدييات، التي تكون فيها الإناث خصبة ونشيطة جنسياً.

أما البشر، فيدخلون مرحلة «الشبق»، بل يحيضون. ومع ذلك، حين أُطلق اسم «الإستروجين»، حُصر دوره في إثارة الشهوة الجنسية ودعم الصحة الجنسية الأنثوية. أما اليوم، فيجري الاعتراف بدور الإستروجين الذي قد يكون أهم أدواره على الإطلاق: تأثيره على الدماغ.

من ناحيتهم، اكتشف علماء الأعصاب أن الإستروجين ضروري لنمو الدماغ بشكل صحي، لكنه يساهم كذلك في حالات مثل التصلب المتعدد ومرض ألزهايمر. أضف إلى ذلك أن التغيرات في مستويات الإستروجين – سواء جراء الدورة الشهرية أو مصادر خارجية – يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصداع النصفي، ونوبات الصرع، وأعراض عصبية شائعة أخرى.

عن ذلك، قال الدكتور هيمان شيبر، طبيب الأعصاب بجامعة ماكجيل: «هناك عدد هائل من الأمراض العصبية، التي يمكن أن تتأثر بتقلبات الهرمونات الجنسية. وتنبغي إعادة توظيف الكثير من العلاجات المستخدمة في الطب التناسلي لعلاج هذه الأمراض العصبية». يذكر أنه أدرج اثني عشر منها في مراجعة حديثة نُشرت في «دورية طب الدماغ» (Brain Medicine).

واليوم، ترتب على إدراك أن الهرمونات الجنسية هي بالوقت ذاته هرمونات دماغية، تغيير في الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع صحة الدماغ والأمراض المرتبطة به؛ ما يساعدهم في توجيه العلاج، وتفادي التفاعلات الضارة، وتطوير علاجات جديدة تعتمد على الهرمونات.

المستقبلات في كل مكان

لدى النساء، يجري إنتاج الإستروجين بشكل رئيس في المبايض، مع كميات أقل تُنتجها الغدد الكظرية والخلايا الدهنية. أما لدى الرجال، فيُحوّل الإستروجين من التستوستيرون في الخصيتين، ويلعب دوراً حيوياً في إنتاج الحيوانات المنوية، وتقوية العظام، ووظائف الكبد، واستقلاب الدهون، وغيرها.

إلا أنه في كلا الجنسين، ينتج الدماغ كذلك إستروجينه الخاص؛ ما يؤكد أهميته العصبية. عن ذلك، شرحت ليزا موسكوني، عالمة الأعصاب ومديرة «مبادرة حماية دماغ المرأة»، التابعة لكلية طب وايل كورنيل، أن: «الدماغ يعدّ، جزئياً، عضواً غدياً صمّاوياً».

إن الدماغ غني بمستقبلات الإستروجين، التي تومض نشاطاً وخموداً طوال الحياة. وفي السابق، ساد اعتقاد بأن هذه المستقبلات تتمركز حول بُنى ذات وظائف تناسلية محددة، مثل الغدة النخامية pituitary والوطاء hypothalamus. في الواقع، «إنها موجودة بكل مكان»، حسبما ذكرت موسكوني، التي طورت تقنية PET (التصوير البوزيتروني) لرصد المستقبلات داخل الدماغ الحي. وأضافت: «لم نتمكن حتى من العثور على منطقة فارغة تماماً».

داخل الدماغ، يمكن للإستروجين أن يرتبط مباشرة بمستقبلات داخل الخلايا العصبية وخلايا أخرى، محدِثاً سلسلة من التفاعلات. كما يمكن كذلك أن يتحلل إلى نواتج أيضية، تُعرف باسم «الستيرويدات العصبية» neurosteroids، التي لها تأثيرات بعيدة المدى خاصة بها.

وأصبحت بعض هذه الستيرويدات العصبية، تُستخدم في علاجات منفصلة: «ألوبريغنانون»، Allopregnanolone ناتج أيضي من البروجستيرون، يشكل أساس دواء يُستخدم لعلاج بعض أنواع الصرع. ويجري حالياً اختباره في تجربة سريرية، بصفته علاجاً تجديدياً محتملاً لمرض ألزهايمر.

وداخل الرحم، يساعد الإستروجين القادم من الأم في تنظيم دوائر الدماغ العصبية للجنين، وتوجيه إنتاج خلايا الدماغ، والتأثير في نمو مناطق الدماغ المختلفة. وخلال التحولات الكبرى، مثل البلوغ، والحمل، وانقطاع الطمث، يساعد الإستروجين في تشذيب وإعادة تشكيل الدماغ من جديد.

ومع ذلك، يدرك الباحثون الآن أن الإستروجين يؤثر في تشكيل الدماغ في جميع مراحل الحياة؛ فهو قادر على تنظيم نشاط الخلايا العصبية، وتقليل الالتهاب، وزيادة اللدونة العصبية، والمساعدة في تحويل الغلوكوز طاقةً، ومنع تراكم اللويحات، وتحسين تدفق الدم داخل الدماغ.

إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه أنه ليس كل هذه التأثيرات إيجابية، فقد وجد الدكتور شيبر، من خلال تجارب على القوارض، أن الاستخدام طويل الأمد للإستروجين، يمكن أن يؤدي إلى تقدم بعض مناطق الدماغ في السن. وقال: «لا يوجد هرمون يفعل شيئاً واحداً فقط»، مضيفاً: «أنا أرى الإستروجين سيفاً ذا حدين».

الحمل وحماية الدماغ

فيما مضى، كان علماء الأعصاب يعلمون أن للإستروجين تأثيرات تتجاوز الجهاز التناسلي، لكنهم اختاروا عدم دراستها: قبل عام 2016، كانوا يستبعدون إناث الحيوانات من التجارب عموماً، لتجنب التعامل مع الفروقات السلوكية والفسيولوجية الناتجة عن تغيّرات الهرمونات خلال الدورة الشهرية.

في هذا الإطار، تساءلت الدكتور روندا فوسكول، اختصاصية الأعصاب في «برنامج سن اليأس الشامل»، بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «كيف ستعرف ما إذا كان الإستروجين يحمي الأعصاب، إذا لم تُجرِ أي تجارب على الإناث؟!».

عام 1998، كانت فوسكول تبحث عن جزيء يحمي الدماغ من آثار التصلب اللويحي، الذي يهاجم الجهاز المناعي الخلايا العصبية، ويجردها من غلافها الواقي. ويُصيب التصلب اللويحي قرابة مليون أمريكي، معظمهم من النساء.

وقد بدأ بحثها بملاحظة سريرية: من المعروف أن الحمل يحمي النساء من أعراض التصلب المتعدد، ففي الثلث الأخير من الحمل، تنخفض معدلات الانتكاس بنسبة 70 في المائة؛ ويبدو أن الحمل فعال بقدر فاعلية أفضل الأدوية. ومع ذلك، تبقى هذه الحماية مؤقتة، فبعد الولادة، يتفاقم خطر الانتكاس بشكل حاد.

من جهتها، كانت فوسكول مدركة للأمر لأن الجهاز المناعي يهدأ في أثناء الحمل، على الأرجح لحماية الجنين الذي يُعد نسيجاً نصف غريب. إلا أنها اشتبهت في أن هناك سبباً أعمق عن ذلك. وقالت: «من المنطقي أن تمتلك الأم شيئاً لا يقتصر فقط على كونه مضاداً للالتهاب، بل يحمي الأعصاب كذلك».

وبالفعل، تبيَّن أن هذه المادة - الإيستريول ـ نوع من الإستروجين يُنتج أساساً عن طريق المشيمة. عام 2016، أظهرت فوسكول، من خلال تجربة سريرية عشوائية على 164 امرأة، أن علاج الإيستريول على مدار عامين، قلل بشكل ملحوظ من انتكاسات التصلب المتعدد.

كما بدا أنه يُحسن وظائف الإدراك، ويُقلل من ضمور المادة الرمادية في الدماغ.

وكان الإيستريول estriol معروفاً بكونه آمناً؛ إذ تستخدمه المريضات اللائي يعشن مرحلة انقطاع الطمث في أوروبا منذ عقود. وعلى عكس الإستراديول estradiol، لا يرتبط الإيستريول بقوة بمستقبلات الثدي؛ ما يعني أنه لا يحمل نفس خطر الإصابة بسرطان الثدي على المدى الطويل. ولذلك؛ وصفته فوسكول بأنه: «هدية للعلماء».

بالتأكيد، تبدو هذه نتائج واعدة لمرضى التصلب المتعدد. واليوم، تعكف فوسكول على دراسة ما إذا كانت هذه النتيجة تنطبق ليس فقط على مرضى التصلب المتعدد، بل على جميع النساء في سن اليأس. وقد طورت علاجاً هرمونياً نال براءة اختراع، يُدعى «بيرل باك» (PearlPAK)، يحتوي على الإستريول، وتبيعه شركة «كليوباترا آر إكس»، التي تشغل منصب مستشارة طبية لديها.

وبحسب الموقع الإلكتروني، فإن «بيرل باك» قادر على معالجة «مشكلات الذاكرة والصحة الإدراكية الناتجة عن انقطاع الطمث». وهذه الفرضية التي تحاول فوسكول اختبارها، من خلال مراقبة النساء اللواتي يستخدمن «بيرل باك» سنوياً، عبر الاختبارات الإدراكية. وعن هذا، قالت: «أنا فقط أطبق الطريقة التي نتبعها في علاج التصلب المتعدد على انقطاع الطمث».

ونبَّهت إلى إن النتائج لن تكون بمستوى قوة نتائج التجارب العشوائية، لكنها أشارت إلى أن شركات أخرى متخصصة في التعامل مع مشكلات سن اليأس، كانت تروج لفوائد مماثلة دون أدلة كافية. وأضافت: «على الأقل لدينا مادة حقيقية».

إرث مشحون

هذه ليست المرة الأولى التي يُروَّج فيها لعلاج الإستروجين، بصفته حلاً شاملاً لمشكلات الإدراك لدى النساء في سن اليأس. قال شيفر: «قبل عام 2000، كان يبدو أن الإستروجين دواءً سرياً».

في ذلك الوقت، كان يُعتقد أن الهرمون يحمي الدماغ من السكتات الدماغية ومرض ألزهايمر ـ وهو اعتقاد مدعوم بالكثير من الدراسات على الحيوانات وبعض الدراسات الرصدية على البشر.

إلا أنه عام 2003، انقلبت الأمور، فقد كشفت «دراسة مبادرة صحة ذاكرة المرأة» — تجربة سريرية محورية تتبعت التأثيرات طويلة الأمد للعلاج الهرموني لدى النساء، بعد انقطاع الطمث — عن أن النساء الأكبر سناً اللاتي تناولن الإستروجين فقط (وليس الإستروجين مع البروجسترون)، كُن أكثر عرضة للإصابة بالخرف بمقدار الضعف، مقارنة بالنساء اللاتي تناولن علاجاً وهمياً.

وقد توقّف الأطباء عن وصف الإستروجين للنساء بعد انقطاع الطمث، وتوقفت النساء عن تناوله، خوفاً من هذه النتائج. وعلقت مارغريت مكارثي، عالمة الأعصاب بجامعة ميريلاند: «كان موقف الكثير من العلماء على النحو الآتي: لماذا ندرسه؟ لن تتناول النساء الإستروجين بعد الآن، فلا فائدة من البحث»، مضيفة: «كان ذلك كارثياً على الأبحاث».

في وقت لاحق، تبيّن أن هذه النتيجة تنطبق فقط على النساء اللواتي بدأن العلاج بالإستروجين في سن 65 أو أكثر، أي بعد مرور أكثر من 10 سنوات على آخر دورة شهرية. أما فيما يخص النساء بين سن 50 و55، فقد وجدت مراجعة شاملة أن تأثير الإستروجين على خطر الإصابة بالخرف كان محايداً. ولم تُدرج النساء الأصغر سناً في الدراسة الأصلية.

والآن، أصبح على الباحثين تجاوز فكرة أن الإستروجين يحمي الدماغ، وطرح سؤال أكثر دقة: متى بالضبط، وكيف، يحمي هذا الهرمون الدماغ؟

التركيز على جذور ألزهايمر

يصل دور الإستروجين في صحة الدماغ إلى أكثر مستويات الجلاء والوضوح في سن اليأس، حين يسهم تراجعه في ظهور أعراض إدراكية تعرفها النساء جيداً وتكرهها: الهبّات الساخنة، اضطرابات النوم، وضبابية الدماغ. ويعتقد بعض علماء الأعصاب أن فقدان الإستروجين أحد الأسباب الرئيسة لكون النساء أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر، بمقدار الضعف مقارنة بالرجال.

مع انحسار مستويات الإستروجين، يتغير كذلك الدماغ، فحتى سن اليأس، يعتمد الدماغ بشكل كبير على الغلوكوز مصدراً للطاقة، ويُساعد الإستروجين في تحويله طاقةً. أما بعد انقطاع الطمث، فيبدأ الدماغ في الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة، بما في ذلك استهلاك مادته البيضاء، حسبما كشفت برينتون في دراسات أجرتها على الحيوانات.

وقالت برينتون: «إنه استجابة للجوع»، مضيفة: «لا علاقة لهذا بالقدرة الإنجابية، بل بكل ما يتعلق بالدماغ الذي يمر بمرحلة انتقالية».

وقد تكون هذه المرحلة نقطة البداية التي يظهر فيها الضعف الإدراكي المرتبط بألزهايمر — ومن الناحية النظرية، قد يكون هذا الوقت الذي يمكن أن يساعد فيه العلاج بالإستروجين أو تدخل آخر في الوقاية من التدهور المعرفي. إلا أن برينتون لم تكن تمتلك وسيلة لرؤية ذلك داخل دماغ الإنسان. وفي عام 2014، تواصلت مع موسكوني، خبيرة تصوير الأعصاب، للحصول على المساعدة.

في ذلك الوقت، كان الأطباء قادرين على قياس مستويات الإستروجين في الدم فقط، لكن موسكوني أدركت أن ملايين الأميركيين يستعينون بنوع من العلاج القائم على الإستروجين، ولا أحد يعرف تأثيره على أدمغتهم. لذا؛ طورت تقنية تصوير تسمح برؤية مستقبلات الإستروجين في الدماغ، من خلال إعادة استخدام مادة مشعة تُستخدم أصلاً للكشف عن المستقبلات نفسها في سرطان الثدي.

عام 2024، فوجئت هي وبرينتون حين اكتشفتا أن عدد مستقبلات الإستروجين في الدماغ يبدو أنه يزداد بشكل كبير بعد انقطاع الطمث، ربما في محاولة لجذب المزيد من هذا الهرمون. أما المثير للاهتمام حقاً أنه كلما زاد عدد مستقبلات الإستروجين لدى المرأة، كانت نتائج ذاكرتها وقدراتها الإدراكية أسوأ.

وفي فبراير (شباط)، أطلقت موسكوني برنامج أبحاث بقيمة 50 مليون دولار، بتمويل من مؤسسة «ويلكم ليب»، تحت اسم «تقليل خطر ألزهايمر من خلال علم الغدد الصماء».

وتأمل موسكوني في رصد تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بألزهايمر، بسبب تغيرات الدماغ المرتبطة بالإستروجين، ومعرفة ما إذا كان العلاج الهرموني المُقدم خلال فترة زمنية حرجة يمكن أن يُساعد في خفض خطر الإصابة لديهن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

يوميات الشرق الحرص على التعرض لضوء الشمس منذ الصباح يعزز النشاط (مجلة ريل سمبل)

5 طرق فعالة لإيقاظ الجسم من خمول الشتاء

مع انتهاء أشهر البرد وقِصر ساعات النهار، يشعر كثيرون بانخفاض في مستويات الطاقة وصعوبة في استعادة النشاط المعتاد مع بداية فصل الربيع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الدكتور شريف الشرقاوي الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة كينجز كوليدج لندن يحمل مجسماً لجمجمة بشرية (جامعة كينجز كوليدج لندن)

مادة مبتكرة من الصوف لعلاج كسور العظام

تمكن باحثون في بريطانيا من تطوير مادة حيوية مبتكرة مشتقة من الصوف، قد تمثل بديلاً واعداً للمواد المستخدمة حالياً في علاج كسور وإصابات العظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك مكملات «أوميغا 3» (أرشيفية - رويترز)

ماذا يحدث لذاكرتك عند تناول مكملات «أوميغا 3» مع التقدم في العمر؟

تبرز أحماض «أوميغا-3» الدهنية بوصفها عنصراً غذائياً أساسياً قد يلعب دوراً مهماً في دعم وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الزعتر عشبة من عائلة النعناع (بيكساباي)

ما تأثير تناول الزعتر على صحة القلب؟

ظهرت الدراسات أن تناول الزعتر (Thymus vulgaris) له آثار إيجابية على صحة القلب، وذلك بفضل خصائصه القوية المضادة للأكسدة والالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب يُعد مكوناً مرناً يمكن إدخاله بسهولة في النظام الغذائي اليومي (بيكسلز)

ما أفضل منتج ألبان لخفض الكوليسترول؟

عند محاولة خفض مستويات الكوليسترول يلجأ كثيرون إلى تقليل استهلاك منتجات الألبان، أو تجنبها تماماً، اعتقاداً بأنها ترفع الكوليسترول في الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟


طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
TT

طاقة نظيفة من النفايات

المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)
المفاعل الجديد قادر على إعادة تدوير أنواع مختلفة من النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى وقود نظيف ومواد كيميائية قيمة (جامعة كمبريدج)

ينتج العالم نحو 400 مليون طن من نفايات البلاستيك سنوياً، كما تتكدس ملايين البطاريات المستهلكة، ورغم ذلك فإن نسبة إعادة تدوير تلك النفايات لا تتجاوز 18 في المائة، في حين يُحرق الباقي أو يُدفن في مكبات النفايات أو يتسرب إلى البيئة.

وهنا يُطرح سؤال: هل يمكن لنوع من النفايات أن يتحول إلى حل للتخلص من نوع آخر؟ تأتي الإجابة من مختبرات جامعة كمبريدج البريطانية، حيث نجح باحثون في تحويل الحمض المستعاد من البطاريات القديمة ومخلفات البلاستيك المستعصية إلى وقود هيدروجيني نظيف، في ابتكار يعكس مفهوم الاقتصاد الدائري، ويفتح آفاقاً جديدة لإنتاج الطاقة من قلب المهملات، حسب الفريق.

وطوّر الفريق البحثي مفاعلاً يعمل بالطاقة الشمسية قادراً على تفكيك أنواع البلاستيك الصعبة في إعادة التدوير، مثل زجاجات المشروبات والأقمشة النايلون، باستخدام الحمض المستعاد من بطاريات السيارات القديمة، وتحويله إلى وقود هيدروجيني نظيف ومواد كيميائية صناعية قيّمة، ونُشرت النتائج في عدد 6 أبريل (نيسان) 2026 من دورية «Joule».

يتميز المفاعل بأنه يعمل بالطاقة الشمسية، مما يجعله بديلاً أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بأساليب التدوير الكيميائية التقليدية.

آلية العمل

تعتمد أساليب التدوير الكيميائي التقليدية على معالجة البلاستيك باستخدام حرارة عالية أو مواد كيميائية قوية لإعادة تشكيله إلى منتجات جديدة، وغالباً ما تكون هذه العمليات مكلفة وتتطلّب طاقة كبيرة، كما تنتج أحياناً مواد ثانوية ضارة بالبيئة.

أما الطريقة التي طورها الفريق فتستفيد من الطاقة الشمسية لتشغيل المفاعل، مع استخدام الحمض المستعاد من البطاريات المستهلكة لتفكيك سلاسل البوليمرات الطويلة إلى مواد كيميائية أساسية.

وصمّم الفريق محفزاً ضوئياً يتحمّل الظروف التآكلية الشديدة للحمض المستخرج من البطاريات، مما يسمح بتشغيل المفاعل لإنتاج الهيدروجين والمواد الكيميائية دون تلف المعدات. وأثبت المفاعل قدرة على التشغيل المتواصل لأكثر من 260 ساعة دون فقدان الأداء، مع إنتاج عالٍ للهيدروجين وانتقائية كبيرة لإنتاج حمض الأسيتيك.

ويشير الباحثون إلى أن الطريقة لا تعمل مع الحمض النقي فقط، بل تعمل أيضاً مع الحمض المستعاد من بطاريات السيارات، الذي يشكّل 20-40 في المائة من حجم البطاريات التي تُستبدل سنوياً بأعداد ضخمة حول العالم، وعادة ما يُستخرج الرصاص من هذه البطاريات لإعادة بيعه، في حين يتحول الحمض إلى نفايات بعد تحييده.

وتُعدّ هذه التقنية أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر استدامة؛ إذ تحول النفايات إلى هيدروجين نظيف ومواد كيميائية قيمة، في حين تقلل الأثر البيئي المصاحب لعمليات التدوير التقليدية.

ووفق النتائج، تغطي هذه الطريقة نطاقاً واسعاً من أنواع البلاستيك بما في ذلك الأصعب حالياً في إعادة التدوير، مثل النايلون والبولي يوريثان، المستخدمَين في بدائل الخشب والرخام الصناعي وقطع غيار السيارات، وهذا يمثّل توسعاً كبيراً مقارنة بتقنيات إعادة التدوير التقليدية التي تركز غالباً على البلاستيك المستخدم في زجاجات المشروبات والأغلفة وبعض الأقمشة الصناعية.

المفاعل الجديد يتميز بأنه يعمل بالطاقة الشمسية (جامعة كمبريدج)

طرق متعددة

في السياق ذاته، تعمل عدة فرق بحثية في الصين والولايات المتحدة وأوروبا على تطوير تقنيات تحفيزية تحول المخلفات البلاستيكية مباشرة إلى هيدروجين نظيف.

وتشمل هذه الطرق التحفيز الحراري والضوئي والكهربائي، بالإضافة إلى أساليب مختلطة تمكّن من تفكيك البوليمرات البلاستيكية لإنتاج الهيدروجين إلى جانب مواد كيميائية قيمة، مما يدمج بين معالجة النفايات وتوليد الطاقة النظيفة.

كما تطورت تقنيات التحلل الحراري لتصبح من أكثر الطرق نضجاً على المستوى الصناعي، حيث يتم تسخين البلاستيك في غياب الأكسجين لإنتاج وقود سائل وغازات تفاعلية، ويمكن دمجها مع التحفيز الكيميائي لإنتاج هيدروجين نظيف أو وقود للسيارات، وتشمل الأساليب الحديثة استخدام الميكروويف لتحسين كفاءة الإنتاج وجودة الهيدروجين الناتج.

أما المسارات الأكثر استدامة فتتركز على التحفيزَيْن الضوئي والكهروضوئي، اللذَيْن يستخدمان الطاقة الشمسية والمحفزات الكيميائية لدفع التفاعلات دون الحاجة إلى حرارة عالية، مما يسمح بإنتاج الهيدروجين النظيف مع مواد كيميائية جانبية مفيدة، وهو ما استخدمه فريق جامعة كمبريدج، في محاولة لإعادة تدوير البلاستيك المعقّد والصعب التحلل.

يقول أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في القاهرة، الدكتور وحيد إمام، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع النفايات، خصوصاً البلاستيك الذي يشكل أحد أكبر التحديات البيئية عالمياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: تحويل المخلفات البلاستيكية، إلى جانب الاستفادة من نفايات خطرة مثل أحماض بطاريات السيارات، إلى وقود نظيف مثل الهيدروجين، يعكس توجهاً متقدماً نحو تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري الذي لا تتوقف أهميته عند تقليل حجم النفايات فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الحد من التلوث البيئي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ويستدعي انخفاVض معدلات إعادة تدوير البلاستيك عالمياً البحث عن حلول غير تقليدية للتعامل مع الأنواع صعبة التدوير، وفق إمام الذي أكد أن هذه التقنيات قد تمثّل جزءاً من الحل إذا ثبتت جدواها على نطاق صناعي، لكن التحدي الأكبر يكمن في نقل تلك الابتكارات من التجارب المعملية إلى التطبيق الفعلي.