هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

العلماء يدرسون تأثيرات الإستروجين على الإصابة بالحالات العصبية

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»
TT

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

الإستروجين سلاحٌ مُتعدد الاستخدامات للهرمونات، ويُعرف بين العلماء بتنوع استخداماته، فإلى جانب دوره الرئيس في تعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، فإنه يقوّي العظام، ويحافظ على ليونة الجلد، وينظم مستويات السكر بالدم، ويزيد من تدفق الدم، ويقلل الالتهابات، ويدعم الجهاز العصبي المركزي.

في هذا السياق، أوضحت روبرتا برينتون، عالمة الأعصاب ومديرة «مركز الابتكار في علوم الدماغ»، التابع لجامعة أريزونا، أن «أي عضو تسميه، ستجد أن الإستروجين يعزز صحته».

تأثيرات الإستروجين على الدماغ

ومع ذلك، فإن تقدير الدور الأوسع للإستروجين تأخر كثيراً. وقد جرى التعرف على هذا المركب لأول مرة عام 1923، ومنذ ذلك الحين عُرف بهرمون الجنس الأنثوي – وهو وصف أحادي البعد ارتبط باسمه.

يأتي اسم «الإستروجين» estrogen من الكلمة اليونانية «أوستروس» (oestrus)، وتعني حرفياً «ذبابة مزعجة»، تشتهر بإثارة الماشية ودفعها نحو نوبة غضب جنونية. ولكن علمياً، أصبح مصطلح estrus «الشبق» يعني الفترة في دورات التكاثر لدى بعض الثدييات، التي تكون فيها الإناث خصبة ونشيطة جنسياً.

أما البشر، فيدخلون مرحلة «الشبق»، بل يحيضون. ومع ذلك، حين أُطلق اسم «الإستروجين»، حُصر دوره في إثارة الشهوة الجنسية ودعم الصحة الجنسية الأنثوية. أما اليوم، فيجري الاعتراف بدور الإستروجين الذي قد يكون أهم أدواره على الإطلاق: تأثيره على الدماغ.

من ناحيتهم، اكتشف علماء الأعصاب أن الإستروجين ضروري لنمو الدماغ بشكل صحي، لكنه يساهم كذلك في حالات مثل التصلب المتعدد ومرض ألزهايمر. أضف إلى ذلك أن التغيرات في مستويات الإستروجين – سواء جراء الدورة الشهرية أو مصادر خارجية – يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصداع النصفي، ونوبات الصرع، وأعراض عصبية شائعة أخرى.

عن ذلك، قال الدكتور هيمان شيبر، طبيب الأعصاب بجامعة ماكجيل: «هناك عدد هائل من الأمراض العصبية، التي يمكن أن تتأثر بتقلبات الهرمونات الجنسية. وتنبغي إعادة توظيف الكثير من العلاجات المستخدمة في الطب التناسلي لعلاج هذه الأمراض العصبية». يذكر أنه أدرج اثني عشر منها في مراجعة حديثة نُشرت في «دورية طب الدماغ» (Brain Medicine).

واليوم، ترتب على إدراك أن الهرمونات الجنسية هي بالوقت ذاته هرمونات دماغية، تغيير في الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع صحة الدماغ والأمراض المرتبطة به؛ ما يساعدهم في توجيه العلاج، وتفادي التفاعلات الضارة، وتطوير علاجات جديدة تعتمد على الهرمونات.

المستقبلات في كل مكان

لدى النساء، يجري إنتاج الإستروجين بشكل رئيس في المبايض، مع كميات أقل تُنتجها الغدد الكظرية والخلايا الدهنية. أما لدى الرجال، فيُحوّل الإستروجين من التستوستيرون في الخصيتين، ويلعب دوراً حيوياً في إنتاج الحيوانات المنوية، وتقوية العظام، ووظائف الكبد، واستقلاب الدهون، وغيرها.

إلا أنه في كلا الجنسين، ينتج الدماغ كذلك إستروجينه الخاص؛ ما يؤكد أهميته العصبية. عن ذلك، شرحت ليزا موسكوني، عالمة الأعصاب ومديرة «مبادرة حماية دماغ المرأة»، التابعة لكلية طب وايل كورنيل، أن: «الدماغ يعدّ، جزئياً، عضواً غدياً صمّاوياً».

إن الدماغ غني بمستقبلات الإستروجين، التي تومض نشاطاً وخموداً طوال الحياة. وفي السابق، ساد اعتقاد بأن هذه المستقبلات تتمركز حول بُنى ذات وظائف تناسلية محددة، مثل الغدة النخامية pituitary والوطاء hypothalamus. في الواقع، «إنها موجودة بكل مكان»، حسبما ذكرت موسكوني، التي طورت تقنية PET (التصوير البوزيتروني) لرصد المستقبلات داخل الدماغ الحي. وأضافت: «لم نتمكن حتى من العثور على منطقة فارغة تماماً».

داخل الدماغ، يمكن للإستروجين أن يرتبط مباشرة بمستقبلات داخل الخلايا العصبية وخلايا أخرى، محدِثاً سلسلة من التفاعلات. كما يمكن كذلك أن يتحلل إلى نواتج أيضية، تُعرف باسم «الستيرويدات العصبية» neurosteroids، التي لها تأثيرات بعيدة المدى خاصة بها.

وأصبحت بعض هذه الستيرويدات العصبية، تُستخدم في علاجات منفصلة: «ألوبريغنانون»، Allopregnanolone ناتج أيضي من البروجستيرون، يشكل أساس دواء يُستخدم لعلاج بعض أنواع الصرع. ويجري حالياً اختباره في تجربة سريرية، بصفته علاجاً تجديدياً محتملاً لمرض ألزهايمر.

وداخل الرحم، يساعد الإستروجين القادم من الأم في تنظيم دوائر الدماغ العصبية للجنين، وتوجيه إنتاج خلايا الدماغ، والتأثير في نمو مناطق الدماغ المختلفة. وخلال التحولات الكبرى، مثل البلوغ، والحمل، وانقطاع الطمث، يساعد الإستروجين في تشذيب وإعادة تشكيل الدماغ من جديد.

ومع ذلك، يدرك الباحثون الآن أن الإستروجين يؤثر في تشكيل الدماغ في جميع مراحل الحياة؛ فهو قادر على تنظيم نشاط الخلايا العصبية، وتقليل الالتهاب، وزيادة اللدونة العصبية، والمساعدة في تحويل الغلوكوز طاقةً، ومنع تراكم اللويحات، وتحسين تدفق الدم داخل الدماغ.

إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه أنه ليس كل هذه التأثيرات إيجابية، فقد وجد الدكتور شيبر، من خلال تجارب على القوارض، أن الاستخدام طويل الأمد للإستروجين، يمكن أن يؤدي إلى تقدم بعض مناطق الدماغ في السن. وقال: «لا يوجد هرمون يفعل شيئاً واحداً فقط»، مضيفاً: «أنا أرى الإستروجين سيفاً ذا حدين».

الحمل وحماية الدماغ

فيما مضى، كان علماء الأعصاب يعلمون أن للإستروجين تأثيرات تتجاوز الجهاز التناسلي، لكنهم اختاروا عدم دراستها: قبل عام 2016، كانوا يستبعدون إناث الحيوانات من التجارب عموماً، لتجنب التعامل مع الفروقات السلوكية والفسيولوجية الناتجة عن تغيّرات الهرمونات خلال الدورة الشهرية.

في هذا الإطار، تساءلت الدكتور روندا فوسكول، اختصاصية الأعصاب في «برنامج سن اليأس الشامل»، بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «كيف ستعرف ما إذا كان الإستروجين يحمي الأعصاب، إذا لم تُجرِ أي تجارب على الإناث؟!».

عام 1998، كانت فوسكول تبحث عن جزيء يحمي الدماغ من آثار التصلب اللويحي، الذي يهاجم الجهاز المناعي الخلايا العصبية، ويجردها من غلافها الواقي. ويُصيب التصلب اللويحي قرابة مليون أمريكي، معظمهم من النساء.

وقد بدأ بحثها بملاحظة سريرية: من المعروف أن الحمل يحمي النساء من أعراض التصلب المتعدد، ففي الثلث الأخير من الحمل، تنخفض معدلات الانتكاس بنسبة 70 في المائة؛ ويبدو أن الحمل فعال بقدر فاعلية أفضل الأدوية. ومع ذلك، تبقى هذه الحماية مؤقتة، فبعد الولادة، يتفاقم خطر الانتكاس بشكل حاد.

من جهتها، كانت فوسكول مدركة للأمر لأن الجهاز المناعي يهدأ في أثناء الحمل، على الأرجح لحماية الجنين الذي يُعد نسيجاً نصف غريب. إلا أنها اشتبهت في أن هناك سبباً أعمق عن ذلك. وقالت: «من المنطقي أن تمتلك الأم شيئاً لا يقتصر فقط على كونه مضاداً للالتهاب، بل يحمي الأعصاب كذلك».

وبالفعل، تبيَّن أن هذه المادة - الإيستريول ـ نوع من الإستروجين يُنتج أساساً عن طريق المشيمة. عام 2016، أظهرت فوسكول، من خلال تجربة سريرية عشوائية على 164 امرأة، أن علاج الإيستريول على مدار عامين، قلل بشكل ملحوظ من انتكاسات التصلب المتعدد.

كما بدا أنه يُحسن وظائف الإدراك، ويُقلل من ضمور المادة الرمادية في الدماغ.

وكان الإيستريول estriol معروفاً بكونه آمناً؛ إذ تستخدمه المريضات اللائي يعشن مرحلة انقطاع الطمث في أوروبا منذ عقود. وعلى عكس الإستراديول estradiol، لا يرتبط الإيستريول بقوة بمستقبلات الثدي؛ ما يعني أنه لا يحمل نفس خطر الإصابة بسرطان الثدي على المدى الطويل. ولذلك؛ وصفته فوسكول بأنه: «هدية للعلماء».

بالتأكيد، تبدو هذه نتائج واعدة لمرضى التصلب المتعدد. واليوم، تعكف فوسكول على دراسة ما إذا كانت هذه النتيجة تنطبق ليس فقط على مرضى التصلب المتعدد، بل على جميع النساء في سن اليأس. وقد طورت علاجاً هرمونياً نال براءة اختراع، يُدعى «بيرل باك» (PearlPAK)، يحتوي على الإستريول، وتبيعه شركة «كليوباترا آر إكس»، التي تشغل منصب مستشارة طبية لديها.

وبحسب الموقع الإلكتروني، فإن «بيرل باك» قادر على معالجة «مشكلات الذاكرة والصحة الإدراكية الناتجة عن انقطاع الطمث». وهذه الفرضية التي تحاول فوسكول اختبارها، من خلال مراقبة النساء اللواتي يستخدمن «بيرل باك» سنوياً، عبر الاختبارات الإدراكية. وعن هذا، قالت: «أنا فقط أطبق الطريقة التي نتبعها في علاج التصلب المتعدد على انقطاع الطمث».

ونبَّهت إلى إن النتائج لن تكون بمستوى قوة نتائج التجارب العشوائية، لكنها أشارت إلى أن شركات أخرى متخصصة في التعامل مع مشكلات سن اليأس، كانت تروج لفوائد مماثلة دون أدلة كافية. وأضافت: «على الأقل لدينا مادة حقيقية».

إرث مشحون

هذه ليست المرة الأولى التي يُروَّج فيها لعلاج الإستروجين، بصفته حلاً شاملاً لمشكلات الإدراك لدى النساء في سن اليأس. قال شيفر: «قبل عام 2000، كان يبدو أن الإستروجين دواءً سرياً».

في ذلك الوقت، كان يُعتقد أن الهرمون يحمي الدماغ من السكتات الدماغية ومرض ألزهايمر ـ وهو اعتقاد مدعوم بالكثير من الدراسات على الحيوانات وبعض الدراسات الرصدية على البشر.

إلا أنه عام 2003، انقلبت الأمور، فقد كشفت «دراسة مبادرة صحة ذاكرة المرأة» — تجربة سريرية محورية تتبعت التأثيرات طويلة الأمد للعلاج الهرموني لدى النساء، بعد انقطاع الطمث — عن أن النساء الأكبر سناً اللاتي تناولن الإستروجين فقط (وليس الإستروجين مع البروجسترون)، كُن أكثر عرضة للإصابة بالخرف بمقدار الضعف، مقارنة بالنساء اللاتي تناولن علاجاً وهمياً.

وقد توقّف الأطباء عن وصف الإستروجين للنساء بعد انقطاع الطمث، وتوقفت النساء عن تناوله، خوفاً من هذه النتائج. وعلقت مارغريت مكارثي، عالمة الأعصاب بجامعة ميريلاند: «كان موقف الكثير من العلماء على النحو الآتي: لماذا ندرسه؟ لن تتناول النساء الإستروجين بعد الآن، فلا فائدة من البحث»، مضيفة: «كان ذلك كارثياً على الأبحاث».

في وقت لاحق، تبيّن أن هذه النتيجة تنطبق فقط على النساء اللواتي بدأن العلاج بالإستروجين في سن 65 أو أكثر، أي بعد مرور أكثر من 10 سنوات على آخر دورة شهرية. أما فيما يخص النساء بين سن 50 و55، فقد وجدت مراجعة شاملة أن تأثير الإستروجين على خطر الإصابة بالخرف كان محايداً. ولم تُدرج النساء الأصغر سناً في الدراسة الأصلية.

والآن، أصبح على الباحثين تجاوز فكرة أن الإستروجين يحمي الدماغ، وطرح سؤال أكثر دقة: متى بالضبط، وكيف، يحمي هذا الهرمون الدماغ؟

التركيز على جذور ألزهايمر

يصل دور الإستروجين في صحة الدماغ إلى أكثر مستويات الجلاء والوضوح في سن اليأس، حين يسهم تراجعه في ظهور أعراض إدراكية تعرفها النساء جيداً وتكرهها: الهبّات الساخنة، اضطرابات النوم، وضبابية الدماغ. ويعتقد بعض علماء الأعصاب أن فقدان الإستروجين أحد الأسباب الرئيسة لكون النساء أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر، بمقدار الضعف مقارنة بالرجال.

مع انحسار مستويات الإستروجين، يتغير كذلك الدماغ، فحتى سن اليأس، يعتمد الدماغ بشكل كبير على الغلوكوز مصدراً للطاقة، ويُساعد الإستروجين في تحويله طاقةً. أما بعد انقطاع الطمث، فيبدأ الدماغ في الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة، بما في ذلك استهلاك مادته البيضاء، حسبما كشفت برينتون في دراسات أجرتها على الحيوانات.

وقالت برينتون: «إنه استجابة للجوع»، مضيفة: «لا علاقة لهذا بالقدرة الإنجابية، بل بكل ما يتعلق بالدماغ الذي يمر بمرحلة انتقالية».

وقد تكون هذه المرحلة نقطة البداية التي يظهر فيها الضعف الإدراكي المرتبط بألزهايمر — ومن الناحية النظرية، قد يكون هذا الوقت الذي يمكن أن يساعد فيه العلاج بالإستروجين أو تدخل آخر في الوقاية من التدهور المعرفي. إلا أن برينتون لم تكن تمتلك وسيلة لرؤية ذلك داخل دماغ الإنسان. وفي عام 2014، تواصلت مع موسكوني، خبيرة تصوير الأعصاب، للحصول على المساعدة.

في ذلك الوقت، كان الأطباء قادرين على قياس مستويات الإستروجين في الدم فقط، لكن موسكوني أدركت أن ملايين الأميركيين يستعينون بنوع من العلاج القائم على الإستروجين، ولا أحد يعرف تأثيره على أدمغتهم. لذا؛ طورت تقنية تصوير تسمح برؤية مستقبلات الإستروجين في الدماغ، من خلال إعادة استخدام مادة مشعة تُستخدم أصلاً للكشف عن المستقبلات نفسها في سرطان الثدي.

عام 2024، فوجئت هي وبرينتون حين اكتشفتا أن عدد مستقبلات الإستروجين في الدماغ يبدو أنه يزداد بشكل كبير بعد انقطاع الطمث، ربما في محاولة لجذب المزيد من هذا الهرمون. أما المثير للاهتمام حقاً أنه كلما زاد عدد مستقبلات الإستروجين لدى المرأة، كانت نتائج ذاكرتها وقدراتها الإدراكية أسوأ.

وفي فبراير (شباط)، أطلقت موسكوني برنامج أبحاث بقيمة 50 مليون دولار، بتمويل من مؤسسة «ويلكم ليب»، تحت اسم «تقليل خطر ألزهايمر من خلال علم الغدد الصماء».

وتأمل موسكوني في رصد تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بألزهايمر، بسبب تغيرات الدماغ المرتبطة بالإستروجين، ومعرفة ما إذا كان العلاج الهرموني المُقدم خلال فترة زمنية حرجة يمكن أن يُساعد في خفض خطر الإصابة لديهن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

7 تغيرات في الشخصية في منتصف العمر قد تنذر بالخرف

صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

7 تغيرات في الشخصية في منتصف العمر قد تنذر بالخرف

يشير أطباء نفسيون وباحثون في طب الشيخوخة إلى أن الخرف لا يبدأ دائماً بمشكلات الذاكرة، بل قد تسبقه لسنوات تغيّرات واضحة في الشخصية والسلوك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك «حمية بورتفوليو» هي أحد أكثر الأساليب الطبيعية فاعلية في خفض الكوليسترول الضار (رويترز)

نظام غذائي قد يخفض الكوليسترول بمقدار الثلث في شهر

في ظل ارتفاع معدلات الكوليسترول، يبرز نظام غذائي مدعوم بالأدلة العلمية، يُعرف باسم «حمية بورتفوليو» كأحد أكثر الأساليب الطبيعية فاعلية في خفض الكوليسترول الضار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك امرأة تتسوّق من أحد محال البقالة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

أنظمة غذائية تطيل العمر لما يصل إلى 5 سنوات

كشفت دراسة حديثة عن أبرز 5 أنظمة غذائية قد تُطيل أعمارنا حتى 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك محل متخصص لبيع عجينة القطايف والقشدة في رمضان بدمشق (الشرق الأوسط)

طرق صحية لتناول القطايف لمرضى السكري

يمكن لمرضى السكري تناول القطايف باعتدال عبر تقليل الكمية، واختيار حشوات غير محلاة مثل المكسرات أو الجبن قليل الدسم، وتجنب إضافة القطر أو إبداله بالعسل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زوجان يقفان على صخرة يواجهان غروب الشمس على شواطئ خليج إنجلش في فانكوفر (أرشيفية– رويترز)

التأمل مرتين يومياً قد يحدّ من تطور السرطان وانتشاره

أشارت دراسة علمية إلى أن ممارسة التأمل صباحاً ومساءً، قد تسهم في تقليل احتمالية تطور السرطان وانتشاره لدى المرضى.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.