في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

إجابات علمية عن أسئلة كبرى

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره
TT

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

كل يوم، تنقسم، أو تموت، مليارات الخلايا في أجسامنا. وكل هذا جزء من العمليات المعقدة التي تحافظ على تدفق الدم من قلبنا، وتحرك الطعام عبر أمعائنا، وتجدد جلدنا. ومع ذلك، من حين إلى آخر، يحدث خلل ما، فالخلايا التي كان من المفترض أن تتوقف عن النمو أو تموت، ببساطة لا تتوقف. وإذا تُرِكَت دون علاج، فقد تتحول هذه الخلايا إلى سرطان، كما كتبت نينا أغراوال (*).

لقد حيرت الأسئلة بشأن متى ولماذا يحدث هذا بالضبط، وما الذي يمكن فعله لوقفه، علماء السرطان والأطباء مدة طويلة. وعلى الرغم من الأسئلة التي لم يُجَبْ عنها، فإنهم قد قطعوا خطوات هائلة في فهم وعلاج السرطان.

يقول الدكتور جورج ديميتري، نائب الرئيس الأول لـ«العلاجات التجريبية» بـ«معهد دانا فاربر للسرطان» في بوسطن: «نحن أقل خوفاً كثيراً بشأن إخبار المرضى بما نعرفه وما لا نعرفه؛ لأننا نعرف الكثير».

أسئلة كبرى وإجابات علمية

في ما يلي بعض أكبر الأسئلة بشأن السرطان التي بدأ العلماء الإجابة عنها:

* لماذا يؤدي بعض الطفرات الجينية إلى السرطان بينما لا يؤدي الآخر إلى ذلك؟

ساد لدى العلماء الاعتقاد أن الطفرات الجينية (التغييرات في تسلسل الحروف في الحمض النووي) هي أساس جميع أنواع السرطان. وكانوا على حق؛ جزئياً فقط.

يقول دوغلاس هاناهان، من «معهد لودفيغ لأبحاث السرطان» في لوزان بسويسرا: «الطفرات مهمة جداً؛ لكنها ليست التفسير الكامل للورم. يظل بعض الطفرات كامناً طوال حياتنا، ولا يؤدي أبداً إلى السرطان».

تغيرات «فوق جينية»

من الواضح الآن، بصرف النظر عن طفرات الحمض النووي، أن هناك عوامل أخرى تغير كيفية التعبير عن الجينات. وتسمى هذه التغيرات «التغيرات فوق الجينية (epigenetic changes)»، وقد اكتشف العلماء أنها تلعب دوراً كبيراً في دفع السرطان. («التغيرات فوق الجينية» تحدث لأسباب لا تتعلق بتغير تسلسل «الحمض النووي (دي إن إيه)»، أي لا تتعلق بالجينات نفسها، مثل تأثيرات البيئة على الجينات - المحرر).

لا يفهم العلماء تماماً ما يؤدي إلى «التغيرات فوق الجينية»، ولكن يُعتقد أن الشيخوخة والتعرض الغذائي والبيئي والالتهاب المزمن... كلها من الأسباب المحتملة.

عوامل التلوث

* هل يمكن أن يؤدي التلوث إلى الإصابة بالسرطان؟ ماذا عن البلاستيك الدقيق؟

لقد عرف العلماء منذ مدة طويلة أن بعض المواد الكيميائية، مثل الأسبستوس والرادون، أو مثل تلك الموجودة في دخان السجائر والكحول، يمكن أن تسبب السرطان. ولكن في السنوات الأخيرة، دق بعض الأبحاث الناشئة ناقوس الخطر بشأن مخاطر تلوث الهواء والبلاستيك الدقيق، و«المواد الكيميائية الخالدة التي لا تتحلل (PFAS)».

يقول الدكتور دبليو كيمرين راثميل، المدير السابق لـ«المعهد الوطني للسرطان»: «هناك إشارات إلى أن هذه الأشياء قد تكون مسببة للسرطان، ولكن أي أنواع السرطان، ومتى، وكيف؟ يتعين علينا الحصول على مزيد من المعلومات».

تلوث الهواء

تقول الدكتورة لوريتا إرهونمونسي، الأستاذة المساعدة لجراحة الصدر في «سيتي أوف هوب (مدينة الأمل)»، وهي منظمة وطنية لأبحاث وعلاج السرطان، إنه ثبت أن الجسيمات الدقيقة، المعروفة باسم «PM 2.5 (دقائق بقطر 2.5 ميكرون)»، تزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة والثدي.

من المرجح أن يكون مقدار التلوث الذي تتعرض له، ومدة تعرضك له، مهمَّين. وتُظهِر الأبحاث أن الأشخاص السود في الولايات المتحدة يتعرضون لمستويات عالية بشكل غير متناسب من تلوث الهواء؛ كما أن معدلات الإصابة بسرطان الرئة والوفاة بسبب المرض لديهم أعلى من المعدلات لدى المجموعات العرقية الأخرى.

لقد فهمنا الآن أن «السياق الاجتماعي هو الذي يحرك بالفعل كثيراً مما يخص الإصابة بالسرطان التي نراها، بل وحتى تطور السرطان، ومخاطر الإصابة به في حد ذاتها»، كما تقول إرهونمونسي.

دور الالتهابات

* كيف يرتبط الالتهاب بكل هذا؟ لسنوات طويلة، بحث العلماء عن مواد كيميائية في أنظمتنا الغذائية وبيئتنا تسبب طفرات جينية. ولكن أصبح من الواضح أن مثل هذه التعرضات إذا أثرت في خطر الإصابة بالسرطان، فإنها على الأرجح تفعل ذلك عن طريق إثارة الالتهاب، وليس عن طريق إتلاف الحمض النووي بشكل مباشر، كما يقول روبرت وينبرغ، أستاذ علم الأحياء في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا».

خذ الأمعاء: اتباع نظام غذائي غير صحي يمكن أن يخل بتوازن الميكروبيوم لدينا، مما يسمح لبعض البكتيريا بالنمو دون رادع. يعتقد العلماء أن هذا قد يسبب التهاباً مزمناً، مما قد يؤدي إلى سرطان القولون أو البنكرياس، كما يقول الدكتور دافيندرا سوهال، اختصاصي الأورام في «مركز جامعة سينسيناتي للسرطان» والمختص في سرطانات الجهاز الهضمي.

يمكن أن يعزز الالتهاب أيضاً السرطان في الخلايا التي تحورت بالفعل. على سبيل المثال، ثبت أن «دقائق PM 2.5» تسبب التهاباً في الرئتين، مما يوقظ الخلايا الطافرة الخاملة لتغذية تكوين الورم.

نمو لا نهائي للأورام

* ما الذي يعطي الأورام القدرة على النمو دون رادع؟ السرطان ليس مجرد مجموعة من الخلايا غير الطبيعية التي تنمو بطريقة ينبغي ألا تنمو بها. يدرك العلماء الآن أن الأورام أنسجة معقدة تتكون من خلايا سرطانية بالإضافة إلى خلايا طبيعية جرى تجنيدها لدعم نموها.

كثير من هذه الخلايا الطبيعية هي النوع نفسه من الخلايا المناعية التي ستغمر موقع الإصابة لمكافحة العدوى للمساعدة في التئام الجرح، والتي تؤدي واجبها من خلال مساعدة الخلايا الجديدة على التكاثر، وتوليد الأوعية الدموية، وتحفيز الأنسجة الضامة الجديدة، وتجنب الهجمات من أجزاء أخرى من الجهاز المناعي... هذه هي القدرات التي يمكن للخلايا السرطانية الاستفادة منها إلى أجل غير مسمى لدعم نموها.

«الأورام جروح لا تلتئم» يقول هاناهان، مستشهداً بملاحظة غيرت التصورات لأول مرة في الثمانينات من قبل اختصاصي علم الأمراض بجامعة هارفارد الدكتور هارولد دفوراك.

ألغاز انتشار السرطان

يقول الدكتور كيفن تشيونغ، من «مركز فريد هاتش للسرطان» في سياتل، إن كثيراً من المعلومات بشأن الأورام وكيفية انتشارها واستقرارها في أماكن بعيدة، لا يزال لغزاً. وقد أظهرت أبحاثه أخيراً أن الخلايا الميتة والمحتضرة داخل الورم قد تخلق بيئة تجعل من السهل على الخلايا السرطانية الحية الخروج والانتشار. وقد افترضت أبحاث أخرى أن الخلايا المناعية قد تنقل محتوياتها إلى الخلايا السرطانية لجعلها أكبر غزواً.

عوامل الخطر

* ما عوامل الخطر التي نتحكم فيها فعلياً؟ يتشكل كثير من أنواع السرطان لأسباب خارجة تماماً عن سيطرتنا. يقول راثميل: «سيكون هناك دائماً بعض أنواع السرطان، حتى لو كانت لدينا أفضل وسائل الوقاية». لكن الوقاية يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.

يقدر علماء الأوبئة الآن أن 40 في المائة من حالات السرطان، وحصة مماثلة من الوفيات بالسرطان، يمكن أن تُعزى إلى عوامل الخطر التي يمكن للناس معالجتها. أكبر هذه العوامل هو التدخين، لكن القائمة تشمل أيضاً التعرض لأشعة الشمس، وتعاطي الكحول، وزيادة وزن الجسم.

يمكن لبعض أنواع العدوى؛ بما فيها تلك التي تسببها فيروسات التهاب الكبد «بي (B)» و«سي (C)»، و«فيروس الورم الحليمي البشري»، و«الجرثومة الملوية البوابية (H. pylori)» المعدية، أن تسبب أيضاً بعض أنواع السرطان. يمكن أن يؤدي التطعيم ضد «فيروس الورم الحليمي البشري» والفحص للكشف عن التهاب الكبد و«البكتيريا الملوية البوابية» إلى تقليل المخاطر.

طرق علاج مطورة

* ما الطريقة الصحيحة لعلاجه؟ قبل بضعة عقود فقط، كان علاج السرطان ينطوي على قدر لا بأس به من التخمين. يقول ديميتري: «كنا ندفع السموم فقط ونأمل الأفضل».

لكن الآن، أصبح لدى أطباء الأورام فكرة أوضح عمن قد يستفيد من العلاج الكيميائي، الذي يوفر السموم التي تقتل الخلايا السليمة بالإضافة إلى الخلايا السرطانية، ومَن قد يستفيد من علاج أكثر استهدافاً، مثل عقار يستهدف بروتيناً معيباً محدداً في السرطان.

كما يمتلك الأطباء علاجات أفضل، وذلك جزئياً بفضل الفهم الأكثر تقدماً لدور الجهاز المناعي.

يقول راثميل: «كيف يعمل الجهاز المناعي، وما الذي يجعل هذه الخلايا مختلفة، وما الذي يجعلها نشطة، وما الذي يجعلها خاملة، ومتى يجري ضبطها ثم ضبطها مرة أخرى...؟ كان عليك أن تعرف كل ذلك قبل أن تتمكن من محاولة اللعب بالضوابط».

إن القدرة على اللعب بهذه الضوابط فتحت مجالاً جديداً تماماً لعلاج السرطان، المعروف باسم «العلاج المناعي». يمكن للأطباء الآن إزالة المكابح عن الخلايا التائية (مقاتلات الجهاز المناعي التي تقتل الخلايا السرطانية) باستخدام علاجات مثبطة لـ«نقاط التفتيش» في الخلايا، وذلك لعلاج سرطان الرئة والجلد، من بين كثير من الأمراض الأخرى. يمكنهم أيضاً هندسة الخلايا التائية للعثور على السرطان ومحاربته. هذا هو النهج وراء «علاج الخلايا التائية (CAR)»، الذي كان الأكثر فاعلية في علاج سرطانات الدم.

* هل يمكن علاج السرطان بالإطلاق؟ على الرغم من أن الناس قد يعتقدون أن السرطان «تم الشفاء منه» بمجرد أن يكون الشخص في «حالة هدوء»، فإن الأطباء كانوا مترددين تاريخياً في الوعد بأنهم يمكنهم التخلص من سرطان المريض تماماً... «لم نجرؤ قط على استخدام كلمة (علاج)»، يقول الدكتور مارسيل فان دِن برينك، رئيس «المركز الطبي الوطني» في «سيتي أوف هوب». ولكن العلاجات الأحدث، مثل زراعة الخلايا الجذعية وخلايا «CAR.T»، أعطته وغيره من الأطباء مزيداً من الأمل.

ويعقب راثميل: «لقد كان الأمر تغييراً كبيراً؛ من القول للمريض: (سوف تموت من هذا السرطان)، إلى: (لدينا قائمة طويلة من العلاجات المتاحة والمثيرة التي سنعمل عليها)».

حتى مع عدم وجود دليل على المرض، فإنه يمكن لبعض أنواع السرطان أن يعود، وفي هذه الحالات يكون الأطباء أكثر حذراً بشأن النتائج المحتملة.

ومع ذلك، فهناك سبب للتفاؤل؛ إذ انخفضت معدلات الوفيات بالسرطان على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ولدينا الآن أدوية تستهدف الجينات المسببة للسرطان التي كان منذ مدة طويلة من المستحيل علاجها.

ويقول سوهال إن بعض أنواع السرطان كانت «أحكاماً بالإعدام». الآن أصبحت أقرب إلى مرض السكري، وهو مرض معقد يمكن علاجه بآثار جانبية يمكن التحكم فيها: «يعيش الناس مع المرض مدة طويلة».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

40 %

من حالات السرطان وحصة مماثلة من الوفيات بالسرطان يمكن أن تُعزى إلى عوامل الخطر التي يمكن للناس معالجتها

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

علوم اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

نموذج حاسوبي يتتبع جزيئات خلية بسيطة وبروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

بدراسة أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة و900 ألف خلية أخرى

د. وفا جاسم الرجب
علوم مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

«متلازمة إهلرز – دانلوس مفرطة الحركة» تؤدي إلى مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي قد تؤدي إلى الحماية من سرطان الجلد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

علماء الوراثة يعتقدون مسؤوليته عن ظاهرة زيادة المواليد الذكور لدى عائلة أميركية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.