الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

جسم الإنسان مزيج معقد من الخلايا باختلافات وراثية طفيفة

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض
TT

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

الفسيفساء الجينية: دور الحمض النووي البشري في الصحة والمرض

الفسيفساء الجينية هي واحدة من المفاهيم الحديثة في علم الوراثة التي تغير الطريقة التي ننظر بها إلى جسم الإنسان وكيفية عمله. وتشير هذه الظاهرة إلى أن جسم الإنسان ليس وحدة متجانسة من الخلايا، بل هو مزيج معقد من الخلايا التي تحتوي على اختلافات طفيفة في الحمض النووي (دي إن إيه).

وسنتناول هنا مسارات الفهم الحديث للفسيفساء الجينية بناءً على أبحاث ودراسات جديدة، ونتحدث عن أهميتها العلمية والتطبيقات المحتملة لتحسين حياة البشر:

الفسيفساء الجينية

• ما هي الفسيفساء الجينية؟ تبدأ الفسيفساء الجينية منذ اللحظة الأولى لتكوين الجنين. فعندما يلتقي الحيوان المنوي بالبويضة يبدأ الحمض النووي (دي إن إيه) DNA الخاص بهما في الاتحاد لتشكيل جينوم جديد. وفي هذه المرحلة تبدأ الخلية الأولى في الانقسام لتكوين جسم الإنسان، وخلال هذه العملية تحدث أخطاء صغيرة في نسخ الحمض النووي. ثم مع مرور الوقت تتراكم هذه الأخطاء الجينية في خلايا الجسم؛ ما يؤدي إلى تكوين فسيفساء جينية معقدة.

وحسب دراسة نشرت في مجلة Genes في 24 سبتمبر (أيلول) 2024 برئاسة روري تينكر، قسم علم الوراثة الطبية والطب الجينومي المركز الطبي لجامعة فاندربيلت ناشفيل تينيسي الأميركية وآخرين، فإن هذه الأخطاء ليست دائماً ضارة. فقد يكون بعضها غير ضار تماماً، بينما يمكن أن يكون لبعضها الآخر آثار إيجابية أو سلبية على الصحة. ويوضح هذا الفهم الحديث أن الجسم البشري يتكون من خلايا ليست متطابقة تماماً، بل تختلف في جيناتها بشكل طفيف.

• أهمية الفسيفساء الجينية في الصحة. من المعروف أن الأخطاء الجينية قد تكون مرتبطة بالكثير من الأمراض مثل السرطان. ولكن الفهم الجديد للفسيفساء الجينية يظهر أن بعض هذه الطفرات الجينية يمكن أن تكون مفيدة. ففي دراسة نشرتها مجلة The Atlantic في 2 يناير (كانون الثاني) 2025 برئاسة جيسون ليبوفيتز، الطبيب والأستاذ المساعد في الطب بجامعة كولومبيا الولايات المتحدة، وجد الباحثون أن بعض الطفرات الجينية التي تحدث في خلايا الدم قد تكون مرتبطة بانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. وعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسة أن خلايا الدم التي تحتوي على طفرات معينة قد تكون أكثر كفاءة في إزالة البروتينات السامة المرتبطة بمرض ألزهايمر. وهو ما يشير إلى أن الطفرات الجينية ليست دائماً ضارة، بل قد تلعب دوراً إيجابياً في بعض الحالات.

الطفرات الجينية والأمراض

• الطفرات الجينية في الدماغ. قد تعتقد أن الدماغ باعتباره أحد أكثر الأعضاء تعقيداً خالٍ من الطفرات الجينية، خصوصاً أن خلاياه تتوقف عن الانقسام بعد الولادة. لكن الأبحاث الحديثة مثل الدراسة المنشورة في Neuroscience Bulletin في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 برئاسة مارتن بروس، قسم علم الوراثة السريرية والتمثيل الغذائي كلية الطب بجامعة كولورادو الولايات المتحدة الأميركية وآخرين، أثبتت أن الدماغ أيضاً يحتوي على طفرات جينية تتراكم مع الوقت، حيث وجد الباحثون أن هذه الطفرات قد تكون مرتبطة ببعض الحالات العصبية مثل التوحد والصرع والفصام. كما أن فهم هذه الطفرات يساعد العلماء على تطوير علاجات جديدة لهذه الحالات. فعلى سبيل المثال، إذا تم اكتشاف طفرة جينية معينة تسبب مرضاً معيناً يمكن استخدام هذه المعرفة لتطوير أدوية تستهدف هذه الطفرة بشكل مباشر.

• الفسيفساء الجينية والشيخوخة. واحدة من النظريات المثيرة للاهتمام هي أن الفسيفساء الجينية قد تكون مرتبطة بعملية الشيخوخة. فمع تقدم العمر تتراكم الطفرات الجينية في الخلايا؛ ما يؤدي إلى تغيرات في وظائف الجسم. وقد أظهرت دراسة نُشرت في 13 أبريل (نيسان) 2022 في مجلة Nature بمساهمة مشتركة من أليكس كاجان وأدريان بايز أورتيجا، من قسم السرطان والشيخوخة والطفرة الجسدية معهد ويلكوم سانجر هينكستون المملكة المتحدة وآخرين، أن الحيوانات ذات العمر القصير مثل الفئران تتراكم لديها الطفرات الجينية بسرعة أكبر مقارنة بالكائنات الأطول عمراً مثل البشر.

وهو ما يشير إلى أن تراكم الطفرات الجينية قد يكون جزءاً من العملية الطبيعية للشيخوخة. وإذا ما تمكن العلماء من فهم كيفية تقليل هذه الطفرات أو إصلاحها، فقد يكون من الممكن تأخير الشيخوخة أو تحسين نوعية الحياة في سنوات العمر المتقدمة. وبناءً على ذلك؛ يمكن أن يساعد الفهم الأعمق للفسيفساء الجينية في تطوير اختبارات تشخيصية أكثر دقة. فبدلاً من الاعتماد فقط على عينات الدم لتحليل الحمض النووي يمكن أيضاً تحليل أنسجة أخرى مثل اللعاب أو الجلد لاكتشاف الطفرات الجينية.

تطوير علاجات جديدة

ويمكن استهداف الطفرات الجينية التي تسبب أمراضاً معينة باستخدام التكنولوجيا الحديثة. على سبيل المثال، تمت الموافقة أخيراً على علاج يستهدف طفرة جينية معينة مرتبطة بمرض التصلب الجانبي الضموري Amyotrophic lateral sclerosis‏ ويرمز له اختصاراً (ALS) (هو شكل من أشكال أمراض الأعصاب الحركية سريع الانتشار قاتل يسبب ضمور الجهاز العصبي نتيجة ضمور الأعصاب الحركية والخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي التي تتحكم في حركة العضلات الإرادية)، ولكن البيانات الجديدة حول الفسيفساء تشير إلى أن الكثير من الأشخاص قد يكون لديهم طفرات في جينات هذا المرض في أدمغتهم أو في النخاع الشوكي حتى لو لم يكن لديهم في بقية أجسامهم.

وهذا مهم لأن العلماء يعملون على علاجات تستهدف بعض الجينات التي تزيد على 40 جيناً والتي تسبب التصلب الجانبي عند تحورها. وفي عام 2023، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على أول علاج من هذا القبيل والذي يوقف جين التصلب الجانبي الضموري المتحور بشكل شائع. ولكي يكون المرضى مؤهلين لمثل هذه العلاجات سيحتاجون إلى معرفة طفراتهم، وإذا كان تراكم الطفرات الجينية مرتبطاً بالشيخوخة، فإن تقليل هذه الطفرات قد يساعد في إطالة العمر أو تقليل الآثار السلبية للشيخوخة.

تصورات المستقبل

يمثل الفهم الجديد للفسيفساء الجينية خطوة كبيرة نحو تحسين صحة الإنسان. فمن خلال دراسة الطفرات الجينية يمكننا فهم الأسباب الجذرية للكثير من الأمراض وتطوير علاجات أكثر فاعلية. بالإضافة إلى ذلك، قد يفتح هذا الفهم الباب أمام تقنيات جديدة لتأخير الشيخوخة وتحسين نوعية الحياة.

كما أن هذا المجال لا يزال في مراحله الأولى. ويقول العلماء إننا قد بدأنا فقط في فهم جزء صغير من هذه الظاهرة ومن المتوقع أن نشهد تطورات مذهلة في السنوات المقبلة، حيث إن الفسيفساء الجينية ليست مجرد مفهوم علمي، بل هي مفتاح لفهم أعمق لجسم الإنسان وصحته. ويمكن أن يغير هذا الفهم الطريقة التي نشخّص بها الأمراض ونعالجها، وقد يساعد في تحسين حياتنا بشكل كبير. كما يبدو أن المستقبل مليء بالإمكانيات الواعدة لتحسين صحة البشرية مع التقدم المستمر في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

صحتك يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

تشير دراسات حديثة إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
علوم الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»