ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

تفتح آفاقاً واعدة لتحسين حياة البشر وحماية البيئة رغم تحدياتها الأخلاقية

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟
TT

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

تعد تقنية «كريسبر - كاس9» واحدة من أهم الاكتشافات العلمية في القرن الحادي والعشرين، حيث أحدثت ثورة في مجال الهندسة الوراثية. وتمكّن هذه التقنية العلماء من تعديل الجينات بدقة كبيرة وبشكل غير مسبوق؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين حياة البشر وحماية البيئة.

تقنية «كريسبر»

ومع التقدم المتسارع في العلوم يمكن القول إن «كريسبر» ليست مجرد تقنية، بل أداة حيوية تسهم في تشكيل مستقبل البشرية بأبعاد علمية واجتماعية.

«كريسبر - كاس9» CRISPR-Cas9 أداة تم اكتشافها من خلال دراسة البكتيريا، حيث تستخدمها هذه الكائنات آليةً دفاعية ضد الفيروسات؛ إذ تحفظ البكتيريا مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» DNA الخاص بالفيروسات التي تهاجمها، وتستخدمها لاحقاً لتحديد وتدمير أي فيروس مشابه. وبناءً على ذلك؛ اعتمد العلماء على هذه الميزة الطبيعية لتطوير أداة تتيح تعديل الحمض النووي «دي إن إيه» في الكائنات الحية الأخرى؛ ما يجعلها تقنية ثورية ذات استخدامات واسعة.

«تحرير الجينوم»

لقد ساعدت دراسات إضافية من مجموعات بحثية مختلفة في تحديد بنية إنزيم (بروتين) «كاس9» وتفاصيل عملية القطع؛ إذ تبين أنه عندما يصل مركب «كريسبر - كاس9» إلى الموقع الصحيح على جزيء الحمض النووي «دي إن إيه» المكون من خيطين ملتفين معاً، فإنه يفصل أولاً بين الخيطين ثم تلتصق قطعة الحمض النووي الريبي من «كريسبر» بالتسلسل المطابق في الحمض النووي «دي إن إيه»، ثم بعد ذلك يستخدم المركب «مقصات جزيئية» صغيرة لقطع كلا الخيطين من الحمض النووي «دي إن إيه».

وبعد القطع تُفعل آليات إصلاح الحمض النووي «دي إن إيه» داخل الخلية، حيث يمكن للعلماء الاستفادة من قدرة «كريسبر» على استهداف موقع معين في الحمض النووي «دي إن إيه» للقطع والإصلاح لتعديل أو تغيير أو استبدال أي جزء من الحمض النووي «دي إن إيه».

ويمكن استخدام تحرير الجينات باستخدام أنظمة «كريسبر - كاس9» في جميع الخلايا الحية، بما في ذلك البشر والحيوانات والكائنات الدقيقة والنباتات، وهذا يجعلها تقنية «عابرة للتخصصات» تؤثر على الأبحاث الأساسية، كما أن لها تطبيقات كبيرة محتملة في مجالات الطب والزراعة وحتى تغير المناخ.

وتتكون التقنية من عنصرين رئيسيين، هما الدليل الجيني (الحمض النووي الريبي) الذي يعمل بمثابة خريطة لتحديد الجزء المحدد من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يجب تعديله؛ إذ يقوم هذا الدليل بتوجيه الإنزيم إلى الموقع المستهدف بدقة متناهية، وإنزيم «كاس9» الذي يُعدّ «المقص» الذي يقطع الحمض النووي «دي إن إيه» في الموقع المحدد؛ ما يتيح للعلماء حذف أو استبدال الجين المعطوب بجين سليم.

ولا تقتصر هذه التقنية على تعديل الحمض النووي «دي إن إيه» فقط، بل تمتد لاستخدامات معقدة تشمل إدخال جينات جديدة وتحفيز أو تعطيل وظائف جينية معينة.

تطبيقات «كريسبر» العملية

لقد غيرت تقنية «كريسبر» مجالات عدة من الطب إلى الزراعة وحتى حماية البيئة مع كل يوم يمر تُظهر التقنية إمكانات جديدة تُدهش المجتمع العلمي وتفتح آفاقاً لا حدود لها.

• علاج الأمراض الوراثية. يُمكن استخدام «كريسبر» في علاج الأمراض الوراثية عن طريق تصحيح الطفرات الجينية المسؤولة عن أمراض مثل التليف الكيسي ومرض فقر الدم المنجلي. على سبيل المثال تم استخدام «كريسبر» لعلاج مرض فقر الدم المنجلي من خلال إعادة برمجة الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا دم طبيعية؛ ما يفتح باب الأمل لملايين المرضى حول العالم. وتُستخدم تقنية «كريسبر» أيضاً لتعديل الخلايا المناعية؛ ما يُمكنها من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أكثر فاعلية، وقد يساهم هذا الاستخدام في تطوير علاجات شخصية فعالة تعتمد على التركيبة الجينية للمريض.

• تصحيح الطفرات. كما تمتد قدرات «كريسبر» إلى ما هو أبعد من تحرير الجينات، حيث يفتح تحرير القاعدة أو التحرير الأساسي (يحول قاعدة الحمض النووي «دي إن إيه» DNA قاعدة أخرى مباشرة دون قطع شريط الحمض) والتحرير الأولي (يستخدم إنزيم Cas9 المعدل ودليل التحرير الأساسي للحمض النووي الريبي RNA لإجراء عمليات الإدراج والحذف الدقيقة وجميع التحويلات الممكنة من القاعدة إلى القاعدة).

والتعديل الجيني (يغير التعبير الجيني دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه) القائم على «كريسبر» يفتح آفاقاً علاجية جديدة وتسمح هذه التقنيات للعلماء بتصحيح الطفرات وإسكات الجينات الضارة أو إدخال تغييرات وقائية وتحويل التركيز من إدارة الأعراض إلى علاج الأمراض المحتملة.

علاجات وأدوية جديدة

• اكتشاف الأدوية. تقود «كريسبر» إلى تحولات في اكتشاف الأدوية وتمهد الطريق لعلاجات مبتكرة ذات إمكانات علاجية. وكان اعتماد كاسجيفي Casgevy أول علاج مجاز من إدارة الغذاء والدواء الأميركية تم تطويره باستخدام «كريسبر- كاس9» بمثابة علامة فارقة في الطب بصفته أول علاج جيني لأمراض الدم مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا من نوع بيتا. ومنذ ذلك الحين تقدمت الكثير من العلاجات القائمة على «كريسبر» والتي تستهدف السرطان والاضطرابات الوراثية والعدوى الفيروسية وأمراض المناعة الذاتية إلى التجارب.

• أثر «كريسبر» في تطوير العلاجات. ساعدت «كريسبر» في تحسين علاجات السرطان من خلال القضاء على الجينات التي تعيق وظيفة الخلايا التائية أو تحسين قدرتها على مهاجمة السرطان. وتمكن «كريسبر» من علاجات الخلايا التائية CAR- T الأكثر فاعلية وأقل سمية وتضيف تقنية «كريسبر» مفاتيح إيقاف يمكن التحكم فيها إلى علاجات CAR-T؛ مما يسمح بعلاج أكثر أماناً وشخصية.

• أهداف جديدة للأدوية. تساعد «كريسبر» في تحديد الجينات والبروتينات في الخلايا السرطانية وتكشف عن أهداف للأدوية المتقدمة مثل PROTACs، ويوفر تنوع «كريسبر» أداةً لتصحيح الجينات وإسكاتها. الأمل في علاج الأمراض والالتهابات أحادية الجين والأكثر وعداً هو تكامله مع تقنيات أخرى مثل CAR-T وPROTACs؛ مما يتيح تحقيق اختراقات تعالج حالات لم تكن قابلة للعلاج من قبل مع تقارب هذه التقنيات، فإنها تحمل القدرة على إعادة تشكيل الطب وتقديم علاجات مبتكرة لا تدير الأمراض فحسب بل وتعالجها أيضاً.

تحديات مستقبلية

• «الآثار الجانبية». على الرغم من الإمكانات الهائلة لتقنية «كريسبر» فإن هناك تحديات عدة تواجه تطبيقاتها، حيث إن هذه التحديات ليست مجرد عقبات تقنية، بل تشمل أيضاً أبعاداً قانونية وأخلاقية واجتماعية؛ ففي بعض الحالات قد تُحدث «كريسبر» تعديلات غير مقصودة في أجزاء أخرى من الحمض النووي ما يُعرف باسم «الآثار الجانبية».

وهذه الأخطاء قد تكون خطيرة إذا تم استخدامها في البشر؛ ما يستدعي تطوير تقنيات أكثر دقة لتجنبها. كما تواجه «كريسبر» تحديات قانونية بسبب غياب معايير موحدة لاستخدام التقنية، خصوصاً في حالات التعديل الجيني للبشر، وهناك جدل مستمر حول كيفية وضع إطار قانوني يضمن استخدام التقنية بشكل آمن ومسؤول، وعلى الرغم من أن التقنية نفسها ليست مكلفة نسبياً إلا أن تطبيقاتها على نطاق واسع قد تكون باهظة بسبب التحديات التقنية والبنية التحتية المطلوبة مما يجعل الوصول إلى التقنية محدوداً في بعض المناطق

• الأبعاد الأخلاقية لتقنية «كريسبر». يثير استخدام «كريسبر» تساؤلات أخلاقية عميقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعديل الجينات البشرية؛ إذ إن هذه الأبعاد تتطلب حواراً مستمراً بين العلماء وصانعي القرار والجمهور لضمان تحقيق التوازن بين الابتكار والمسؤولية، حيث يمكن أن يؤدي تعديل الأجنة إلى تحسين الصفات الوراثية، لكن هذا يثير تساؤلات حول الأخلاق والعدالة هل من المقبول تعديل جينات الأجنة لتحديد صفات مثل الذكاء أو المظهر؟ وما هو الخط الفاصل بين العلاج والتحسين؟ وهناك قلق من أن تصبح التقنية متاحة فقط للنخبة؛ ما قد يزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء تحقيق العدالة في توزيع فوائد التقنية يعدّ تحدياً كبيراً.

• التأثير على البيئة. قد يؤدي تعديل الكائنات الحية إلى تأثيرات غير متوقعة على النظم البيئية؛ ما يستدعي دراسة شاملة قبل تطبيق التقنية على نطاق واسع.

ورغم ذلك تُعد تقنية «كريسبر» بوابة لمستقبل مليء بالإمكانات مع التقدم المستمر في البحث والتطوير، ويمكننا توقع تحقيق إنجازات إضافية مثل علاج المزيد من الأمراض الوراثية، مثل مرض هنتنغتون (داء هنتنغتون هو مرض عقلي وراثي نادر وغالباً ما ينتقل عبر وراثة جين متغير من أحد الوالدين ويؤدي إلى تحلل الخلايا العصبية في الدماغ بمرور الوقت، ويؤثر الداء في حركات الشخص المصاب وقدرات التفكير لديه وصحته العقلية)، والضمور العضلي، كما أن هذه الإنجازات ستغير حياة ملايين المرضى وتفتح أبواب الأمل.

في النهاية، تُعدّ تقنية «كريسبر» واحدة من أعظم الابتكارات العلمية التي قد تُحدث تغييراً جذرياً في حياتنا. ورغم التحديات الأخلاقية والتقنية، فإن الإمكانات الهائلة لهذه الأداة تجعلها محور اهتمام الباحثين وصانعي السياسات مع التقدم العلمي والتنظيم المسؤول ويمكن لتقنية «كريسبر» أن تساهم في بناء مستقبل أكثر صحة واستدامة للبشرية هذه التقنية ليست مجرد أداة علمية بل فرصة لإعادة تشكيل الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا.



الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني
TT

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

تنتشر رسائل البريد الإلكتروني المُولّدة بالذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وكان ريان روسلانسكي، الرئيس التنفيذي لشركة «لينكدإن»، صرح الخريف الماضي بأنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع رسائل البريد الإلكتروني «البالغة الأهمية» التي يرسلها تقريباً، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

ربع المستخدمين يرسلون رسائل «ذكية»

وكشف استطلاع رأي حديث أجرته شركة «زيروباونس»، المتخصصة في برامج التحقق من البريد الإلكتروني، أن ربع المشاركين تقريباً يُقرّون باستخدامه يومياً في صياغة أو تعديل رسائلهم الإلكترونية.

وعلى موقع «ريديت»، يتبادل الموظفون قصصاً عن رؤسائهم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للرد على كل بريد إلكتروني في العمل، معتقدين أنه لا أحد يلاحظ ذلك، أو يتواصلون فقط عبر رسائل بريد إلكتروني مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما يسبب قلقاً.

من الأفضل تلافي الرسائل الذكية عند المفاوضات

لكن إذا تلقيت رسالة يُرجّح أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في خضم خلاف، فستلاحظ وجود خلل ما.

تبدو الرسالة مُنمّقة أكثر من اللازم، بنبرة معقولة ومتوازنة. ورغم معالجتها المشكلات، فإن هناك شيئاً مفقوداً: «صوت الشخص الذي تتواصل معه».

قد تبدو رسائل البريد الإلكتروني أكثر سلاسة بهذه الطريقة، لكن الخبراء يخشون أن يؤدي تفويض المحادثات الصعبة إلى تجاهل بناء العلاقات الذي يُسهم في سير العمل.

التجريد من الجوهر العاطفي

عندما تطلب من برنامج دردشة آلي إعادة صياغة رسالتك لتكون أكثر «إيجازاً» أو «احترافية»، فإنه قد يُجرّدها أيضاً من جوهرها العاطفي، وهو ما قد يُؤثر سلباً على مستقبل العمل، مُخرّجاً جيلاً من المهنيين غير قادرين على التواصل فيما بينهم.

فوائد «المحادثة التجريبية»

هناك بعض الفوائد المُبلغ عنها لـ«المحادثة التجريبية» مع الذكاء الاصطناعي، أي التدرب على المواضيع الصعبة مع روبوت أولاً، ما يُتيح لك معالجة المشكلة مباشرةً وبوضوح مع شخص ما لاحقاً. عند استخدامها بوصفها تدريباً، يُمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة فعّالة في بناء الثقة.

فجوة عند التقاء أفكار من روبوتَيْ دردشة

لكن عند استخدامه بوصفه بديلاً، فإنه يُؤدي إلى عكس ذلك. فقد يؤدي تحادث روبوت الخاص بشخص ما (أي رسالة مصاغة منه مثلا) مع روبوت«كلود» الخاص بشخص آخر، إلى خلق فجوة. وهذا يُخالف ما تُصرّح به الشركات عن الموظفين في المكتب: الإبداع، والتعاون، وعلاقات عمل أقوى.

تعرّض الثقة بين المتراسلين للخطر

تقول لينا رين، نائبة رئيس قسم القيادة والأعمال والتدريب في منصة إدارة مهارات مكان العمل Skillsoft، لمجلة «فاست كومباني»: «ليس الأمر مُجرد أن التفاعل - بين جهتين - قد يبدو وكأنه من صنع الذكاء الاصطناعي - لأنه كذلك بالفعل - بل إنك تُعرّض الثقة مع الشخص للخطر».

إضعاف قدرة المديرين في السيطرة على المحادثات

تُطلق رين على هذا التفويض للمحادثات الصعبة اسم «التفريغ الاجتماعي». تقول رين إن لجوء القادة إلى هذه الطريقة يُصبح إشكالياً بشكل خاص، لأنه «يُضعف قدرتهم على إجراء المحادثات الصعبة».

وتضيف: «إنهم يصبحون أقل تركيزاً على اللحظة الراهنة وأقل قدرة على القيام بما يحتاج إليه القادة». إنها مشكلة لجميع الأطراف المعنية: فالمدير لا يُنمّي مهارة التواصل بوضوح أكبر، والموظف لا يُدرك كيفية الاعتراض بفاعلية وطلب التوضيح.

علاقات غائبة... ونبرة غير واضحة

من جهتها، تقول كارلا بيفينز، الأستاذة المشاركة في تدريس التواصل الإداري في كلية تيبر للأعمال بجامعة كارنيغي ميلون، لمجلة «فاست كومباني»، إنها ترى بشكل كبير اعتماد الناس على اللغة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي في اللحظات الحاسمة.

وتضيف: «في بعض الحالات، يستخدم كلا الطرفين هذه الطريقة، ما يعني أن التبادل يحدث تقنياً، لكن العمل العلائقي غائب». من منظور التواصل في مجال الأعمال، يُعد هذا التمييز مهماً لأن المحادثات الصعبة تتطلب كثيراً من الوضوح أو النبرة. وتقول بيفينز: «إنها اللحظات التي يُظهر فيها القادة حكمتهم ومسؤوليتهم ونواياهم في الوقت الفعلي».

إغراء منطقي

أما سارة ويتمان الأستاذة المساعدة في الإدارة بكلية إدارة الأعمال في جامعة جورج ماسون، فتقول لمجلة «فاست كومباني»: «الجاذبية مفهومة والإغراء منطقي (للذكاء الاصطناعي)، خصوصاً أن كثيراً من الناس لم يتلقوا تدريباً رسمياً على كيفية إجراء محادثات صعبة أو حل النزاعات بشكل بنّاء».

أداة تقدم الحلول لأناس لا يعرفونها

وتضيف ويتمان: «نحن نعمل لساعات محددة، ونتواصل عبر (سلاك) أو (تيمز)، أو في اجتماعات قد تتضمن، في أفضل الأحوال، بعض الأحاديث الجانبية. في هذا العالم، يبدو من المنطقي أن يلجأ الناس إلى أداة تُقدّم لهم إجابات سريعة لحل المشكلات التي قد لا يعرفون كيفية حلها».

بالنسبة للأشخاص الذين يواجهون اختلالات في موازين القوى أو بيئات عمل متوترة، قد يبدو الذكاء الاصطناعي أيضاً وسيلة لحماية أنفسهم من قول ما هو خاطئ أو من تصعيد النزاع.

بيئة عمل لا توفر الأمان النفسي

تقول كايتلين كولينز، عالمة النفس التنظيمي في منصة برمجيات إدارة الأداء BetterWorks، لمجلة «فاست كومباني»، إن هذا يشير إلى أن بيئة العمل لا توفر الأمان النفسي للعاملين فيها. وتضيف: «الذكاء الاصطناعي يُفاقم هذا الضعف».

مسودة الرسالة البشرية... أفضل

وتقول رين إنه عندما يملأ الذكاء الاصطناعي الفراغ، يفقد الموظفون على كلا المستويين فرصة الملاحظة والتطبيق.

وبدلاً من ذلك، يجب على القادة تحديد التوجه من خلال إرسال المسودة الأولية (للرسالة) غير المكتملة. فهي أكثر صدقاً، وتُعبّر عما يقصدونه حقاً.

وتضيف: «هناك جانب من المصداقية يظهر عندما أرتكب خطأً، عندما أُخطئ في الحديث... إنّ عودتي واعتذاري، مثلاً: (أنا آسفة حقاً)، أو (أتمنى لو تصرفتُ بشكل مختلف)، يُعزز الثقة. لا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي هو من يعتذر نيابةً عني».

* مجلة «فاست كومباني»


شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة
TT

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

إذا كنت تعتقد أن الذكاء الاصطناعي المُجسّد يقتصر على الروبوتات الشبيهة بالبشر، فاسمح لي أن أُعرّفك على شاحنة «شوانغلين كيه 7» (Shuanglin K7) المُجهّزة بدماغ قيادة من المستوى الرابع يسمح لها بالعمل دون أي تدخل بشري.

روبوت مناجم دوّار سريع

هذا الروبوت الضخم ذو الأربع عجلات قادر على التحرك بسرعة فائقة، والدوران 360 درجة حول محوره الرأسي، والتحرك جانبياً كالسرطان البحري ويعمل على مدار الساعة.

وتُعد هذه الشاحنة الروبوتية الضخمة التي يبلغ ارتفاعها 17.1 قدم ( 5.2 متر) الأولى من نوعها وفقاً لمطوريها من مهندسي مجموعة «شوانغلين» وجامعة تسينغهوا الذين يعتقدون أنها ستُغيّر صناعة استخراج المعادن في المناجم إلى الأبد.

ويقول المصممون إن هذه الشاحنة تُمثّل نقلة نوعية نحو استبدال المشغلين البشريين والاعتماد على أنظمة رقمية لتحسين الخدمات اللوجستية للاستخراج وسلامة مكان العمل. لكن هذا ما زال رهن التجربة. فالآلة الآن بحاجة إلى إثبات قدرتها على حل المشكلات في العالم الحقيقي.

قيادة ذاتية بالذكاء الاصطناعي

يبلغ طول الشاحنة 45.2 قدم (13.8 م) وعرضها 18.7 قدم (5.7 م)، وتزن 110.2 طن قصير وهي فارغة ( الطن القصير Short Ton- وحدة وزن أميركية تبلغ 907.18 كيلوغرام-المحرر).

يقوم نظام الذكاء الاصطناعي في هذه الآلة بتحليل بيانات مستشعراتها باستمرار لحساب الاتجاه والسرعة والمسار دون الحاجة إلى سائق، مع إدراك كامل، كما يُزعم، للمركبات والأشخاص المحيطين بها. وهذا طبعاً شريطة أن تبقى ضمن النطاق الجغرافي المحدد لموقع الحفر.

وبينما تتمتع سيارات «فولفو» و«مرسيدس» و«تسلا» بمستوى استقلالية من الدرجة 2 - الذي يتطلب انتباه السائقين وتدخلهم - تستطيع «كيه 7» القيادة بشكل كامل وآمن ذاتياً في الموقع، مدركةً جميع العناصر النموذجية للمناجم المكشوفة.

تحكّم إلكتروني

وباستخدام نظام دفع 8×4، تعتمد الشاحنة الفولاذية العملاقة على نظام تحكم إلكتروني موزع في كل زاوية من زوايا العجلات. بدلاً من استخدام أعمدة فولاذية ثقيلة لنقل الطاقة الميكانيكية من المحرك إلى المحاور، يعمل هذا النظام كجهاز عصبي رقمي، حيث يرسل حزماً من الإلكترونات للتحكم في محركات منفصلة موجودة عند كل إطار.

يتحرك كل محرك بشكل مستقل عن الآخر، ما يسمح للمركبة - التي يبلغ وزنها 273.4 طن عند تحميلها بالكامل - بالتحرك جانبياً، مثل سرطان البحر، والالتفاف حول محورها الرأسي دون أي مناورة. هذا يعني أن مواقع التعدين لم تعد بحاجة إلى مساحة طريق مخصصة فقط لدوران المركبات والقيام بعملياتها.

مرونة التشغيل في بيئات معقدة

صرح البروفسور هوانغ جين، الأستاذ في كلية المركبات والتنقل بجامعة تسينغهوا والذي عمل على المشروع، بأن هذه القدرة الميكانيكية الاستثنائية «يمكنها تحسين مرونة التشغيل وقابلية التكيف مع المواقع في البيئات المعقدة بشكل كبير».

ووفقاً للشركة المصنعة، تدعم الآلة جدول تشغيل مستمر على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بفضل استبدال بطارياتها، والذي لا يستغرق سوى 5 دقائق. وتسهم الشاحنة أيضاً في «توفير» الطاقة: فبينما تنحدر منحدرات الحفرة، يستغل نظام الكبح لتحويل ما يصل إلى 85 في المائة من تلك الطاقة الحركية إلى كهرباء مُخزّنة، ما يُطيل عمر الشاحنة.

زيادة الإنتاجية وقليل الحوادث

وتتوقع النماذج الحاسوبية أن تُؤدي هذه الميزات مجتمعةً إلى زيادة الإنتاج بنسبة 35 في المائة، وانخفاض حوادث الموقع بنسبة 90 في المائة، وانخفاض تكاليف الصيانة والإطارات على مدار عمر الشاحنة بنسبة 25 في المائة مقارنةً بالآلات التي تعمل بالديزل.

الصين وأتمتة الاستخراج عام 2030

وتحتاج الصين إلى هذه الشاحنة لأتمتة عمليات الاستخراج الصينية بالكامل بحلول عام 2030، وهو هدف بدأ يتحقق بالفعل في شينجيانغ ومنغوليا الداخلية باستخدام أساطيل أخرى أقل كفاءة.

في موقع يين للفحم في هولونبوير، قامت شركة هوانينغ غروب، وهي شركة مرافق ممولة من القطاع العام، بنشر 100 شاحنة كهربائية ذاتية القيادة تُسمى «هوانينغ رويتشي»، مزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي واتصالات الجيل الخامس المتقدمة. ولا يُمثل هذا النشر سوى جزء بسيط من أكبر عملية نشر لشاحنات الاستخراج غير المأهولة على مستوى العالم.

* مجلة «فاست كومباني».


هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟
TT

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي للأفراد إمكانية أداء مهام كانت تتطلب فرقاً كاملة، كما كتب توماس تشامورو - بريموزيك*.

ظهور «الفرد الخارق»

اليوم، يستطيع مسوّق واحد إنتاج مواد الحملات التسويقية، وتحليل البيانات، وإنشاء محتوى من المعلومات على نطاق واسع. كما يستطيع مدير المنتج تصميم النماذج الأولية واختبارها وتطويرها دون الاعتماد على شعبة الهندسة؛ ويستطيع المطورون نشر كميات هائلة من التعليمات البرمجية عالية الجودة المكتوبة بواسطة الآلات. والنتيجة هي ظهور «الفرد الخارق» القادر على القيام بعمل الكثيرين.

قد يتبادر إلى الذهن من هذا أن التعاون البشري أصبح من الماضي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة أو تعزيز المساهمات المعرفية للكثير من الأفراد، فلماذا يتجشم الناس عناء العمل الجماعي من الأساس؟

تقييم من واقع الخبرة

في عملنا مع كبرى الشركات – أنا توماس تشامورو-بريموزيك، بصفتي عالم نفس تنظيمي ومؤلف كتاب «أنا، الإنسان: الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والسعي لاستعادة ما يُميزنا»، مع دوري كلارك، المحاضر ومستشار الشركات التي تُعيد ابتكار نفسها في عصر الذكاء الاصطناعي - صادفنا مجموعة واسعة من التجارب، حيث تستخدم الشركات أنظمة ذكية لاختبار استراتيجياتها، وتقديم وظائف أساسية كالشؤون المالية والعمليات، والعمل كفرق تطوير شبه مستقلة.

تغير طرق العمل الجماعي

ومع ذلك، فإننا نعتقد أن العمل الجماعي باقٍ، وإن كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيله بشكل شبه مؤكد. وعلى وجه التحديد، نعتقد أن العمل الجماعي سيتغير بثلاث طرق رئيسية:

1. سيتغير تكوين الفريق. من المرجح أن تصبح الفِرق أصغر حجماً (وربما أكثر مرونة)؛ لأن الأفراد سيتمكنون من إنجاز المزيد بمفردهم، وقد تضم الفرق مساهمين من البشر وغير البشر. ونتيجة لذلك؛ لن يكون كافياً أن يكون عدد قليل من الأشخاص «بارعين في استخدام الذكاء الاصطناعي». يجب أن تُصبح معرفة الذكاء الاصطناعي قدرة أساسية للفريق، وليست مهارة فردية. تحتاج الفرق إلى معايير مشتركة حول المواضيع الناشئة، مثل:

- متى يُعتمد على الذكاء الاصطناعي (ومتى لا يُعتمد عليه)؛

- فهم الفروق، والمفاضلات، بين السرعة والجودة، والكفاءة والدقة، والعمل ذي القيمة المنخفضة والعمل ذي القيمة العالية؛

- كيفية تحليل مخرجات الذكاء الاصطناعي ودمجها مع التقييم البشري.

ستحتاج الفرق الفعّالة إلى تطوير آلية لمكافأة الأفراد لا لاستخدامهم الذكاء الاصطناعي بكفاءة فقط، بل أيضاً على اكتشاف أخطائه. عملياً، قد يعني ذلك جعل «التشكيك في الذكاء الاصطناعي» جزءاً رسمياً من تقييم الأداء.

الجودة: تركيز من نوع جديد

2. سيتغير تركيز الفرق. اليوم، تركز الكثير من الفرق على المسائل اللوجستية - مزيج من التحليل وإعداد التقارير والتنسيق بين الأقسام والإدارات. قد يصبح هذا النوع من العمل الجماعي القائم على المهام قديماً قريباً؛ لأن الذكاء الاصطناعي قادر على إنجازه بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

لكن العمل الجماعي لم يكن يوماً مقتصراً على تنفيذ المهام فقط - وفي عصر الذكاء الاصطناعي، سيتطور العمل الجماعي ليصبح نشاطاً ذا قيمة أعلى يفتح آفاقاً جديدة للمؤسسات. في الواقع، مع تراجع التعاون القائم على المعاملات، يزداد التعاون القائم على العلاقات أهمية.

ينبغي على القادة الاستثمار بوعي في بناء الثقة: تفاعلات أقل عدداً ولكن بجودة أعلى، ووقت أطول للتواصل المباشر كلما أمكن، وفرص منظمة للاختلاف في الرأي. فالأمان النفسي مهم، وكذلك الاحتكاك الفكري. الهدف ليس الانسجام، بل الصراع البنّاء.

نتيجةً لهذا التغيير؛ من المرجح أن يصبح العمل الجماعي ذا مغزى متزايد، كعنصر أساسي في وظيفتك وهويتك المهنية. عندما تستطيع التواصل بعمق مع الآخرين من خلال أهداف وأنشطة مشتركة، تصبح تجربة قيّمة للغاية تعزز الولاء لفريقك وشركتك.

تغير دور القادة

3. سيتغير دور القادة أيضاً. سيحتاج القادة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى إجراء ثلاثة تغييرات رئيسية في كيفية توجيه أعضاء فرقهم. وهذا يعني تحديداً:

* التركيز بشكل أكبر على توجيه الفريق نحو الأعمال ذات القيمة العالية. مع تولي الذكاء الاصطناعي المزيد من أعباء العمل التحليلية والتشغيلية، سيحتاج القادة إلى إعادة تصميم فرقهم بحيث تُبنى على التقدير، لا على المهام. ينبغي أن تُحدد مهام الفرق بوضوح حول أهداف سامية: تحديد المشكلات، والموازنة بين الخيارات، والاتفاق على الأولويات. بعبارة أخرى، قد تصبح المهارات القيادية «الناعمة» هي الأصعب استبدالاً.

+ قاعدة بسيطة: إذا كان بالإمكان استبدال ملخص مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي اجتماع، فمن الأفضل القيام بذلك.

* إعادة تعريف دورك بوصفك منسقاً، لا مصدراً للإجابات. يجب على القادة أن يبدأوا في عدّ أنفسهم مهندسي كيفية عمل البشر والآلات معاً. هذا يعني توضيح الأدوار بين الذكاء الاصطناعي والبشر، وتحديد صلاحيات اتخاذ القرار، وضمان المساءلة. كما يتطلب مقاومة إغراء التنازل للذكاء الاصطناعي عندما تكون المخاطر عالية. يبقى التقدير، لا الناتج، هو المسؤولية النهائية للقائد.

جودة القرارات والتعلم... لا الإنتاجية

* قياس ما يهم حقاً. في الكثير من المؤسسات، لا يزال تقييم الأداء يعتمد على النشاط الظاهر بدلاً من جودة التفكير. في عالمٍ يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأمر خطيراً. ينبغي على القادة تحويل معايير التقييم نحو جودة القرارات، وسرعة التعلم، والنتائج طويلة الأجل، بدلاً من التركيز على مكاسب الإنتاجية قصيرة الأجل.

عمل جماعي معزّز بالمواهب والحكمة

باختصار، فإن العمل الجماعي التقليدي القائم على المعالجة والتنسيق في طريقه إلى الزوال. لكن العمل الجماعي الجديد -المتكامل مع الذكاء الاصطناعي والمُعزز بالمواهب والحكمة البشرية- سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، وسيتعين على المؤسسات إيجاد سبل للتطور.

لا يكمن الخطر في أن يُدمر الذكاء الاصطناعي العمل الجماعي، بل في أنه سيكشف مدى عدم جدوى الكثير مما كنا نسميه سابقاً بالعمل الجماعي. تكمن الفرصة في إعادة بنائه حول ما يُجيده البشر: التفكير النقدي، والتواصل الفعال، واتخاذ القرارات الصائبة، بحيث يكون مجموع الفريق أكبر من مجموع أجزائه.

* مجلة «فاست كومباني»