ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

تفتح آفاقاً واعدة لتحسين حياة البشر وحماية البيئة رغم تحدياتها الأخلاقية

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟
TT

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

ثورة «كريسبر»: كيف يمكن لتعديل الجينات أن يُغيّر مستقبلنا؟

تعد تقنية «كريسبر - كاس9» واحدة من أهم الاكتشافات العلمية في القرن الحادي والعشرين، حيث أحدثت ثورة في مجال الهندسة الوراثية. وتمكّن هذه التقنية العلماء من تعديل الجينات بدقة كبيرة وبشكل غير مسبوق؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين حياة البشر وحماية البيئة.

تقنية «كريسبر»

ومع التقدم المتسارع في العلوم يمكن القول إن «كريسبر» ليست مجرد تقنية، بل أداة حيوية تسهم في تشكيل مستقبل البشرية بأبعاد علمية واجتماعية.

«كريسبر - كاس9» CRISPR-Cas9 أداة تم اكتشافها من خلال دراسة البكتيريا، حيث تستخدمها هذه الكائنات آليةً دفاعية ضد الفيروسات؛ إذ تحفظ البكتيريا مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» DNA الخاص بالفيروسات التي تهاجمها، وتستخدمها لاحقاً لتحديد وتدمير أي فيروس مشابه. وبناءً على ذلك؛ اعتمد العلماء على هذه الميزة الطبيعية لتطوير أداة تتيح تعديل الحمض النووي «دي إن إيه» في الكائنات الحية الأخرى؛ ما يجعلها تقنية ثورية ذات استخدامات واسعة.

«تحرير الجينوم»

لقد ساعدت دراسات إضافية من مجموعات بحثية مختلفة في تحديد بنية إنزيم (بروتين) «كاس9» وتفاصيل عملية القطع؛ إذ تبين أنه عندما يصل مركب «كريسبر - كاس9» إلى الموقع الصحيح على جزيء الحمض النووي «دي إن إيه» المكون من خيطين ملتفين معاً، فإنه يفصل أولاً بين الخيطين ثم تلتصق قطعة الحمض النووي الريبي من «كريسبر» بالتسلسل المطابق في الحمض النووي «دي إن إيه»، ثم بعد ذلك يستخدم المركب «مقصات جزيئية» صغيرة لقطع كلا الخيطين من الحمض النووي «دي إن إيه».

وبعد القطع تُفعل آليات إصلاح الحمض النووي «دي إن إيه» داخل الخلية، حيث يمكن للعلماء الاستفادة من قدرة «كريسبر» على استهداف موقع معين في الحمض النووي «دي إن إيه» للقطع والإصلاح لتعديل أو تغيير أو استبدال أي جزء من الحمض النووي «دي إن إيه».

ويمكن استخدام تحرير الجينات باستخدام أنظمة «كريسبر - كاس9» في جميع الخلايا الحية، بما في ذلك البشر والحيوانات والكائنات الدقيقة والنباتات، وهذا يجعلها تقنية «عابرة للتخصصات» تؤثر على الأبحاث الأساسية، كما أن لها تطبيقات كبيرة محتملة في مجالات الطب والزراعة وحتى تغير المناخ.

وتتكون التقنية من عنصرين رئيسيين، هما الدليل الجيني (الحمض النووي الريبي) الذي يعمل بمثابة خريطة لتحديد الجزء المحدد من الحمض النووي «دي إن إيه» الذي يجب تعديله؛ إذ يقوم هذا الدليل بتوجيه الإنزيم إلى الموقع المستهدف بدقة متناهية، وإنزيم «كاس9» الذي يُعدّ «المقص» الذي يقطع الحمض النووي «دي إن إيه» في الموقع المحدد؛ ما يتيح للعلماء حذف أو استبدال الجين المعطوب بجين سليم.

ولا تقتصر هذه التقنية على تعديل الحمض النووي «دي إن إيه» فقط، بل تمتد لاستخدامات معقدة تشمل إدخال جينات جديدة وتحفيز أو تعطيل وظائف جينية معينة.

تطبيقات «كريسبر» العملية

لقد غيرت تقنية «كريسبر» مجالات عدة من الطب إلى الزراعة وحتى حماية البيئة مع كل يوم يمر تُظهر التقنية إمكانات جديدة تُدهش المجتمع العلمي وتفتح آفاقاً لا حدود لها.

• علاج الأمراض الوراثية. يُمكن استخدام «كريسبر» في علاج الأمراض الوراثية عن طريق تصحيح الطفرات الجينية المسؤولة عن أمراض مثل التليف الكيسي ومرض فقر الدم المنجلي. على سبيل المثال تم استخدام «كريسبر» لعلاج مرض فقر الدم المنجلي من خلال إعادة برمجة الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا دم طبيعية؛ ما يفتح باب الأمل لملايين المرضى حول العالم. وتُستخدم تقنية «كريسبر» أيضاً لتعديل الخلايا المناعية؛ ما يُمكنها من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أكثر فاعلية، وقد يساهم هذا الاستخدام في تطوير علاجات شخصية فعالة تعتمد على التركيبة الجينية للمريض.

• تصحيح الطفرات. كما تمتد قدرات «كريسبر» إلى ما هو أبعد من تحرير الجينات، حيث يفتح تحرير القاعدة أو التحرير الأساسي (يحول قاعدة الحمض النووي «دي إن إيه» DNA قاعدة أخرى مباشرة دون قطع شريط الحمض) والتحرير الأولي (يستخدم إنزيم Cas9 المعدل ودليل التحرير الأساسي للحمض النووي الريبي RNA لإجراء عمليات الإدراج والحذف الدقيقة وجميع التحويلات الممكنة من القاعدة إلى القاعدة).

والتعديل الجيني (يغير التعبير الجيني دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه) القائم على «كريسبر» يفتح آفاقاً علاجية جديدة وتسمح هذه التقنيات للعلماء بتصحيح الطفرات وإسكات الجينات الضارة أو إدخال تغييرات وقائية وتحويل التركيز من إدارة الأعراض إلى علاج الأمراض المحتملة.

علاجات وأدوية جديدة

• اكتشاف الأدوية. تقود «كريسبر» إلى تحولات في اكتشاف الأدوية وتمهد الطريق لعلاجات مبتكرة ذات إمكانات علاجية. وكان اعتماد كاسجيفي Casgevy أول علاج مجاز من إدارة الغذاء والدواء الأميركية تم تطويره باستخدام «كريسبر- كاس9» بمثابة علامة فارقة في الطب بصفته أول علاج جيني لأمراض الدم مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا من نوع بيتا. ومنذ ذلك الحين تقدمت الكثير من العلاجات القائمة على «كريسبر» والتي تستهدف السرطان والاضطرابات الوراثية والعدوى الفيروسية وأمراض المناعة الذاتية إلى التجارب.

• أثر «كريسبر» في تطوير العلاجات. ساعدت «كريسبر» في تحسين علاجات السرطان من خلال القضاء على الجينات التي تعيق وظيفة الخلايا التائية أو تحسين قدرتها على مهاجمة السرطان. وتمكن «كريسبر» من علاجات الخلايا التائية CAR- T الأكثر فاعلية وأقل سمية وتضيف تقنية «كريسبر» مفاتيح إيقاف يمكن التحكم فيها إلى علاجات CAR-T؛ مما يسمح بعلاج أكثر أماناً وشخصية.

• أهداف جديدة للأدوية. تساعد «كريسبر» في تحديد الجينات والبروتينات في الخلايا السرطانية وتكشف عن أهداف للأدوية المتقدمة مثل PROTACs، ويوفر تنوع «كريسبر» أداةً لتصحيح الجينات وإسكاتها. الأمل في علاج الأمراض والالتهابات أحادية الجين والأكثر وعداً هو تكامله مع تقنيات أخرى مثل CAR-T وPROTACs؛ مما يتيح تحقيق اختراقات تعالج حالات لم تكن قابلة للعلاج من قبل مع تقارب هذه التقنيات، فإنها تحمل القدرة على إعادة تشكيل الطب وتقديم علاجات مبتكرة لا تدير الأمراض فحسب بل وتعالجها أيضاً.

تحديات مستقبلية

• «الآثار الجانبية». على الرغم من الإمكانات الهائلة لتقنية «كريسبر» فإن هناك تحديات عدة تواجه تطبيقاتها، حيث إن هذه التحديات ليست مجرد عقبات تقنية، بل تشمل أيضاً أبعاداً قانونية وأخلاقية واجتماعية؛ ففي بعض الحالات قد تُحدث «كريسبر» تعديلات غير مقصودة في أجزاء أخرى من الحمض النووي ما يُعرف باسم «الآثار الجانبية».

وهذه الأخطاء قد تكون خطيرة إذا تم استخدامها في البشر؛ ما يستدعي تطوير تقنيات أكثر دقة لتجنبها. كما تواجه «كريسبر» تحديات قانونية بسبب غياب معايير موحدة لاستخدام التقنية، خصوصاً في حالات التعديل الجيني للبشر، وهناك جدل مستمر حول كيفية وضع إطار قانوني يضمن استخدام التقنية بشكل آمن ومسؤول، وعلى الرغم من أن التقنية نفسها ليست مكلفة نسبياً إلا أن تطبيقاتها على نطاق واسع قد تكون باهظة بسبب التحديات التقنية والبنية التحتية المطلوبة مما يجعل الوصول إلى التقنية محدوداً في بعض المناطق

• الأبعاد الأخلاقية لتقنية «كريسبر». يثير استخدام «كريسبر» تساؤلات أخلاقية عميقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعديل الجينات البشرية؛ إذ إن هذه الأبعاد تتطلب حواراً مستمراً بين العلماء وصانعي القرار والجمهور لضمان تحقيق التوازن بين الابتكار والمسؤولية، حيث يمكن أن يؤدي تعديل الأجنة إلى تحسين الصفات الوراثية، لكن هذا يثير تساؤلات حول الأخلاق والعدالة هل من المقبول تعديل جينات الأجنة لتحديد صفات مثل الذكاء أو المظهر؟ وما هو الخط الفاصل بين العلاج والتحسين؟ وهناك قلق من أن تصبح التقنية متاحة فقط للنخبة؛ ما قد يزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء تحقيق العدالة في توزيع فوائد التقنية يعدّ تحدياً كبيراً.

• التأثير على البيئة. قد يؤدي تعديل الكائنات الحية إلى تأثيرات غير متوقعة على النظم البيئية؛ ما يستدعي دراسة شاملة قبل تطبيق التقنية على نطاق واسع.

ورغم ذلك تُعد تقنية «كريسبر» بوابة لمستقبل مليء بالإمكانات مع التقدم المستمر في البحث والتطوير، ويمكننا توقع تحقيق إنجازات إضافية مثل علاج المزيد من الأمراض الوراثية، مثل مرض هنتنغتون (داء هنتنغتون هو مرض عقلي وراثي نادر وغالباً ما ينتقل عبر وراثة جين متغير من أحد الوالدين ويؤدي إلى تحلل الخلايا العصبية في الدماغ بمرور الوقت، ويؤثر الداء في حركات الشخص المصاب وقدرات التفكير لديه وصحته العقلية)، والضمور العضلي، كما أن هذه الإنجازات ستغير حياة ملايين المرضى وتفتح أبواب الأمل.

في النهاية، تُعدّ تقنية «كريسبر» واحدة من أعظم الابتكارات العلمية التي قد تُحدث تغييراً جذرياً في حياتنا. ورغم التحديات الأخلاقية والتقنية، فإن الإمكانات الهائلة لهذه الأداة تجعلها محور اهتمام الباحثين وصانعي السياسات مع التقدم العلمي والتنظيم المسؤول ويمكن لتقنية «كريسبر» أن تساهم في بناء مستقبل أكثر صحة واستدامة للبشرية هذه التقنية ليست مجرد أداة علمية بل فرصة لإعادة تشكيل الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا.



الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
TT

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان» (Breathomics)، وهو علم يعتمد على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في هواء الزفير للكشف المبكر عن الأمراض.

بدايات علم جديد

وأوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur) في الهند، مع فريقه البحثي، أن هواء الزفير يحمل مئات المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس ما يجري من العمليات البيولوجية داخل الجسم. وتشير الدراسة إلى أن تحليل هذه المركبات باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح باباً جديداً للتشخيص الطبي غير الجراحي، إذ تستطيع الخوارزميات تحليل أنماط هذه الجزيئات بدقة، والتعرّف على إشارات مرضية مبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية.

الأنف الإلكتروني يحلل رائحة النفس

> من الرازي إلى الطب الرقمي. قبل أكثر من ألف عام أدرك الطبيب العربي الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أهمية الحواس في التشخيص الطبي. ففي كتابه الشهير «الحاوي في الطب» أشار إلى أن رائحة نفس المريض قد تحمل دلائل مهمة على طبيعة المرض، وأن الطبيب اليقظ يستطيع أن يستشف من هذه الإشارات الحسية ما يعجز عنه الفحص الظاهري أحياناً. ولم يكن هذا الفهم بعيداً عن تقاليد الطب القديم في حضارات أخرى؛ ففي الفلسفة الصينية القديمة دعا كونفوشيوس إلى ضرورة قراءة الإشارات الدقيقة التي يرسلها الجسد، وهو مبدأ تبنّاه الطب الصيني التقليدي لاحقاً حين اعتبر التنفس ورائحة الجسد نافذة لفهم التوازن الداخلي للصحة. واليوم يعود هذا المفهوم القديم في صورة علمية جديدة، لكن هذه المرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الجزيئات الدقيقة في هواء الزفير، ليصبح ما كان حدساً طبياً في الماضي مجالاً متقدماً من مجالات الطب الرقمي الحديث.

> بصمة كيميائية في كل نفس. عندما يتنفس الإنسان يخرج مع هواء الزفير أكثر من ثلاثمائة مركب كيميائي متطاير، تُعرف علمياً باسم المركبات العضوية المتطايرة (Volatile Organic Compounds). وهذه الجزيئات الدقيقة هي نواتج طبيعية لعمليات التمثيل الغذائي التي تجري داخل خلايا الجسم، ولذلك تعكس بصورة غير مباشرة ما يحدث في الأنسجة، والأعضاء المختلفة.

ويعتقد العلماء اليوم أن أمراضاً كثيرة تترك بصمة كيميائية مميزة في هذه المركبات، بحيث يمكن قراءة إشارات المرض من خلال تحليل تركيبة الهواء الخارج من الرئتين. ولهذا يسعى الباحثون في مراكز الطب الرقمي حول العالم إلى تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على هذه الأنماط الكيميائية المعقدة، أملاً في تحويل نفس الإنسان إلى وسيلة تشخيصية دقيقة قادرة على كشف الأمراض في مراحلها المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يقرأ أنفاس الإنسان

مهمات «الأنف الإلكتروني»

> الأنف الإلكتروني. لتطبيق هذه الفكرة عملياً طوّر العلماء أجهزة تُعرف باسم «الأنف الإلكتروني» (Electronic Nose)، وهي أنظمة استشعار متقدمة تحتوي على مستشعرات كيميائية دقيقة قادرة على التقاط المركبات المتطايرة الموجودة في الهواء، وتحليلها. وتعمل هذه الأجهزة على تحويل الإشارات الكيميائية إلى بيانات رقمية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط المرتبطة بأمراض محددة.

وفي دراسة علمية نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، تمكّن الباحث ديباك أيير من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي (IIT Bombay) في الهند مع فريقه البحثي من تطوير نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتحليل مركبات هواء الزفير، وقد أظهر هذا النظام قدرة ملحوظة على التمييز بين الأنماط الكيميائية المرتبطة بحالات مرضية مختلفة.

> اكتشاف الأمراض قبل ظهور الأعراض. من أكثر الجوانب إثارة في هذا المجال هو القدرة المحتملة على اكتشاف المرض قبل ظهور الأعراض السريرية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن تحليل المركبات الكيميائية في هواء الزفير يمكن أن يساعد في الكشف المبكر عن أمراض متعددة، من بينها سرطان الرئة، ومرض السكري، وأمراض الكبد، وبعض الالتهابات الرئوية. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بهذه الأمراض تنعكس في تركيبة المركبات العضوية المتطايرة التي يطلقها الجسم مع كل نفس.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ليستر في المملكة المتحدة بالتعاون مع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، نجح العلماء في استخدام خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لتحليل أنماط هذه المركبات في هواء الزفير، وتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease – COPD) بدقة واعدة. ويشير هذا التقدم إلى أن تحليل النفس قد يتحول في المستقبل القريب إلى أداة تشخيصية مبكرة، وقادرة على كشف المرض في مراحله الأولى قبل أن يبدأ المريض بالشعور بالأعراض.

لدى كل إنسان بصمة كيميائية في كل نفس إذ يخرج مع هواء الزفير أكثر من 300 مركب كيميائي متطاير

نافذة جديدة على صحة الإنسان

لا يقتصر تحليل هواء الزفير على أمراض الرئة فحسب، بل يمكن أن يعكس الحالة الصحية العامة للجسم. فالميكروبات التي تعيش في الفم والجهاز الهضمي تنتج مركبات كيميائية دقيقة تنتقل إلى هواء الزفير، وقد تكشف هذه الجزيئات تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، أو في نشاط الجهاز المناعي. ولهذا يرى الباحثون أن النفس البشري قد يحمل معلومات بيولوجية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي هذا السياق يشير باحثون في المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ في سويسرا (ETH Zurich) إلى أن تحليل أنماط المركبات الكيميائية في النفس، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، قد يسمح برصد مؤشرات حيوية متعددة في وقت واحد. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن رائحة الفم قد تتحول في المستقبل إلى مؤشر بيولوجي شامل يعكس الحالة الصحية للإنسان، ويقدم للطبيب نافذة جديدة لفهم ما يحدث داخل الجسم دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة.

وفي ميدان طبّ المستقبل. قد يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة، فيطلب منه الطبيب ببساطة أن يتنفس في جهاز صغير لبضع ثوانٍ. وخلال لحظات تقوم خوارزمية من الذكاء الاصطناعي بتحليل الهواء الخارج من رئتيه، لتقدم للطبيب تقريراً دقيقاً عن حالته الصحية، وربما تكشف إشارات مبكرة لأمراض لم تظهر أعراضها بعد. عندها قد يتحول نَفَس الإنسان نفسه إلى أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن الأشعة، والتحاليل المخبرية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة التشخيص الطبي. فبعد قرون اعتمد فيها الطب على ما يراه الطبيب، أو يشعر به المريض، أصبح العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نفس. ومع تقدم أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي قد يصبح تحليل الزفير واحداً من أبسط وأكثر أدوات الطب دقة في الكشف المبكر عن الأمراض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الصور الطبية، والبيانات الجينية، والملفات السريرية المعقدة، بدأ اليوم يتعلم قراءة شيء أكثر بساطة... وأكثر إنسانية: أنفاسنا. وربما يحمل كل نفس في المستقبل رسالة طبية صامتة، لا يسمعها إلا العلم.


تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين
TT

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

انضم ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد والداعي المتحمس إلى إطالة العمر، إلى النقاش عبر منصة «إكس» ليؤكد بشدة على أن: «للشيخوخة تفسيراً بسيطاً نسبياً، ويبدو أن من الممكن دفعها بالاتجاه المعاكس... ستنطلق التجارب السريرية قريباً».

علاج لعكس الشيخوخة

وكان سنكلير يقصد توظيف «إي آر-100» «ER-100». وهو الاسم الرمزي لعلاج طورته شركة «لايف بايوساينسز» ـ شركة ناشئة صغيرة في بوسطن، شارك سنكلير في تأسيسها. وأكد أنها حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمضي قدماً في أول محاولة موجهة لعكس الشيخوخة على متطوعين بشريين.

> «إعادة برمجة الخلايا». وتعتزم الشركة كذلك تجربة علاج أمراض العيون باستخدام مفهوم تجديد جذري يُسمى «إعادة البرمجة» reprogramming، الذي اجتذب حديثاً استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وبدعم من شركات تكنولوجية كبرى.

بوجه عام، يعتمد الأسلوب الجديد المقترح على إعادة الخلايا إلى حالة صحية أفضل عبر إعادة ضبط «الضوابط اللاجينية» (المؤثرة على الجينات) epigenetic - مفاتيح تشغيل الجينات التي تحدد ما يجري تفعيله وما يجري تعطيله.

في هذا الصدد، أوضح كارل بفليغر، مستثمر يدعم شركة ناشئة بريطانية أصغر حجماً تُدعى «شيفت بايوساينسز»: «إعادة البرمجة أشبه بالذكاء الاصطناعي في عالم الأحياء».

وتتميز إعادة البرمجة بقوة كبيرة لدرجة قد تثير بعض المخاطر، حتى إنها قد تُسبب السرطان في حيوانات المختبر. ومع ذلك، نجحت النسخة التي تُطورها شركة «لايف بايوساينسز» من هذه التكنولوجيا، في اجتياز اختبارات السلامة الأولية على الحيوانات.

> علاج الغلوكوما. ورغم ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا شديدة التعقيد. مبدئياً، ستسعى الشركة لتجريب العلاج على نحو اثني عشر مريضاً مصاباً بالغلوكوما ـ حالة مرضية يتسبب فيها ارتفاع ضغط العين في تلف العصب البصري. وبحسب وصف الدراسة الذي نُشر للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول)، سيجري حقن فيروسات (آمنة) تحمل ثلاثة جينات قوية لإعادة البرمجة في عين واحدة لكل مريض.

ولضمان عدم تجاوز العملية الحد المسموح به، ستخضع جينات إعادة البرمجة لسيطرة مفتاح جيني خاص، يتولى تفعيلها فقط في أثناء تناول المرضى جرعة منخفضة من المضاد الحيوي دوكسيسايكلين. ومن المقرر مبدئياً، أن يتناول المتطوعون المضاد الحيوي لمدة قرابة شهرين، مع خضوع آثاره للمراقبة.

وصرّح مسؤولون تنفيذيون بالشركة على مدى أشهر بأن التجربة قد تبدأ هذا العام، وفي بعض الأحيان وصفوها بأنها بداية عهد جديد في مجال جهود مكافحة الشيخوخة. ونقلت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن مايكل رينجل، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «لايف بيوساينسز»: «إنها خطوة بالغة الأهمية لنا كقطاع. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ البشرية، على امتداد آلاف السنين، التي نبحث فيها عن شيء يُجدّد الخلايا... لذا ترقبوا المزيد».

تحويل الخلية إلى خلية جذعية

> إدخال جينات إلى الخلية. في مجملها، تعتمد هذه التكنولوجيا على اكتشاف حاز على جائزة نوبل، قبل عشرين عاماً، مفاده أن إدخال بضعة جينات فعّالة إلى الخلية يُعيدها إلى خلية جذعية، تماماً مثل تلك الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة، والتي تتطور إلى أنواع الخلايا المتخصصة المختلفة. وتُعرف هذه الجينات بـ«عوامل ياماناكا» Yamanaka factors، وقد جرى تشبيهها بزر «إعادة ضبط المصنع» للخلايا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خطورة؛ فعند تنشيطها داخل حيوان حي، قد تُسبب ظهور أورام، الأمر الذي دفع العلماء إلى فكرة جديدة أطلق عليها إعادة البرمجة «الجزئية» أو «المؤقتة». وتدور الفكرة على الحد من التعرض لهذه الجينات القوية - أو استخدام مجموعة فرعية منها فقط - على أمل جعل الخلايا تتصرف كخلايا أصغر سناً، دون فقدانها الذاكرة تماماً بخصوص دورها في الجسم.

> برمجة جزئية لإعادة البصر. عام 2020، ادعى سنكلير أن إعادة البرمجة الجزئية هذه قادرة على استعادة البصر لدى الفئران بعد تلف أعصابها البصرية، مشيراً إلى أن هناك أدلة على نمو هذه الأعصاب من جديد. يذكر أن تقريره جرى نشره على غلاف مجلة «نيتشر» المرموقة تحت عنوان «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

لا يتفق جميع العلماء على أن إعادة البرمجة تُعد فعلاً عكساً للشيخوخة. ومع ذلك، يصر سنكلير على رأيه، مؤكداً على نظرية مفادها أن الفقدان التدريجي للمعلومات الجينية الصحيحة في خلايانا، السبب الرئيس للشيخوخة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة البرمجة ليست أول حلٍّ لإطالة العمر يروج له سنكلير، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، الذي يتقاضى أجوراً باهظة مقابل محاضراته في هذا المجال. وقد سبق وأن روّج لفوائد جزيئات تُسمى السيرتوينات sirtuins، بالإضافة إلى الريسفيراترول resveratrol ـ جزيء موجود في النبيذ الأحمر ـ في إطالة العمر.

غير أن بعض النقاد يرون أنه يبالغ كثيراً في تقدير التقدم العلمي. وبلغ ذلك ذروته في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2024 وصفه أحدهم بـ«خبير عكس مسار الشيخوخة»، الذي «لم تُحقق شركاته النجاح المنشود».

وناقشت الشركة إمكانية إعادة برمجة أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. من جهته، يؤمن مايكل رينجل، مثل سينكلير، بإمكانية تحقيق تجديد كامل للجسم في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، من الأفضل اعتبار الدراسة بمثابة إثبات لمفهوم ما، بينما لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق حلم الشباب الأبدي. في هذا السياق، قال المستثمر بفليغر: «الجانب المتفائل للأمر أن هذا البحث سيحل مشكلة العمى لدى بعض الأشخاص، ويحفز العمل في مجالات أخرى».

علاج مبتكر

يعتمد العلاج الذي ابتكرته الشركة على آلية «تبديل المضادات الحيوية» antibiotic switching، التي تُستخدم في الغالب على حيوانات المختبر، لكنها لم تُجرَّب على البشر من قبل. ونظراً لأن عملية التبديل هذه تنفذ بمكونات جينية مأخوذة من بكتيريا الإشريكية القولونية وفيروس الهربس، فمن المحتمل أن يُسبب هذا رد فعل مناعي لدى البشر، بحسب ما يعتقد العلماء.

وقد يكون اختيار شركة «لايف بيوساينسز» لعوامل إعادة البرمجة - ثلاثة عوامل تُعرف اختصاراً بـOSK - محفوفاً بالمخاطر؛ فمن المتوقع أن تُفعِّل هذه العوامل مئات الجينات الأخرى، وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا المزيج إلى عودة الخلايا إلى حالة بدائية للغاية، تُشبه حالة الخلايا الجذعية.

وأفادت شركات أخرى تُجري أبحاثاً حول إعادة البرمجة، إن تركيزها ينصب على البحث في الجينات التي يجب الاستعانة بها، بهدف تحقيق عكس مسار الزمن دون وقوع آثار جانبية غير مرغوب فيها. وأعلنت شركة «نيو ليميت»، التي تُجري بحثاً مكثفاً عن هذه الجينات، أنها لن تكون جاهزة لإجراء دراسة على البشر قبل عامين. أما شركة «شيفت»، فقد بدأت التجارب على الحيوانات حديثاً.

وقال دانيال آيفز، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفت»، في إشارة إلى «لايف بيوساينسز»: «هل عواملهم أفضل طريقة لتجديد شباب العين؟ لا نعتقد ذلك. أعتقد أنهم يعملون بما هو متاح لديهم. ومع ذلك، أعتقد أنهم في وضع متقدم للغاية عن أي شركة أخرى في مجال التجارب على البشر. لقد وجدوا طريقة فعّالة في العين، تشكل نظاماً متكاملاً ومُحكماً. وحتى لو لم تنجح التجربة، يبقى هناك خيار آخر».


اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
TT

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

في تطور علمي مهم، كشفت دراستان منفصلتان النقاب عن أسرار متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة، وهو اضطراب وراثي يصيب النسيج الضام ويؤثر على ما بين 1 و3 في المائة من سكان العالم، أي نحو 80 مليون شخص. وتكشف النتائج عن أن المتلازمة ليست مجرد اضطراب في الكولاجين كما كان يُعتقد سابقاً، بل تشمل جهاز المناعة والميتوكوندريا.

لغز طبي عمره عقود

يظل معظم المصابين بمتلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Ehlers-Danlos syndrome (hEDS) دون تشخيص. ويعاني المرضى في المتوسط 22 عاماً قبل الحصول على التشخيص الصحيح بسبب نقص الوعي الطبي وغياب اختبار جيني قاطع.

أما سريرياً، فتتميز المتلازمة بمرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة وسهولة الكدمات وبطء التئام الجروح وندبات رقيقة. ويعاني 99 في المائة من المرضى ألماً مزمناً، و84 في المائة اضطرابات هضمية، و71 في المائة خللاً في وظائف الجهاز العصبي الذاتي. ومن المضاعفات المثيرة للقلق بشكل خاص والتي لم تحظَ بالاعتراف الكافي حدوث كسور نتيجة هشاشة العظام في مرحلة الطفولة؛ ما قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وقانونية خطيرة عند الخطأ في تشخيصها على أنها حالات اعتداء.

دراسة بوسطن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن 3 مسارات جينية

وفي دراسة نشرتها مجلة Genes في 8 فبراير (شباط) 2026 استخدم باحثون بقيادة الدكتور مايكل هوليك من برنامج الأبحاث السريرية لمتلازمة إهلرز- دانلوس قسم الغدد الصماء والسكري والتغذية وإدارة الوزن كلية الطب جامعة بوسطن الولايات المتحدة الأميركية تقنيات التعلم الآلي لتحليل الحمض النووي (DNA) لـ116 شخصاً من 43 عائلة، بينهم 86 مريضاً و30 من الأصحاء.

وكشف تحليل 36 ألف متغير جيني نادر عن أن المصابين يحملون عبئاً وراثياً أكبر في ثلاثة مسارات بيولوجية رئيسية، هي: المسار الأول يتعلق بتصنيع الكولاجين، وهو البروتين المسؤول عن منح الأنسجة قوتها ومرونتها. وأي خلل في إنتاج الكولاجين قد يفسر هشاشة المفاصل والجلد لدى المرضى.

أما المسار الثاني، فيرتبط بجينات جهاز المناعة التكيفية؛ ما يشير إلى احتمال وجود دور مناعي في تطور الحالة. ويتعلق المسار الثالث بسلسلة التنفس الميتوكوندرية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وهو ما قد يفسر أعراض التعب والإرهاق الشائعة بين المرضى.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن المتلازمة «متعددة الجينات» polygenic، أي أنها ناتجة من تأثير مشترك لجينات عدة وليست طفرة واحدة فقط.

دراسة كارولينا الجنوبية: هل تبدأ المشكلة من جهاز المناعة؟

وفي سلسلة من الدراسات نُشرت في مجلتي iScience في 19 سبتمبر (أيلول) 2025 وImmunoHorizons في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قدم باحثون من جامعة الطب في كارولينا الجنوبية أدلة جديدة تشير إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة قد لا تكون مجرد اضطراب في النسيج الضام connective tissue، بل قد يرتبط أصلها بخلل في الجهاز المناعي.

وقد حلل الفريق بقيادة راسل نوريس، أستاذ الطب التجديدي وبيولوجيا الخلية جامعة ساوث كارولينا الطبية الولايات المتحدة الأميركية الباحث الرئيسي للدراسة، بروتينات الدم لدى 29 امرأة مصابة بالمتلازمة، وكشفوا عن اختلافات ملحوظة في 35 بروتيناً مقارنة بغير المصابات. واللافت أن نحو 80 في المائة من هذه البروتينات ترتبط بوظائف المناعة والالتهاب وتجلط الدم. وكان الكثير منها مرتبطاً بما يُعرف بـ«النظام المتمم» complement system، وهو أحد خطوط الدفاع الأولى والسريعة في مواجهة مسببات الأمراض.

وقد يفسر هذا النشاط المناعي المرتفع سبب معاناة ما يقرب من 70 في المائة من المرضى من متلازمة تنشيط الخلايا البدينة mast cells، وهي حالة تؤدي إلى تفاعلات تحسسية شديدة وأعراض تشبه الحساسية المفرطة.

وفي دراسة أخرى حدد الباحثون متغيراً جينياً في جين يُعرف باسم KLK15 لدى عائلات مصابة بالمتلازمة. وعندما أُدخل هذا المتغير إلى نماذج من الفئران ظهرت عليها مشكلات في النسيج الضام مشابهة لما يحدث لدى البشر، إضافة إلى علامات واضحة على الالتهاب؛ ما يعزز فرضية وجود ارتباط مباشر بين اضطراب المناعة وأعراض الأنسجة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعيد توجيه فهم المرض. فبدلاً من عدّه اضطراباً يبدأ في النسيج الضام، تشير البيانات إلى احتمال أن يكون الخلل المناعي هو المحرك الأساسي للحالة. ويؤكد الفريق أن هذه النتائج تسهم في سد الفجوة بين ما يصفه المرضى من أعراض متعددة ومعقدة وبين التفسير الطبي التقليدي الذي ركز لسنوات على مرونة الجلد والمفاصل فقط.

آفاق مستقبلية واعدة

وتؤكد الدراستان معاً أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة ليست ناتجة من طفرة في جين واحد، بل هي اضطراب متعدد الجينات تتفاعل فيه متغيرات وراثية متعددة لتُحدث خللاً في الكولاجين والمناعة والطاقة الخلوية معاً.

إن هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام تطوير أول اختبار دم تشخيصي للمتلازمة وتحسين الاستشارات الوراثية وتقييم المخاطر للعائلات المصابة، كما يمهد الطريق لعلاجات مستقبلية موجهة وفقاً للتركيبة الجينية لكل مريض تعالج الأسباب الجذرية للألم وخلل الجهاز العصبي.

ويؤكد الدكتور مايكل هوليك، قائد دراسة بوسطن، أن هذا العمل يقدم نموذجاً لتطبيق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المتغيرات الجينية للأمراض المعقدة؛ ما قد يساعد في حل ألغاز وراثية أخرى استعصت على التفسير.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تترجم هذه الاكتشافات قريباً إلى اختبارات تشخيصية دقيقة وعلاجات فعالة تنهي معاناة الملايين من مرضى هذا الاضطراب الغامض حول العالم.